الرئيسية تقاريرسوريا: اعتقالات ومعاملة مهينة بحق الكرد خلال تصعيد حلب (يناير 2026)

سوريا: اعتقالات ومعاملة مهينة بحق الكرد خلال تصعيد حلب (يناير 2026)

يوثّق هذا التقرير حالات توقيف واحتجاز مدنيين في حيي الشيخ مقصود والأشرفية دون مراعاة الضمانات القانونية إضافة لحالات فقدان أشخاص عقب توقيفهم أو خلال العمليات الأمنية

بواسطة Author F
481 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

1. مقدمة:

بين 6 و12 كانون الثاني/يناير 2026، شهد حيّا الشيخ مقصود والأشرفية ذات الغالبية الكردية في مدينة حلب تصعيداً عسكرياً وأمنياً انعكس مباشرة على السكان المدنيين/ات، وأفضى إلى ممارسات من الحرمان التعسفي من الحرية والمعاملة المهينة. يوثّق هذا التقرير حالات توقيف واحتجاز طالت مدنيين/ات أثناء محاولتهم/ن الخروج من الأحياء أو بعد السيطرة الميدانية عليها، في سياق اتسم بتشديد الإجراءات الأمنية وغياب الضمانات القانونية الواجبة. ويعرض التقرير كيف شملت هذه الممارسات اعتقالات عند الحواجز والممرات الإنسانية (نقاط العبور)، وفصلاً قسرياً بين الرجال والنساء، واحتجازاً مؤقتاً في مواقع غير معلنة، إلى جانب مصادرة متعلقات شخصية وإهانات جسدية ولفظية.

كما يُظهر التقرير –بحسب الشهادات الموثقة– أن الممرات التي أُعلن عنها لخروج المدنيين/ات لم تقتصر على الجانب الإنساني وفق ما تم الإعلان عنه، بل تم استغلالها كأدوات للفرز والتدقيق الأمني، أُخضع خلالها المدنيون، ولا سيما الرجال، لتدقيق قائم على الاشتباه العشوائي والانتماء المفترض، في ظل غياب ضمانات إجرائية تكفل حماية الحق في الحرية والأمان الشخصي.

لغرض إعداد هذا التقرير، أجرت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” مقابلات معمّقة مع 9 شهود وضحايا، كما اعتمدت على شهادات ومقابلات تمّ جمعها بالتعاون مع “اتحاد المحامين الكورد”، والتي ساهمت في دعم عملية التوثيق المتعلق بالأحداث التي تناولها التقرير. جرى الحصول على موافقة الشهود المستنيرة بعد إيضاح الطبيعة الطوعية للمشاركة وطرق استخدام المعلومات التي قدّموها، بما في ذلك نشر هذا التقرير. وقد فضّل المشاركون/ات إخفاء هوياتهم أو أي تفاصيل قد تكشف عنها، خشية أعمال انتقامية قد تطالهم أو عائلاتهم. وبناءً عليه، استخدم هذا التقرير أسماء مستعارة للإشارة إلى الأشخاص الذين تم اقتباس أجزاء من شهاداتهم.

2. خلفية:

بعد فترة هدوء نسبي أعقبت إعلان وقف إطلاق النار في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025، شهدت حلب، ابتداءً من 6 كانون الثاني/يناير 2026، تجدداً للأعمال القتالية، وخيم التوتر العسكري على المدينة بعد أن حول الجيش السوري كافة مواقع تنظيم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) العسكرية داخل حيّي الشيخ مقصود والأشرفية إلى هدف عسكري مشروع، “بعد التصعيد الكبير للتنظيم باتجاه أحياء مدينة حلب وارتكابه العديد من المجازر بحق المدنيين”. بحسب ما نشرته الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا). في المقابل، نفت قسد في بيان لها أي وجود لقواتها داخل مدينة حلب، قائلة إنها سلمت الملف الأمني في الحيين لقوى الأمن الداخلي (الأسايش) بشكل علني وموثق.

بدأت الاشتباكات في محيط دوّار الليرمون، قبل أن تمتد سريعاً إلى حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، وهما من أكثر أحياء المدينة كثافة سكانية (أكثر من 250,000 نسمة)، ويقطنهما عدد كبير من النازحين/ات السابقين (نحو 40% من السكان)، ما جعل أي تصعيد عسكري ينعكس مباشرة على السكان المدنيين/ات.

في 7 كانون الثاني/يناير 2026، أعلنت الحكومة السورية الانتقالية تنفيذ عملية عسكرية في مدينة حلب، ما مثّل انتقالاً من اشتباكات متفرقة إلى عملية عسكرية مُعلنة، رافقها انتشار واسع للقوات الحكومية داخل الأحياء السكنية وتشديد للإجراءات الأمنية. وقد ترافقت هذه التطورات مع قصف متبادل، وانقطاع للخدمات الأساسية، وقيود متزايدة على حركة المدنيين/ات.

بحلول 8 كانون الثاني/يناير 2026، أصدرت القوات الحكومية أوامر بإخلاء المدنيين/ات من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد، محددةً مهلة زمنية لذلك، بالتوازي مع الإعلان عن فتح ممرين إنسانيين (العوارض وشارع الزهور) وافتتاح 64 مركز إيواء في محافظة حلب. ومع انتهاء المهلة، باشرت القوات الحكومية عمليات القصف، في ظل تبادل متزامن للاتهامات بين الحكومة وقسد بشأن ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق السكان المدنيين/ات.[1]

أسفر هذا التصعيد عن نزوح يُقدّر بحسب منظمة الأمم المتحدة بنحو 148,000 شخص، إضافة إلى خسائر بشرية حيث أفاد مدير إعلام مديرية صحة حلب في 12 كانون الثاني/يناير بأن عدد الضحايا أصبح 24 قتيلاً و129 مصاباً. فيما قالت مصادر محلية بأنّ عدد القتلى تجاوز الـ45 إضافة إلى أكثر من 120 جريحاً.

وعلى مستوى البنى التحتية المدنية الأساسية في الحيّين، أفادت الأمم المتحدة بأن التصعيد العسكري أدى إلى بتضرر 3 مدارس على الأقل، وعدة مراكز رعاية صحية أولية، إذ توقف مستشفى زاهي أزرق (المستشفى الحكومي الرئيسي للحالات الباطنية)، ومستشفى ابن رشد (المركز الأساسي لغسيل الكلى)، ومستشفى عثمان، عن العمل نتيجة الأضرار. كما تأثر مستشفى السلام أيضاً. كذلك استهدف مستشفى خالد الفجر وخرج عن الخدمة. إضافة إلى ذلك، جرى تعليق عمل محطة مياه البابيري الواقعة في ريف حلب الشرقي، ما أدى إلى انقطاع إمدادات المياه عن مدينة حلب ومحيطها الريفي. لتستأنف عملها عقب إعلان وقف إطلاق النار، ما أسهم في استعادة إمدادات المياه لما يقارب لثلاثة ملايين شخص في مدينة حلب ومناطقها الريفية المحيطة. وبحسب تقديرات منظمة الأمم المتحدة، يوجد في الشيخ مقصود والاشرفية 25,802 مبنى سكني، كانت 21% منها متضررة قبل 6 كانون الثاني/يناير 2025 (وفق تقييمات سابقة مرتبطة بزلزال شباط 2023)، وازداد الضرر بعد التصعيد الأخير.

وعلى الرغم من تسجيل انخفاض نسبي في وتيرة الأعمال القتالية اعتباراً من 11 كانون الثاني/يناير، وتوقيع اتفاقية وقف إطلاق النار والاندماج الكامل بين الحكومة السورية الانتقالية وقسد بتاريخ 18 كانون الأول/يناير، إلا أن التداعيات الأمنية والإنسانية للتصعيد استمرت، في ظل عودة تدريجية لبعض السكان إلى أحياء تفتقر إلى الخدمات الأساسية، وتشهد حالة من عدم الاستقرار والخوف.

وفي هذا السياق، سُجّلت خلال عمليات النزوح ومحاولات الخروج من الأحياء حالات توقيف واحتجاز لمدنيين/ات، إلى جانب الإبلاغ عن فقدان أشخاص في الحيّين بعد آخر تواصل لهم مع ذويهم، ما أضاف بعداً أمنياً وحقوقياً إلى التداعيات الإنسانية للتصعيد. [2]

3. الإهانة والاعتقال عند الحواجز والممرات الإنسانية:

تفيد الشهادات التي جُمعت لغرض هذا التقرير بأن محاولات خروج مدنيين/ات من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية ترافقت، مع توقيف واحتجاز رجال عند حواجز ونقاط العبور، ولا سيما عند حاجز العوارض ومحيطه. وتصف إفادات متقاطعة قيام عناصر مسلحة، بعضها بلباس غير موحّد، وأخرى بلباس الأمن العام، وثالثة من العشائر العربية ترتدي “جلابيات”، بتدقيق الهويات وتسجيل الأسماء. وبحسب ما وثقته “سوريون”، فقد شاركت عدة عشائر إلى جانب الأمن العام، وبشكل خاص عشيرة “الموالي” وهي من العشائر الكبيرة في الشمال السوري ويتركّز وجود أبنائها في محافظات حمص وحماة وإدلب وحلب.

تصف زينة (من سكان الأشرفية ونزحت إلى القامشلي خلال التصعيد) ما شاهدته عند أحد الحواجز في حي الأشرفية من إهانة واعتقال للرجال قائلة:

“رأينا على الحاجز قرب مغسلة الجزيرة، في نقطة التقاء حيي الأشرفية والشيخ مقصود غربي، عند طلعة العوارض، كيف يهين العناصرُ من يريدون المرور. العديد من الرجال كانوا على الأرض ممنوعين من المغادرة، ويتعرضون للضرب على وجوههم، ثم يتم نقلهم بالباصات إلى أماكن غير معلومة للأهالي.”

وبحسب الشاهدة:

يسيطر على حاجز العوارض قوات ترتدي لباس عسكري، وآخرون بلباس الأمن العام، ومسلحون يرتدون جلابيات، وعناصر أجنبية لها لحى وشعر طويلان ولا يتحدثون العربية”.

تتابع زينة وصف ما جرى لاحقاً عند حاجز العوارض، مشيرة إلى الفصل بين الرجال والنساء، وإلى وجود قاصر بين المعتقلين:

“عند الحاجز وأثناء تدقيق الهويات وتسجيل الأسماء، فصلوا الرجال عن النساء، وقالوا لنا إن النساء يمكنهن النزوح وأن الرجال سيُعتقلون… ورغم محاولتنا إقناعهم بأنهم مدنيون، أخذوا الرجال جميعاً، ورأيت بينهم طفلاً أيضاً.”

وتفيد الشهادات الموثّقة بأن التوقيف الذي تعرّض له بعض المدنيين/ات عند الحواجز لم يقتصر على الحرمان المؤقت من الحركة، بل تخلّله في عدد من الحالات معاملة مهينة، شملت الضرب، والإهانات اللفظية. توثّق إحدى الشهادات أثراً بالغ الخطورة لمعاملة مهينة تعرّض لها مدني أثناء خروجه من حي الشيخ مقصود. تذكر سمر (50 عاماً) أن زوجها تعرّض، أثناء التفتيش عند أحد الحواجز، لإهانة مباشرة جعلته في حالة نفسية سيئة جداً، وذلك بعد أن غادرا الحي قسراً وفي ظروف اتسمت بالخوف الشديد والتوتر.

تقول سمر:

“خلال عملية التفتيش، تعرض زوجي للإهانة من قبل العناصر عند المعبر، وكان خروجه القسري من منزله ومن الحي صدمة نفسية كبيرة له… لاحظتُ تغيراً واضحاً في ملامحه وحالته النفسية بعد تجاوزنا الحاجز.”

وتضيف أن زوجها انهار بعد قليل بشكل مفاجئ ونُقل إلى المشفى، حيث أُعلن عن وفاته فور وصوله. ووفق تقرير الوفاة الصادر عن المشفى، فإن سبب الوفاة كان “جلطة قلبية نتيجة توتر عصبي شديد”.

وفي سياق المعاملة التي رافقت عبور المدنيين/ات عبر الممرات المعلنة للخروج من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، توثّق إحدى الشهادات تعرّض مدني مسن لمعاملة اتسمت بالإذلال والاستخفاف بالوضع الإنساني، رغم وضوح المخاطر الأمنية التي كانت تحيط بالمنطقة. يروي هاني (66 عاماً)، من سكان حي الشيخ مقصود، تفاصيل خروجه القسري مع أسرته في ظل اشتداد القصف واقتراب إطلاق النار من مكان سكنهم، وما رافق ذلك من معاملة مهينة عند المعبر.

ويقول هاني في شهادته:

“اشتدّ القصف وأصبح إطلاق النار قريباً جداً من منزلنا، ولم يعد البقاء فيه آمناً. اضطررنا للخروج على عجل ودون تجهيز، ولم نكن نملك وسيلة نقل. أنا رجل مسن وأعاني من صعوبة في المشي، فاضطررت إلى الاتكاء على ابنتي الكبرى. خرجت مع زوجتي وبناتي الأربع باتجاه شارع الزهور حيث يوجد المعبر. عند وصولنا، مُنعنا من الخروج بحجة أن الوقت قارب الخامسة مساءً وأن المعبر سيُغلق. “حاولنا شرح وضعنا الإنساني وطلبنا السماح لنا بالعبور، وشرحتُ للعناصر وضعي الصحي وسنّي المتقدم وخطورة العودة إلى المنزل في ظل القصف. إلا أن ذلك لم يُؤخذ بعين الاعتبار، ولم يُسمح لنا بالعبور إلا بعد محاولات متكررة وإلحاح.”

وعلى نحو مماثل، رافقت إجراءات التفتيش والتوقيف عند الحواجز ممارسات شملت مصادرة المتعلقات الشخصية، ومع غياب أي توضيح للإجراءات المتّبعة أو الأساس القانوني للاحتجاز، توثّق إحدى الشهادات تفاصيل مباشرة عن هذه الممارسات. ففي شهادته، يروي محمد (من سكان الشيخ مقصود ونازح إلى حماة) واقعة توقيفه عند حاجز للأمن العام قرب كراج عفرين القديم، موضحاً:

“قام عناصر الحاجز بتدقيق بطاقاتنا الشخصية، واعتقلوا شخصين من بيننا. ثم نادى علي عسكري وبدأ يحقق معي ويفتشني، ورغم أنني أكدت لهم أنني مدني ولا أحمل أي شيء، قال أحدهم ‘أحضروه’، ووضعوني في سيارة جيب بيضاء.”

ويصف محمد ما تعرّض له بعد ذلك مباشرة، خلال الاحتجاز الأولي:

“بعد أن وضعوني في سيارة الجيب، أخذوا مني هاتفي ومحفظتي وبطاقتي الشخصية ونحو 450 دولار، ثم ضربوني بأخمص البارودة على مناطق متفرقة من جسمي، مع شتائم واتهامات مستمرة من قبيل ‘أنت خنزير قسدي’، وسألوني عن مخازن أسلحة، وأنا كل الوقت أؤكد لهم أنني مدني ولا أعرف شيئاً.”

ويضيف محمد أنه تعرض للتهديد، وترافق ذلك مع الضرب، أثناء نقله بين عدة نقاط احتجاز، موضحاً:

“قال لي أحدهم إنهم سيأخذونني إلى مكان آخر، وقال لي بالحرف ‘راح نقتلك’، وعندما قلت له إنني مدني مهما فعل، قال لي إنه سيجعلني أشتهي الموت ولا أجده”.

وفي سياق متصل، تصف الشهادات ظروف احتجاز أولية اتسمت بالإذلال الجماعي. يذكر محمد أنه وُضع مع عشرات المدنيين المحتجزين في نقطة تجميع داخل الحي، قائلاً:

“كان الناس جالسين على الأرض، يشتمونهم ويقولون لهم ‘خنازير قسد’، وكانوا نحو ستين شخصاً… وكان رجل ملتحي يقف أمامنا، ونظر فينا وقال ‘أنتم فيكم حسنات’ بمعنى أنه سينال حسنات بقتلنا… قالوا لنا من يريد منكم أن يذهب إلى الحمام فليرفع يده، ولكن من ذهب معهم عاد وهو مضروب بأخمص البواريد”.

كما تشير الشهادات إلى أن الاحتجاز في هذه الحالات لم يكن مصحوباً بإجراءات قانونية واضحة، إذ لم يتم إبلاغ المحتجزين بأسباب توقيفهم، ولا بالجهة التي تحتجزهم، ولا بمدة الاحتجاز، قبل نقل بعضهم لاحقاً إلى مواقع احتجاز أخرى حيث جرى التحقيق معهم. وفي هذا السياق، توثّق إحدى الشهادات واقعة توقيف جماعي لمدنيين بعد فصلهم عن عائلاتهم، دون إبلاغهم بأسباب التوقيف أو مدته. يذكر طارق (54 عاماً) أنه أُوقف بعد خروجه مع عائلته من حي الشيخ مقصود، عقب دخول القوات الحكومية إلى الحي وانتشارها في الحارات، حيث نُودي على المدنيين للخروج من منازلهم. ويوضح أنه، أثناء محاولته الخروج مع زوجته وأطفاله، جرى فصل الرجال عن النساء، ما أدى إلى فقدانه الاتصال بعائلته في تلك اللحظة، قبل نقله مع عدد كبير من الرجال إلى موقع احتجاز مؤقت. ويصف طارق لحظة التوقيف وما تلاها قائلاً:

“بعد أن فصلوا الرجال عن النساء، ضيّعت زوجتي وأطفالي. أخذونا إلى أمام مبنى الزراعة بين الشيخ مقصود وبستان الباشا، وبقينا هناك قرابة ساعة ونصف، ثم جاءت باصات ونقلتنا إلى مبنى فرع المداهمة التابع للأمن العسكري سابقاً، قرب دوار الباسل.”

ويشير طارق إلى أنه لم يُبلّغ بسبب توقيفه، ولم تُوجّه له أي تهمة خلال فترة الاحتجاز، موضحاً أن ما جرى اقتصر على التحقيق وتسجيل البيانات الشخصية، قبل الإفراج عنه بعد عدة أيام:

“حققوا معنا مدة يومين. كانوا يسألون عن الاسم والعمل والعائلة، وفي اليوم الثالث قال لنا المحقق أنه لم يثبت علينا شيء، وبعدها أخلوا سبيلنا.”

كما يوضح طارق أنه، وخلال فترة احتجازه، لم يتعرض للضرب أو الإهانة بحسب إفادته، وأنه تمكّن لاحقاً من العثور على زوجته وأطفاله بعد الإفراج عنه، عقب جهود بذلها الأهل والأصدقاء.

ولا بد من الإشارة إلى أن حملات الاعتقال لم تقتصر على الحواجز، بل تشير الإفادات إلى تكرار الاعتقالات الليلية ومداهمات المنازل. فقد أفاد مازن (خادم كنيسة بروتستانتية كردية)، وهو من سكان حي الشيخ مقصود الغربي، بأن الحي يشهد منذ فترة انتشاراً لحالات الاعتقال التي غالباً ما تتم خلال ساعات الليل المتأخرة أو قبيل الفجر، ما يثير مخاوف السكان ويعزز الشعور بانعدام الأمان. يقول مازن:

“تسود حالة من انعدام الأمن في الحي، مع انتشار السرقات والانتهاكات والاعتقالات التي تحدث غالباً خلال ساعات منتصف الليل وحتى الفجر. ومن أكثر ما يثير القلق هو صوت الدوريات التي تقتحم المنازل فجراً وما يرافق ذلك من جلبة، في سلوك يبدو أنه يقصد التخويف والترهيب. وقد شوهد أحد الأشخاص يصور هذا السلوك من شرفة منزله، فتمت مداهمة بيته واعتقاله فوراً.”

وأضاف المصدر أن الموقوفين غالباً ما يُنقلون إلى مركز للأمن العام في حي الأشرفية يقع خلف جامع صلاح الدين، وهو مخفر كبير كان تابعاً للنظام السابق.

4. انقطاع الاتصال بعد تصاعد الأحداث ومحاولات الخروج:

تفيد عدة شهادات جُمعت لغرض هذا التقرير بانقطاع الاتصال بأشخاص بعد آخر تواصل لهم مع ذويهم خلال تصاعد الأعمال القتالية في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، أو أثناء بقائهم داخل الحي في ظل القيود الأمنية السائدة. وتشير هذه الإفادات إلى أن ذوي الأشخاص المعنيين لم يتمكنوا، حتى تاريخ إجراء المقابلات، من الحصول على معلومات مؤكدة بشأن أماكن وجودهم أو وضعهم.

يذكر أمين (مقيم في عفرين) أنه فقد الاتصال بشقيقه الذي كان في الشيخ مقصود، وذلك بعد مكالمة أخيرة جرت أثناء اشتداد الأحداث داخل الحي، موضحاً:

“في آخر اتصال لي معه، كانت أصوات الطلقات النارية شديدة من حوله. قال لي إنه سيقطع المكالمة ويتصل لاحقاً، لكن منذ ذلك اليوم انقطع الاتصال به تماماً.”

ويضيف أمين أنه حاول البحث عن شقيقه عبر معارف داخل الحي دون أن يتمكن من الوصول إلى أي معلومات مؤكدة حول مكان وجوده.

كما وثّق التقرير حالة لأسرة من حي الشيخ مقصود لا تزال تحاول معرفة مصير زوج وابنته فُقد الاتصال بهما بعد إصابتهما واعتقالهما على أحد الحواجز أثناء محاولتهما مغادرة الحي. وتشير المعلومات إلى أن زوجتهما قامت بالبحث عنهما في عدد من المخافر والمستشفيات دون أن تحصل على أي معلومات بشأن مكان وجودهما أو مصيرهما حتى الآن.

وفي شهادة أخرى، تشير مروة (تسكن في حي الأشرفية ونازحة إلى ريف عفرين) إلى فقدان الاتصال بابنها بعد بقائه داخل حي الشيخ مقصود، قائلة:

“كان على تواصل معي حتى مساء الخميس [8 كانون الثاني/يناير 2026]، وأكد لي أنه بصحة جيدة وغير مصاب، لكني فقدت الاتصال به منذ ذاك الوقت، ولم تصلني أي معلومات عنه بعد ذلك.”

توثق هذه الشهادات مثالاً عن حالات انقطاع التواصل مع ذوي الأشخاص المعنيين، دون أن تتوفر، وقت إجراء المقابلات، معلومات كافية لتحديد ما إذا كان الأشخاص قد تعرضوا للتوقيف أو الاحتجاز أو الإصابة، أو ما إذا كانوا لا يزالون داخل الحي أو في أماكن أخرى.

وتجدر الإشارة إلى نشر موقع “عفرين الآن”، بتاريخ 23 كانون الثاني/يناير 2026، خبراً عن وجود أعداد كبيرة من الجثامين العائدة لسكان من حيّي الأشرفية والشيخ مقصود داخل مركز الطبابة الشرعية في مدينة حلب، مشيراً إلى أن عددها قد يصل إلى نحو 272 جثة. وبحسب مصادر الموقع، جرى تأكيد وجود أكثر من 100 جثة، تضم مدنيين قُتلوا خلال العمليات العسكرية التي نفذتها قوات الحكومة السورية الانتقالية، إلى جانب جثامين لمقاتلين من قوى الأمن الداخلي الكردية (الأسايش). دون أن يُعلن أسماء الضحايا أو العدد الدقيق للجثامين. وذكر الموقع أنه تواصل مع قسم الاستعراف في مركز الطبابة الشرعية بهدف توثيق عدد الضحايا ومساعدة ذوي المفقودين/ات، إلا أن القسم لم يصدر أي بيان رسمي، واكتفى بتوجيه الأهالي إلى مراجعة مركز الطبابة الشرعية في حي جبّ القبة للتحقق من وجود ذويهم/ن، دون تقديم معلومات حول هويات الضحايا، أو أسباب الوفاة، أو ظروف نقل الجثامين. كما أفادت المصادر بأن عدداً من الجثامين جرى دفنه نتيجة عدم قدرة المشرحة على استيعابها، وذلك في ظل إجراءات مشددة فُرضت خلال الأيام الأولى لبسط القوات الحكومية سيطرتها على الحيّين. وتشير هذه المعطيات، في مجملها، إلى سياق بالغ الخطورة اتّسم بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا في ظروف لا تزال غامضة، وبغياب الشفافية في التعامل مع ملف الجثامين، ما فاقم من حالات الفقدان وعدم اليقين لدى عائلات الضحايا، وأثار مخاوف جدّية بشأن احترام الحق في الحياة، وواجبات السلطات في الكشف عن مصير المفقودين/ات وضمان كرامة الموتى وحقوق ذويهم/ن في المعرفة.

5. التوصيف القانوني للوقائع الموثّقة:

5.1. الحرمان من الحرية والاحتجاز خارج الضمانات القانونية:

تُظهر الوقائع الموثّقة في هذا التقرير أن العديد من المدنيين/ات تعرّضوا للتوقيف والاحتجاز في سياق العمليات الأمنية التي رافقت التصعيد العسكري في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، دون الالتزام بالضمانات الأساسية المنصوص عليها في القانون السوري والقانون الدولي لحقوق الإنسان. فقد أفاد الشهود بعدم إبلاغهم/ن بأسباب التوقيف، أو بالجهة التي قامت بالاحتجاز، أو بمدة الاحتجاز، إضافة إلى نقل بعضهم بين مواقع احتجاز متعددة دون أي إجراءات مكتوبة أو قرارات رسمية.

تعكس هذه الحالات نمطاً من الحرمان من الحرية دون أسس قانونية، ما يشكّل انتهاكاً مباشراً للمادة 18 من الإعلان الدستوري السوري، التي تحظر التوقيف أو التقييد إلا بأمر قضائي. كما تمثل خرقاً للمادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل حق الفرد في الحرية والأمان، وتُلزم السلطات بإعلام المعتقل بسبب توقيفه وتمكينه من الاعتراض أمام جهة قضائية خلال وقت محدد، هذا بالإضافة إلى أن اعتقال هؤلاء الضحايا وعدم إعطاء أي معلومات عن أماكن احتجازهم قد يشكل جريمة الاختفاء القسري إذا ما ثبت إن الفعل قد ارتكب إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين وعن علم بالهجوم (المادة 7 من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية).

وكذلك تشكل تلك الحالات خرقاً واضحاً للمادة 555 من قانون العقوبات العام رقم 148، التي تفرض عقوبة الحبس من ستة أشهر إلى سنتين على كل من حرم شخصاً آخر حريته الشخصية، وتشدد العقوبة وفقاً للمادة 556 إذا تجاوزت مدة الحرمان من الحرية الشهر، أو إذا ترافق حرمان الحرية مع تعذيب جسدي أو معنوي.

وبالنظر إلى طبيعة الوقائع الموثّقة، فإن غياب هذه الضمانات الإجرائية، مقروناً بسياق تصعيد مسلح وعمليات أمنية واسعة داخل مناطق مأهولة بالسكان المدنيين/ات، يثير مخاوف جدية من أن التوقيفات جرت على أساس الاشتباه العام أو الانتماء المفترض، لا على أساس فردي محدد ومسنَد قانوناً.

5.2. المعاملة المهينة أثناء التوقيف والاحتجاز:

تشير الشهادات الواردة في هذا التقرير إلى تعرّض بعض المدنيين/ات لمعاملة مهينة أثناء التوقيف والاحتجاز الأولي، شملت الضرب، والإهانات اللفظية، والتهديد، ومصادرة المتعلقات الشخصية، في ظروف اتسمت بالإذلال وانعدام الحماية. وتُظهر هذه الوقائع أن المعاملة التي رافقت إجراءات التفتيش والتوقيف تجاوزت حدود التدابير الأمنية المشروعة، لتلامس حظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

تنص المادة 18 من الإعلان الدستوري على واجب الدولة في أن تصون “كرامة الإنسان وحرمة الجسد وتمنع الاختفاء القسري والتعذيب المادي والمعنوي”. كما أن قانون تجريم التعذيب رقم 16 لعام 2022 نص على عقوبات مشددة تصل إلى السجن لمدة لا تقل عن ثمان سنوات إذا ارتُكِبَ الفعل من قبل جماعة تحقيقاً لمآرب شخصية أو مادية أو سياسية أو بقصد الثأر أو الانتقام، ويعتبر هذا القانون ساري المفعول بموجب المادة 51 من الإعلان الدستوري السوري.

ويحظر القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما المادة (7) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إخضاع أي شخص للتعذيب أو للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، دون استثناء أو تقييد، بما في ذلك في حالات الطوارئ أو النزاع. كما يفرض على السلطات واجب حماية كرامة جميع الأشخاص الخاضعين لسيطرتها، سواء كانوا محتجزين رسمياً أو موقوفين مؤقتاً.

كما تنص المادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه “لا يجوز إخضاعُ أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطَّة بالكرامة”. وبالمثل، تلزم المادة 16 من اتفاقية مناهضة التعذيب الدول الأطراف بحظر ومنع الأفعال الأخرى للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي لا ترقى إلى مستوى التعذيب في نطاق ولايتها القضائية.

وفي هذا الإطار، يكتسب توثيق الأثر النفسي والجسدي للمعاملة المهينة أهمية خاصة، حتى في الحالات التي لم يُبلّغ فيها عن تعذيب مباشر. فالتجارب العنيفة نفسياً، ولا سيما في سياق الخروج القسري والتفتيش المهين، قد تخلّف أضراراً جسيمة، وهو ما تؤكده إحدى الشهادات التي وثّقت وفاة مدني بعد وقت قصير من تعرّضه لإهانة شديدة على أحد الحواجز، وفق تقرير طبي نسب الوفاة إلى جلطة قلبية نتيجة توتر عصبي شديد.

6. التوصيات:

في ضوء الوقائع الموثّقة والتحليل القانوني الوارد في هذا التقرير، تبرز الحاجة إلى اتخاذ تدابير محددة لمعالجة آثار الانتهاكات المرتبطة بمرحلة التصعيد التي شهدتها حيّا الشيخ مقصود والأشرفية. وتهدف التوصيات التالية إلى دعم التزام السلطات بالضمانات القانونية وحماية حقوق المدنيين/ات، بما يسهم في منع تكرار هذه الممارسات مستقبلاً.

6.1. إلى الحكومة السورية والجهات الأمنية المختصة:
  • الكشف الفوري عن مصير جميع الأشخاص الذين انقطع الاتصال بهم خلال العمليات الأمنية في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، وتمكين عائلاتهم من الحصول على معلومات واضحة حول أماكن وجودهم ووضعهم القانوني.
  • مراجعة جميع حالات التوقيف التي جرت خلال فترة التصعيد، وضمان الإفراج الفوري عن أي شخص احتُجز دون مسوّغ قانوني، أو إحالته إلى القضاء المختص وفق الإجراءات القانونية الواجبة.
  • ضمان تسجيل جميع حالات التوقيف والاحتجاز رسمياً، وتمكين المحتجزين من التواصل مع ذويهم، ومنع أي شكل من أشكال الاحتجاز غير المعلن.
  • اتخاذ تدابير واضحة لمنع المعاملة المهينة أثناء التوقيف والتفتيش، بما يشمل إصدار تعليمات صريحة للعناصر الأمنية واحترام كرامة المدنيين/ات في جميع الإجراءات، ووضع بروتوكولات واضحة للتعامل مع المدنيين/ات أثناء العمليات الأمنية في المناطق المأهولة، بما يضمن التمييز بين المهام الأمنية واحترام الحقوق الأساسية.
  • فتح تحقيقات داخلية فعّالة ومستقلة في ادعاءات الضرب أو الإهانة أو مصادرة المتعلقات الشخصية أثناء التوقيف، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون.
  • ضمان الشفافية في أي عمليات أمنية لاحقة عبر التواصل المنتظم مع السكان المحليين، وتفادي الإجراءات الجماعية القائمة على الاشتباه أو الانتماء المفترض.
  • التعاون مع المنظمات الحقوقية المحلية لتبادل المعلومات ومعالجة آثار الانتهاكات وضمان عدم تكرارها.
6.2. إلى الجهات القضائية:
  • تعزيز الرقابة القضائية على إجراءات التوقيف، ولا سيما تلك التي جرت في سياق العمليات الأمنية، لضمان عدم تكرار الاحتجاز خارج الضمانات القانونية.
  • تمكين المتضررين/ات وذويهم من الوصول إلى سبل الانتصاف القانونية، بما في ذلك تقديم الشكاوى والطعن في قانونية التوقيف.
  • توجه القضاة -المشار إليهم في المواد 422، 423، 424 من قانون أصول المحاكمات الجزائية- إلى دور التوقيف والسجون واتخاذ التدابير القانونية اللازمة، وكذلك في حال علمهم بوجود أشخاص موقوفين في غير الأماكن التي أعدتها الحكومة للحبس والتوقيف، عليهم التوجه إلى الأمكنة المذكورة، وإطلاق سراح من كان موقوفاً بصورة غير قانونية، وإذا تبين وجود سبب قانوني للتوقيف عليهم إحالة الموقوف في الحال الى النائب العام أو قاضي الصلح.

[1] في 8 كانون الثاني/يناير 2026، دعت منظمات حقوقية سورية، من بينها منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، إلى الوقف الفوري للعمليات العسكرية والانتهاكات المرافقة لها، وإلى إعطاء الأولوية لحماية المدنيين/ات، والعودة إلى مسار تفاوضي يجنّب مدينة حلب مزيداً من التدهور الأمني داخل المناطق السكنية.

[2] نشرت سوريون من أجل الحقيقة والعدالة في 14 كانون الثاني/يناير 2026، بياناً أُعرب عن القلق حيال مصير مئات الأشخاص الذين فُقد الاتصال بهم خلال التصعيد، ولا سيما أثناء النزوح أو داخل حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، مع تكرار الإشارة إلى حاجز العوارض بوصفه آخر مكان جرى فيه التواصل مع عدد من هؤلاء. ووفق المعلومات الأولية الواردة في البيان، فإن معظم المحتجزين أو المفقودين ينحدرون من منطقة عفرين وما حولها، وتشمل الحالات المبلغ عنها جرحى، وعاملين/ات في قطاعات إنسانية وطبية وإعلامية (من بينهم أفراد من الهلال الأحمر الكردي)، إضافة إلى أطفال من مواليد عام 2010 و2012. كما أشار البيان إلى إفادات عن تعرض بعض الموقوفين لإهانات وضرب وسوء معاملة خلال التوقيف الأولي على الحواجز.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد