تتناول هذه الورقة صياغة قانون الجمعيات الجديد في سوريا، الذي يشكل فرصة حاسمة للانتقال من نهج السيطرة الحكومية الذي ميّز القانون رقم 93 لعام 1958 وتعديلاته في ظل النظام السابق. تحدد الورقة الضمانات الأساسية التي يجب أن يكفلها القانون الجديد لضمان الامتثال للالتزامات الدستورية والدولية، بما في ذلك حرية تكوين الجمعيات وحماية الكيانات غير المسجلة، والاستقلال التنظيمي والإداري، والحصول على التمويل والموارد دون موافقة مسبقة، والرقابة المحدودة والشفافة، والجزاءات المتناسبة، وحل الجمعيات بقرار قضائي فقط. كما تحدد الورقة ثلاثة عشر محذوراً تشريعياً من شأنها إعادة إنتاج الوصاية على المجتمع المدني على المجتمع المدني، بما في ذلك اشتراط الموافقات الأمنية، وإخضاع الأنشطة لموافقات فردية، ومنح السلطة التنفيذية صلاحيات تقديرية واسعة، والسماح بالحل إدارياً. وتوصي الورقة بنشر مشروع القانون كاملاً للتشاور العام، وإحالته إلى المحكمة الدستورية العليا لإبداء الرأي، وإلغاء القانون رقم 93 وما يتعارض معه من أنظمة، وإنشاء نظام تسجيل مدني موحد، وضمان الرقابة القضائية الفعالة على جميع القرارات الإدارية المؤثرة على الجمعيات.
1. مقدمة
تعمل الحكومة السورية الانتقالية حالياً على إعداد مشروع قانون جديد للمنظمات غير الحكومية ليحل محل قانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة رقم 93 لعام 1958 وتعديلاته. [1]وقد أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بعد سلسلة من الجلسات التشاورية، الانتهاء من صياغة مسودة أولية تمهيداً لعرضها على منظمات المجتمع المدني والوزارات المعنية قبل إحالتها إلى مجلس الشعب. [2]ومع ذلك، لم يكن النص الكامل للمسودة متاحاً للعموم وقت إعداد هذه الورقة، بما لا يتيح تقييماً مستقلاً لموادها أو التحقق من مدى استجابتها للمعايير الدولية ولمخرجات المشاورات المعلنة.
يمثل إصدار قانون جديد فرصة حاسمة للقطيعة مع المقاربة التي حكمت علاقة الدولة بالمجتمع المدني لعقود. فالقانون رقم 93 لعام 1958، الذي صدر خلال عهد الجمهورية العربية المتحدة ثم عُدّل بالمرسوم التشريعي رقم 224 لعام 1969، منح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة في تسجيل الجمعيات وإشهارها والتدخل في إدارتها ودمجها وتعطيل قراراتها وحلها والحد من تمويلها وصلاتها الداخلية والخارجية. وقد تعززت هذه الصلاحيات، في عهد نظام الأسد، بموافقات أمنية وممارسات غير مكتوبة حولت الإشهار القانوني إلى ترخيص سياسي فعلي.[3]
ولم تنتهِ مخاطر هذه المقاربة بسقوط النظام السابق. فقد شهدت المرحلة الانتقالية متطلبات لإعادة تسجيل الجمعيات، وتداخلاً في صلاحيات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ومكتب تنسيق العمل الإنساني والجهات القطاعية، واشتراط موافقات مسبقة على الأنشطة والمشاريع. كما أعاد كتاب وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل الصادر في 1 تشرين الأول/أكتوبر 2025 التأكيد على ضرورة الحصول على موافقة إدارية مسبقة لتلقي التمويل الخارجي أو الانضمام إلى هيئات خارج سوريا، استناداً إلى مواد القانون رقم 93.[4]
وقد سبق لواحد وثلاثين منظمة مجتمع مدني سورية أن طالبت، في ورقة موقف مشتركة صدرت في تشرين الأول/أكتوبر 2025، بتعليق الأحكام التقييدية في القانون رقم 93، وإنهاء نظام الموافقة المسبقة، وتنظيم العلاقة مع المنظمات عبر جهة مدنية من دون إخضاعها للرقابة الأمنية. [5]
تبني هذه الورقة على تلك المطالب، فتحدد الضمانات التي يجب أن يكفلها القانون الجديد، والخطوط الحمراء التي ينبغي ألا يتجاوزها، بهدف ضمان عمل منظمات المجتمع المدني بشكل محايد ومستقل.
