تم إنجاز هذا العمل بدعم من الاتحاد الأوروبي وبالشراكة مع “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights” . إن محتويات هذا المنشور هي مسؤولية “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” فقط/الجهة الناشرة، ولا تعكس بالضرورة آراء “الاتحاد الأوروبي” وآراء “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights”.
1. مقدمة:
يمثل عيد نوروز أحد أبرز المناسبات القومية والثقافية والاجتماعية لدى الكرد، لما يحمله من رمزية تاريخية مرتبطة بالهوية والانتماء والذاكرة الجماعية. وفي هذا العام (2026)، اكتسبت هذه المناسبة في سوريا بعداً إضافياً، إذ جاءت بعد إصدار المرسوم الرئاسي رقم 13، الذي أقرّ ولأول مرة يوم نوروز عطلة وطنية، واعترف باللغة الكردية، وحظر التمييز على أساس إثني أو لغوي. وقد أسهم هذا الإطار القانوني في إضفاء طابع علني وواسع على الاحتفالات.
ولكن على الرغم من هذا، شهدت مناطق في شمال سوريا، موجة من الاعتداءات والانتهاكات استهدفت مدنيين/ات كرداً أثناء عودتهم من مواقع الاحتفال. وشملت هذه الاعتداءات الضرب والإهانة اللفظية، والاعتداء على السيارات، وإجبار مدنيين/ات على إهانة رموزهم القومية، لا سيما العلم الكردي.
ولم تقتصر تداعيات أحداث نوروز 2026 على منطقة واحدة، لكنها تركزت ضد المدنيين/ات الكرد في عفرين ومحيطها، مع امتداد الممارسات إلى حلب وريفها، بما في ذلك الشيخ مقصود وإعزاز. وفي المقابل، شهدت مدن في شمال شرق سوريا، مثل القامشلي والحسكة، توترات أمنية وأعمال عنف وتخريب.
وفي هذا السياق، يركّز هذا التقرير بشكل خاص على مدينة عفرين ومحيطها، بوصفها نموذجاً/دراسة حالة للأنماط الأبرز من الانتهاكات التي رافقت احتفالات نوروز 2026، استناداً إلى ما توفر من شهادات ومعطيات موثقة. يسعى هذا التقرير إلى تحليل هذه الانتهاكات، والسياق الذي سمح بوقوعها، إضافة إلى تقييم تعامل الأمن العام مع الموقف، ومدى امتثاله لواجباته في حماية المدنيين/ات ومنع العنف.
2. خلفية:
جاء عيد نوروز لعام 2026 في سوريا في سياق غير مسبوق من حيث الاعتراف الرسمي بالحقوق الثقافية للكرد، عقب صدور المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، الذي اعترف بعيد نوروز، حيث نصت المادة 5 منه على أنه يعد “عطلة رسمية مدفوعة الأجر في أنحاء الجمهورية العربية السورية كافة، بصفته عيداً وطنياً يعبر عن الربيع والتآخي”. كما نصّ المرسوم على حماية التنوع الثقافي واللغوي للأكراد في المادة 2 التي تنص على أن الدولة تلتزم “بحماية التنوع الثقافي واللغوي، وتضمن حق المواطنين الكرد في إحياء تراثهم وفنونهم وتطوير لغتهم الأم في إطار السيادة الوطنية”، وحظر التمييز والإقصاء وعاقب على التحريض ضد الأكراد في المادة 6 بأن أكد على أنه “يُحظر قانوناً أي تمييز أو إقصاء على أساس عرقي أو لغوي، ويُعاقب كل من يُحرّض على الفتنة القومية وفق القوانين النافذة”. وقد شكّل هذا التطور، نظرياً، خطوة متقدمة نحو إقرار التعددية الثقافية في البلاد، وفتح المجال العام أمام التعبير عن الهوية الكردية في إطار سلمي وعلني.
جاء هذا المرسوم في سياق أمني وسياسي معقّد، إذ شهدت مناطق شمال وشرق سوريا خلال كانون الثاني/يناير 2026 تصعيداً عسكرياً واسع النطاق، ولا سيما خلال النصف الأول من الشهر، حيث اندلعت مواجهات مكثفة في عدة محاور شملت حلب والرقة ودير الزور والحسكة، في ظل تصاعد الأعمال القتالية في المنطقة بين قوات سوريا الديمقراطية والقوات التابعة للحكومة السورية الانتقالية، إلى جانب مجموعات عشائرية موالية لها.
وفي 30 كانون الثاني/يناير، أعلنت الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية التوصل إلى اتفاق شامل يقضي بوقف إطلاق النار، وبدء عملية تدريجية لدمج القوات والهياكل الإدارية ضمن مؤسسات الدولة السورية.
إلا أن هذا الإطار القانوني لم يُترجم إلى حماية فعلية على الأرض، إذ كشفت أحداث نوروز 2026 عن إخفاق واضح في ضمان هذه الحقوق، وتعرّض ممارستها لانتهاكات مباشرة، الأمر الذي يشكل محور هذا التقرير.
3. المنهجية:
أجرت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” 6 مقابلات معمّقة مع شهود وضحايا عايشوا الأحداث بشكل مباشر في مدينة عفرين ومحيطها خلال يومي 20 و 21 آذار/مارس 2026. شملت هذه الشهادات نساءً ورجالاً من خلفيات مهنية واجتماعية متنوعة، بينهم إعلاميون، ناشطون مدنيون، مزارعون، وأصحاب أعمال. وقد تم إجراء المقابلات خلال الفترة الممتدة بين 22 و 28 آذار/مارس 2026.
حصل الباحثون/ات على موافقة مستنيرة من جميع المشاركين/ات، بعد توضيح طبيعة المشاركة الطوعية، وأغراض استخدام المعلومات، بما في ذلك نشر هذا التقرير. وبناءً على طلبهم، تم استخدام أسماء مستعارة وإخفاء أي تفاصيل قد تكشف عن هوياتهم، نظراً للمخاطر الأمنية المحتملة.
كما اعتمد التقرير على مراجعة عدد من المصادر المفتوحة، بما في ذلك تقارير إعلامية وبيانات رسمية، من أجل فهم أفضل للسياق العام للأحداث، والتحقق من تكرار الأنماط الموثقة في الشهادات، دون الاعتماد عليها كمصدر وحيد للوقائع. وقد جرى تحليل الشهادات بشكل مقارن، بهدف تحديد الأنماط المتكررة، سواء من حيث مواقع الانتهاكات، أو سلوك الجهات المنفذة، أو دور السلطات الأمنية.
4. حادثة إنزال العلم السوري في كوباني/عين العرب:
في 21 آذار/مارس 2026، وخلال احتفالات عيد نوروز، انتشر مقطع مصوّر على وسائل التواصل الاجتماعي يُظهر شخصاً يقوم بإنزال العلم السوري من أحد المواقع العامة في مدينة كوباني (عين العرب).
أثار هذا المشهد ردود فعل واسعة وسريعة، إذ اعتُبر من قبل جهات رسمية إهانة لرمز سيادي وتجاوزاً لـ“خط أحمر“، ما أدى إلى تصاعد حالة من الغضب والتوتر في عدة مناطق من شمال وشمال شرق سوريا. وقد ساهم الانتشار الواسع للمقطع المصوّر في تضخيم الحادثة، وتعزيز الخطاب التحريضي، ما دفع مجموعات مختلفة إلى التفاعل معها، سواء عبر الدعوة للاحتجاج أو عبر أعمال عنف لاحقة.
تشير الشهادات التي وثقتها “سوريون”، والمتقاطعة مع تقارير إعلامية متعددة، إلى أن الحادثة لم تبقَ محصورة في كوباني، بل تحولت إلى عامل تعبئة ساهم في تأجيج التوتر في مناطق أخرى، حيث سُجّلت حوادث عنف واعتداءات استهدفت مدنيين كرداً ورموزهم القومية، بما في ذلك إزالة أعلام كردية والاعتداء على محتفلين.
وعلى المستوى الرسمي، أعلنت قوى الأمن الداخلي (الأسايش) في كوباني توقيف الشخص الذي قام بإنزال العلم، مؤكدة أن الفعل كان فردياً ولا يمثل سياسة أي جهة، إلا أن هذا لم يكن كافياً لإيقاف التحريض والعنف ضد الأكراد.
5. الاعتداء على المحتفلين/ات وإهانة العلم الكردي:
تشير الشهادات التي وثّقتها “سوريون” إلى أن احتفالات نوروز لعام 2026، في منطقة عفرين بدأت في أجواء طبيعية وهادئة، لا سيما في مواقع التجمع الرئيسية مثل “ميدانكي”، حيث خرج الأهالي في تجمعات عائلية، وتخللت الاحتفالات أنشطة معتادة من رقص وغناء وإشعال للنيران، دون تسجيل توترات تُذكر داخل مواقع الاحتفال نفسها.
بدأت ملامح التوتر بالظهور أثناء عودة المحتفلين/ات إلى مدينة عفرين، وخاصة عند مداخلها وعلى الطرقات الرئيسية، حيث سُجّلت أولى مؤشرات الاحتكاك، والتي سرعان ما تطورت إلى اعتداءات مباشرة.
وتتكرر في عدة شهادات الإشارة إلى أن أولى مظاهر التقييد صدرت عن عناصر من الأمن العام، الذين طلبوا من العائدين إنزال أو إخفاء الأعلام الكردية، دون تقديم مبررات، وهو ما اعتبره شهود بداية لفرض قيود على التعبير عن الهوية في المجال العام. تصف الشاهدة جيهان هذه اللحظة بقولها:
“كنا عائدين في السيارة من احتفالات عيد نوروز في ميدانكي، وكانت الأوضاع هادئة وطبيعية… وعند وصولنا إلى الحاجز عند مدخل مدينة عفرين، طلب منا الأمن العام إنزال العلم الكردي دون تبرير… وعندما وصلنا إلى كراج عفرين، اقترب منا شابان ملثمان وقال أحدهما ‘نزلي العلم وليك’، وسحبا العلم بعنف، ما أدى إلى كسر زجاج نافذة السيارة.”
مع التقدم داخل المدينة، تصاعدت حدة الأحداث، حيث انتشرت مجموعات من الشبان، غالباً ملثمين، في نقاط محددة، لا سيما عند الكراجات، والجسور، والدوارات الرئيسية، واعترضت طريق العائدين/ات من الاحتفالات. وتشير الشهادات إلى أن هذه المجموعات كانت تستخدم أدوات مثل العصي، وأدوات حادة، إضافة إلى دراجات نارية في بعض الحالات.
في إحدى الحوادث، أفاد الشاهد اسماعيل، والذي كان عائداً من احتفال عيد نوروز في قرية ميدان اكبس، بأنه بعد أن قطع حاجز عفرين ووصل إلى طريق راجو، تعرض لاعتداء من قبل رجال يرتدون ثياباً عسكرية مموهة زرقاء اللون. يقول الشاهد:
“اعترضت طريقي ثلاث سيارات، وكان فيها رجالاً يرتدون زياً عسكرياً مموهاً لونه أزرق، ومقنعي الوجه… صعد أحدهم إلى سيارتي ونزع العلم بالقوة دون أي كلام ثم رماه أرضاً… فيما كانت دورية للأمن العام على بعد أمتار تراقب دون تدخل.”
تؤكد عدة شهادات أخرى وثقتها “سوريون” أن الاعتداءات لم تقتصر على الأفراد، بل شملت أيضاً السيارات، حيث تم تكسير زجاجها، والاعتداء على أبوابها. كذلك تم توثيق ملاحقة بعض السيارات، خاصة تلك التي تقل عائلات أو عدداً أكبر من النساء، وهو ما صرحت به الشاهدة جيهان قائلة:
“تعرض كل من قِدم من نوروز كمروك للضرب والإهانات. كانوا يصعدون بوحشية على السيارات ويكسرونها ويعتدون على الأعلام ويحاولون ترهيب الأهالي. كانوا يستهدفون السيارات التي تقل عدداً أكبر من النساء. تلك المجموعات كانت منتشرة بشكل متفرق في الشارع العام، من كراج عفرين إلى دوار نوروز.”
كما وثّقت الشهادات نمطاً متكرراً تمثل في وضع العلم الكردي على الأرض في نقاط معينة، وإجبار المارّة على الدوس عليه مقابل السماح لهم بالمرور، وهو ما يعكس ممارسة إذلال رمزي جماعي تستهدف الهوية والانتماء الكرديين.
وفي هذا السياق، يروي الشاهد شيرزاد كيف بدأت أولى مؤشرات الخطر بالظهور بعد اقترابه من عفرين رفقة عائلته. واجهوا هناك مجموعة كبيرة من الشبان الذين فرضوا سيطرة مؤقتة على الطريق، وشرعوا في ممارسة سلوكيات تقوم على الإكراه والإذلال الرمزي المرتبط بالعلم الكردي، سرعان ما تطورت إلى اعتداءات جسدية عنيفة طالت أفراد العائلة. يقول شيرزاد:
“بقينا في ميدانكي حتى حوالي الساعة 5:30 مساءً، ثم قررنا العودة إلى عفرين. وعند وصولنا إلى مدخل المدينة، عند الجسر الثاني قرب مغسلة الغاوي، تفاجأنا بوجود مجموعة من الشباب، عددهم بين 30 إلى 40 شخصاً، بعضهم ملثم والآخرون مكشوفو الوجه. قاموا بوضع علم كردستان على الأرض، وطلبوا مني أن أمر فوقه. رفضت هذا الطلب بشكل قاطع، لكنهم أصرّوا وقالوا إنني يجب أن أمر غصباً عني، وحدثت مشادة كلامية بيننا.”
يتابع الشاهد:
“عندما حاولت العودة إلى الخلف، بدأ أحدهم بتوجيه كلمات غير لائقة لأسرتي، ثم هاجموني وهددوا بتكسير سيارتي، وأنزلوني بالقوة مطالبين إياي بالدعس على العلم، واستمروا في الضغط عليّ رغم رفضي. ومع تصاعد التوتر، هاجمني أربعة منهم بشكل مباشر، فنزلت زوجتي وبناتي من السيارة للدفاع عني، لكنهن تعرّضن أيضاً للضرب بالعصي، خاصة على ظهورهن. حاولت إحدى بناتي إبعاد العلم عن الأرض، إلا أن أحدهم منعها وداس على يدها، قائلاً إنه لا يجوز رفع العلم، فيما قام آخر بضربها بالعصا على ظهرها.”
وتظهر هذه الشهادة أن الامتناع عن الامتثال للإكراه لم يقتصر على التعرض للإهانة، بل أدى إلى اعتداء جسدي مباشر، أسفر عن إصابات، حيث أفاد الشاهد لاحقاً بأنه اضطر إلى مراجعة المستشفى نتيجة إصابة في ساقه منعته من السير بشكل طبيعي. وتدعم هذه الواقعة شهادة ثانية وثّقتها “سوريون”، تروي تفاصيلها الشاهدة جيهان قائلة:
“عند وصولنا إلى الجسر، رأينا مجموعة كبيرة من الشباب، أغلبهم ملثمين، وقد وضعوا علماً كردياً كبيراً على الأرض، وكانوا يجبرون المارة على الدوس عليه للمرور بسياراتهم… كل من لم يمر على ذاك العلم تعرّض للضرب والإهانات.”
وفي شهادة أخرى، يؤكد أحد النشطاء المدنيين، الشاهد على الانتهاكات، أن هذا السلوك لم يكن فردياً، بل تكرر في عدة مواقع داخل المدينة، حيث يقول:
“انتشرت مجموعات منظمة في شوارع المدينة، عملت على اعتراض المحتفلين وإجبارهم على إزالة الأعلام… وفي بعض الحالات وُضع العلم على الأرض وأُجبر الأهالي على السير فوقه، مع تهديد كل من يرفض.”
في السياق ذاته، أظهرت تسجيلات مصوّرة متداولة قيام مجموعة من الأشخاص بالاعتداء على شاب كردي وحرق العلم عند حاجز الشط في مدينة أعزاز بريف حلب الشمالي. وعن هذا يقول الشاهد جوان:
“اعتدت مجموعة من الشباب على شاب كردي قرب أعزاز، حيث أشبعوه ضرباً بعد أخذ العلم منه، ثم أحرقوا دراجته، وأحرقوا العلم الكردي عند حاجز الشط”.
وتُظهر هذه المعطيات أن إهانة العلم الكردي لم تكن مجرد فعل عرضي، بل ممارسة متكررة اتخذت طابعاً علنياً وجماعياً، اقترنت في كثير من الحالات باستخدام العنف أو التهديد به، ما يشير إلى استخدام الرموز القومية كأداة مباشرة للترهيب والسيطرة على المجال العام.
وبحسب الشهادات، استمرت هذه الاعتداءات لساعات، قبل أن تبدأ محاولات احتواء محدودة، سواء عبر تدخل شخصيات مجتمعية أو من خلال إجراءات أمنية لاحقة، شملت فرض قيود على التجمعات أو توقيف عدد محدود من الأفراد، دون أن تظهر مؤشرات على معالجة شاملة للأحداث أو مساءلة واضحة للجهات المسؤولة.
6. تقصير الأمن العام في حماية المدنيين/ات ومؤشرات على سلوك غير محايد:
تكشف الشهادات التي وثّقتها “سوريون” عن نمط متكرر ومثير للقلق في سلوك عناصر الأمن العام خلال الأحداث التي رافقت احتفالات نوروز 2026 في مدينة عفرين ومحيطها، لا يقتصر على الإخفاق في حماية المدنيين/ات، بل يمتد في بعض الحالات إلى مؤشرات على تدخل غير محايد أو مساهم في تقييد الحقوق بدلاً من حمايتها.
ففي مرحلة سابقة على وقوع الاعتداءات، أفاد عدد من الشهود بأن عناصر من الأمن العام قاموا بطلب إنزال أو إخفاء الأعلام الكردية من المركبات عند مداخل المدينة، دون تقديم مبررات واضحة. يقول شيرزاد عن هذا:
“على الحاجز الأول عند مدخل عفرين، استوقفنا حاجز الأمن العام وطلب منا إخفاء الأعلام الكردية داخل السيارة. وبعد تجاوز الحاجز، رأيت مجموعات تقوم بإلقاء الأعلام على الأرض وتحاول إجبار الناس على الدوس عليها، في حين كان الأمن العام غير مبالٍ بالمشهد كله”.
ومع تصاعد الأحداث، تشير غالبية الشهادات إلى أن عناصر الأمن كانوا حاضرين في مواقع الاعتداءات أو على مقربة مباشرة منها، دون أن يقترن هذا الحضور بتدخل فعّال لوقف العنف أو حماية المدنيين/ات. ففي إحدى الروايات، تذكر الشاهدة جيهان:
“شاهدنا عناصر الأمن العام يقفون عند دوار كاوى دون أن يحركوا ساكناً، رغم أن ما حدث كان أمام أعينهم… حتى أن البعض منهم بدت على وجوههم علامات الاستهزاء.”
كما توثق الشهادات حالات كان فيها عناصر الأمن على مسافة قريبة جداً من موقع الاعتداء، دون أي تدخل يُذكر. ويقول الشاهد إسماعيل:
“كانت دورية للأمن العام على بعد 5 أمتار أو أقل تتفرج ولم تحرك ساكناً، فيما كانوا يعتدون على السيارات والركاب.”
ولا يقتصر الأمر على الامتناع عن التدخل، بل تشير بعض الشهادات إلى سلوكيات تعكس عدم حياد، أو تعاملاً مع الضحايا بوصفهم سبباً في المشكلة. وفي هذا السياق، يروي الشاهد شيرزاد:
“كانت دورية الأمن العام قريبة جداً… لم تكن تؤدي واجبها، بل على العكس وقفت إلى جانب المجموعة المعتدية، وأحد عناصر الأمن لقّم سلاحه وهو موجه نحوي.”
كما تبرِز إفادات أخرى أن تدخل بعض العناصر اقتصر على مطالبة المدنيين/ات بالمغادرة، بدلاً من إبعاد المعتدين أو تأمين الطرق. تقول الشاهدة جيهان:
“تظاهر الأمن العام بأنه غير قادر على ضبط الأمن بسبب كثرة المجموعات التي كانت توصف بـ’المتظاهرين’ في حين أنها كانت مسلحة ومنظمة وتخريبية.”
وفي ذات السياق يقول الشاهد سمير:
“وصلت هذه المجموعات إلى مداخل مدينة عفرين، وشكلت حواجز مؤقتة على مرأى الأمن العام، حيث تعرّض الأهالي لإهانات واعتداءات جسدية، شملت النساء والأطفال والمدنيين الكرد القادمين أو المغادرين من المدينة… كل ذلك من دون تدخل فعّال من قوى الأمن.”
وفي المقابل، تعكس بعض الشهادات وجود تباين محدود في سلوك العناصر، حيث حاول عدد منهم التهدئة أو احتواء الموقف، دون أن يرقى ذلك إلى مستوى تدخل منظم أو كافٍ لوقف الاعتداءات أو منع تكرارها.
كما تشير إفادات متقاطعة إلى أن تدخل السلطات جاء في مراحل لاحقة وبشكل محدود أو انتقائي، سواء من خلال احتواء جزئي للأحداث أو توقيف عدد محدود من الأفراد، دون أن تتضح معالم استجابة شاملة أو مساءلة فعلية عن مجمل الانتهاكات، بما في ذلك سلوك العناصر الأمنية نفسها.
وبصورة عامة، تشير هذه المعطيات إلى وجود تقصير في أداء واجب الحماية من قبل السلطات القائمة، سواء نتيجة تقاعس أو ضعف في القدرة على الضبط، أو بسبب سلوك غير محايد في بعض الحالات، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول مدى التزام الأجهزة الأمنية بواجباتها في حماية المدنيين/ات وضمان ممارسة حقوقهم دون تمييز.
7. أنماط الانتهاكات الموثقة وتوصيفها القانوني:
تكشف الشهادات التي وثّقتها “سوريون” عن مجموعة من أنماط الانتهاكات المتكررة التي رافقت احتفالات نوروز 2026 في عفرين ومحيطها، والتي لم تكن معزولة أو عشوائية، بل اتخذت أشكالاً متقاربة في عدة مواقع، واستهدفت المدنيين/ات الكرد ورموزهم القومية بشكل مباشر.
فقد تعرّض العائدون من الاحتفالات لاعتداءات جسدية ولفظية شملت الضرب والشتائم والتهديد والملاحقة. كما برزت ممارسات متكررة لإهانة الرموز القومية، خاصة من خلال نزع الأعلام الكردية أو تمزيقها، ووضعها على الأرض وإجبار المدنيين/ات على الدوس عليها مقابل السماح لهم بالمرور، في سياق اتسم بالإكراه والإذلال الجماعي. وفي موازاة ذلك، طالت الاعتداءات السيارات، حيث تم تكسيرها واعتراضها بالقوة، إلى جانب استهداف عائلات بشكل مباشر، تعرض بعضهم للضرب أثناء محاولتهم الدفاع عن أنفسهم أو أفراد أسرهم. وتشير الشهادات كذلك إلى قيام مجموعات من الشبان بفرض سيطرة مؤقتة على الطرق عبر إقامة نقاط غير رسمية لاعتراض المارة وفرض شروط للمرور، ما يعكس نمطاً من السيطرة الميدانية المؤقتة، ويعزز المؤشرات على أن هذه الانتهاكات لم تقتصر على أفعال فردية، بل اتخذت طابعاً متكرراً ومنظماً نسبياً.
وتشير هذه الوقائع، في مجملها، إلى انتهاكات تمس عدداً من الحقوق الأساسية، ولا سيما الحق في حرية التعبير، بما في ذلك التعبير عن الهوية الثقافية، والحق في عدم التعرض للتمييز على أساس القومية أو الانتماء الثقافي، إضافة إلى الحق في السلامة الجسدية.
وتكتسب هذه الانتهاكات بعداً خاصاً في ضوء المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، الذي أقرّ صراحة بحق المواطنين الكرد في إحياء تراثهم والتعبير عن هويتهم الثقافية، وحظر التمييز على أساس عرقي أو لغوي. وعليه، تشكل الممارسات الموثقة مخالفة مباشرة لما نص عليه هذا الإطار القانوني الوطني. كما تتعارض هذه الوقائع مع المبادئ الأساسية الواردة في الإعلان الدستوري (2025)، ولا سيما تلك المتعلقة بالمساواة وحظر التمييز وحماية الحقوق والحريات العامة.
وعلى الصعيد الدولي، تخالف هذه الأفعال التزامات سوريا بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية -والتي أكدها الإعلان الدستوري- لا سيما ما يتعلق بحرية التعبير، وحماية حقوق الأقليات، وحظر التمييز، إضافة إلى واجب الدولة في حماية الأفراد من العنف وضمان سلامتهم.
وفي هذا السياق، تلتزم السلطات القائمة باتخاذ التدابير اللازمة لمنع هذه الانتهاكات، والتدخل الفوري لوقفها، ومساءلة مرتكبيها، ويشكل الإخفاق في القيام بذلك إخلالاً بهذه الالتزامات.
8. التوصيات:
في ضوء ما وثّقه التقرير من انتهاكات تمسّ الحقوق الأساسية، تبرز الحاجة إلى اتخاذ تدابير عاجلة لضمان المساءلة وحماية الحقوق، وعليه توصي “سوريون” بما يلي:
8.1. إلى السلطات الانتقالية في سوريا
- فتح تحقيق مستقل وشفاف في الانتهاكات التي رافقت احتفالات نوروز 2026، ومحاسبة المسؤولين عنها، بما في ذلك حالات التقاعس أو السلوك غير المحايد من قبل عناصر الأمن العام.
- الالتزام بتطبيق المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، وضمان عدم تقييد ممارسة الحقوق الثقافية، بما في ذلك التعبير السلمي عن الهوية ورفع الرموز الكردية.
- منع إقامة الحواجز غير الرسمية وضمان حرية التنقل دون إكراه أو تهديد.
- اعتماد إجراءات واضحة وسريعة لحماية المدنيين/ات ووقف أعمال العنف، مع تدريب عناصر الأمن على مبادئ الحياد وعدم التمييز.
- اتخاذ تدابير فعالة للحد من التحريض القومي أو العرقي، وإدانة خطاب الكراهية.
8.2. إلى الأمم المتحدة والجهات الدولية المعنية:
- متابعة أوضاع الكرد في سوريا، والضغط لضمان المساءلة عن الانتهاكات بحقهم.
- دعم آليات التوثيق وحماية الحقوق الثقافية وحقوق الأقليات.
