الرئيسية بيانات صحفيةرسالة مشتركة حول التهجير القسري وعوائق العودة إلى تل أبيض ورأس العين/سري كانيه

رسالة مشتركة حول التهجير القسري وعوائق العودة إلى تل أبيض ورأس العين/سري كانيه

يجب تفعيل آليات رقابية فعّالة تكفل ردّ الممتلكات إلى مالكيها الشرعيين، مع الالتزام الصارم بعدم الاعتراف بأي واقع ديمغرافي نشأ أو ترسّخ نتيجة التهجير القسري ومصادرة الممتلكات، وعدم تمويل أي مشاريع تكرّس هذا الواقع

بواسطة Author F
48 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع
إلى عناية أصحاب الولايات:
  • المقرر/ة الخاص/ة المعني/ة بحقوق الإنسان للنازحين داخلياً؛
  • المقرر/ة الخاص/ة المعني/ة بالحق في السكن اللائق؛
  • المقرر/ة الخاص/ة المعني/ة بقضايا الأقليات؛
  • المقرر/ة الخاص/ة المعني/ة بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار؛

نحن المنظمات الشريكة؛ سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، ورابطة دار لضحايا التهجير القسري، وبيل – الأمواج المدنية PÊL – Civil Waves، نتوجه إليكم بهذه الرسالة العاجلة لمشاركة معلومات محدثة بشأن استمرار العوائق التي تحول دون عودة المهجرين/ات قسراً إلى مدينتي رأس العين/سري كانيه وتل أبيض وريفهما، ولا سيما السكان الكورد وغيرهم من السكان الأصليين في المنطقة، وذلك بعد أكثر من ست سنوات على عمليةنبع السلام التي قادتها تركيا وفصائل “الجيش الوطني السوري” المتحالفة معها في تشرين الأول/أكتوبر 2019.

تأتي هذه الرسالة متابعةً للرسالة السابقة الموجهة إلى الإجراءات الخاصة في آب/أغسطس 2025، بشأن انتهاكات حقوق الملكية المستمرة في منطقتي رأس العين/سري كانيه وتل أبيض، والتي شددت على ضرورة ضمان العودة الطوعية والآمنة والكريمة، وردّ الممتلكات، وجبر الضرر، وإنشاء آلية فعالة لمعالجة شكاوى الملكية.

رغم التغيير السياسي في سوريا وما رافقه من تصريحات رسمية بشأن عودة المهجّرين/ات قسراً، تفيد المعلومات الميدانية التي جمعتها المنظمات الموقعة، بما يتسق مع تقرير حديث لـ”سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” وتقرير سابق لـPÊL – Civil Waves استند إلى 75 مقابلة مع نازحين/ات من رأس العين/سري كانيه وتل أبيض/كري سبي، بأن مناطق “نبع السلام” لا تزال تفتقر إلى سلطة مدنية وأمنية واضحة وخاضعة للمساءلة، وأن عودة المهجرين/ات، وخاصة الكورد، ما تزال تعرقلها مخاطر فعلية تشمل الخوف من الانتقام، استمرار شغل المنازل والمحال والأراضي، غياب آليات ردّ الملكية، واستمرار نفوذ الفصائل المسلحة التي سيطرت على المنطقة بعد عام 2019.

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ضوء اتفاق 10 آذار/مارس 2025 بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، وما تضمنه من التزام معلن بضمان حقوق جميع السوريين دون تمييز، والاعتراف بالمجتمع الكوردي كجزء أصيل من الدولة السورية. غير أن استمرار عوائق العودة إلى رأس العين/سري كانيه وتل أبيض/كري سبي، ولا سيما بحق المهجرين/ات الكورد، يبيّن أن هذه الالتزامات لا تزال بحاجة إلى ترجمة عملية في مناطق “نبع السلام”.

1. أنماط الانتهاكات والعوائق المستمرة:

تُظهر الشهادات الموثقة لدى الشركاء أن محاولات العودة أو الزيارة تكشف عن مجموعة مترابطة من المخاطر، كالتهديدات المباشرة، والاعتداء على من يحاولون تفقد أملاكهم، واستمرار الاستيلاء على المنازل والمحال والأراضي، ووجود حواجز ونقاط عسكرية، وغياب جهة واضحة يمكن للضحايا اللجوء إليها لاسترداد حقوقهم. وبذلك، فإن مجرد قدرة بعض الأشخاص على دخول المدينة مؤقتاً لا تعني توفر شروط العودة الآمنة والطوعية والكريمة، طالما أن الوصول إلى المنزل أو الأرض أو المحل لا يزال محفوفاً بالخوف والابتزاز والتمييز وغياب الانتصاف.

1.1.  غياب سلطة مدنية وأمنية واضحة وخاضعة للمساءلة:

تفيد الشهادات والمصادر الموثقة لدينا بأن إعلان حل الفصائل المسلحة (الذي أعلن عنه في كانون الأول/ديسمبر 2024) واندماجها تحت مظلة وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية لم ينعكس عملياً على حياة المهجرين/ات أو على قدرتهم على استرداد حقوقهم.

وصف أحد السكان المحليين الوضع بأنه “تغيير شكلي”، موضحاً أن الفصائل العسكرية التابعة “للجيش الوطني السوري” سابقاً قد أعلنت اندماجها في الجيش السوري الجديد، لكن قياداتها وعناصر الشرطة المدنية والعسكرية بقيت عملياً في مواقعها، وأن قطاعات مثل الشرطة والتعليم والصحة بقيت، في الجوهر، كما كانت قبل الإعلان عن التبعية الجديدة. كما أفاد بأن المجلس المحلي لم يُستبدل فعلياً، وأن “الادعاء القائم بالتبعية لدمشق” لا يطابق الواقع المحلي كما يراه السكان.

ينعكس هذا على حق العودة. فبحسب التوثيقات التي تم جمعها من قبل الشركاء، فإنّ النازح الذي يجد منزله مشغولاً أو أرضه مستثمرة أو محله منهوباً لا يعرف عملياً من هي جهة التي تملك سلطة إلزام الشاغل بالإخلاء أو حماية المالك من الانتقام. ولذلك لا يمكن اعتبار الاندماج أو نقل التبعية كافياً ما لم يقترن بإعادة هيكلة فعلية للسلطة المحلية والأمنية، وإبعاد الفصائل عن قضايا الملكية والشكاوى المدنية، وضمان وجود جهة مستقلة وموثوقة يمكن للضحايا الوصول إليها دون خوف.

1.2. استمرار الاستيلاء على المنازل والمحال والأراضي:

تؤكد الشهادات الموثقة أن عائق العودة يمتد إلى استمرار شغل منازل ومحال وأراضي المهجرين/ات من قبل أشخاص لا يملكون حقاً قانونياً فيها، بمن فيهم عناصر أو قيادات في الفصائل المسلحة، أو مدنيون وافدون ارتبط وجودهم في المنطقة بمرحلة ما بعد عملية “نبع السلام”. ففي رأس العين/سري كانيه، أفاد أحد الشهود بأن منازل عدة تعود لعائلته لا تزال مستولى عليها، وأن الشاغلين منعوا أصحاب العلاقة من دخولها أو تصويرها. كما أفاد بأن أرضاً زراعية واسعة تعود لعائلته وُضعت فعلياً تحت يد شخص مرتبط بالفصائل، قبل أن تُنظّم لاحقاً علاقة انتفاع غير متكافئة يحصل بموجبها المالكون الأصليون على نسبة محدودة من الإنتاج.

كما أفاد شهود بأن منازل كثيرة نُهبت. على سبيل المثال، أفاد شاهد من رأس العين/سري كانيه بأن الطابق الذي كان يسكنه في منزل عائلته كان قد جُرّد من الأبواب والنوافذ والرخام والمغاسل، وأن جراراً زراعياً وخزانات مياه ومحتويات أخرى سُرقت، كما أشار إلى أن بعض محال العائلة استُخدمت لتربية الحيوانات بدلاً من وظيفتها التجارية الأصلية.

وفي تل أبيض، تفيد الشهادات بأن بعض شاغلي الأراضي الزراعية رفضوا إخلاءها أو تسليمها لأصحابها قبل انتهاء الموسم الزراعي، وأبلغوا المالكين بأن الشكوى القانونية لن تكون ذات جدوى لأنهم يدفعون نسبة من الإنتاج للمجلس المحلي (الذي يتبع للسلطات الانتقالية في دمشق). ويظهر هذا المثال أن الاستيلاء على الأرض لا يتم فقط بالقوة المباشرة، بل أيضاً عبر ربط استثمار الأرض بسلطات محلية، بما يجعل حق الملكية رهناً بالعلاقات والنفوذ.

كما تظهر الشهادات أن بعض أصحاب المنازل يواجهون مطالب مالية مقابل استعادة منازلهم، تحت ذريعة أن الشاغل أنفق على المنزل أو ركّب تجهيزات فيه. ففي إحدى الحالات، طُلب من صاحب منزل دفع 500 دولار لقاء استعادة منزله، وعندما رفض، تعرض لمضايقات وشتائم ذات طابع قومي ضد الكورد. وفي حالة أخرى، أفاد شاهد بأن شاغلاً سابقاً لمنزل العائلة كان يطلب مقابلاً مالياً باعتباره كان “حارساً” للمنزل. وتفيد شهادة أخرى من رأس العين/سري كانيه بأن أحد أصحاب المنازل اضطر إلى التفاوض مع الشاغل الفعلي لاستعادة منزله، إذ بدأ الطلب بمبلغ 1500 دولار بذريعة أنه دُفع لمسؤول عسكري، قبل أن يُرغَم المالك على دفع 500 دولار مقابل استلام منزله بعد نحو عشرة أيام والإبقاء على عدّاد الكهرباء وخزان المياه. وتعكس هذه الواقعة كيف تحول ردّ الملكية إلى تسوية قسرية يدفع فيها المالك الأصلي ثمناً لاستعادة حقه.

1.3. التهديد والاعتداء والتمييز ضد العائدين الكورد:

تفيد التوثيقات بأن الانتماء القومي الكردي، أو الإقامة السابقة في مناطق الإدارة الذاتية، أو افتراض الصلة بقوات سوريا الديمقراطية، تُستخدم كذرائع لتهديد العائدين/ات أو الاعتداء عليهم أو التشكيك في حقهم بالعودة. فقد وثّقت الشهادات اعتداءات على مدنيين كورد حاولوا زيارة تل أبيض/كري سبي أو تفقد ممتلكاتهم، شملت تكسير سيارات، واعتداءً جسدياً، وسرقة أموال، واتهامات بالانتماء إلى قوات سوريا الديمقراطية، إضافة إلى عبارات رفض صريحة لعودة الكورد إلى المدينة.[1] ويحوّل هذا النمط الانتماء القومي أو مكان النزوح السابق إلى قرينة اتهام جماعية، ويجعل العودة محفوفة بخطر التمييز والانتقام، حتى بالنسبة لأشخاص لا صلة لهم بأي نشاط عسكري أو أمني.

في إحدى الشهادات من تل أبيض، أفاد نازح بأنه حاول العودة إلى مدينته، لكنه امتنع عن ذلك بعد تلقيه تهديدات مباشرة بالقتل. وقال، في عبارة تختصر حالة الخوف التي يعيشها كثير من المهجرين: “كيف لنا أن نعود وهم يطالبون برؤوسنا، ويهددون بقتلنا؟”.

1.4. عسكرة المدن والطرق وغياب ضمانات السلامة:

تفيد الشهادات بأن العودة إلى رأس العين/سري كانيه وتل أبيض ما تزال مرتبطة بحواجز ونقاط عسكرية وتدقيق أمني غير واضح، وأن بعض الطرق الرئيسية مغلقة أو غير آمنة أمام العودة. كما تفيد شهادات من رأس العين/سري كانيه بأن المدينة ما تزال تحمل مظاهر عسكرة واضحة، من سواتر ترابية وأسلاك شائكة وتمركزات عسكرية قرب مؤسسات ومرافق عامة.

ففي شهادة من رأس العين/سري كانيه، أفاد أحد العائدين في زيارة مؤقتة بأنه اضطر إلى الدخول عبر مسار بديل تتخلله حواجز متعددة، بينها حواجز قريبة من نقاط تركية وأخرى تابعة لجهات أمنية محلية، وأن بعض هذه الحواجز صوّرت الركاب والهويات ورقم السيارة قبل السماح لهم بالمرور. كما أشار إلى إغلاق طرق مؤدية إلى السوق بكتل إسمنتية، ووجود نقاط عسكرية أو مبانٍ مسوّرة قرب مرافق عامة. ويقوّض استمرار هذه الحواجز، وتوثيق بيانات الداخلين، ومظاهر العسكرة داخل المدينة أو قرب مرافقها العامة، شروط الطوعية والأمان والكرامة، ولا سيما بالنسبة للمهجرين/ات الذين يخشون أن تُستخدم بياناتهم أو زياراتهم اللاحقة ضدهم.

1.5. غياب آلية فعالة لرد الملكية وجبر الضرر:

حتى تاريخ هذه الرسالة (أوائل شهر تموز/يوليو 2026)، لا توجد هنالك آلية مستقلة وشفافة وفعالة لتلقي شكاوى المهجرين/ات بشأن منازلهم وأراضيهم ومحالهم، أو للتحقق من الملكيات، أو لإبطال التصرفات التي جرت تحت الإكراه أو في ظل السيطرة العسكرية والفصائلية، أو لضمان تعويض عادل للمتضررين/ات.

تظهر الشهادات أن غياب آلية رد ملكية مستقلة يدفع الضحايا إلى مسارات فردية وغير آمنة: التفاوض، وطلب وساطة من أشخاص نافذين، ودفع مبالغ مالية لاستعادة الممتلكات. وهذه ليست حلولاً قانونية، بل ترتيبات قسرية ناتجة عن غياب قضاء فعال وآلية إدارية مستقلة.

2. المسؤوليات والتحليل القانوني:

تُظهر الوقائع الموثقة في رأس العين/سري كانيه وتل أبيض أن العوائق أمام عودة السكان الأصليين ترتبط بنمط مستمر من الحرمان القسري من السكن والأرض والملكية، وبغياب آليات فعالة للانتصاف وردّ الحقوق. فاستمرار الاستيلاء على منازل ومحال وأراضي المهجرين/ات قسرياً، أو استغلالها من قبل فصائل مسلحة أو أشخاص مرتبطين بها، أو التصرف بها بيعاً أو تأجيراً أو استثماراً دون موافقة المالكين الأصليين، يشكل تجريداً تعسفياً من الملكية، وحرماناً من السكن اللائق، وعرقلةً مباشرة لحق المهجّرين/ات قسراً في العودة إلى أماكن إقامتهم الأصلية بأمان وكرامة.

تقع على عاتق الحكومة السورية الانتقالية مسؤولية اتخاذ خطوات جدية وعلنية وفعالة لضمان خضوع جميع الفصائل التي أعلنت اندماجها في مؤسسات الدولة لقيادة فعلية خاضعة للمساءلة، ومنع استمرارها كسلطات أمر واقع داخل مناطق “نبع السلام”. ولا يكفي إعلان الاندماج ما لم يقترن بتغيير فعلي في القيادة والسيطرة، وبإزالة يد الفصائل عن قضايا الملكية والعودة والشكاوى المدنية.

ويجد هذا الالتزام أساسه أيضاً في الإعلان الدستوري السوري، الذي يؤكد وحدة الأراضي السورية ويرفض دعوات التقسيم والانفصال والتدخل الأجنبي أو الاستقواء بالخارج، كما يحصر إنشاء الجيش والتشكيلات العسكرية بالدولة، ويحظر على الأفراد أو الجهات إنشاء تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية خارج إطارها (المادتان 7 و9). وبناءً على ذلك، فإن الوقائع الموثقة تثير إشكاليات جدّية تتصل بسيادة الدولة السورية ووحدة أراضيها.

ويحظى حق الملكية الخاصة بحماية دستورية وقانونية واضحة. فقد نص الإعلان الدستوري على أن “حق الملكية الخاصة مصون، ولا تنزع إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل” (المادة 16). كما ربط الإعلان الدستوري مسار العدالة الانتقالية بإلغاء القوانين والإجراءات الاستثنائية التي ألحقت ضرراً بالسوريين، بما في ذلك رد الممتلكات المصادرة وإلغاء الآثار المترتبة على الإجراءات الأمنية المتعلقة بالوثائق المدنية والعقارية (المادة 48). وهذا يقتضي، من باب أولى، ألا يُسمح بتكريس آثار انتهاكات الملكية التي حدثت في مناطق “نبع السلام” تحت سلطة الأمر الواقع أو السيطرة العسكرية والفصائلية.

كما يؤكد القانون المدني السوري أن الملكية لا تُنزع إلا وفق القانون ومقابل تعويض عادل، وأن للمالك وحده، في حدود القانون، حق استعمال الشيء واستغلاله والتصرف فيه، وله الحق في ثماره ومنتجاته وملحقاته (المواد 768 و770 و771). وعليه، فإن أي إشغال أو بيع أو تأجير لممتلكات المهجرين/ات، تم في ظل غيابهم القسري أو دون رضاهم الحر، لا يجوز أن يرتب أثراً قانونياً في مواجهة المالكين الأصليين. كما أن قانون العقوبات العام يجرّم غصب العقار ودخول المنازل عنوة أو دون موافقة أصحابها (المادتان 557 و723)، بما يعزز واجب السلطات في حماية الممتلكات الخاصة من الاستيلاء.

وعلى مستوى القانون الدولي الإنساني، فإن استمرار الوجود العسكري التركي والنفوذ الأمني والإداري المباشر أو غير المباشر في المنطقة يحمل تركيا مسؤولية متى توافرت عناصر “السيطرة الفعلية” بالمعنى المقصود في المادة 42 من لائحة لاهاي لعام 1907. فإذا ثبتت هذه السيطرة، تكون تركيا ملزمة بحماية المدنيين وممتلكاتهم، ومنع النهب والاستيلاء. وتحظر لائحة لاهاي مصادرة الملكية الخاصة (المادة 46)، كما تحظر اتفاقية جنيف الرابعة النهب (المادة 33).

كما أن حق الفرد في حرية التنقل واختيار محل إقامته محمي بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 12). وإذا ثبت أن هذه الممارسات تجري في إطار سياسة أو نمط يستهدف منع جماعة معينة من العودة أو تغيير البنية السكانية للمنطقة، فإن خطورتها القانونية تتجاوز الاعتداءات الفردية على الملكية لتصل إلى انتهاكات ممنهجة مرتبطة بالنزوح القسري والتمييز.

إضافة لما سبق، تلزم الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري الدول الأطراف بضمان التمتع بالحقوق، بما في ذلك حق التملك والسكن والتنقل، دون تمييز بسبب العرق أو الأصل القومي أو الإثني (المادة 5). وبما أن سوريا وتركيا طرفان في هذه الاتفاقية، فإن استمرار ممارسات تمنع الكورد من العودة أو تجعل استرداد ممتلكاتهم أكثر صعوبة بسبب هويتهم القومية أو افتراض ارتباطهم السياسي أو العسكري، يثير مسؤوليات مباشرة بموجب حظر التمييز العنصري.

وفيما يتعلق بحق السكن والأرض والملكية، يؤكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حق كل شخص في التملك ويحظر تجريد أي شخص من ملكه تعسفاً (المادة 17). كما يرتبط الحق في السكن اللائق، المحمي بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بالأمن القانوني للحيازة والحماية من الإخلاء القسري والمضايقة والتهديدات (المادة 11).

وقد أكدت لجنة حقوق الإنسان أن الإخلاء القسري يشكل انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان، ولا سيما الحق في السكن اللائق، وحثت الحكومات على اتخاذ تدابير فورية للقضاء على هذه الممارسة.

وفي السياق ذاته، أشارت المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان للنازحين داخلياً، في تقريرها الصادر في نيسان/أبريل 2021، إلى أن فقدان الأراضي والسكن يشكل سمة رئيسية من سمات النزوح الداخلي، وأن انتهاكات حقوق السكن والأرض والملكية كثيراً ما تنتج عن استراتيجيات تمييزية تهدف إلى تهجير جماعات معينة بسبب انتمائها الديني أو الإثني أو الاجتماعي أو السياسي، ومنعها من العودة إلى ديارها. وينطبق هذا التحليل بصورة مباشرة على الحالات التي يُحرم فيها المهجرون/ات من العودة إلى ممتلكاتهم بسبب هويتهم أو بسبب سيطرة جهات مسلحة على منازلهم وأراضيهم.

كما تؤكد المبادئ التوجيهية بشأن النزوح الداخلي أن السلطات المختصة تتحمل المسؤولية الأساسية عن تهيئة الظروف وتوفير الوسائل التي تسمح للنازحين بالعودة طوعاً وبأمان وكرامة إلى منازلهم. وتشدد المبادئ ذاتها على ضرورة مشاركة النازحين في تخطيط وإدارة عودتهم، وعلى حظر التمييز ضدهم بسبب نزوحهم، وعلى واجب السلطات في مساعدتهم على استرداد ممتلكاتهم التي تركوها أو حُرموا منها عند النزوح، أو الحصول على تعويض مناسب.

وتؤكد مبادئ الأمم المتحدة بشأن رد المساكن والممتلكات للاجئين والنازحين أن لجميع اللاجئين/ات والنازحين/ات الحق في استرداد المساكن والأراضي والممتلكات التي حُرموا منها تعسفاً أو بصورة غير قانونية، أو في الحصول على تعويض عندما يكون الرد مستحيلاً.

وتفرض المعايير الدولية كذلك واجب توفير سبيل انتصاف فعال. فوفقاً للتعليق العام رقم 31 الصادر عن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، على الدولة أن توفر الحماية وسبل الانتصاف الميسرة والفعالة، بما يشمل التحقيق في الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان الجبر المناسب للضحايا (الفقرات 15-18).

3. توصيات إلى أصحاب الولايات:

  1. إرسال بلاغ مشترك عاجل إلى الحكومة السورية الانتقالية والحكومة التركية يطلب منهما تقديم معلومات مفصلة حول التدابير المتخذة لضمان عودة آمنة وطوعية وكريمة وغير تمييزية إلى رأس العين/سري كانيه وتل أبيض، بما في ذلك حماية العائدين/ات، وردّ الممتلكات، ومنع الانتقام والتمييز.
  2. حثّ الحكومة السورية على إعلان خطة واضحة ومحددة زمنياً لضمان خضوع جميع الفصائل المسلحة في مناطق “نبع السلام” لقيادة فعلية خاضعة للمساءلة، ومنع عناصرها وقياداتها من التدخل في قضايا العودة والملكية والشكاوى المدنية، وإنهاء أي إشغال غير مشروع للمنازل والمحال والأراضي الخاصة.
  3. طلب توضيحات من الحكومة التركية بشأن طبيعة وجودها العسكري والأمني والإداري في مناطق من الشمال السوري، والتدابير التي اتخذتها لمنع الانتهاكات المرتكبة من قبل الفصائل المدعومة منها أو المرتبطة بها، والتحقيق فيها، وضمان عدم الإفلات من العقاب.
  4. دعوة الحكومة السورية وتركيا، كل ضمن نطاق سيطرتها أو نفوذها الفعلي، إلى دعم إنشاء آلية مستقلة وفعالة لردّ المساكن والأراضي والممتلكات، تتولى تلقي شكاوى المهجرين/ات، التحقق من الملكيات، إبطال التصرفات غير القانونية أو القسرية، وقف أي بيع أو تأجير أو استثمار لأملاك المهجرين/ات إلى حين البت في الشكاوى، وضمان الإخلاء الآمن أو التعويض والجبر المناسب.
  5. حثّ الجهات المعنية على إعلان وقف مؤقت وفوري لأي بيع أو نقل أو تأجير أو استثمار للأملاك العائدة للمهجرين/ات في رأس العين/سري كانيه وتل أبيض، إلى حين إنشاء آلية مستقلة للتحقق من الملكيات والبت في الشكاوى.
  6. حثّ الحكومة السورية وتركيا على اتخاذ تدابير فعالة لحماية العائدين/ات من الانتقام والتمييز، ولا سيما الكورد، وضمان فتح الطرق الرئيسية والطبيعية أمام العودة المدنية الآمنة، وإزالة القيود الأمنية غير القانونية.
  7. حثّ الحكومة السورية وتركيا على ضمان المشاركة الفعلية للضحايا والمهجّرين/ات قسراً والنساء والشباب وممثلي السكان المحليين الأصليين في أي خطة تتعلق بالعودة أو رد الممتلكات أو إعادة الإعمار، وعدم حصر هذه الترتيبات في تفاهمات سياسية أو أمنية بين الجهات المسيطرة.
  8. الدعوة إلى تمكين مراقبة مستقلة ومحايدة لظروف العودة، وإصدار بيان علني أو نداء عاجل مشترك تؤكد أن العودة إلى مناطق “نبع السلام” لا يمكن اعتبارها آمنة أو طوعية أو كريمة ما لم تُعالج جذور التهجير القسري، والاستيلاء على الممتلكات، والعسكرة، والتمييز، وغياب المساءلة والانتصاف الفعال.
  9. دعوة المجتمع الدولي والجهات المانحة إلى إدماج معايير حقوق الإنسان —ولا سيما حقوق السكن والأراضي والملكيات— كشرط أساسي وغير قابل للتفاوض في أي خطط تتعلق بإعادة الإعمار أو تشجيع الاستثمار في سوريا. ويتطلب ذلك تفعيل آليات رقابية صارمة تضمن إعادة الممتلكات إلى أصحابها الشرعيين، مع الالتزام الصارم بمبدأ عدم الاعتراف أو التمويل لأي مشاريع أو واقع ديمغرافي مكرّس نتج عن عمليات المصادرة، والنهب، والتهجير القسري.

مع فائق الاحترام،

سوريون من أجل الحقيقة والعدالة
رابطة دار لضحايا التهجير القسري
بيل – الأمواج المدنية PÊL – Civil Waves

[1] ويتقاطع ذلك مع تقارير دولية سابقة، أنظر مثلاً تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء لعام 2024، الذي أشار إلى تعرض السكان الكورد في مناطق سيطرة فصائل “الجيش الوطني السوري” لانتهاكات جسيمة، بينها الاستيلاء على الممتلكات والابتزاز من قبل جهات أمنية وفصائل مسلحة مرتبطة بالجيش الوطني السوري. كما أكدت هيومن رايتس ووتش أن السكان الكورد تحملوا وطأة الانتهاكات في المناطق الخاضعة للسيطرة التركية/الفصائل المدعومة من تركيا بسبب تصورات عن صلتهم بالقوات التي تقودها جهات كوردية في شمال شرق سوريا.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد