1. خلفية:
يُعد المشروع الذي أصطلح على تسميته باسم “الحزام العربي” أحد أبرز مشاريع “الهندسة الديمغرافية” التي نُفذت في سوريا قبل العام 2011. ورغم أن التطبيق العملي للمشروع بدأ في سبعينيات القرن الماضي، فإنّ جذوره وإرهاصاته تعود إلى مجموعة من السياسات والإجراءات القانونية المقنّعة التي سبقت ذلك بسنوات.
جرى التنفيذ الفعلي للمشروع عقب صدور قرار القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي رقم 521 لعام 1974، في 24 حزيران/يونيو من العام ذاته، والذي أطلق بموجبه عملية توطين آلاف الأسر العربية القادمة من المنطقة المتضررة من إنشاء سد الفرات في شريط حدودي يمتد بمحاذاة الحدود السورية – التركية، وأطلقت تسمية “عرب الغمر” على تلك الأسر نسبة إلى غمر أرضيهم بمياه سدّ الفرات .
شمل المشروع الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في المناطق ذات الغالبية الكردية في محافظة الحسكة وأجزاء من ريف الرقة وشمال حلب. وبالأخص تلك الملاصقة للحدود التركية السورية.
2. الامتداد الزمني للمشروع:
يمكن تقسيم المسار الزمني للمشروع إلى أربع مراحل رئيسية:
- المرحلة التمهيدية (1931 – 1962): ظهور مقترحات وسياسات رسمية تدعو إلى إعادة توزيع السكان في المناطق الكردية الحدودية وتقييد الوجود الكردي فيها، مثل المذكرة التـي رفعهـا “محمـد كـرد عـلي” وزيـر المعارف في حكومـة “تـاج الديـن الحسـني” إلى” رؤساء الوزارات” المؤرخة في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 1931.
- مرحلة التجريد من الملكيات “الزائـدة عـن السـقف المحدد” (1958 – 1973): مع بدأ تطبيق قانون الإصلاح الزراعــي رقــم (161) تـم مصادرة أراض وممتلـكات تعود لملاكين وقرويين كرد واخرين منهم سريان وعرب، إلى جانب أولى عمليات إسكان عرب مستقدمين في قرى بريف سري كانيه/ رأس العين.
- مرحلة التوطين (1974) حتى ثمانينيات القرن العشرين: بدء التنفيذ الفعلي لمشروع “الحزام العربي” وتوطين الأسر القادمة من منطقة الغمر في قرى نموذجية أُنشئت خصيصاً لهذا الغرض.
- مرحلة التكريس امتدت من عهد حافظ الأسد إلى ما بعد سقوط النظام: استمرار آثار المشروع والسياسات المرتبطة به وعدم معالجة نتائجها القانونية والاجتماعية حتى اليوم.
3. حقائق حول مشروع “الحزام العربي”:
3.1. بدء التنفيذ الرسمي والمنظم للمشروع عام 1974:
رغم أن الأفكار والمقترحات المرتبطة بإعادة تشكيل البنية السكانية في المناطق الكردية الحدودية تعود إلى عقود سابقة، فإن التنفيذ المنظم لمشروع “الحزام العربي” بدأ فعلياً عقب صدور قرار القيادة القطرية لحزب البعث رقم (521) بتاريخ 24 حزيران/يونيو 1974. وقد وفّر القرار الإطار السياسي والإداري لنقل المشروع من مرحلة التصورات والدراسات الأمنية إلى مرحلة التطبيق العملي، عبر إنشاء قرى نموذجية وتوطين أسر عربية في الشريط الحدودي شمال محافظة الحسكة خاصة.
3.2. سَبَقَ المشروع الاستيلاء على الأراضي عبر أدوات قانونية وإدارية:
لم يبدأ مشروع “الحزام العربي” بعمليات التوطين، بل سبقه مسار طويل من إعادة تشكيل الملكية العقارية في سوريا عموماً، والجزيرة السورية خصوصاً. فمع تطبيق قانون الإصلاح الزراعي رقم (161) لعام 1958، جرى الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية. وبينما استهدف القانون نظرياً الحد من الإقطاع وتحقيق العدالة الاجتماعية، تشير الوثائق والدراسات إلى أن تطبيقه في المناطق الكردية اتخذ طابعاً مختلفاً، إذ طالت إجراءات الاستملاك والاستيلاء ملاكين كرداً بنسبة أكبر من باقي المكونات، في حين أُعيد توزيع أجزاء من تلك الأراضي على عشائر عربية محلية أو على مستوطنين جرى استقدامهم لاحقاً ضمن مشروع “الحزام العربي”. واعتبر العديد من الباحثين الكرد أن هذه الممارسات ربطت بين الإصلاح الزراعي وأهداف سياسية وديمغرافية تجاوزت الغايات الاقتصادية المعلنة للقانون.
3.3. امتد المشروع على طول الشريط الحدودي السوري /التركي:
شمل المشروع نطاقاً جغرافياً واسعاً يمتد من منطقة ديريك/المالكية شرقاً مروراً بالقامشلي ورأس العين/سري كانيه وصولاً إلى مناطق غرب تل أبيض/ كري سبي وحتى عفرين (في مرحلة معينة)، بطول يزيد على 300 كيلومتر. ويُظهر هذا الامتداد أن المشروع لم يكن إجراءً محلياً محدوداً، بل سياسة دولة استهدفت كامل الشريط الحدودي الذي يتركز فيه الوجود الكردي التاريخي في شمال شرق سوريا.

خارطة تم تصميمها من قبل “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” تظهر القرى النموذجية المستحدثة باللون الأحمر؛ كجزء من المشروع الذي أصطلح على تسميته باسم “الحزام العربي”.
3.4. استهدف المشروع إنشاء حاجز ديمغرافي على الحدود:
بلغ عرض الحزام في بعض المناطق نحو 10 إلى 15 كيلومتراً، وبدا أنّ الهدف كان يحمل طابعاً أمنياً، وتمثل في إنشاء شريط سكاني عربي بمحاذاة الحدود التركية. غير أن عدداً من الدراسات التاريخية والحقوقية رأت في المشروع محاولة لفصل التجمعات الكردية في سوريا عن امتدادها السكاني والثقافي على الجانب الآخر من الحدود، بما يحد من التواصل الجغرافي بينهم.
3.5. اعتمد المشروع على إعادة توطين أسر الغمر:
استقدمت السلطات السورية آلاف الأسر العربية المتضررة من إنشاء سد الفرات وغمر أراضيها بالمياه، وأعادت توطينها في قرى حديثة الإنشاء أُقيمت على أراضٍ جرى الاستيلاء عليها سابقاً وسميت في فترة من الفترات باسم “مزارع الدولة”. وقد عُرفت هذه الأسر باسم “أسر الغمر”. ورغم أن تعويض المتضررين من مشاريع التنمية يُعد حقاً مشروعاً، فإن الإشكالية القانونية والحقوقية تمثلت في اختيار أراضٍ متنازع على ملكيتها أو تعود لسكان آخرين، الأمر الذي خلق نزاعات ممتدة بين الحقوق المكتسبة للوافدين الجدد والحقوق الأصلية للمالكين السابقين.
3.6. ارتبط المشروع بالإحصاء الاستثنائي لعام 1962:
لا يمكن فهم مشروع “الحزام العربي” بمعزل عن الإحصاء الاستثنائي الذي أُجري في محافظة الحسكة عام 1962، وأسفر عن تجريد عشرات الآلاف من الكرد من الجنسية السورية. فقد أدى الحرمان من الجنسية إلى تقييد قدرة المتضررين على تسجيل الملكيات وإثبات الحقوق العقارية والاستفادة من الضمانات القانونية المتاحة للمواطنين السوريين، ما جعلهم أكثر عرضة لفقدان الأراضي أو مواجهة صعوبات في الاعتراض على قرارات المصادرة والاستملاك.
3.7. لم يكن جميع المستفيدين من المشروع مؤيدين له:
تكشف شهادات سبق أن وثقتها “سوريون” في تقرير سابق، ووثائق متعددة نشرتها أن عدداً من الأسر العربية التي نُقلت إلى المنطقة لم تنظر إلى المشروع باعتباره استحقاقاً عادلاً بالكامل، إذ عبّر بعض المستقدمين عن تحفظات أخلاقية واجتماعية تتعلق بالإقامة في أراضٍ يعلمون أنها كانت تعود لسكان آخرين. وتُظهر هذه الشهادات أن آثار المشروع لم تقتصر على المتضررين الكرد، بل وضعت أيضاً جزءاً من المستفيدين العرب في موقع معقد اجتماعياً.
3.8. أثار المشروع إشكاليات دستورية وقانونية جوهرية:
بحسب العديد من الدراسات القانونية، فإن عمليات الاستيلاء على الأراضي المرتبطة بالمشروع لم تستوفِ بصورة كاملة الشروط الدستورية المتعلقة بنزع الملكية، والتي تشترط تحقق المنفعة العامة ودفع تعويض عادل ومسبق للمتضررين. كما أن ربط إجراءات الاستملاك باعتبارات قومية أو ديمغرافية يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون وعدم التمييز، وهما من المبادئ التي كرستها الدساتير السورية المتعاقبة وإن كان تطبيقها العملي قد شهد انتهاكات واسعة.
3.9. خلّف المشروع آثاراً اجتماعية ونزاعات ملكية طويلة الأمد:
أنتجت سياسات نزع الملكية وإعادة التوطين تراكماً معقداً من النزاعات العقارية والاجتماعية التي استمرت لعقود. فالكثير من الأراضي بقيت محل نزاع بين المالكين الأصليين والمستفيدين اللاحقين، بينما تركت سياسات الهندسة السكانية آثاراً عميقة على الثقة المتبادلة بين المجتمعات المحلية. ولا تزال بعض هذه التداعيات قائمة حتى اليوم، سواء في شكل مطالبات قانونية أو توترات اجتماعية مرتبطة بملكية الأراضي والذاكرة الجماعية للمنطقة.
4. مشروع “الحزام العربي” والعدالة الانتقالية في سوريا:
بعد سقوط نظام بشار الأسد، برزت الحاجة الملحة إلى معالجة إرث السياسات التمييزية التي مست حقوق الملكية والجنسية والسكن. وتنظر “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” إلى قضية “الحزام العربي” بوصفها جزءاً أساسياً من مسار العدالة الانتقالية، نظراً لتداخلها مع حقوق الملكية الفردية والجماعية، وحق الضحايا في جبر الضرر، وضرورة إيجاد حلول قانونية عادلة تراعي حقوق المالكين الأصليين وفي الوقت نفسه تتجنب خلق مظالم جديدة بحق الأجيال اللاحقة. ولذلك تُعد معالجة هذا الملف، إلى جانب ملف الإحصاء الاستثنائي وتجريد الكثير من الكرد السوريين الجنسية والذي تعاطى معه المرسوم رقم 13 الخاص بالحقوق الكردية، من القضايا المحورية في أي عملية مصالحة وطنية وإعادة بناء دولة قائمة على سيادة القانون والمؤسسات والمواطنة المتساوية.
5. خاتمة وتوصيات:
تكشف الوقائع المرتبطة بمشروع “الحزام العربي” أنه لم يكن مجرد برنامج لإعادة توزيع الأراضي أو توطين المتضررين من إنشاء سد الفرات، بل جاء ضمن سياق أوسع من السياسات والإجراءات الاستثنائية التي أثّرت على حقوق الملكية والبنية الديمغرافية في مناطق واسعة من شمال وشمال شرق سوريا. وقد خلّفت هذه السياسات آثاراً قانونية واجتماعية واقتصادية استمرت لعقود وما تزال تداعياتها حاضرة في النزاعات المتعلقة بالأراضي والملكية والهوية المحلية.
في ضوء ذلك، تبرز الحاجة إلى إدراج ملف “الحزام العربي” ضمن مسار العدالة الانتقالية في سوريا، من خلال إجراء مراجعة مستقلة وشاملة لعمليات الاستيلاء على الأراضي وإعادة التوطين التي رافقت المشروع، وضمان حق المتضررين في استعادة حقوقهم أو الحصول على تعويض عادل، إلى جانب توثيق الانتهاكات المرتبطة بالملكية والسكن والأراضي وحفظ الأدلة المتعلقة بها. ويكون ذلك من خلال تأسيس لجنة قانونية مستقلة تتألف من خبراء قانونيين وباحثين وممثلين عن المجتمعات المحلية تكون مهمتها النظر في الادعاءات المتعلقة بتلك الانتهاكات، وأن تكون قرارات اللجنة المذكورة قابلة للطعن أمام المحاكم العقارية المختصة.
كما يتطلب الأمر اعتماد مقاربة قائمة على المساواة وعدم التمييز، بما يضمن معالجة آثار السياسات الاستثنائية السابقة ومنع تكرارها مستقبلاً، وتعزيز السلم الأهلي والتعايش بين مختلف المكونات السورية على أساس المواطنة المتساوية وسيادة القانون. بحيث تشمل المقاربة إيجاد حلول بديلة ومستدامة كالتوطين البديل أو التعويضات المالية المجزية، لمن استُخدموا كأدوات في هذا المشروع أي المتضررين من الغمر، حتى لا يؤدي استرداد الحقوق إلى تشريد عائلات أخرى ونشوء مظلومية جديدة.
