الرئيسية تقاريرشمال شرق سوريا: وفاة علاء الأمين أثناء الاحتجاز: تحقيقات معلنة ومخاوف من غياب الشفافية

شمال شرق سوريا: وفاة علاء الأمين أثناء الاحتجاز: تحقيقات معلنة ومخاوف من غياب الشفافية

تطالب "سوريون" بالكشف عن ملابسات حالة الحرمان من الحرية والوفاة ونشر نتائج التحقيقات بشكل علني ومحاسبة المسؤولين وإنهاء الاحتجاز غير المعلن وتمكين العائلات من التواصل مع المحتجزين ومعرفة مصيرهم

بواسطة Author F
242 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

تم إنجاز هذا العمل بدعم من الاتحاد الأوروبي وبالشراكة مع “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights” . إن محتويات هذا المنشور هي مسؤولية “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” فقط/الجهة الناشرة،  ولا تعكس بالضرورة آراء “الاتحاد الأوروبي” وآراء “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights”.

1. مقدمة:

يتناول هذا التقرير قضية وفاة الشاب الكردي علاء الدين عدنان الأمين، البالغ من العمر 35 عاماً، وهو مواطن سوري يحمل الجنسية السويدية، وذلك خلال فترة احتجازه لدى جهة أمنية تابعة للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، بحسب ما أقرّ به القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي وقوات الأمن الداخليالأسايش.

ويستند هذا التحقيق الموجز إلى مجموعة من الشهادات المباشرة التي جُمعت من أفراد عائلته ومحيطه بعد أخذ موافقاتهم المستنيرة، إضافة إلى معطيات مفتوحة المصدر، ومواد بصرية، ووثائق رسمية، وقرائن طبية، بهدف إعادة بناء تسلسل الأحداث وتحديد أبرز النقاط التي تعد انتهاكات قانونية وحقوقية في هذه القضية.

وإلى جانب الشهادات، اعتمد التقرير على أدلة داعمة اطّلعت عليها “سوريون”، تشمل صوراً للجثمان، ومقطعاً مصوراً خلال عملية الاعتقال، وتقارير طبية وشعاعية، إضافة إلى وثائق رسمية تتعلق بدخول الضحية إلى البلاد.

تشير المعطيات المتوفرة إلى أن علاء اعتُقل من منزل عائلته في مدينة القامشلي خلال مداهمة ليلية نفذتها مجموعة مسلحة لم تعرّف عن نفسها، قبل أن تنكر الجهات الأمنية لاحقاً أي علم بمصيره، في وقت واصلت فيه العائلة البحث عنه عبر مختلف المؤسسات الرسمية والوساطات غير الرسمية، دون جدوى.

وبعد نحو أربعة أشهر من الاختفاء، تلقت العائلة اتصالاً يطلب منها التوجه إلى مدينة الحسكة لاستلامه، لتكتشف لاحقاً أن المطلوب هو استلام جثمانه، لا الإفراج عنه. وقد رافقت هذه الواقعة رواية رسمية أولية تفيد بأن الوفاة ناجمة عن “جلطة قلبية”، في حين تكشف المعطيات الطبية المتاحة عن وجود إصابة رضّية جسيمة في الرأس، ما يثير تساؤلات جدية حول الرواية الرسمية حول ظروف وسبب الوفاة أثناء الاحتجاز.

لا تقتصر خطورة هذه القضية على واقعة الوفاة بحد ذاتها، بل تمتد إلى مجمل السياق الذي أحاط بها، بما في ذلك إنكار الاحتجاز في مراحله الأولى، وغياب الشفافية بشأن مصير الضحية، والتناقض بين الرواية الرسمية وبعض القرائن الطبية، إلى جانب إفادات العائلة التي تشير إلى وجود آثار عنف وإصابات على جسد الضحية عند استلامه.

وقد تفاقمت هذه المخاوف مع الاعتداء على خيمة العزاء المخصصة لتأبين الضحيّة وإحراقها، فيما يبدو أنه امتداد للانتهاكات ومحاولة لترهيب العائلة.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ضوء التصريحات الرسمية لقوات الأسايش (الأمن الداخلي)، التي أقرّت بوقوع الوفاة أثناء الاحتجاز وأعلنت تشكيل لجنة تحقيق، وهو ما يضع على عاتق السلطات المعنية التزاماً واضحاً بكشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات. غير أن غياب معلومات معلنة حول نتائج تحقيقات سابقة في قضايا مشابهة، من بينها قضية أمين عيسى الذي قتل في سجن تابع للإدارة الذاتية في الحسكة عام 2021، يثير مخاوف جدّية من أن تنتهي هذه القضية أيضاً دون مساءلة فعلية أو شفافة، بما يكرّس شكلاً آخراً مقلقاً من الإفلات من العقاب.

ولا تقتصر هذه المخاوف على حالات فردية، إذ تشير تقارير حقوقية دولية إلى استمرار تسجيل وفيات أثناء الاحتجاز في مناطق شمال شرق سوريا، بما في ذلك حالات مرتبطة بالتعذيب وسوء المعاملة وظروف الاحتجاز اللاإنسانية. فقد وثّقت منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر عام 2024 حالات وفاة داخل مراكز احتجاز تديرها جهات تابعة للإدارة الذاتية، في سياق أنماط أوسع من الانتهاكات، شملت التعذيب والاحتجاز التعسفي وغياب الضمانات القانونية. كما دعت منظمات حقوقية أخرى إلى فتح تحقيقات مستقلة في حوادث وفاة محتجزين في هذه المراكز.

وفي موازاة ذلك، لم تتوقف هذه الانتهاكات عند حدود جهة بعينها، بل استمرت أيضاً في سياق التحولات السياسية التي أعقبت سقوط النظام، حيث وثّق تحقيق صحفي نشرته وكالة رويترز حالات وفاة تحت التعذيب أو بعده داخل مراكز احتجاز تديرها السلطات السورية الانتقالية، في ظل غياب رقابة فعالة أو مساءلة واضحة. ويعكس هذا التداخل في الأنماط، عبر جهات مختلفة، مشكلة بنيوية أوسع تتعلق بغياب الضمانات الأساسية لسلامة المحتجزين، واستمرار الإفلات من العقاب في قضايا الوفاة أثناء الاحتجاز في سوريا.

في هذا السياق، يسعى هذا التقرير إلى عرض الوقائع كما وثّقتها الشهادات المتاحة والأدلة الداعمة، وتحليلها في ضوء المعايير القانونية ذات الصلة، مع إبراز التناقضات القائمة، وتحديد النقاط التي تتطلب تحقيقاً مستقلاً وشفافاً، بما يكفل ضمان الحق في معرفة الحقيقة، ومساءلة المسؤولين، ومنع تكرار مثل هذه الانتهاكات.

     2. مداهمة غير مبررة واعتقال دون أساس قانوني:

بدأت وقائع القضية، بحسب إفادات العائلة، بعد عودة علاء الأمين إلى مدينة القامشلي في 7 أيلول/سبتمبر 2025، قادماً من أوروبا لاستكمال إجراءات مدنية تتعلق بلمّ شمل زوجته وسفرها معه إلى السويد. وتشير الشهادات إلى أنه، وبعد وصوله سوريا بأيام، سافر إلى دمشق لمتابعة بعض المعاملات الرسمية، قبل أن يعود مجدداً إلى القامشلي.

وتفيد العائلة بأن الأوضاع كانت طبيعية في الأيام الأولى، قبل أن تتعرض لمداهمة أولى لمنزلها في وقت متأخر من الليل، حيث حضرت مجموعة مسلحة إلى الحي وانتشرت حول المنزل، ثم قامت بطرق الباب بعنف قبل أن تدخل دون إبراز أي مذكرة قانونية أو تعريف رسمي.

في تلك الليلة لم يكن علاء في المنزل، وبحسب الإفادات، قام العناصر بتفتيش المكان بشكل دقيق، وفتح الخزائن والبحث في الأغراض الشخصية، كما طرحوا أسئلة عامة دون توضيح سبب المداهمة، قبل أن يغادروا المكان دون تنفيذ أي اعتقال أو مصادرة واضحة، ودون تقديم أي تفسير رسمي بشأن أسباب ما جرى.

حاول علاء بنفسه الاستفسار عن أسباب المداهمة، حيث توجّه إلى المحكمة وسأل عن خلفيتها، فكان رد أحد الموظفين هناك:

“ليس هناك سبب يستدعي السؤال… اذهب إلى بيتك ولا تهتم. طالما أنهم لم يأخذوا شيئاً ولم يعتقلوا أحداً فليس هناك ما يستدعي الخوف”.

كما علمت العائلة حينها، عبر محاولات غير رسمية للتحقق من وضعه القانوني، أنه غير مطلوب لدى الجهات الأمنية، وهو ما عزّز قناعة العائلة بعدم وجود مبرر لأي إجراء بحقه.

إلا أن هذه المؤشرات تبدّلت بشكل مفاجئ بعد أيام؛ ففي 20 تشرين الأول/أكتوبر 2025، نفّذت مجموعة مسلحة مداهمة ثانية للمنزل في ساعات متأخرة من الليل. وتصف والدة الضحية لحظة الاعتقال بالقول:

“فجأة اقتحموا بيتنا… ودخلوا شقة ابني من الشباك… قبضوا فوراً على علاء، كان يلبس ثياب النوم وحافي القدمين عندما أخذوه معهم”.

وتضيف أن العناصر كانوا “ملثمين ويرتدون الثياب العسكرية”، وأنهم لم يعرّفوا عن أنفسهم أو الجهة التي يتبعون لها، مشيرة إلى أن القوة المداهمة كانت مؤلفة من أربع سيارات، بينها سيارة فان بزجاج معتم كانت تقف في رأس الشارع، وسيارة بيك آب، وسيارة جيب بيضاء اللون، إضافة إلى فان أخرى كانت تقف في الجهة المقابلة. وتوضح أن عدد العناصر الذين شاركوا مباشرة في الاعتقال تراوح بين خمسة وستة رجال إضافة إلى امرأتين، بينما بقي بقية العناصر داخل العربات. كما أفادت بأن علاء أُدخل إلى سيارة الجيب رغم تجمع عدد من أهالي الحي في المكان، وأن العناصر أطلقوا النار في الهواء واستخدموا قنبلة صوتية أثناء العملية، ما أدى إلى حالة من الذعر بين أفراد العائلة وسكان الحي.

وتؤكد الشهادة أن عملية الاعتقال جرت دون تقديم أي تفسير أو توجيه تهمة، رغم محاولات العائلة الاستفسار، حيث قالت الأم أنها صرخت في وجه العناصر: “ماذا تريدون منه؟ لم نرتكب شيئاً… لسنا إرهابيين”، إلا أن العناصر “لم يذكروا أي سبب… فقط قبضوا على علاء وأخذوه”.

كما تشير إفادات العائلة إلى أن العناصر صادروا الهواتف المحمولة خلال المداهمة لمنع العائلة من توثيق ما جرى، قبل أن يعيدوا الأجهزة لاحقاً عند مغادرتهم. وفي أعقاب ذلك، وصلت دوريات أمنية أخرى إلى المكان تابعة لقوى الأمن الداخلي “الأسايش”، وأجبرت أفراد العائلة على حذف المقاطع التي صوروها خلال الاعتقال، ما أدى إلى فقدان عدة تسجيلات كانت توثق لحظة المداهمة، وحدّ من إمكانية الاحتفاظ بأدلة بصرية كاملة لعملية الاعتقال، عدا عن فيديو قصير واحد يتألف من عدّة ثواني اطلعت عليه “سوريون”، يظهر فيه عناصر ملثمون وسياراتهم.

تعكس هذه الوقائع، كما ترد في الشهادات، نمطاً من الاعتقال الذي يتم دون إبراز صفة رسمية أو أساس قانوني واضح، وفي ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الضمانات الإجرائية، وهو ما شكّل بداية مرحلة طويلة من انقطاع الأخبار حول مصير علاء الأمين.

     3. رحلة البحث عن المصير: إنكار رسمي وابتزاز مالي:

عقب عملية الاعتقال، بدأت العائلة رحلة بحث مكثفة عن مصير علاء، اتسمت بالتنقل بين مختلف الجهات الأمنية والقضائية، دون الحصول على أي معلومات واضحة أو مؤكدة. وبحسب إفادات العائلة، توجه والد علاء في اليوم التالي إلى مراكز الأسايش، حيث نُفي وجوده لديهم بشكل قاطع، ثم راجع محكمة “الإرهاب” وجهات أمنية أخرى، ليُقابل بالإجابة ذاتها: عدم وجود أي معلومات عن احتجازه.

وتشير الشهادات إلى أن العائلة عرضت مقطع الفيديو الذي يصور القوات المسلحة الملثمة خلال عملية الاعتقال على بعض الجهات الرسمية، وسألت بشكل مباشر عمّا إذا كانت العناصر الظاهرة فيه تتبع لها، حيث كان الرد، بحسب إفادة أحد أقربائه: “نعم هذه سياراتنا”، إلا أن ذلك لم يتبعه أي اعتراف باحتجاز علاء أو توضيح لمصيره، ما عمّق حالة الغموض والقلق لدى العائلة.

في ظل هذا الإنكار المتكرر، لجأت العائلة إلى البحث عبر قنوات غير رسمية، بما في ذلك ما يُعرف محلياً بـ”الوساطات”، على أمل الحصول على معلومات أو تأمين الإفراج عنه. ووفق شهادة قريب الضحية، تم التواصل مع أشخاص يُعتقد أنهم مرتبطون أو نافذون ضمن المؤسسات الأمنية، حيث “أكد أحدهم أنه سيُخرج علاء”، مقابل مبلغ مالي كبير، دفعته العائلة بالفعل، دون أن يؤدي ذلك إلى أي نتيجة. وتضيف الشهادة أن العائلة دفعت مبلغاً أولياً قدره 7500 دولار أمريكي لشخص وعد بكشف مصيره، قبل أن يتبين لاحقاً أنه لم يفِ بوعده. كما جرى الاتفاق مع شخص آخر على دفع مبلغ إضافي قدره 2500 دولار، أُودع لدى طرف ثالث، مقابل الحصول على معلومات، ولكن دون فائدة، مما يعكس حالة الابتزاز التي تواجهها عادة عائلات المحتجزين أو المختفين في ظل غياب القنوات الرسمية الفعالة.

وبالتوازي مع ذلك، استمرت مراجعات العائلة للجهات الرسمية، بما في ذلك المحاكم والجهات الأمنية، دون الحصول على أي تأكيد لوجود علاء أو توجيه أي تهمة بحقه. وتشير إفادة والدة الضحية إلى حجم اليأس الذي وصلت إليه العائلة، حيث قالت أنها توجّهت إلى المحكمة مهددة بالتصعيد قائلة: “إذا لم تخبروني الآن أين هو ابني فسأقوم بحرق جسدي هنا أمام المحكمة”، في محاولة للضغط على الجهات المعنية للكشف عن مصيره، إلا أن ذلك لم يُفضِ إلى نتيجة فعلية.

كما تفيد الشهادات بأن العائلة امتنعت طوال فترة اختفائه عن نشر قضيته إعلامياً، خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى الإضرار به، في ظل قناعة سائدة لديهم بأنه محتجز لدى جهة أمنية، وأن إثارة القضية قد تنعكس سلباً على سلامته. وبقيت هذه القناعة قائمة إلى أن تلقت العائلة الاتصال الذي غيّر مسار القضية بشكل كامل.

     4. من وعد بالإفراج إلى إعلان الوفاة:

بعد أشهر من البحث دون نتيجة، تلقت عائلة علاء في 8 آذار/مارس 2026، اتصالاً هاتفياً شكّل نقطة تحول حاسمة في مسار القضية. وبحسب إفادة والدته، جاء الاتصال أولاً عبر وسيط طلب رقم والد علاء، قبل أن يتلقى الأخير اتصالاً مباشراً من شخص يتحدث العربية، قال له: “أنتم لكم سجين اسمه علاء الدين عدنان الأمين… اذهب إلى الحسكة واستلم ابنك”، دون تقديم أي تفاصيل إضافية حول مكان الاحتجاز أو وضعه الصحي.

توضح الشهادة أن هذا الاتصال أثار مزيجاً من الأمل والقلق داخل العائلة، إذ بدا للوهلة الأولى أنه تمهيد للإفراج عنه، غير أن بعض المؤشرات أثارت الشكوك، حيث قالت والدة الضحية: “شعرت بنخزة في قلبي… لأنهم عادة لا يقولون تعالوا استلموا سجينكم”، في إشارة إلى اختلاف هذا الإجراء عن الممارسات المعتادة في حالات الإفراج.

وبعد وقت قصير، وأثناء توجه العائلة إلى مدينة الحسكة، ورد اتصال ثانٍ من رقم مختلف، هذه المرة من شخص يتحدث اللغة الكردية، وكانت صورة حسابه تحمل علم حزب العمال الكردستاني، أبلغ والد علاء بشكل مباشر: “اذهبوا إلى المشفى الوطني واستلموا جنازة ولدكم”. شكّل هذا الاتصال صدمة للعائلة، إذ كشف للمرة الأولى عن وفاة علاء، بعد أشهر من الإنكار الكامل لوجوده لدى أي جهة رسمية.

عند وصول العائلة إلى المشفى الوطني في الحسكة، لم تتمكن في البداية من العثور على الجثمان، قبل أن يتم إبلاغهم بأن “اذهبوا أنتم وابحثوا عنه في البرادات”، فبحثوا إلى أن عثروا عليه. وتصف والدة الضحية لحظة العثور عليه بالقول إن الجثمان لم يكن محفوظاً بشكل لائق، بل “موضوعاً في غرفة أشبه بالمزابل”، بجانب الحمامات، ومغطى بكيس ممزق، وعلى طاولة خارج البراد ليستلمه أهله، في ظروف لا تتوافق مع المعايير الطبية أو الإنسانية المعتمدة في التعامل مع الجثامين.

وتضيف الشهادة أن علاء كان عند استلامه “مكبل اليدين”، وأن جسده أظهر آثار إصابات واضحة، من بينها نزيف في الرأس وكسور في الأنف، إلى جانب آثار ضربات في مناطق مختلفة، وهو ما يعزز نظرية تعرضه لعنف شديد قبل وفاته.

كما تشير إفادات العائلة إلى أنه تم تسليمهم تقريراً طبياً أولياً، اطلعت عليه “سوريون”، يفيد بأن الوفاة ناجمة عن جلطة قلبية، بتاريخ 16 كانون الثاني/يناير 2026، أي قبل نحو شهرين من إبلاغ العائلة بوفاته، وهو ما يطرح تساؤلات إضافية حول سبب تأخر إبلاغهم، واستمرار إنكار وجوده خلال تلك الفترة.

تعكس هذه الوقائع، مجتمعة، فجوة جوهرية بين ما تعرّضت له العائلة خلال فترة الاختفاء، وما قُدّم لها لاحقاً من رواية رسمية أولية بشأن الوفاة. فبعد أشهر من الإنكار الكامل لوجود علاء لدى أي جهة أمنية، تبيّن أنه كان محتجزاً وتوفي خلال تلك الفترة، دون أي إشعار مسبق لعائلته. كما أن المعطيات المتعلقة بحالة الجثمان، وما تضمنته إفادات العائلة من وجود إصابات وآثار عنف، تثير تساؤلات جدية حول ظروف احتجازه والمعاملة التي تعرض لها قبل وفاته، خاصة في ظل إرجاع سبب الوفاة إلى جلطة قلبية دون معالجة واضحة لهذه المؤشرات. وتشكل هذه التناقضات نقطة مفصلية في القضية، وتضع عبئاً واضحاً على الجهات المعنية لتقديم تفسير شفاف ومتماسك لما جرى داخل مكان الاحتجاز خلال الفترة التي ظل فيها مصير علاء مجهولاً.

     5. القرائن الطبية والتناقض في سبب الوفاة:

في سياق محاولة فهم ملابسات الوفاة، اطّلعت “سوريون” على تقارير طبية وشعاعية تتعلق بجثمان الضحية، بما في ذلك تصوير طبقي محوري للدماغ والصدر أجرته العائلة بتاريخ 9 آذار/مارس 2026، إضافة إلى تقرير طبي شرعي أولي صادر عن مشفى الحسكة بتاريخ 16 كانون الثاني/يناير 2026.

وبحسب إفادة طبيبة مختصة في الأشعة تحدثت إليها “سوريون”، فإن جزءً كبيراً من النتائج الظاهرة في التصوير، مثل وجود سوائل أو غازات أو تغير شكل أنسجة الدماغ، يمكن تفسيره بعوامل مرتبطة بمرور الوقت بعد الوفاة، ولا يشكّل بحد ذاته دليلاً على سبب محدد.

في المقابل، أظهرت الصور بشكل واضح وجود كسر في العظم الجداري الأيسر من الجمجمة، وهو معطى طبي لا يُفسَّر عادةً بتغيرات ما بعد الوفاة، ويدل على تعرض الرأس لرضّ أو ضربة قوية.

وتكمن أهمية هذه النتيجة في أنها لم تنعكس بشكل واضح في التقرير الطبي الشرعي الأولي، الذي أرجع سبب الوفاة إلى جلطة قلبية، دون الإشارة إلى وجود إصابة رضّية في الرأس أو تقديم تفسير لها. وبالتالي، فإن هذا التباين يطرح تساؤلات جدية حول صحة التقييم الطبي الشرعي ودقته واستقلاليته.

     6. الاعتداء على خيمة العزاء: امتداد الانتهاك ومحاولة الترهيب:

عقب استلام جثمان علاء ودفنه في 9 آذار/مارس 2026، نصبت عائلته خيمة عزاء في حي السياحي بمدينة القامشلي، حيث استمرت باستقبال المعزين لعدة أيام، في ظل حالة من التوتر والغضب الشعبي المحيط بالقضية. غير أن هذه المرحلة لم تخلُ من أحداث جديدة، تمثلت في الاعتداء على خيمة العزاء وإحراقها خلال ساعات الليل.

وبحسب إفادة أحد أقرباء الضحية، وقعت الحادثة قرابة الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل، حين لاحظ اثنان من أبناء العائلة وجود أشخاص يقومون برش مادة قابلة للاشتعال على الخيمة قبل إضرام النار فيها. ويقول الشاهد: “كانا شخصين ملثمين… وضعا المازوت على الخيمة، ولما هجمنا عليهما، أطلقا النار باتجاهنا وشتما الشهيد وعائلته”، قبل أن يفرّا من المكان باستخدام سيارة كانت بانتظارهما.

وتشير الشهادة إلى أن المهاجمَين قاما أيضاً بإزالة صورة علاء من واجهة الخيمة قبل إحراقها، في سلوك يعكس طابعاً استهدافياً يتجاوز مجرد التخريب المادي. وقد تمكن أهالي الحي من التدخل وإخماد الحريق، قبل وصول فرق الإطفاء وقوات الأسايش إلى المكان، التي باشرت بإجراء تحقيق أولي ومراجعة كاميرات المراقبة في المنطقة.

وفي موازاة ذلك، أشارت إفادات متقاطعة حصلت عليها “سوريون” إلى الاشتباه بضلوع عناصر يُعتقد أنهم مرتبطون بحركة “الشبيبة الثورية”، وهي مجموعة شبابية معروفة باسم “جوانن شورشكر”، في تنفيذ الهجوم. كما أفادت بعض الشهادات بوجود مقر يُستخدم من قبل هذه المجموعة في منطقة مشتل حي قدور بك في القامشلي. ومع ذلك، لم تتمكن “سوريون” من التحقق بشكل مستقل من هذه المعلومات أو تأكيدها بشكل قاطع.

وفي بيان رسمي نشرته قوى الأمن الداخلي “الأسايش” حول الحادثة، أدانت فيه استهداف خيمة العزاء، أكدت ما يلي: “باشرت قواتنا المختصة وبالتنسيق مع اللجنة المشكلة تحقيقات مكثفة وفورية، أفضت إلى إلقاء القبض على ثلاثة أشخاص متورطين بشكل مباشر في هذه الحادثة. يخضع الموقوفون حالياً لعمليات استجواب دقيقة لكشف كافة الدوافع ومن ورائها. كما سنقوم بمشاركة نتائج التحقيق مع الرأي العام فور استكمالها، وضمان إحالة الموقوفين إلى القضاء لينالوا جزاءهم”. من جهته، أدان القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، الهجوم على خيمة العزاء، واصفاً إياه بأنه “عمل تخريبي”، ومؤكداً أن الجهات المعنية ستتابع التحقيق وتعمل على محاسبة المسؤولين. وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لا تتوفر أي معلومات إضافية حول نتائج هذا التحقيق أو الإجراءات التي تم اتخاذها على ضوءه.

في هذا السياق، لا يمكن فصل الاعتداء على خيمة العزاء عن مجمل الوقائع التي أحاطت بالقضية، إذ يشكّل هذا الحدث مؤشراً إضافياً على بيئة ضاغطة ومتوترة تعيشها العائلة، ويثير مخاوف بشأن تعرضها لأعمال ترهيب أو تضييق، خاصة في ظل حساسية القضية وغياب توضيحات رسمية شاملة حول ملابسات الوفاة.

وتعزز هذه الحادثة من القلق القائم حول ضمانات الأمان للعائلات التي تسعى إلى معرفة مصير أبنائها والمطالبة بالعدالة، كما تطرح تساؤلات حول مدى قدرة الجهات المعنية على توفير الحماية ومنع تكرار مثل هذه الأفعال، ومحاسبة المسؤولين عنها بشكل شفاف وفعّال.

     7. أنماط الانتهاكات والسياق الأوسع: تحقيقات دون محاسبة:

تكشف الوقائع الواردة في هذه القضية عن تداخل عدة أنماط من الانتهاكات التي لا يمكن قراءتها بمعزل عن بعضها، إذ تبدأ باعتقال تم في ظروف ليلية دون إبراز صفة قانونية أو توضيح الأسباب، تلاه إنكار متكرر لوجود الضحية لدى الجهات الأمنية التابعة للإدارة الذاتية، ثم انقطاع كامل للأخبار حول مصيره لفترة امتدت لأشهر، قبل أن يتم إبلاغ العائلة بشكل غير رسمي بوفاته. ويشير هذا التسلسل إلى نمط يتجاوز واقعة الاعتقال بحد ذاتها، ليشمل الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، وحرمان العائلة من معرفة مصير أحد أفرادها، في ظل غياب أي قناة رسمية فعالة للحصول على المعلومات أو الطعن في قانونية الاحتجاز.

كما أن المعطيات المتعلقة بظروف الوفاة، والتناقضات المحيطة بسببها، وما أشارت إليه العائلة من وجود علامات تعذيب على الجثة، تثير مخاوف جدية بشأن سلامة المحتجزين أثناء الاحتجاز، وطرق التحقيق، وآليات التعامل مع حالات الوفاة داخله. ويزداد هذا القلق في ظل غياب توضيحات رسمية مفصلة أو تقارير نهائية معلنة تفسر ما جرى بشكل متكامل، رغم الإعلان عن تشكيل لجنة تحقيق، والتعهد بمحاسبة المسؤولين، ما يعيد طرح الإشكالية المرتبطة بغياب الشفافية حول مآلات هذه اللجان.

ولا تبدو هذه القضية معزولة عن سياق أوسع، إذ سبق أن أُثيرت مخاوف مشابهة في حالات سابقة، من بينها قضية أمين عيسى، الذي توفي أثناء احتجازه عام 2021 في سجن تابع للإدارة الذاتية في الحسكة، وتسلّمت عائلته جثمانه وعليه آثار إصابات بالغة. وفي المقابل، نفت قوات سوريا الديمقراطية مسؤوليتها عن الحادثة، وأرجعت الوفاة إلى أسباب صحية، في وقت أعلنت فيه عائلة الضحية استعدادها لإعادة تشريح الجثة بشكل علني وبحضور مختصين وجهات مستقلة. ورغم الجدل الواسع الذي أثارته القضية آنذاك، لم تُنشر نتائج تحقيق واضحة أو نهائية تحدد المسؤوليات، وهو ما يعزز المخاوف من أن تنتهي قضية علاء الأمين بدورها دون مساءلة فعلية أو شفافة، بما يكرّس نمطاً مقلقاً من الإفلات من العقاب.

وفي هذا السياق، تبرز إشكالية أوسع تتعلق بالإعلان المتكرر عن تشكيل لجان تحقيق في مثل هذه القضايا، دون أن يترافق ذلك مع نشر نتائج واضحة أو اتخاذ إجراءات محاسبة يمكن تتبعها. فغياب الشفافية حول مآلات هذه التحقيقات، وعدم إتاحة نتائجها للرأي العام أو لعائلات الضحايا، يحدّ من فعاليتها، ويُبقي هذه القضايا ضمن دائرة الغموض، ويعزز مناخ غياب المساءلة وما يترتب عليه من تقويض الثقة في آليات العدالة وإمكانية تكرار الانتهاكات دون رادع.

     8. التوصيات:

في ضوء الوقائع الواردة في هذا التقرير، وفي ظل التحولات الجارية في شمال شرق سوريا وإعادة ترتيب الأدوار بين الجهات الأمنية والإدارية، تؤكد “سوريون” أن ضمان الشفافية والمساءلة في مثل هذه القضايا يشكّل شرطاً أساسياً لمنع تكرار الانتهاكات، واستعادة الثقة في أي ترتيبات أمنية أو إدارية قائمة أو قيد التشكل في المنطقة. وعليه، توصي “سوريون” بما يلي:

  • على السلطات القائمة في شمال شرق سوريا، بما في ذلك الإدارة الذاتية والأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة لها، الكشف الفوري عن كامل ملابسات احتجاز ووفاة علاء الأمين، ونشر نتائج أي تحقيق دون تلكؤ، بما يضمن تحديد المسؤوليات الفردية والمؤسساتية، ومحاسبة المتورطين. عليها أيضاً الكشف عن أماكن احتجاز جميع المحتجزين، وضمان تمكين عائلاتهم ومحاميهم من معرفة مصيرهم والتواصل معهم بصورة منتظمة، وإنهاء أي شكل من أشكال الاحتجاز غير المعلن.
  • على الحكومة السورية، في إطار الاتفاقات الجارية مع الجهات المسيطرة في شمال شرق البلاد، ضمان إدماج هذه القضايا ضمن مسار المساءلة الوطنية، واتخاذ خطوات فعلية لضمان عدم تكرار حالات الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب، بما يشمل وضع آليات واضحة لتسجيل جميع أماكن الاحتجاز والإشراف عليها، وضمان تمكين العائلات والمحامين من الوصول إلى معلومات دقيقة حول مصير المحتجزين والتواصل معهم بصورة منتظمة.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد