الرئيسية تقاريرسوريا/ريف حماه: تهجير قسري واستيلاء على ممتلكات لعلويين بعد سقوط الأسد

سوريا/ريف حماه: تهجير قسري واستيلاء على ممتلكات لعلويين بعد سقوط الأسد

يجب تعليق العمل بجميع عقود الاستثمار والاستيلاء الجارية على أملاك المهجّرين قسراً واعتبارها فاقدة للأثر القانوني إلى حين البتّ فيها وفق آلية قضائية مستقلة

بواسطة Author F
1.9K مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

     1. الملخص التنفيذي:

يوثق هذا التقرير وقائع التهجير القسري الجماعي الذي تعرض له سكان قرية الزغبة وقرى أخرى ذات غالبية علوية في ريف حماة الشمالي كقرى مريود، والطليسية، ومعان، والفان، وأبو منسف، وذلك عقب انهيار المنظومة الدفاعية لقوات النظام السوري السابق وسقوط المنطقة بيد الفصائل المشاركة في عملية ردع العدوان في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.

يكشف التقرير، استناداً إلى أدلة ميدانية وشهادات حية، أن عملية النزوح لم تكن انسحاباً طوعياً، بل كانت فراراً قسرياً تحت وطأة هجوم عسكري مباغت استُخدمت فيه الطائرات المسيرة الانتحارية من طراز “شاهين”، مما خلق حالة من الذعر الشديد بين المدنيين/ات، أجبرهم على ترك منازلهم وممتلكاتهم والنجاة بأرواحهم فقط.

لا تقف حدود الانتهاكات عند لحظة التهجير؛ إذ يرصد التقرير نمطاً من الانتهاكات ما بعد النزوح، تمثل في منع الأهالي من العودة عبر التهديدات الأمنية المباشرة وغياب الحماية. وبالتوازي، تعرضت ممتلكات المهجّرين لعمليات نهب واسعة، تطورت من “التعفيش” الفردي إلى الاستيلاء المنظم عبر كيانات مستحدثة مثل “شركة اكتفاء” -وهي جهة استثمارية زراعية مقرّها إدلب، تعمل في مشاريع إنتاج زراعي- والتي وضعت يدها على الأراضي الزراعية (حقول الفستق الحلبي والزيتون) تحت غطاء “الاستثمار”، مما حرم السكان الأصليين من مصدر رزقهم الوحيد.

يخلص التقرير إلى أن هذه الممارسات تشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي والوطني على حد سواء، بما في ذلك التهجير القسري، والعقاب الجماعي، وانتهاك حقوق الملكية، مما يهدد بتكريس تغيير ديموغرافي دائم، ويقدم التقرير مجموعة توصيات لضمان حقوق المهجرين بالعودة واسترداد أملاكهم.

     2. المنهجية:

اعتمد إعداد هذا التقرير على منهجية جمعت بين البحث الميداني النوعي والمصادر الثانوية لضمان دقة المعلومات وموضوعيتها:

  • الشهادات الأولية المباشرة: استند التقرير إلى 19 شهادة تمّ جمعها من ضحايا التهجير من أهالي قرية الزغبة، والذين يقيمون حالياً في مناطق النزوح (مثل مدينة سلحب). غطت هذه الشهادات تفاصيل يوم التهجير، ظروف الهروب، ومحاولات العودة الفاشلة، مع الحرص على حماية خصوصية الشهود في السرد العام للتقرير. وقد جرى الحصول على موافقة المشاركين/ات المستنيرة بعد توضيح الطبيعة الطوعية لمشاركتهم وطرق استخدام المعلومات التي قدّموها، بما في ذلك إدراج مقتطفات من شهاداتهم في هذا التقرير. وأكّد جميع الشهود رغبتهم في إخفاء هوياتهم أو أي تفاصيل قد تكشف عنها، خشية التعرّض لأعمال انتقامية تطالهم أو أسرهم. وبناءً على ذلك، اعتمدت الورقة القانونية الأحرف الأولى فقط عند الإشارة إلى الأشخاص الذين ترد شهاداتهم.
  • المصادر الثانوية والتقارير الحقوقية: تم تدعيم الشهادات بمعلومات من مصادر ثانوية موثوقة، شملت تقارير منظمات دولية ومحلية. ساعدت هذه المصادر في تأكيد النطاق الواسع للتهجير الذي طال نحو 12 قرية و2000 عائلة في المنطقة.
  • مقاطعة المعلومات: تم اعتماد آلية مقاطعة المعلومات للتحقق من الوقائع؛ حيث تمت مطابقة روايات الشهود حول توقيت الهجوم ونوع السلاح المستخدم (مسيرات شاهين) مع البيانات العسكرية والتحليلات المنشورة في المصادر المفتوحة حول سير المعارك في ريف حماة الشمالي.
  • دراسة الحالة: اعتمد التقرير أسلوب “دراسة الحالة” بالتركيز على قرية “الزغبة” كنموذج مصغر يعكس ما جرى في القرى المحيطة (مثل الطليسية والفان)، لتسليط الضوء على الطبيعة المتعمدة للانتهاكات وتداعياتها الإنسانية والقانونية.

     3. الخلفية والسياق: ريف حماة كخط تماس دامي:

لفهم أبعاد الكارثة الإنسانية التي حلت بقرية الزغبة وقرى ريف حماة الشمالي، لا بد من قراءة الموقع الجيوسياسي لهذه المنطقة والدور الذي لعبته خلال سنوات النزاع السوري، مع التأكيد القاطع على أن فهم السياق التاريخي لا يمنح أي شرعية لسياسات الانتقام الجماعي أو التهجير القسري التي مورست لاحقاً.

         3.1. الجغرافيا السكانية والعسكرية:

شكّلت قرى ريف حماة الشمالي (الزغبة، الطليسية، الفان، وغيرها) حاجز جغرافي فاصل بين المناطق السنّية في ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي من جهة أخرى. ونظراً لتركيبتها الديموغرافية ذات الغالبية العلوية وسط محيط سنّي، حاول النظام السوري السابق استثمار هذا التنوع الديمغرافي، وتوظيفه في النزاع السوري بما يخدم أهدافه العسكرية في محاربة المجموعات العسكرية المعارضة.

         3.2. إرث النزاع: الذاكرة والتوظيف العسكري

بحكم موقعها على خطوط التماس خلال سنوات النزاع، شهدت هذه القرى حضوراً عسكرياً متكرراً وتحوّلت في مراحل معينة إلى نقاط انتشار مكثّف للقوات الحكومية. وفي تقارير سابقة، وثّقت “سوريون” حوادث تهجير طالت سكاناً من قرى سنّية مجاورة آنذاك، وهي وقائع تركت آثاراً اجتماعية عميقة على المنطقة. إن هذه السياسات التي انتهجها النظام السابق، والتي حاول فيها تحول المناطق المدنية إلى جزء من آلته العسكرية، زرعت بذوراً للشقاق الطائفي. ومع ذلك، من الأهمية بمكان التمييز قانونياً وأخلاقياً بين مسؤولية النظام السياسية والعسكرية، وبين حقوق السكان المدنيين. إن حقيقة استغلال النظام لهذه القرى وتورط بعض أبنائها في القتال، لا تُسقط الحماية القانونية عن المدنيين القاطنين فيها، ولا تبرر بأي شكل من الأشكال تعريضهم للتهجير القسري أو العقاب الجماعي كشكل من أشكال الانتقام. إن الانتهاك لا يبرر الانتهاك المضاد، والقانون الدولي الإنساني يحظر بوضوح الاقتصاص من السكان المدنيين بجريرة أفعال حكوماتهم أو جيوشهم.

     4. وقائع التهجير: النزوح الجماعي (8 كانون الأول/ديسمبر 2024)

         4.1. “السماء تمطر شظايا”: صدمة الهجوم الأولى

تتفق الشهادات المتقاطعة للنازحين/ات على أن أهالي قرية الزغبة لزموا منازلهم في البداية عقب انسحاب قوات جيش النظام مطلع كانون الأول/ديسمبر 2024، ولم تكن لديهم نية مبيتة للمغادرة، مما ينفي أي مزاعم عن إخلاء طوعي مسبق. ولكن تغير الموقف جذرياً، عندما شنت الفصائل المهاجمة بقيادة “هيئة تحرير الشام” هجوماً مكثفاً باستخدام الطائرات المسيرة من طراز “شاهين”. وبحسب الشهادات، لم يكن القصف موجهاً بدقة لأهداف عسكرية بحتة داخل النسيج العمراني للقرية، بل تسبب في حالة من الرعب العشوائي. وفي هذا الصدد يصف الشاهد “ص.م”، وهو مزارع يبلغ من العمر 74 عاماً، المشهد بقوله:

“أصبحت السماء تمطر شظايا ونيراناً… أول قذيفة سقطت قرب منزل أحد جيراني وأدت إلى مقتل رجل مدني مسن وإصابة عدد من النساء”.

أدى استخدام تقنية المسيرات، وما يصاحبها من صوت “أزيز” مستمر يتبعه الانفجار، إلى خلق حالة من “الرعب النفسي” دفعت السكان للاعتقاد بأن البقاء يعني الموت المحتم، خاصة مع توثيق إصابات بين المدنيين/ات في اللحظات الأولى. وتؤكد الشاهدة “ر.ح”، وهي أرملة وأم لستة أطفال، حالة الهلع بقولها:

“أصبح البقاء مستحيلاً، خرجنا مسرعين دون أن نأخذ معنا شيئاً”.

       4.2. الخروج بملابس النوم: رحلة الرعب:

تحت وطأة القصف العشوائي وانتشار الذعر، بدأت موجة نزوح جماعي غير منظمة. تشير الشهادات بوضوح إلى أن الفرار تم دون أي تحضير؛ إذ أفاد “ع.م” و”س.ص” وآخرون بأنهم خرجوا “للنجاة بأرواحهم فقط” دون أن يتمكنوا من حمل أي أمتعة أو وثائق أو ممتلكات شخصية.

وترسم الشهادات صورة قاتمة لمسار الهروب، حيث أفاد الشاهد “ح.م” بإصابة أخيه بشظية في قدمه واضطرارهم لإسعافه بوسائل بدائية أثناء الجري بين الحقول والمزارع هرباً من الهجوم. كما روى “ح.ص” تفاصيل مروعة عن النزوح تحت النار:

“أثناء الهروب سقطت قذيفة على مسافة قريبة منا… أصيبت زوجتي بجروح في يدها، وكادت ابنتي الصغيرة تختنق من الغبار والدخان”

كما تحدث الشهود عن تشتت العائلات في اتجاهات مختلفة، حيث اتجه البعض نحو ريف حماه الغربي والبعض الآخر إلى الساحل، بينما لجأت الكتلة الأكبر من أهالي الزغبة إلى مدينة سلحب المجاورة، ليواجهوا مصيراً مجهولاً بلا مأوى أو مورد رزق.

     5. ما بعد النزوح: الحرمان من العودة وسياسات الترهيب:

لم تنتهِ مأساة أهالي قرية الزغبة بمجرد خروجهم منها؛ بل تحول النزوح المؤقت إلى حالة مستدامة من الحرمان، حيث يواجه السكان عقبات أمنية ومادية تجعل العودة أمراً مستحيلاً في المنظور القريب، مما يكرس واقع التغيير الديمغرافي القسري.

        5.1. واقع الشتات: انتظار بلا أفق:

يقيم غالبية أهالي القرية حالياً في مدينة سلحب ومناطق الساحل السوري، حيث لجأوا إلى المدارس أو منازل أقاربهم أو معارفهم. وبحسب ما وثقته “سوريون”، يعيش هؤلاء في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، بعد أن فقدوا مصادر رزقهم الأساسية ومنازلهم، وأصبحوا يعتمدون على المساعدات أو الاستدانة لتأمين قوت يومهم، وسط حالة من القلق المستمر حول مصير ممتلكاتهم. يعبر الشاهد “أ.م” عن هذا الواقع بقوله:

“اليوم لم يعد لنا مأوى في قريتنا، فقدنا بيوتنا وأرضنا”.

        5.2. عوائق العودة الأمنية: “لا نضمن سلامتكم”

عندما حاول الأهالي معرفة إمكانية العودة بالطرق السلمية والإدارية، واجهوا رداً رسمياً يُخلي مسؤولية السلطات الجديدة عن حمايتهم، حيث تفيد شهادات متطابقة لعدد من النازحين/ات بأن وفداً من وجهاء القرية التقى بمحافظ حماه، “عبد الرحمن السهيان”، للحصول على ضمانات للعودة، إلا أن جواب المحافظ كان “لا أضمن لكم الأمان في حال عودتكم”، طالباً منهم التريث، ولكن إلى أجل غير مسمى.

وقد تجاوز الأمر هذا الحد ليصل إلى “التهديد المباشر”. فقد وثقت “سوريون” تعرض أحد وجهاء قرية الزغبة (تتحفظ “سوريون” عن ذكر منصبه حرصاً على سلامته) لتهديد صريح بالقتل هو وأولاده في حال فكر بالعودة إلى القرية.

“وصلني تهديد مباشر من بعض أهالي المنطقة المسيطرين على القرية، مفاده أنه في حال عودتي مع عائلتي فسيقتلونني أنا وأولادي”

كما تلقى العديد من الأهالي تحذيرات من معارفهم في المنطقة بأن الاقتراب من القرية قد يعرضهم للاعتداء أو الاعتقال، مما خلق جداراً من الخوف يحول دون أي محاولة فردية للعودة.

       5.3. استباحة الممتلكات: من “التعفيش” إلى الاحتلال السكني:

بالتوازي مع المنع الأمني، تعرضت القرية لعملية تدمير ونهب. تؤكد الشهادات أن عدداً من المنازل تعرضت لعمليات “تعفيش”[1] شاملة طالت الأثاث، والنوافذ، وحتى التمديدات الكهربائية، قبل أن يتم إحراق بعضها بالكامل لضمان عدم صلاحيتها للسكن.

الأخطر من النهب هو “الاستيطان”؛ حيث تفيد الشهادات التي وثقتها “سوريون” بأن مجموعات من القرى البدوية المحيطة، وبعض أفراد عشيرة “الموالي” الذين عادوا إلى المنطقة، قاموا بوضع يدهم على مجموعة من منازل المهجرين والسكن فيها. هذا الإحلال السكاني لا يمثل تعدياً على الملكية فحسب، بل يشكل مؤشراً إلى نية في تغيير هوية المنطقة السكانية ومنع أصحاب الحقوق من استعادتها.

     6. الاقتصاد السياسي للتهجير: شركة “اكتفاء” ومأسسة النهب:

لعل أخطر ما كشفته الشهادات هو انتقال عمليات الاستيلاء على الممتلكات من طابع الفوضى الفردية (التعفيش) إلى طابع “المأسسة المنظمة” تحت غطاء قانوني واستثماري.

        6.1. شركة “اكتفاء”: واجهة الاستثمار القسري

برزت في ريف حماة الشمالي والشمال الشرقي شركة تدعى “اكتفاء للتنمية والاستثمار الزراعية“، كفاعل رئيسي في إدارة أملاك المهجرين. تعرف الشركة عن نفسها على موقعها الرسمي بأنها تعمل في قطاع الإنتاج الزراعي وتتخذ من إدلب مقرّاً لها، وتركز أنشطتها على رفع معدلات الناتج الزراعي المحلي وتعزيز الأمن الغذائي عبر خطط إنتاج تعتمد التقنيات الحديثة والتصنيع الزراعي، وإنتاج محاصيل وأشجار مثمرة وفق معايير الجودة والسلامة الغذائية.

ووردت تقارير إعلامية رسمية تُقدّم الشركة على أنها مشروع استثماري زراعي في ريف حماه، غير أنّ معطيات ميدانية وشهادات محلية تشير إلى تورّطها في الاستيلاء على أراضٍ تعود لسكان من الطائفة العلوية في المنطقة، وبما يتقاطع مع ترتيبات تُدار بالتنسيق مع المكتب الاقتصادي في محافظة حماة،[2] وتعمل هذه الشركة كواجهة اقتصادية تقوم بوضع اليد على الأراضي الزراعية الخصبة التي تركها أصحابها قسراً، وتحديداً حقول الفستق الحلبي والزيتون التي تشتهر بها قرى الزغبة والطليسية.[3]

       6.2. آليات نزع الملكية: المزادات كغطاء قانوني:

استخدمت شركة “اكتفاء” بتيسير من الحكومة السورية آليات إدارية لإضفاء الشرعية على المصادرة:[4]

  • تصنيف الملاك: يتم اعتبار الملاك الأصليين “غائبين” أو “مطلوبين أمنياً”، مما يبرر وضع اليد على أراضيهم.
  • المزادات الصورية: تُطرح الأراضي للاستثمار في مزادات علنية تشترط حصول المتقدم على “موافقة أمنية”، وهو شرط تعجيزي للمهجرين، مما يحصر الاستثمار في الموالين للفصائل المسيطرة.[5]
  • عقود الإذعان: قامت الشركة بالتواصل مع بعض النازحين لعرض عقود إيجار شكلية لأراضيهم، في محاولة لشرعنة الأمر الواقع وتثبيت نزع الملكية عبر وثائق تبدو قانونية في ظاهرها.
      6.3. الأثر الاقتصادي: تجفيف منابع البقاء

تمثل هذه الأراضي شريان الحياة الوحيد لأهالي الزغبة. فالمنطقة تشتهر بـ “الذهب الأخضر” (الفستق الحلبي) والزيتون، وهي محاصيل استراتيجية تتطلب سنوات طويلة من الرعاية. إن مصادرة هذه المحاصيل، سواء عبر جنيها مباشرة لصالح خزينة الإدارة أو تأجيرها لمستثمرين جدد، تحرم آلاف العائلات من مورد رزقهم، مما يحولهم إلى مُعدمين غير قادرين على تأمين عيشهم. وإلى جانب المصادرة، تتعرض الثروة الزراعية للتخريب على يد “المستوطنين الجدد”. حيث وصف الشاهد “س.ض”، وهو موظف سابق في مديرية الزراعة، هذا التعدي الجائر بقوله:

“لا مانع لديهم من هدم أي بناء أثري أو قطع شجرة مثمرة لغرض التدفئة… لقد خسرت أرضي التي تحوي أشجاراً مثمرة يبلغ عمرها حوالي 40 عاماً”

     7. خاتمة وتوصيات

تشير الوقائع الموثقة في قرية الزغبة بريف حماه الشمالي إلى ارتكاب انتهاكات جسيمة تمسّ كلّاً من القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وكذلك أحكام الإعلان الدستوري والقوانين السورية النافذة. فالبيئة القسرية التي أُنشئت بفعل الهجمات المباشرة والعشوائية على المدنيين/ات، والتهديدات اللاحقة بمنع العودة، تشكّل نزوحاً قسرياً محظوراً بموجب المادة 17 من البروتوكول الإضافي الثاني، وفي الوقت نفسه اعتداءً على الحرّيات الشخصية وحرمة السكن المكفولتين دستورياً، وقد يندرج قانوناً ضمن الجرائم الواقعة على الحرية واستعمال القوة والتهديد بصورة غير مشروعة. كما أن ما جرى من نهب واسع للممتلكات الخاصة، ثم الاستيلاء عليها عبر آليات شكلية صورية، يمثّل انتهاكاً لحظر النهب في القانون الدولي، وتجريداً تعسفياً من الملكية، ويخالف في الإطار الوطني مبدأ صون الملكية الخاصة، ويُعدّ جرائم اغتصاب ملكية أو اغتصاب عقار لا تُكسبها أي تغطية إدارية مشروعية قانونية.

وإلى جانب ذلك، يكشف ربط مصير السكان المدنيين/ات في القرى العلوية بجرائم النظام السابق، إلى نية في ممارسة “العقاب الجماعي” المحظور بموجب المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة، وهو سلوك يتعارض أيضاً مع مبدأ المساواة وحظر التمييز الواردين في الإعلان الدستوري، وقد يهدد السلم الأهلي ووحدة المجتمع. كما أن منع الأهالي من العودة الآمنة إلى منازلهم وأراضيهم، خلافاً لواجبات السلطات الواردة في المبدأ 28 من المبادئ التوجيهية بشأن التشريد الداخلي في تهيئة الظروف وتوفير الوسائل التي تتيح للنازحين/ات داخلياً العودة طوعاً، وبأمان وكرامة، إلى ديارهم. يشكّل هذا في الإطار الوطني تعدّياً على حق الإقامة والتنقل والحقوق المكتسبة، ويقع خارج حدود السلطة الإدارية المشروعة وقابلاً للطعن القضائي. وبذلك، تعكس هذه الوقائع منظومة مترابطة من الانتهاكات الدولية والداخلية، وتؤكد الحاجة إلى مساءلة قانونية فعّالة وجبرٍ للضرر وحمايةٍ لحقوق المتضررين.

وعليه توصي “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” بما يلي:

         7.1. إلى الحكومة الانتقالية
  • تعليق العمل بجميع عقود الاستثمار والاستيلاء الجارية على أملاك المهجّرين قسراً، واعتبارها فاقدة للأثر القانوني إلى حين البتّ فيها وفق آلية قضائية مستقلة، مع وقف نشاط شركة “اكتفاء” وكل الكيانات المرتبطة بعمليات وضع اليد.
  • اعتماد خطة رسمية لعودة الأهالي الآمنة والكريمة، تتضمن إجراءات حماية فعلية، وتحديد جهة حكومية مسؤولة عن المتابعة وتلقي الشكاوى، ومحاسبة الأفراد أو المجموعات التي تمارس الترهيب أو التهديد.
  • تحريك الدعاوى الجزائية بحق المتورطين في التعفيش ووضع اليد غير المشروع، واسترداد الممتلكات المنهوبة، وتنفيذ قرارات الإخلاء الفوري عن المنازل والعقارات المعتدى عليها.
  • إنشاء آلية مستقلة لحفظ السجلات العقارية ومنع العبث بها، وتوثيق الحقوق العينية للمهجّرين، تمهيداً لعمليات الاسترداد والتعويض في إطار مسار العدالة الانتقالية.
          7.2. إلى المنظمات الحقوقية والمدنية
  • دعم مبادرات للصلح الأهلي يقودها وجهاء العشائر والقرى السنية المجاورة (الذين يدعم بعضهم حق العودة كما ورد في الشهادات)، ليكونوا ضامنين محليين لعودة جيرانهم العلويين، مع التأكيد أن جهود المصالحة لا تُعد بديلاً عن واجب الدولة في الحماية والمساءلة.
  • إعداد ملفات قانونية موثّقة وإحالتها إلى الجهات القضائية المختصة، ودعم جهود المساءلة عن عمليات التهجير والاستيلاء، وتمكين الضحايا من استعادة ممتلكاتهم والمطالبة بالتعويض عن الأضرار.
          7.3. إلى المجتمع الدولي والجهات المانحة:
  • ربط الدعم المالي بالتزام السلطات بحماية حقوق الملكية لجميع السوريين/ات، ومنع المصادرة القسرية، ودعم آليات مراقبة مستقلة لملفات العودة والملكية.
  • توجيه استجابة إغاثية عاجلة للنازحين/ات في مناطق الإيواء (سلحب والساحل)، والذين فقدوا مواسمهم الزراعية ومصادر رزقهم، لضمان صمودهم المعيشي.

[1]التعفيش: كلمة دارجة تُستخدم لوصف النهب المنظّم أو الاستيلاء على ممتلكات المدنيين/ات المنقولة بعد العمليات العسكرية أو أثناء انتشار القوى المسيطرة. يشمل ذلك أخذ الأثاث والأجهزة المنزلية والأدوات وحتى المحاصيل أو المواشي، وغالباً ما يتم بطريقة منهجية ومنسوبة لعناصر مسلّحة أو جهات عسكرية/أمنية، لا باعتبارها سرقات فردية عابرة.

[2] المرصد السوري لحقوق الإنسان، اغتصاب الأراضي بغطاء الاستثمار الزراعي في ريف حماة: قرى علوية ضحية عقوداكتفاءالمشبوهة، 30 حزيران/يونيو 2025.

[3] مركز مناهضة العنف والكراهية، انتهاكات جسيمة لحقوق الملكية في سوريا خلال المرحلة الانتقالية، تشرين الثاني/نوفمبر 2025.

[4] أنظر المرجعين السابقين.

[5] تتقاطع الآليات التي تعتمدها شركة “اكتفاء” مع نمط سبق توثيقه في محافظة حماة خلال السنوات الماضية، حيث استخدمت الجهات الحكومية هناك (نظام الأسد) أسلوب المزادات العلنية لاستثمار أراضي الغائبين والمهجّرين، مع اشتراط الحصول على “موافقة أمنية” للمشاركة. وقد بيّنت تقارير “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” أنّ هذه المزادات كانت صورية لأن الشرط المذكور كان عائقاً ممنهجاً يحول دون مشاركة المالكين الأصليين، فيما أتاح نقل الانتفاع بالأراضي إلى جهات مقرّبة من السلطة أو مدعومة أمنياً. كما أظهرت تلك الوقائع أن المزادات لم تكن إجراءً اقتصادياً محايداً، بل أداة لإضفاء طابعٍ شكلي قانوني على نزع السيطرة عن أصحاب الحقّ وفرض أمرٍ واقع طويل الأمد على ملكياتهم الزراعية. أنظر: سوريون من أجل الحقيقة والعدالة. الحكومة السورية تصادر مساحات واسعة من أراضي النازحين داخلياً في ريفي حماه وإدلب. 10 حزيران/يونيو 2021. سوريون من أجل الحقيقة والعدالة. حماه: موجة مزادات حكومية جديدة لاستثمار أراض زراعية يملكها نازحون ومغتربون. 27 أيلول/سبتمبر 2021. سوريون من أجل الحقيقة والعدالة. سوريا: مزادات حكومية غير قانونية في حماه وإدلب لاستثمار أراض مشجرة بالفستق الحلبي. 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2022.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد