توصي المبادرة السورية للحقوق الأساسية باعتماد إطار أكثر شمولاً وحياداً للعدالة الانتقالية يكفل الاعتراف بجميع الضحايا دون تمييز، وتعزيز استقلال القضاء، وضبط صلاحيات المؤسسات المنشأة بموجبه، وضمان المشاركة الفعالة للضحايا والمجتمع المدني، ومواءمة التشريع مع المعايير الدولية بما يحقق المساءلة الفعالة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي وضمان عدم التكرار.
1. المقدمة:
تمثل مشاريع قوانين العدالة الانتقالية لحظة مفصلية في مسارات التحول السياسي للدول الخارجة من النزاعات، إذ لا تقتصر وظيفتها على معالجة انتهاكات الماضي وضمان عدم تكرارها فحسب، بل ترسم الإطار القانوني الذي سيحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع في المرحلة القادمة. وفي هذا السياق، يُفترض بمشروع قانون العدالة الانتقالية في سوريا أن يؤسس لإطار متكامل ينظم مسارات المساءلة الحقيقية، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، والمصالحة الوطنية.
ورغم ما يتضمنه مشروع قانون العدالة الانتقالية من عناصر إيجابية، لاسيما من حيث تبني مقاربة تجمع بين المسارات القضائية وغير القضائية، وإنشاء مؤسسات متخصصة، والنص على مبادئ عدم الإفلات من العقاب وجبر الضرر، إلا أنه يثير في المقابل جملة من الإشكاليات القانونية والبنيوية التي قد تؤثر على اتساقه وحياده وقابليته للتطبيق.
تكتسب هذه الإشكاليات أهمية خاصة في ضوء التطورات القضائية الجارية في سوريا، ولا سيما البدء بمحاكمات تتعلق بانتهاكات جسيمة قبل إقرار قانون العدالة الانتقالية، وما يثيره ذلك من تساؤلات حول اتساق التكييف القانوني ووحدة مسار المساءلة والعلاقة بين المحاكمات القائمة والإطار التشريعي المرتقب، حيث تثير المباشرة بمحاكمات تتعلق بالانتهاكات الجسيمة –كما في قضية “عاطف نجيب” أمام المحكمة الجنائية الرابعة في دمشق- قبل إقرار قانون العدالة الانتقالية، إشكاليات عديدة. فعلى الرغم من أن المحكمة اعتمدت في تكييفها على اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية والقانون الدولي العرفي إلى جانب القانون السوري، بما يعكس توجهاً نحو إدماج المعايير الدولية، إلا أن ذلك يتم في غياب إطار تشريعي وطني متكامل ينظم هذا التداخل ويحدد حدوده.
ويطرح هذا الواقع مسألة عدم رجعية القوانين الجزائية، خاصة في حال صدور قانون لاحق يتضمن تعريفات أو أنماط مسؤولية أكثر اتساعاً. ورغم إقرار استثناء على هذا المبدأ بالنسبة للجرائم الدولية، كما أكدت قضية كونونوف ضد لاتفيا أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، واجتهاد المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في قضية تاديتش، وكذلك محاكمات نورمبرغ، فإن تطبيق هذا الاستثناء يظل مشروطاً بوضوح الأساس القانوني وإمكانية توقّع التجريم وضمانات المحاكمة العادلة.
وفي حال صدور قانون العدالة الانتقالية بعد البدء بالمحاكمات، فقد تنشأ إشكاليات تتعلق بإعادة توصيف الأفعال أو تعارض الأحكام أو تفاوت المعايير، ما يستدعي وضع قواعد انتقالية واضحة تنظم العلاقة بين المحاكمات الجارية والإطار القانوني المرتقب، بما يضمن الاتساق القانوني وعدم المساس بمبدأ الشرعية.
وإنطلاقاً من أهمية قانون العدالة الانتقالية في هذه المرحلة من تاريخ سوريا، تسعى “المبادرة السورية للحقوق الأساسية” من خلال هذه الورقة إلى تقديم تحليل نقدي لمشروع القانون، عبر تحليل بنيته القانونية والمؤسساتية، وبيان أبرز الثغرات التي قد تعيق تحقيق أهداف العدالة الانتقالية، مع تقديم توصيات عملية تهدف إلى تعزيز اتساقه مع المعايير الدستورية والدولية، وضمان شموليته وفعاليته في تحقيق العدالة ومنع تكرار الانتهاكات.
