تم إنجاز هذا العمل بدعم من الاتحاد الأوروبي وبالشراكة مع “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights” . إن محتويات هذا المنشور هي مسؤولية “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” فقط/الجهة الناشرة، ولا تعكس بالضرورة آراء “الاتحاد الأوروبي” وآراء “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights”.
1. الملخص التنفيذي:
شهدت مدينة السقيلبية، ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة الغربي، يومي 27 و 28 آذار/مارس 2026، تصعيداً أمنياً تخللته أعمال عنف جماعي استهدفت مدنيين/ات وممتلكات خاصة. وقد اندلعت الأحداث على خلفية شجار في أحد شوارع المدينة بين شبّان من السقيلبية وآخرين من بلدة قلعة المضيق المجاورة ذات الغالبية السنّية، قبل أن تتسع بسرعة وتتخذ طابعاً جماعياً تخللته أعمال عنف وتخريب ونهب وإطلاق نار.
وتشير المعطيات التي جمعتها “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” من خلال مقابلات معمّقة مع شهود وضحايا عايشوا الأحداث بشكل مباشر، إلى أن تصاعد الأحداث ارتبط بدخول مجموعات من خارج المدينة، في سياق تحشيد واسع، وهو ما تدعمه مواد مصوّرة تُظهر تحركات هذه المجموعات باتجاه السقيلبية. كما توثّق بعض المقاطع إطلاق عبارات تهديد وشتائم بحق سكان المنطقة المسيحيين.
وفيما يتعلق بدور الجهات الأمنية، تشير الشهادات إلى أن وجود عناصر الأمن العام في موقع الأحداث لم يقترن بتدخل فعّال لوقف الاعتداءات، بل تفيد بعض الإفادات بمشاهدات لعناصر أمنية امتنعت عن التدخل، أو رافقت مجموعات من المعتدين. كما تدعم بعض المواد المصوّرة هذه المزاعم، ما يثير تساؤلات جدية حول مدى التزام الجهات المعنية بواجبها في حماية المدنيين/ات وممتلكاتهم.
في المقابل، قدّمت الجهات الرسمية رواية مغايرة، وصفت فيها ما جرى بأنه “مشاجرة جماعية” جرى احتواؤها عبر تدخل قوى الأمن، وأشارت إلى توقيف عدد من المتورطين. كما أعلنت لاحقاً عن التوصل إلى “اتفاق صلح محلّي بين السقيلبية وقلعة المضيق”، تضمّن الإفراج عن موقوفين، ومعالجة الأضرار، وإسقاط الدعاوى المرتبطة بالأحداث.
ورغم أن هذا المسار أسهم في خفض مستوى التوتر، إلا أنه يثير تساؤلات حول مدى كفايته لمعالجة الانتهاكات التي وقعت، لا سيما في ظل غياب مؤشرات على فتح تحقيق مستقل في مزاعم تورط أو تقاعس الجهات الأمنية، وما قد يترتب على ذلك من مخاطر تتعلق بالإفلات من العقاب وبتكرار ارتكاب هذه الانتهاكات.
يخلص التقرير إلى أن ما جرى في السقيلبية يعكس نمطاً من العنف الجماعي الذي استهدف مدنيين/ات وممتلكاتهم، في سياق تصعيد سريع وتوتر مجتمعي، ويؤكد على ضرورة إجراء تحقيقات شفافة ومستقلة، وضمان مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، إلى جانب اتخاذ تدابير فعّالة لمنع تكرارها.
لغرض إعداد هذا التقرير، أجرت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” 13 مقابلة معمّقة مع شهود وضحايا عايشوا الأحداث بشكل مباشر، خلال الفترة الممتدة بين 28 آذار/مارس و 2 نيسان/أبريل 2026. وقد حصل الباحثون/ات على موافقة مستنيرة من جميع المشاركين/ات بعد توضيح طبيعة المشاركة الطوعية وأغراض استخدام المعلومات، بما في ذلك نشر هذا التقرير. وبناءً على طلبهم، استُخدمت أسماء مستعارة، وأُخفيت أي تفاصيل قد تكشف عن هوياتهم، نظراً للمخاطر الأمنية المحتملة.
2. الشرارة الأولى ومسار التصعيد:
بحسب الشهادات التي وثّقتها “سوريون”، بدأت الأحداث في شارع “المشوار”، وهو أحد الشوارع الحيوية في السقيلبية. وتشير الإفادات إلى أن شجاراً اندلع بين شبان من السقيلبية وآخرين من بلدة قلعة المضيق، على خلفية تحرش لفظي بفتيات من المنطقة، في سياق تصفه بعض الشهادات بأنه متكرر في فترات سابقة، دون أن يصل إلى مستوى التصعيد الذي شهدته هذه الواقعة.
يقول “سامر”، الذي كان متواجداً في المكان وقت الحادثة:
“في يوم الجمعة الواقع في 27 آذار/مارس 2026، دخل شبان من أبناء قرية قلعة المضيق إلى شارع المشوار، وخلال سيرهم في الشارع اعترضوا طريق فتاتين وتحرشوا بهما لفظياً، وهنا قام شبان من السقيلبية بالاعتراض.”
وتتقاطع هذه الإفادة مع شهادة “طوني”، الذي أوضح قائلاً:
“توقف ثلاثة شبان كانوا يستقلون دراجة نارية واحدة، وقام أحدهم بالإمساك بيد فتاة وحاول سحبها بالقوة، وهو يوجه لها عبارات غير لائقة تتضمن دعوة صريحة لمرافقته […] قبل أن يتطور الأمر ويقوم بإخراج قنبلة يدوية مهدداً الموجودين.”
وقال “غسان” الذي كان يقف بمكان سمح له بسماع ومشاهدة ما حدث عن كثب:
“قال لها الشاب بالحرف: ‘اطلعي ننبسط شوي’.”
وتشير عدة مصادر مفتوحة وصفحات تواصل اجتماعي إلى أن أحد الشبان الذين تحرشوا بالفتاة، وهو عنصر في جهاز الأمن العام، تعرّض للضرب على رأسه خلال هذه الحادثة، وقد نُقل لاحقاً إلى المستشفى لتلقي العلاج.
بعد أن خرجت الحادثة سريعاً من إطار الشجار البسيط، واتخذت طابعاً ينطوي على مستوى مرتفع من الخطورة، من شأنه أن يهدد سلامة المدنيين/ات بشكل مباشر، وصلت عناصر من الأمن العام إلى المكان. إلا أن الشهادات لا تفيد بأن هذا التدخل أسهم في احتواء فعلي للوضع أو منع تطوره. بل تشير إفادات متقاطعة إلى أن الأحداث اتخذت منحى تصاعدياً بعد وقت قصير من فض الشجار، مع انتقالها من مواجهة محدودة إلى أعمال اعتداء أوسع. وفي هذا السياق، يضيف “سامر”:
“بعد وقت قصير من فضّ الشجار وصل خمسة شبان من قرية قلعة المضيق، مسلحين بالعصي والسكاكين، وبدأوا بتكسير وتحطيم الأثاث في مطعم ‘تشيللو’ الذي كنت متواجداً فيه. فذهبت إلى أقرب دورية للأمن وتبعد بضعة أمتار فقط، وقلت لعنصر منهم ما حدث، فقال لي: ‘انقلع’ […] ولاحقاً شاهدت نفس الدورية ترافق الشبان الخمسة أثناء اعتداءاتهم.”
ولم يقتصر الأمر على غياب التدخل لوقف الاعتداء، بل امتد إلى إتاحة المجال لاستمرارها. يضيف الشاهد:
“حين تأكد الشبان بأن عناصر الأمن لن تمنعهم، اتصلوا بأقاربهم ومعارفهم في قلعة المضيق كي ينضموا لهم.”
تشير هذه المعطيات إلى أن غياب الردع الفعّال في هذه المرحلة أسهم في توسيع نطاق الاعتداءات، من خلال استدعاء مجموعات إضافية، ما أدى إلى انتقال الأحداث من شجار محدود إلى تصعيد جماعي أكثر تنظيماً واتساعاً.
3. توسّع الاعتداءات واتخاذها طابعاً جماعياً:
لم يقتصر تطور الأحداث على اتساع نطاق الشجار الأولي، بل انتقل خلال فترة زمنية قصيرة إلى مستوى من العنف الجماعي المنظم نسبياً، مع دخول أعداد كبيرة من مجموعات قادمة من خارج المدينة، يُعتقد أنها من بلدة قلعة المضيق ومحيطها، إلى داخل السقيلبية. وتشير الشهادات إلى أن هذا التوسع لم يكن عفوياً، بل جاء في سياق تحشيد واضح، تمّ عبر استخدام السيارات والدراجات النارية، ودون أن تعترضه الحواجز الأمنية على مداخل المدينة.
وفي هذا السياق، يقول “غسان”:
“دخلت مجموعات من خارج المدينة بأعداد كبيرة من السيارات والدراجات النارية دون أن تعترضها الحواجز الأمنية الموجودة على مداخلها.”
ومع دخول هذه المجموعات، تحوّلت الأحداث إلى موجة واسعة من الاعتداءات التي طالت ممتلكات مدنية وأفراداً بشكل مباشر، واتخذت طابعاً عشوائياً وممتداً في أحياء متعددة من المدينة. ويصف “جورج” هذا التحول قائلاً:
“كُسّرت واجهات المحال التجارية والسيارات المركونة في الشوارع، كما تم إلقاء قنبلة يدوية على بناء سكني […] وفي المساء سمعنا إطلاق نار على المحال التجارية والمطاعم والمقاهي.”
كما تعكس شهادة “عيسى” مستوى العنف المستخدم واتساع نطاقه، حيث أفاد:
“فجأة رأيت أكثر من خمسين شخصاً يندفعون نحوي داخل المحل. قاموا بضربي بالعصي بينما أخذ الآخرون يكسرون ويخربون محتويات المحل […] لم أستطع الدفاع عن نفسي بسبب عددهم.”
ولا تقتصر هذه الاعتداءات على الأضرار المادية، بل امتدت لتشمل اعتداءات جسدية مباشرة، كما في الحالة التي وصفتها “هزار”، والتي أشارت إلى تعرض أحد المدنيين للضرب المبرح وسرقة ممتلكاته في ظل وجود أمني قريب، حيث قالت:
“رأيتهم يعتدون على شاب كان يقود دراجته النارية إذ قامت هذه المجموعات بضربه بشكل عنيف ووجهت له عبارات مسيئة للغاية لا أستطيع ذكرها خجلاً، ثم أقدمت على سرقة دراجته النارية بعد الاعتداء عليه… ما أثار استغرابي وقلقي الشديد أن هذه الاعتداءات جرت بوجود سيارات وعناصر من الأمن العام، دون أن يتم اتخاذ أي إجراء فعّال لوقف ما يحدث، بل بدا وكأن تلك المجموعات تتحرك تحت حماية هذا الوجود الأمني.”
وتُظهر هذه الإفادات أن العنف لم يقتصر على المجال العام، بل امتد أثره إلى داخل المنازل، حيث أفاد عدد من الشهود بحالة من الذعر والخوف الشديد، دفعتهم إلى الاحتماء داخل غرف مغلقة لساعات. ويقول “حسن”:
“سمعنا إطلاق نار كثيف وقريب، وترافق مع صراخ وشتائم ذات طابع ديني موجهة ضد المسيحيين […] فاضطررنا للدخول إلى غرفة داخلية والاحتماء فيها لساعات، دون القدرة على الاقتراب من النوافذ خوفاً من التعرض لإطلاق النار.”
ومن جهة أخرى، تبرز مؤشرات واضحة على أن هذه الاعتداءات اتخذت طابعاً تمييزياً أو مرتبطاً بالهوية الدينية، إذ تشير الشهادات إلى توجيه عبارات مسيئة خلال الاعتداءات، فضلاً عن وجود سلوك انتقائي في بعض الحالات. ويقول “حنا”:
“عندما حاولوا اقتحام محل جاري صرخ قائلاً إنه سنّي، فتركوه وشأنه، وتابعوا تخريب بقية الممتلكات.”
كما تم توثيق استهداف رموز دينية، من بينها إطلاق النار على تمثال السيدة مريم العذراء، وهو ما يحمل دلالات تتجاوز الاعتداء المادي، ويشير إلى أبعاد رمزية مرتبطة بالهوية والانتماء الديني.
وفي مجملها، تعكس هذه الوقائع انتقال الأحداث من شجار محدود إلى موجة من العنف الجماعي واسع النطاق، اتسمت بالكثافة، والتعدد في أنماط الاعتداء، وامتدادها الجغرافي، في سياق عزز من شعور السكان بانعدام الأمان، وأظهر مؤشرات مقلقة على قابلية هذا النوع من التصعيد للتكرار في ظل غياب ردع فعّال.
وفي اليوم التالي، 28 آذار/مارس، نظم سكان السقيلبية اعتصاماً احتجاجياً رفضاً لما تعرضوا له من اعتداءات، في تعبير عن حالة والخوف التي خلّفتها الأحداث. ورفع المحتجون شعارات عديدة كان من بينها “الإعلام السوري كاذب” و”نطالب بمحاسبة عناصر الأمن العام المتورطين” في إشارة لاستنكارهم لما وصفوه بالتغطية الإعلامية المضللة التي قدمها الإعلام الرسمي والموالي، التي ادهت أن ما جرى يقتصر على شجار شبان، وتدخلت قوات الأمن لفضه.
وفي موازاة ذلك، تشير الشهادات إلى تحركات مقابلة من بلدة قلعة المضيق، تضمنت تجمعات لمسلحين واتجاهاً نحو المدينة، في سياق يعكس استمرار حالة الاستنفار. وتتقاطع هذه الإفادات مع مواد مصوّرة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، اطلعت عليها “سوريون”، وتُظهر تحشيدات وتحركات لمجموعات من خارج السقيلبية باتجاهها، بعضها جرى توثيقه عبر بث مباشر. وبحسب الشهادات الموثقة، تمركزت هذه التحركات في الجهة الشمالية للمدينة، حيث منع حاجز تابع للأمن العام دخولها إلى داخل السقيلبية، خلافاً لما حدث في اليوم السابق، حين تمكنت مجموعات مماثلة من الدخول إلى المدينة رغم وجود نقاط أمنية، وهو ما أكدته عدة شهادات.
4. احتواء التوتر عبر الصلح مقابل غياب المساءلة:
في أعقاب هذه التطورات، اتجهت الجهات الرسمية وبعض الفاعلين المحليين إلى احتواء التوتر عبر “مسار صلح محلي”، شارك فيه وجهاء وأعيان من مدينتي السقيلبية وقلعة المضيق، إلى جانب ممثلين عن الإدارة المحلية والجهات الأمنية. ووفق ما ورد في وسائل إعلام رسمية، عُقدت عدة جلسات متتالية انتهت بتوقيع “صك صلح رضائي” نهائي بين الطرفين بتاريخ 11 نيسان/أبريل، بحضور لجنة رسمية مكلفة بمتابعة الملف، وبرئاسة مدير منطقة الغاب.
وتشير المعطيات المنشورة إلى أن الاتفاق تضمّن مجموعة من الإجراءات، من بينها تشكيل لجنة لتقييم الأضرار، والعمل على تعويض المتضررين، إضافة إلى الإفراج عن عدد من الموقوفين، وإسقاط الدعاوى المرتبطة بالأحداث، في إطار ما قُدّم بوصفه مسعى لتعزيز “السلم الأهلي” ومنع تجدد التوتر. كما ركّزت الرواية الرسمية على أن هذا المسار جاء بعد تدخل أمني لاحتواء “مشاجرة جماعية”، وعلى أن هذا التدخل أسهم في إعادة الاستقرار إلى المنطقة.
إلا أن هذا المسار، رغم دوره في خفض مستوى التوتر والتصعيد، يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى كفايته لمعالجة الانتهاكات التي وثّقتها الشهادات، خاصة فيما يتعلق بأعمال العنف الواسعة التي طالت المدنيين والممتلكات الخاصة، وطبيعة المسؤولية عنها. كما يثير تضمين الاتفاق بنوداً مثل إسقاط الدعاوى إشكاليات تتعلق بإمكانية مساءلة المسؤولين عن هذه الأفعال.
كما أن المعطيات المتاحة لا تشير إلى اتخاذ أي إجراءات أو ردود فعل رسمية حيال مظاهر التحريض والتجييش التي سبقت وترافقت مع الأحداث، بما في ذلك استدعاء مجموعات من خارج المدينة للمشاركة في الاعتداءات. وتُظهر الشهادات والمواد المتاحة أن هذا الخطاب انطوى على عبارات تحريضية صريحة على العنف ذات طابع ديني، وهو ما يشكل مؤشراً بالغ الخطورة على قابلية هذا الخطاب للتحول إلى أفعال عنف جماعي. ويعزز غياب أي مساءلة عن هذه الأفعال المخاوف من ترسيخ بيئة تسمح بتكرار مثل هذه الانتهاكات، وما قد تفضي إليه من تصعيد متجدد للعنف. خاصة أن اختزال ما جرى في كونه شجاراً عرضياً دون معالجة الأسباب الفعلية التي أدت إلى التصعيد، يجعل من أي حادثة مشابهة مدخلاً مرجحاً لتصعيد جديد.
كذلك لم تُشر الرواية الرسمية إلى فتح تحقيق مستقل أو شفاف في المزاعم المتعلقة بتورط أو تقاعس عناصر من الجهات الأمنية خلال الأحداث، رغم ورود هذه المزاعم بشكل متكرر في الشهادات. ويعزز غياب مثل هذه الإجراءات من المخاوف بشأن محدودية المساءلة، وتأثير ذلك على ضمان عدم تكرار الانتهاكات مستقبلاً. وتجدر الإشارة إلى أنه وبحسب الشهود الذين تحدثت إليهم “سوريون”، لم يتم تعويض أي من الضحايا حتى وقت إعداد هذا التقرير.
5. أنماط الانتهاكات الموثقة في الشهادات:
تكشف الوقائع الموثقة في هذا التقرير عن أنماط متداخلة من الانتهاكات التي طالت عدداً من الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحق في السلامة الجسدية، والحق في الملكية، والحق في الحماية من العنف، والحق في حرية المعتقد والدين، إضافة إلى الحق في الحماية من التمييز، بشكل يتعارض مع ما تم التأكيد عليه في التشريعات السورية النافذة وفي مقدمتها الإعلان الدستوري، وكذلك في الاتفاقيات والمواثيق الدولية ذات الصلة.
فقد أظهرت الشهادات تعرض مدنيين لاعتداءات جسدية مباشرة، شملت الضرب باستخدام العصي وأدوات صلبة، كما في حالة “عيسى”، وهو ما يندرج ضمن انتهاكات الحق في السلامة الجسدية، ويعكس استخداماً للقوة خارج أي إطار قانوني.
وفي موازاة ذلك، طالت الاعتداءات ممتلكات خاصة على نطاق واسع، بما في ذلك محال تجارية، ومطاعم، ومركبات، حيث جرى تكسيرها وإلحاق أضرار جسيمة بها، إضافة إلى حالات نهب وسرقة. ويشكل هذا النمط من الأفعال انتهاكاً مباشراً لحق الملكية، وترقى، في حال ثبوت اتساع نطاقها أو تكرارها، إلى أعمال سلب ونهب محظورة، لاسيما عندما تتم بشكل جماعي ودون تمييز.
كما تشير الإفادات إلى استخدام وسائل عنف خطرة في محيط مدني، بما في ذلك محاولة استخدام قنبلة يدوية، وإلقاء أخرى على بناء سكني، إضافة إلى إطلاق نار على ممتلكات مدنية. ويعكس ذلك تعريضاً مباشراً لحياة المدنيين/ات وسلامتهم للخطر، ويدل على مستوى مرتفع من الاستهتار بسلامة السكان.
ومن جهة أخرى، تبرز مؤشرات مقلقة على أن الاعتداءات اتخذت طابعاً تمييزياً، حيث أفادت إحدى الشهادات بتجنب استهداف أحد المحال بعد أن صرّح صاحبه بانتمائه الديني، في حين تم استهداف ممتلكات أخرى. كما تم توثيق إطلاق نار على رمز ديني، وهو ما يحمل دلالات تتجاوز الاعتداء المادي، ويؤكد وجود أبعاد تمييزية مرتبطة بالهوية الدينية. وتتعزز هذه المؤشرات بما اطلعت عليه “سوريون” من مقاطع مصوّرة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، يظهر في أحدها أفراد من بين المجموعات المشاركة في الاعتداءات وهم يطلقون عبارات تهديد ذات طابع ديني، من بينها الدعوة إلى قتل سكان السقيلبية بشكل جماعي.
وفي مجملها، تعكس هذه الأنماط من الانتهاكات انتقال الأحداث من شجار محدود إلى موجة من العنف الجماعي، اتسمت باتساع نطاقها وتعدد أشكالها، واستهدفت مدنيين/ات وممتلكاتهم بشكل مباشر، في سياق غياب حماية فعالة تحول دون وقوعها أو الحد منها.
6. دور الجهات الأمنية:
تثير الوقائع الموثقة تساؤلات جدية حول دور الجهات الأمنية خلال الأحداث، خاصة في ضوء تعدد الشهادات التي تشير إلى أن وجود عناصر الأمن العام في موقع الأحداث لم يقترن بتدخل فعّال لمنع الاعتداءات أو الحد منها. ففي حين حضرت دوريات أمنية إلى المكان عقب الشجار الأولي، تفيد الشهادات بأن الاعتداءات اللاحقة وقعت واستمرت في ظل هذا الوجود، دون اتخاذ إجراءات كافية لوقفها أو تفريق المعتدين.
وتذهب بعض الشهادات أبعد من ذلك، إذ تفيد بمشاهدات مباشرة لعناصر أمنية مرافقة لمجموعات من المعتدين خلال تحركاتهم داخل المدينة. ويقول أحد الشهود إنه شاهد دورية أمنية قريبة ترفض الاستجابة لطلب تدخل، قبل أن يلاحظ لاحقاً مرافقتها للمجموعة نفسها أثناء تنفيذ الاعتداءات.
وتتعزز هذه الإفادات بما اطلعت عليه “سوريون” من مواد مصوّرة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، تُظهر تحرّك آليات تابعة للأمن العام بالتزامن مع دخول مجموعات إلى المدينة، وفي بعض الحالات إلى جانبها بشكل مباشر، ما يثير مخاوف جدية بشأن طبيعة الدور الذي اضطلعت به هذه الجهات خلال الأحداث.
وفي هذا السياق، فإن امتناع الجهات الأمنية عن التدخل الفعّال لحماية المدنيين/ات وممتلكاتهم، يشكل إخلالاً بواجب الحماية المفروض عليها. بينما يثير أي سلوك ينطوي على تسهيل أو تغاضٍ عن الاعتداءات، أو المشاركة فيها، تساؤلات جدية حول مدى الامتثال للالتزامات القانونية المتعلقة بحفظ الأمن، وضمان احترام القانون، ومنع وقوع الانتهاكات.
في المقابل، تنفي الرواية الرسمية هذا التصور، وتؤكد أن قوى الأمن تدخلت لاحتواء ما وصفته بـ”مشاجرة جماعية”، وأنها أوقفت عدداً من المتورطين وأسهمت في إعادة الهدوء إلى المنطقة. غير أن هذا التباين بين الرواية الرسمية والشهادات والمواد المصوّرة المتداولة يعزز الحاجة إلى تحقيق مستقل وشفاف في طبيعة دور الجهات الأمنية خلال الأحداث.
7. حوادث سابقة تعكس نمطاً متكرراً من العنف والتحريض في السقيلبية:
لا تبدو الأحداث التي شهدتها السقيلبية يومي 27 و 28 آذار/مارس 2026 معزولة عن سياق أوسع من الحوادث السابقة التي شهدتها المدينة خلال الأشهر التي سبقتها، والتي اتسم بعضها بطابع عنيف أو تحريضي، واستهدفت تجمعات مدنية أو أماكن عامة يرتادها السكان.
ففي 7 كانون الأول/ديسمبر 2025، وخلال تجمع مدني للاحتفال بذكرى “تحرير سوريا”، أفادت إحدى الشهادات بأن شخصاً أقدم على إطلاق عبارات ذات طابع ديني قبل أن يفتح النار بشكل عشوائي على الحضور، ما تسبب بحالة من الذعر بين المدنيين. وتقول شاهدة أخرى إنها سمعت عبارات مثل “يا عباد الصليب” قبل أن يبدأ إطلاق النار، ما اضطر الحاضرين إلى الفرار والاحتماء.
وفي حادثة أخرى في اليوم ذاته، أفادت شهادة ثانية بأن مجموعة من الشبان قدمت من بلدة قلعة المضيق ودخلت شارع “المشوار”. وتوضح الشهادة أن الأجواء انقلبت خلال لحظات من حالة هدوء نسبي إلى فوضى كاملة، مع بدء إطلاق الشبان النار بشكل كثيف، قبل أن يُسمع دوي انفجار ناجم عن إلقاء قنبلة داخل التجمع. وقد دفع ذلك المدنيين/ات إلى الفرار والاحتماء داخل الأبنية والمحال أو في الطوابق السفلية، وسط حالة من الذعر الشديد استمرت حتى بعد توقف إطلاق النار.
كما تشير شهادات وثقتها “سوريون” إلى أن حوادث التحرش والمضايقات في السقيلبية تكررت منذ بداية عام 2025، حيث وثّق السكان حالات عديدة من دخول مجموعات من خارج المدينة، ومضايقة الفتيات بشكل علني، دون تدخل فعّال يردع هذه السلوكيات، الأمر الذي أسهم في خلق حالة من التوتر المتراكم داخل المجتمع المحلي. وقد أشارت الشاهدة “ريم” إلى أن هؤلاء الشباب كانوا يتوافدون على دراجات نارية يقودونها بطريقة استعراضية منذ بداية العام الماضي، وأضافت:
“في البداية ظننا أنها مجرد مراهقة عابرة، لكن الأمر تطوّر بسرعة إلى ظاهرة يومية تثير القلق. بدأنا نلحظ تصرفات لا أخلاقية: إطلاق ألفاظ نابية تجاه الفتيات، مضايقات علنية، بل وصل الأمر إلى ملاحقة الفتيات وتوجيه أوصاف مهينة لهن، وأحياناً اعتراض طريقهن عمداً.”
وتشير الشاهدة إلى أن عدم التعامل مع الأمر من قبل السلطات سمح لهؤلاء الشباب بالاستمرار بالتحرش:
“في منتصف شهر نيسان الماضي، تعرّضت فتاة عشرينية تسير برفقة والدتها لشتائم علنية من أحد الشبان، بينما قام آخر بمحاولة تصويرها بشكل استفزازي، دون أي تدخل من الحاضرين خوفاً من التصعيد. ورغم مناشداتنا المستمرة للجهات الأمنية، وكتابة شكاوى جماعية من الأهالي، لم يتم اتخاذ إجراءات كافية. بل وُضع حاجز أمني رمزي على مدخل الشارع، لكنه لم يمنع تكرار الحوادث.”
وفي ضوء هذه الإفادات، تبدو أحداث آذار/مارس 2026 امتداداً لتراكم من الحوادث التي اتسمت باستخدام العنف أو التهديد به في أماكن مدنية، وظهور أنماط من السلوك التحريضي أو التمييزي، إلى جانب ضعف الاستجابة الوقائية، وهو ما أسهم في خلق بيئة قابلة للتصعيد السريع، بدلاً من كونها حادثة معزولة أو مفاجئة.
8. التوصيات:
استناداً إلى ما ورد في هذا التقرير من معطيات وشهادات، وبالنظر إلى مسؤولية السلطة الانتقالية في ضمان حماية المدنيين/ات ومنع تكرار الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، تطرح “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” التوصيات التالية:
- فتح تحقيق مستقل وشفاف في أحداث السقيلبية يومي 27 و 28 آذار/مارس 2026، يشمل جميع الانتهاكات الموثقة، بما في ذلك أعمال العنف والاعتداء على الممتلكات، مع نشر نتائجه بشكل علني.
- التحقيق في المزاعم المتعلقة بتقاعس أو تورط عناصر من الجهات الأمنية خلال الأحداث، ومساءلة أي مسؤول يثبت تقصيره أو مشاركته، بما يضمن عدم الإفلات من العقاب.
- ضمان حماية المدنيين/ات وممتلكاتهم في حالات التوتر، واتخاذ تدابير فورية وفعّالة لمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات.
- الامتناع عن استخدام آليات الصلح المحلي كبديل عن المساءلة القانونية، وضمان ألا تؤدي تسويات مثل إسقاط الدعاوى إلى إعاقة تحقيق العدالة أو حرمان الضحايا من حقهم في الانتصاف. ويشمل ذلك ضمان حق المتضررين في الحصول على تعويضات عادلة وفعّالة عن الأضرار التي لحقت بهم، سواء كانت مادية (كتخريب الممتلكات أو فقدان مصادر الدخل) أو معنوية (كالضرر النفسي والخوف)، وذلك من خلال آليات واضحة وشفافة لتقييم الأضرار، وتحديد المسؤوليات، وصرف التعويضات دون تمييز.
- اتخاذ إجراءات واضحة لمنع خطاب الكراهية والتحريض على العنف، بما في ذلك رصد ومساءلة الأفراد الذين يطلقون تهديدات ذات طابع تمييزي، خاصة عندما تكون موجهة ضد جماعات على أساس ديني أو طائفي.
