الرئيسية تقاريرشمال شرق سوريا: قيود تعسفية طالت حرية التعبير والتجمع في مناطق الإدارة الذاتية

شمال شرق سوريا: قيود تعسفية طالت حرية التعبير والتجمع في مناطق الإدارة الذاتية

يجب التوقف عن فرض الطابع الشامل لقرارات الحظر على التجمعات العامة واعتماد قيود ظرفية ومحددة زمانياً ومكانياً عند الضرورة القصوى فقط بما يتوافق مع معايير الشرعية والضرورة والتناسب وعدم التمييز

بواسطة Author F
280 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

1. مقدمة:

يرصد هذا التقرير القيود التي فرضتها الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا على التجمعات والاحتفالات العامة المرتبطة بذكرى سقوط النظام السوري، وذلك عقب إصدار هيئة الداخلية في الإدارة الذاتية الديمقراطية التعميم رقم 7، والذي نصّ على منع إقامة الفعاليات والتجمعات بذكرى سقوط “النظام البعثي” في الأماكن العامة بذريعة “الظروف الأمنية”. ويستند التقرير إلى شهادات مباشرة أجرتها “سوريون” مع مدنيين وفاعلين محليين في شمال شرق سوريا، إضافة إلى مواد مفتوحة المصدر وتقارير إعلامية، وإلى تحليل قانوني يستند إلى العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان. ويخلص التقرير إلى أن طابع الحظر الشامل، وما رافقه من اعتقالات تعسفية واستخدام للقوة، ولا سيما بحق أطفال، يمثل انتهاكاً للحرية الشخصية وحرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي، ويتعارض مع الضمانات الإجرائية الواجبة.

لغرض إعداد هذا التقرير، أجرت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، خمس مقابلات معمّقة مع شهود ومشاركين مباشرين في الأحداث أو على اطّلاع مباشر بها. وقد جرى الحصول على موافقة المشاركين/ات المستنيرة بعد توضيح الطبيعة الطوعية لمشاركتهم وطرق استخدام المعلومات التي قدّموها، بما في ذلك إدراج مقتطفات من شهاداتهم في هذا التقرير. وأكّد الشهود رغبتهم في إخفاء هوياتهم أو أي تفاصيل قد تكشف عنها، خشية التعرّض لأعمال انتقامية تطالهم أو أسرهم. وبناءً على ذلك، اعتمدت الورقة القانونية أسماء مستعارة عند الإشارة إلى الأشخاص الذين ترد شهاداتهم.

2. التعميم رقم 7: حظر شامل قائم على سردية أمنية عامة:

بتاريخ 6 كانون الأول/ديسمبر 2025، أصدرت هيئة الداخلية في الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، تعميماً حمل الرقم 7 وجاء فيه: “بمناسبة مرور عام على سقوط النظام البعثي، نهنئ شعب شمال وشرق سوريا بهذه المناسبة، وكذلك شعوب سوريا كافة”. وأوضحت الهيئة في بيانها أن “الرئاسة المشتركة لهيئة الداخلية في إقليم شمال وشرق سوريا تُعمّم ما يلي: يُمنع إقامة أي تجمّعات أو فعاليات جماهيرية أو اجتماعية في كافة مناطق إقليم شمال وشرق سوريا يومي السابع والثامن من هذا الشهر [كانون الأول/ديسمبر]. يُمنع إطلاق العيارات النارية والألعاب النارية تحت طائلة المساءلة القانونية. تكلف كافة الجهات الأمنية باتخاذ التدابير الضرورية لضمان تنفيذ هذا التعميم”.

وبحسب الهيئة جاء هذا المنع “نظراً للظروف الأمنية الراهنة، والمتمثلة في ازدياد نشاط الخلايا الإرهابية التي تحاول خلق الفتنة وضرب مكونات المجتمع والقيام بعمليات إرهابية مستغلة ذكرى سقوط النظام البائد، وحرصاً على سلامة المواطنين وحماية الأمن والسلم الأهلي، وبناءً على مقتضيات المصلحة العامة، واستناداً إلى التعميم رقم /۱۹/ الصادر عن الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي في الإدارة الذاتية الديمقراطية في إقليم شمال وشرق سوريا”.

تظهر مراجعة نص التعميم أن المنع استند إلى سردية أمنية مفادها احتمال استغلال التجمعات من “جهات معادية ووجود تهديدات أمنية محتملة”. وقد طُبّق القرار بصورة شاملة وعامة شملت المدن والساحات والتجمعات المدنية دون تقييد مكاني أو زماني محدد.  يطرح هذا النوع من القيود إشكالية واضحة فيما يتعلق باختبار الشرعية والضرورة والتناسب. أي بدلاً من تقييد محدود ومؤقت يستهدف خطراً محدداً، تم اعتماد حظر عام يشمل مختلف أشكال التجمع السلمي. ويؤدي هذا إلى تقليص غير مبرر لحيّز الفضاء العام، ويحوّل السلطة الأمنية إلى معيار حاكم على حساب الحقوق الأساسية للسكان.

صورة التعميم رقم 7 الصادر عن هيئة الداخلية في الإدارة الذاتية الديمقراطية والذي يمنع إقامة أي تجمّعات أو احتفالات بمناسبة سقوط النظام.

3. تكرار حالات تقييد التعبير والاعتقال على خلفية المشاركة الرمزية:

لا تُعدّ الاعتقالات المرتبطة بالتعبير عن المواقف السياسية خلال الفعاليات المرتبطة بسقوط النظام حادثة معزولة أو متعلقة حصراً بفترة تطبيق التعميم رقم 7 (يومي 7 و8 كانون الأول/ديسمبر 2025)، بل تندرج ضمن سياق أوسع من القيود المتكررة، حيث برزت في عدة مناسبات أخرى أبرزها عقب سقوط النظام، وبعد الإعلان عن الاتفاق السياسي بين الإدارة الذاتية والحكومة الانتقالية في 10 آذار/مارس 2025.

قامت الأجهزة الأمنية التابعة للإدارة خلال الأسابيع الأولى التي أعقبت سقوط النظام، باعتقال عدد من المدنيين على خلفية المشاركة في تجمعات احتفالية أو رفع العلم السوري أو التعبير الرمزي عن الموقف السياسي من التحول الحاصل. مثل اعتقال الشاب عدي العلي في الحسكة بتاريخ 12 كانون الأول/ديسمبر 2024 لرفعه العلم السوري في تجمع عام، وبقائه رهن الاعتقال عدة أشهر قبل الإفراج عنه في أيلول/سبتمبر الماضي دون صدور قرار قضائي معلن أو توضيح قانوني لأسباب اعتقاله.

وفي آذار/مارس 2025، بعد إعلان الاتفاق السياسي بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية الانتقالية، تم توثيق عدة اعتقالات طالت مدنيين بينهم أطفال على خلفية المشاركة في تجمعات احتفالية، أو انتقاد قسد على وسائل التواصل الاجتماعي، أو رفع العلم السوري في الأماكن العامة، كتوقيف ستة أطفال في مدينة الحسكة بعد مشاركتهم في احتفال مرتبط بالاتفاق. وتجدر الإشارة إلى أن الاعتقالات بسبب رفع العلم السوري ما زالت مستمرة حتى وقت إعداد التقرير في انتهاك صارخ للحق في حرية الرأي والتعبير.

4. التطبيق على الأرض: انتشار أمني واستخدام للقوة واعتقالات تعسفية:

اتخذ تطبيق قرار منع التجمعات والاحتفالات طابعاً أمنياً مكثفاً، ترافق في حالات عديدة مع تفريق التجمعات بالرصاص، والتفتيش على الحواجز، ومنع الوصول إلى الساحات العامة، وتنفيذ اعتقالات على خلفية المشاركة أو التصوير أو التعبير عن الرأي.

تحدثت “سوريون” مع “عماد” من الرقة، وقد كان شاهداً على واقعة اعتقال الشابأحمد البوش يوم 8 كانون الأول/ديسمبر 2025 عند مفترق الساعة في وسط مدينة الرقة، بسبب رفعه لافتة مكتوب عليها: “من حقنا نحتفل يا قسد”. قال الشاهد:

“رأيتُ أحمد يتعرّض لاعتداء جسدي على يد عناصر من قوات سوريا الديمقراطية، ثم جرى اعتقاله بالقوة. وخلال ذلك، وجهت العناصر إليه اتهامات بأنه يقف خلف حالة ‘فتنة’، وتسأله مراراً عن الجهة التي ‘تقف وراءه’، في محاولة لربط مشاركته بأجندات خارجية”.

كما أشار بيان صادر عن نقابة محامي الرقة إلى حادثة اعتقال “أحمد البوش” ومنع الاحتفالات المرتبطة بذكرى “التحرير”، واعتبر أن ما جرى يمثّل “انتهاكاً” لحق الأهالي في التعبير والتجمع السلمي، وطالب بالإفراج عنه ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات المرتبطة بواقعة الاعتقال.

وتجدر الإشارة إلى أن عناصر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) قامت أيضاً باعتقال الشاب “راجي عبد الكريم الخلف”، من البوكمال –والمقيم في مدينة الرقة– بعد أن وثّق في هاتفه المحمول حادثة اعتقال “أحمد البوش”.

إضافة لما سبق، وثّقت منصات سورية محلية تنفيذ حملات اعتقال طالت أطفالاً وشباناً شاركوا في التعبير الرمزي عن المناسبة أو على خلفية اتهامهم بمعارضة قوات سوريا الديمقراطية. على سبيل المثال، اعتقلت قسد بتاريخ 07 كانون الأول/ديسمبر الطفل “عبد الله جمعة الغضبان” وصديقه الطفل “صبحي”، بعد التقاط صورة لهما تحمل عبارة مناهضة لقسد في مدينة الطبقة بريف الرقة، وما زال مصير الطفلين مجهولاً. كما اعتقلت الطفل “رضوان أسامة الفاقي” بتاريخ 8 كانون الأول/ديسمبر، بعد تعرّضه للضرب على يد العناصر، بسبب حمله علم الثورة أثناء اللعب. كما شنّت أجهزة تابعة للإدارة الذاتية، يوم 10 و11 كانون الأول/ديسمبر 2025 حملة اعتقالات طاولت خمسة شبّان في بلدة تل براك، شمال شرقي الحسكة، شمال شرقي سورية، على خلفية اتهامهم بكتابة عبارات مناوئة لسياستها على جدران البلدة. وفي هذا السياق، نشرت صحيفة الشرق الأوسط في 7 كانون الأول/ديسمبر 2025 أن حسابات سورية على وسائل التواصل الاجتماعي أفادت بوجود حملات اعتقال متزامنة في مناطق من الجزيرة السورية، ذكرت أنها طالت 17 شخصاً من الحسكة والقامشلي، على خلفية اتهامات بتأييد الحكومة السورية والتعامل مع جهات خارجية.

وتُظهر هذه الوقائع نموذجاً من السلوك الأمني القسري بحق مدنيين من ضمنهم أطفال، يترافق مع غياب الضمانات الإجرائية الكافية، واستمرار الاحتجاز بمعزل عن الرقابة القضائية، واحتمال تعرّض بعض الحالات للإخفاء القسري، إلى جانب استخدام العنف الجسدي بحق قاصرين.

ويوحي هذا النمط المتقاطع من الاعتقالات بأن المقاربة الأمنية السائدة تفتح المجال أمام قيود تعسفية على حرية الرأي والتجمع، وتُضعف مبدأي الشرعية والتناسب في تطبيق الإجراءات الأمنية.

5. تباين في المواقف وإجماع على النتائج السلبية للتطبيق الأمني:

تختلف المواقف السياسية للشهود الذين قابلتهم “سوريون” تجاه قرار الإدارة بمنع التجمعات والاحتفالات العامة المرتبطة بسقوط النظام، سواء لناحية تقييم دوافعه أو تفسير خلفياته، بين من رأى فيه إجراءً احترازياً ذا بعد أمني، ومن اعتبره قراراً مقيِّداً للحريات وغير مبرر. ومع ذلك، تتقاطع رواياتهم في توصيف الكيفية التي طُبّق بها القرار على الأرض، وفي الإشارة إلى هيمنة المقاربة الأمنية على إدارة الفضاء العام خلال فترة المنع، وما رافقها من تضييق على التعبير الرمزي والمشاركة السلمية. ويُظهر هذا التقاطع أن الخلاف بين الشهود انصبّ بالدرجة الأولى على تفسير القرار ومسوغاته، لا على توصيف آثاره العملية التي انعكست بصورة متشابهة في معظم المناطق المشمولة بالمنع.

تحدثت “سوريون” مع “رامي”، وهو ناشط مدني من القامشلي، وقال موضحاً موقفه:

“لا أرى قرار المنع صحيحاً، فأي قرار يتعارض مع حرية إبداء الرأي هو قرار خاطئ… كان على الإدارة أن تحمي المحتفلين وأن تحترم حقوقهم الدستورية في التجمع والتظاهر… المبرّر الأمني غير مقنع، لأنها لم تتوقف يوماً عن تنظيم تجمعات مؤيدة لها. المشكلة ليست في الخطر بحد ذاته، بل في الطريقة الانتقائية للتعامل مع حرية التعبير”.

تكشف هذه الشهادة إشكالية عدم المساواة في تطبيق القيود؛ إذ يجري التساهل مع التجمعات المؤيدة للسلطة مقابل التضييق على التجمعات المستقلّة أو الناقدة. ومن منظور حقوقي، يشكل ذلك خطراً إضافياً يتمثل في التمييز في إنفاذ القانون، حتى عندما يستند إلى مبرّر أمني معلن.

في المقابل، قدّم “محمود”، مقيم في القامشلي، قراءة أكثر تفهماً للسردية الأمنية، لكنه أكّد في الوقت ذاته على الحاجة إلى بدائل أقل تقييداً:

“يمكن اعتبار القرار صحيحاً من زاوية المصلحة العامة بسبب حساسية الوضع الأمني… لكن كان من الممكن تنظيم فعاليات رمزية صغيرة تحت إشراف الإدارة بدلاً من المنع الشامل… فالناس بحاجة إلى التعبير، ومن واجب السلطات إيجاد صيغة آمنة لذلك”.

أما الصحفي “آرام”، من الحسكة، فأشار إلى أن القرار كان في مكانه بحسب رأيه، لاحتمال وجود معلومات أمنية وتخوّفات مرتبطة بتنظيم داعش، لكنه أضاف:

“حتى في حال وجود تهديدات محتملة، كان يمكن اتباع أساليب أخرى… مثل تنظيم ندوات أو فعاليات داخل أماكن مغلقة وآمنة… أما المنع دون بدائل فهو يفتح الباب لتفسير القرار بوصفه تقييداً لحرية التعبير، لا إجراءً لحماية السلامة العامة”.

ورغم الاختلافات، تكشف هذه الشهادات أن جوهر الاعتراض الحقوقي لا ينكر احتمال وجود المخاطر الأمنية، بل يذهب إلى أن الاستجابة لها لم تكن الإجراء الأقل تقييداً، وأن الحظر الشامل أدى عملياً إلى تقويض الحق في التجمع السلمي دون ضرورة مُثبتة.

وفي سياق مشابه، تحدّثت “سوريون” مع “نضال” من القامشلي، والذي رأى أن قرار المنع لا يمكن تبريره بحجج أمنية عامة، مع تأكيده في الوقت ذاته أنه يتفهّم جانباً من اعتبارات الإدارة السياسية والأمنية، ويضيف:

“ما ينبغي الانتباه إليه هو أن الاحتفال بسقوط النظام لا يعني الاحتفال بالسلطة الجديدة. الإدارة الذاتية لا تريد أن يُفهم الاحتفال على أنه منح شرعية للحكومة القائمة في دمشق قبل الوصول إلى تفاهمات سياسية وعسكرية واضحة. هذا الاعتبار مفهوم من زاوية سياسية، لكنه لا يلغي حق الناس في التعبير عن موقفهم من سقوط نظام أذاق السوريين الويلات طيلة عقود من الزمان دون أن يُحمَّل هذا التعبير دلالات سياسية أخرى لا يقصدونها.”

6. الإطار القانوني: التزامات محلية ودولية:

يوحي تسلسل الوقائع بوجود نمط مستمر يعتمد أولوية المقاربة الأمنية على حساب الحقوق الأساسية، بحيث يُنظر إلى التجمعات والرموز السياسية بوصفها خطراً أمنياً قائماً بذاته، وليس نشاطاً مدنياً مشروعاً لا يجوز تقييده إلا عند توافر خطر محدد وقابل للتحقق. ويؤدي هذا النهج إلى تحويل القيود المؤقتة إلى حالة شبه دائمة تطال الفضاء العام، والتوسع في استخدام الاحتجاز على خلفية التعبير السياسي أو الرمزي، وإضعاف الضمانات الخاصة بالأطفال والقصّر عند الاحتكاك بالأجهزة الأمنية.

يكفل العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا جملة من الحقوق الأساسية، من بينها حرية الرأي والفكر (المادة 40)، وحرية الفكر السياسي وحق التنظيم والتعبير (المادتان 43-44)، وحماية الأطفال ومنع العنف ضدهم (المادة 55)، والحق في محاكمة عادلة (المادة 56)، وعدم جواز الاعتقال أو التفتيش دون إذن قضائي (المادة 57)، وعدم تقييد الحرية دون مستند قانوني (المادة 58). وتشكّل هذه المواد مرجعية قانونية ملزمة للسلطات المحلية والأجهزة الأمنية، وتكتسب أهمية مضاعفة لكونها مرجعية داخلية صادرة عن الجهة ذاتها التي تطبق القرارات التنفيذية موضوع التقرير.

ويستند التقييم الحقوقي للوقائع الموثقة إلى ثلاثة معايير متلازمة وهي 1) الشرعية، أي أن يكون القيد منصوصاً عليه في قانون واضح ومحدد. 2) والضرورة، أي أن يكون مرتبطاً بخطر فعلي ومحدّد لا بفرضية عامة. 3) والتناسب، أن يشكل الإجراء الخيار الأقل تقييداً للحق، ومحدوداً بزمان ومكان ونطاق واضحين.

وبناءً على الوقائع المذكورة في هذا التقرير، يظهر أن الحظر الشامل للتجمعات العامة، مقروناً بحالات اعتقال على خلفية التعبير السلمي وفرض التزامات خارج رقابة قضائية، لا ينسجم مع اختبارَي الضرورة والتناسب، ويتعارض مع مضمون العقد الاجتماعي المذكورة أعلاه، فضلاً عن تعارضه مع الالتزامات المستندة إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادة 21 بشأن الحق في التجمع السلمي، والمادة 19 حول الحق في التعبير. كما يتعارض مع المبادئ العامة الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادتان 19 و20) بوصفه مرجعية معيارية تأسيسية لحقوق الإنسان على الصعيد الدولي.

7. التوصيات:

انطلاقاً من الشهادات والوقائع التي وثّقها هذا التقرير، وما أظهرته من آثار مباشرة على حرية التعبير والتجمع في مناطق الإدارة الذاتية، ترى “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” ضرورة اتخاذ جملة من الإجراءات العملية التي من شأنها تحسين إدارة الفضاء العام وتعزيز حماية الحقوق الأساسية للسكان واحترامها. وعليه توصي المنظمة بما يلي:

7.1.  إلى الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا والأجهزة الأمنية التابعة لها:
  • إلغاء الطابع الشامل لقرارات الحظر على التجمعات العامة، واعتماد قيود ظرفية ومحددة زمانياً ومكانياً عند الضرورة القصوى فقط، بما يتوافق مع معايير الشرعية والضرورة والتناسب وعدم التمييز.
  • وقف الاعتقالات والاحتجاز على خلفية التعبير السلمي أو المشاركة في الفعاليات الرمزية، والإفراج الفوري عن جميع المحتجزين تعسفياً، وضمان الإحالة القضائية الفورية لأي حالة احتجاز قائمة، وحق الحصول على محاكمة عادلة.
  • فتح تحقيقات مستقلة وذات مصداقية في ادعاءات استخدام القوة والعنف اللفظي/الجسدي أثناء القبض أو الاحتجاز، وضمان مساءلة المسؤولين عنها وتوفير سبل الانتصاف للضحايا.
  • حماية الأطفال والقصّر أثناء الاحتكاك مع القوى الأمنية، والامتناع عن احتجازهم أو التحقيق معهم خارج إطار رقابي وقضائي متخصص، بما ينسجم مع المادة 55 من العقد الاجتماعي والمعايير الدولية الخاصة بحقوق الطفل.
  • تعزيز الشفافية في السياسات الأمنية والإجراءات الميدانية، ونشر تعليمات واضحة للعناصر الأمنية بشأن احترام الحقوق الأساسية أثناء ضبط التجمعات أو التعامل مع الأحداث العامة.
7.2. إلى الهيئات القضائية والرقابية المحلية:
  • ضمان رقابة قضائية فعّالة على قرارات التوقيف والتفتيش والتقييد الأمني، ومنع أي احتجاز خارج إطار القانون أو دون إذن قضائي مسبب.
  • متابعة شكاوى الضحايا وممثليهم القانونيين، وتمكينهم من الوصول إلى آليات التظلّم والانتصاف بصورة فعّالة ومستقلة.
7.3. إلى منظمات المجتمع المدني والفاعلين الإعلاميين المحليين:
  • الاستمرار في توثيق حالات التوقيف والقيود على حرية التعبير والتجمع، مع التركيز على الفئات الأكثر عرضة للانتهاك، بما في ذلك الأطفال والمشاركون السلميون.
  • تعزيز حملات التوعية العامة حول الحقوق الأساسية وآليات الحماية القانونية، ونشر خطاب مسؤول يحدّ من الاستقطاب وخطاب الكراهية المرتبط بالأحداث العامة.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد