شاركت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” في اجتماعات “مجموعة العمل المعنية بسوريا”، التي عقدتها شبكة الأورومتوسطية للحقوق (EuroMed Rights) يومي 16 و17 سبتمبر/أيلول 2026 في مدينة لارنكا بقبرص، بمشاركة مجموعة من الباحثين/ات والخبراء الحقوقيين/ات والمنظمات السورية والدولية العاملة في ملفات العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان.
وتناول الاجتماع على مدى يومين محاور عدة شملت التطورات السياسية والسياق الإقليمي، والعدالة الانتقالية والاحتجاز والاختفاء القسري، وأوضاع اللاجئين والعائدين، والإدماج وحقوق الأقليات، ومشاركة الشباب والحيز المدني، إضافة إلى جلسة للتخطيط الاستراتيجي للمناصرة.
العدالة الانتقالية: ركيزة الدولة الجديدة والعقد الاجتماعي:
في الجلسة المخصصة لملف “العدالة الانتقالية والاحتجاز والاختفاء القسري”، قدّم رياض علي، ممثل منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، والمسؤول القانوني الأولى لدى المنظمة، مداخلة حول محور “مسؤولية الدولة والمساءلة ولجنة العدالة الانتقالية”، تناول فيها واقع مسار العدالة الانتقالية في سوريا ومسؤولية الدولة عنه.
وأكد رياض علي أن سوريا تمر بمرحلة استثنائية تُشكّل فيها تشريعات ومؤسسات العدالة الانتقالية الركيزة الأساسية لتحديد شكل الدولة الانتقالية والعقد الاجتماعي الجديد. وشدد على أن وظيفة العدالة الانتقالية لا تقتصر على معالجة انتهاكات الماضي فحسب، بل تهدف بالأساس إلى بناء الثقة بالمؤسسات، وعلى رأسها المؤسسة القضائية، وترسيخ سيادة القانون.
وأشار إلى أنه رغم النص المبدئي على مسارات المساءلة، إلا أن القراءة النقدية للمسار الراهن تكشف عن ثغرات بنيوية جوهرية تهدد بإنتاج “عدالة انتقائية” وتفريغ هذا المسار الحقوقي من مضمونه.
من تعثر القرار 2254 إلى الإعلان الدستوري المؤقت:
وتوقف ممثل منظمة “سوريون” عند تعثر القرار الأممي رقم 2254، موضحًا أنه جرت الاستعاضة عنه بمصطلحات أمر واقع مثل “الشرعية الثورية” و”مؤتمر النصر”، تلاها عقد “مؤتمر الحوار الوطني” ضمن إجراءات موجزة افتقرت للتمثيل الحقيقي للقوى المدنية.
كما أشار إلى أن الإعلان الدستوري المؤقت الصادر في آذار/مارس 2025 تضمّن تركيزًا واسعًا للصلاحيات بيد الرئيس الانتقالي، وهيمنة السلطة التنفيذية على السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) وصلت الى حد تعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا وتحديد مهامها وتعيين أعضاء مجلس الشعب، بشكل يخل بمبدأ الفصل بين السلطات ويعرقل قيام قضاء مستقل.
ثغرات المرسوم رقم 20 لعام 2025″
وفي إطار العدالة الانتقالية، سلّط رياض علي الضوء على عيوب المرسوم رقم 20 لعام 2025، المؤسس للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، موضحًا أنه يُعاب عليه حصر تركيزه في انتهاكات “النظام البائد” فقط والتغاضي عن الانتهاكات المستمرة الصادرة عن الأطراف الأخرى. وأكد أن العدالة الانتقالية الحقيقية يجب أن ترتكز على طبيعة الانتهاك وخطورته وحقوق الضحية، دون تمييز أو تأطير سياسي.
واقع القضاء: هيمنة تنفيذية وتمييز مؤسسي:
وعن واقع المرفق القضائي، أوضح رياض علي أن القضاء السوري يعاني من هيمنة السلطة التنفيذية، واستمرار التعيينات غير المهنية لرجال دين وقضاة يفتقرون للكفاءة والخبرة في التعامل مع الجرائم الدولية، إلى جانب التمييز المؤسسي ومحاولات استبعاد النساء القاضيات والمحاميات.
التوصيات ومستلزمات الإصلاح:
وخلص ممثل منظمة “سوريون” إلى طرح مجموعة من التوصيات ومستلزمات الإصلاح، أهمها:
- الاعتراف الصريح بوجود خلل كبير في مسار العدالة الانتقالية الراهن وضرورة تصحيحه.
- دسترة العدالة الانتقالية ومسؤولية القيادة: بأن ينص الدستور الدائم على مبدأ عدم الإفلات من العقاب، واستثناء الجرائم الدولية من مبدأ عدم رجعية القوانين والتقادم لكافة أطراف النزاع، وتعزيز مبدأ سيادة القانون.
- تعديل التشريعات الحالية: تعديل المرسوم رقم 20 لتبني تعريف محايد وشامل للضحايا، وتدوين الجرائم الدولية وفق نظام روما الأساسي.
- تفعيل قانون منع التعذيب: بشكل إجرائي صارم، مع المضي قدمًا في دعوى محكمة العدل الدولية المقامة من قبل كل من كندا وهولندا والانضمام إلى البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب.
- تعزيز التعاون الدولي: الإسراع بتوقيع مذكرات تفاهم مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة، والمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين، ولجنة التحقيق الدولية، والبدء بإجراءات الانضمام إلى نظام روما الأساسي واتفاقية الاختفاء القسري.
- التشاركية وضمان استقلال القضاء والمجتمع المدني: إنهاء هيمنة السلطة التنفيذية، وإدماج الناجين وروابط الضحايا في صياغة القوانين، وضمان التداول السلمي للسلطة واحترام مبدأ فصل السلطات لمنع تكريس نظام الشمولية أو منطق الغنيمة.
