لكل السوريين والسوريات الحق في التمتع بحقوق المواطنة على قدم المساواة، دون أي تمييز. وانطلاقًا من هذا المبدأ، تقتضي العدالة القانونية ومتطلبات التعافي وتعزيز السلم الأهلي، معالجة الثغرات التشريعية الموروثة التي باتت تشكل عائقًا أمام بناء دولة القانون وترسيخ الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في سوريا.
وفي مقدمة هذه الثغرات، يبرز استمرار العمل بالمرسوم التشريعي رقم (276) لعام 1969، الذي لا يُقر للمرأة السورية بحق مساوٍ للرجل السوري في نقل جنسيتها إلى أبنائها وبناتها تلقائياً وبقوة القانون. ولم يعد هذا القيد مجرد مسألة تمييز قانوني، بل أصبح سببًا مباشرًا في حرمان آلاف الأبناء/البنات من الحماية القانونية والاعتراف الرسمي، وتعريضهم/ن لخطر انعدام الجنسية، ولا سيما في ظل ما خلّفته سنوات النزاع من حالات فقدان للوثائق، وغياب للآباء، وعدم توثيق للزيجات والولادات.
إن استمرار تحميل الأم السورية تبعات هذه الظروف الاستثنائية، وعجزها عن تأمين الوضع القانوني لأبنائها/بناتها رغم تمتعها بالجنسية السورية، يكشف عن خلل تشريعي يتعارض مع مبادئ المساواة والمواطنة، ويستوجب معالجته بما ينسجم مع الالتزامات الدستورية والدولية للدولة السورية.
الآثار القانونية والاجتماعية والاقتصادية لاستمرار القانون الحالي
أولاً: تعارض مع المبادئ الدستورية
يشكل استمرار القانون الحالي عائقًا أمام التطبيق الفعلي للإعلان الدستوري لعام 2025، ولا سيما ما يتعلق بمبدأ المساواة بين المواطنين/ات في المادتين (10) و (20) و (21) ، وحماية الأسرة باعتبارها النواة الأساسية للمجتمع، بما يستدعي مواءمة التشريعات النافذة مع المبادئ الدستورية.
ثانياً: اتساع دائرة انعدام الهوية القانونية
تواجه آلاف الأمهات السوريات، صعوبات بالغة في تسجيل أطفالهن بسبب غياب الأب، أو فقدان الوثائق الرسمية، أو تعذر توثيق الزواج خلال سنوات النزاع، مما يحرمهم/ن من الاعتراف القانوني ويقيد حصولهم/ن على حقوقهم/ن الأساسية.
ثالثاً: الإقصاء الاجتماعي وتعطيل التنمية
إن معاملة أبناء وبنات المواطنات السوريات كأجانب داخل وطنهم وتصنيفهم/ن كرعايا أجانب يقيد قدرتهم/ن على التمتع الكامل بالحقوق والخدمات والوصول إليها، بما في ذلك التعليم والعمل والتملك والرعاية الصحية، الأمر الذي يفاقم الهشاشة الاجتماعية، ويهدر طاقات بشرية يمكن أن تسهم في إعادة الإعمار والتنمية.
رابعاً: أعباء إدارية وأمنية
يفرض استمرار القانون الحالي أعباء متزايدة على مؤسسات الدولة، ولا سيما الجهات المختصة بالأحوال المدنية والهجرة والجوازات، نتيجة الإجراءات المتكررة المتعلقة بالإقامة والتأشيرات والتدقيق الإداري، رغم أن أبناء/بنات المواطنات السوريات يرتبطون بالمجتمع السوري ارتباطًا فعليًا ودائمًا، بما يجعل استمرار هذه الإجراءات عبئًا إداريًا لا يحقق مصلحة وطنية حقيقية.
إن إصلاح قانون الجنسية ليس مجرد ملف حقوقي، بل هو استحقاق دستوري وضرورة وطنية لحماية الأسرة السورية، ومنع امتداد آثار الثغرات التشريعية إلى الأبناء والبنات الذين لا ذنب لهم في الظروف التي ولدوا أو عاشوا فيها. فحرمانهم من الاعتراف القانوني يرافقهم في مختلف مراحل حياتهم، وينعكس مباشرة على حقوقهم/ن، مما يضعف كفاءة المجتمع بقدرته على التعافي.
كما يمثل هذا الإصلاح خطوة أساسية لتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، وبناء إدارة مدنية أكثر كفاءة وشفافية قائمة على وضوح القاعدة القانونية. ولتحقيق الأثر المنشود، ينبغي أن يتكامل التعديل التشريعي المرتقب مع مسارات إدارية وتنفيذية واضحة تضمن معالجة الأوضاع القائمة، وتضمن الانتقال السلس نحو منظومة قانونية أكثر عدلاً واستقراراً.
وانطلاقاً من ذلك، يطالب الموقعون والموقعات على هذا البيان بما يلي:
أولاً: تعديل المرسوم التشريعي رقم (276) لعام 1969:
بما يكفل النص صراحة على حق المرأة السورية في منح جنسيتها لأبنائها/بناتها تلقائيًا وبقوة القانون، دون أي شروط أو قيود تمييزية، تحقيقًا للمساواة وإنهاءً للتمييز التشريعي، وتعزيزًا لاستقرار الأسرة السورية, وحمايةً لحقوق الطفل.
ثانياً: اعتماد تدابير لجبر الضرر القانوني والإداري:
من خلال تسوية أوضاع أبناء/ بنات السوريات المولودين قبل تعديل القانون، والاعتراف بحقوقهم/ن المكتسبة، دون تحميل أسرهم/ن أي أعباء مالية أو غرامات نتجت عن القيود القانونية السابقة.
ثالثاً: تبسيط إجراءات تسجيل الولادات:
عبر توفير مسارات إدارية وقضائية ميسرة لتسجيل أبناء/بنات المواطنات السوريات داخل سوريا وخارجها، بما يضمن حصولهم/ن على جنسيتهم/ن وحقوقهم/ن القانونية دون تعقيدات إجرائية.
رابعاً: اعتماد تدابير انتقالية عاجلة:
تتمثل في إلغاء القيود التمييزية المفروضة على أبناء/ بنات السوريات، وتمكينهم/ن من التمتع بحقوقهم/ن المدنية والخدمية والاقتصادية إلى حين استكمال الإصلاح التشريعي.
إن تعديل قانون الجنسية السوري هو استحقاقٌ دستوريٌ وضرورة وطنية تمليها مصلحة الدولة السورية الجديدة. وقد أظهرت التجارب المقارنة في عدد من الدول، ومنها مصر وتونس والجزائر والمغرب وتركيا، أظهرت إمكانية إقرار حق الأم في نقل جنسيتها ضمن أطر قانونية واضحة، بل أسهم في الحد من حالات انعدام الجنسية، وتعزيز الاستقرار الأسري، وتحسين كفاءة الإدارة المدنية.
وإيماناً بأن إصلاح التشريعات مسؤولية وطنية مشتركة، تدعو حملة “جنسيتي من حقّن” السوريين والسوريات، والأكاديميين/ات، والقانونيين/ات، والشخصيات العامة، ومنظمات المجتمع المدني، وكل المؤمنين والمؤمنات بقيم المواطنة المتساوية وسيادة القانون، إلى دعم هذا البيان والتوقيع عليه؛ تأكيداً لحق كل ابن وابنة لأم سورية في التمتع بالجنسية السورية وبكامل حقوق المواطنة دون تمييز، وبما يعزز وحدة المجتمع السوري ومستقبل أجياله.
((من أجل أسرة سورية متماسكة، وطفولة محمية، ومواطنة متساوية))
