تمّ إنجاز هذا العمل بدعم من الاتحاد الأوروبي. إنّ محتويات هذا العمل هي مسؤولية “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights” و”سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” وحدهما، ولا تعكس بالضرورة آراء الاتحاد الأوروبي.
1. مقدمة:
عشية يوم الأحد 22 حزيران/يونيو 2025، وأثناء تواجد مئات المصلين في كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة في العاصمة دمشق،[1] وقع تفجير إرهابي أسفر عن مقتل 26 شخصاً وإصابة أكثر من ستين آخرين، جميعهم من المدنيين/ات المسيحيين/ات، بينهم نساء وأطفال.
وعلى خلاف المفترض، بدت طريقة استجابة الحكومة السورية الانتقالية للحدث، محدودة على المستويين الرمزي والإجرائي، حيث رصدت “سوريون” البيانات الصادرة عن قيادتها ووزرائها، وكان من الملفت أنّ الزيارة الرسمية إلى الكنيسة اقتصرت على وزيرة الشؤون الاجتماعية – وهي المسيحية الوحيدة في الحكومة – بينما غاب كبار المسؤولين عن الحضور إلى موقع التفجير، رغم رمزية الحادثة وخطورتها خاصة في هذه المرحلة الانتقالية. كما اقتصرت البيانات الصادرة على عبارات عامة، دون تقديم ضمانات واضحة بشأن الشفافية في التحقيق أو آليات المساءلة.
في المقابل، انعكس الحدث في وسائل الإعلام الرسمية الحكومية من خلال التركيز على سرديات سياسية وأمنية جاهزة، جرى توظيفها بطرق تفتقر إلى الدقة، ما ساهم في زيادة التوتر والانقسام بدل تعزيز التضامن المجتمعي. كذلك وثّق التقرير خللاً في التعامل مع مسرح الجريمة، حيث سُمح بدخول الإعلاميين والمدنيين في الساعات الأولى، قبل جمع الأدلة أو تأمين الموقع، مما أضعف الثقة بجدية التحقيق.
وقد أثار الإعلان المبكر – الذي صدر خلال أقل من ساعة من وقوع التفجير – عن مسؤولية تنظيم داعش، قبل الإشارة إلى فتح تحقيق جنائي أو عرض أدلة مادية، شكوكاً واسعة حول مصداقية الرواية الرسمية. وزادت هذه الشكوك مع غياب تبني العملية من قبل التنظيم في نشراته الإعلامية، وظهور بيان صادر عن جماعة تُدعى “سرايا أنصار السنة” تبنّت فيه التفجير، في حين وصفتها السلطات بأنها تنظيم وهمي.
ويضع التقرير هذه الحادثة ضمن سلسلة من الانتهاكات التي استهدفت المواطنين/ات المسيحيين/ات في سوريا خلال الأشهر السابقة. كما يُنبه إلى تصاعد المخاوف من أن يشكل هذا النوع من الاعتداءات، في ظل غياب المحاسبة، مؤشراً خطيراً على إمكانية تحول المسيحيين/ات إلى فئة مستهدفة على أساس ديني/طائفي، وعلى تعزيز الإفلات من العقاب، الأمر الذي يتطلب من السلطات التحرك الفوري لضمان عدم تكرار هذه الانتهاكات، والمحاسبة عليها، وتعزيز الثقة بين المكونات السورية كافة.
لأجل هذا التقرير الموجز، أجرت “سوريون” 7 مقابلات معمّقة عبر الإنترنت.[2] ستٌ منها عن طريق تطبيقات تواصل آمنة، وواحدة بشكل مباشر (وجهٌ لوجه). خلال أخذ موافقاتهم المستنيرة، اطلع جميع من قابلناهم على الطبيعة الطوعية للمقابلة وسبل استخدام المعلومات التي شاركوها، بما في ذلك نشر هذا التقرير، فآثر 3 منهم إخفاء هوياتهم أو أي معلومات قد تدل عليها، خوفاً من أية أعمال انتقامية قد تطالهم أو تطال عائلاتهم، وعليه تمّ استخدام أسماء مستعارة للدلالة عليهم. إضافة لما سبق، يستند التقرير إلى شهادات أخرى منشورة في المصادر المفتوحة، ويستعرض تداعيات التفجير والأسئلة العالقة حول الجهة التي تقف وراءه.[3]
يوصي التقرير الحكومة السورية الانتقالية باتخاذ جملة من الإجراءات العاجلة لضمان العدالة، وفي مقدمتها فتح تحقيق قضائي مستقل وشفاف في تفجير كنيسة مار إلياس، يراعي المعايير الدولية، ويُشرك خبراء جنائيين وممثلين عن منظمات حقوق الإنسان. كما يدعو إلى احترام حقوق الموقوفين، وضمان المحاكمة العادلة، وحماية دور العبادة، ومكافحة خطاب الكراهية الطائفي عبر التشريع والتوعية. ويؤكد التقرير على ضرورة تمكين المجتمع المدني والضحايا من المشاركة في استراتيجيات الحماية، والامتناع عن تسييس التحقيقات بما يعزز الثقة العامة ويصون تماسك المجتمع السوري.
لقراءة التقرير كاملاً وتحميله بصيغة ملف PDF يُرجى الضغط هنا.
[1] يقع حي الدويلعة في القسم الجنوبي الشرقي من العاصمة دمشق، ويتبع إدارياً لحي الشاغور في محافظة دمشق. يتميز الحي بتركيبته السكانية المتنوعة، التي تضم غالبية مسيحية إلى جانب عائلات مسلمة. وخلال سنوات النزاع، لم يشهد الحي أحداثاً عسكرية مباشرة كالتي شهدتها بعض الأحياء الأخرى المتاخمة له، مثل الطبالة وجوبر وعين ترما والتضامن. وبالمقابل، استقبل حي الدويلعة بعد عام 2011 أعداداً كبيرة من الأسر النازحة من المناطق التي شهدت نزاعات مسلحة، وأسهمت هذه الحركة السكانية في زيادة كثافته وتنوع تركيبته.
[2] أحدها قبل الحدث، ويتعلق بالتضييق على المسيحيين.
[3] انظر مثلاً:
شهادة ميلاد حلاق (أحد مرتلي الكنيسة)، للعربي الجديد، 24 حزيران/يونيو 2025.
فيديو شاهد عيان من أمام كنيسة مار الياس في الدويلعة، راديو روزنة، 22 حزيران/يونيو 2025:
فيديو شهادة الأب ملاطيوس شطاحي، صوت العاصمة، 22 حزيران/يونيو 2025.
فيديو شهادة الأب يوحنا سليمان شحادة راعي كنيسة مار الياس في الدويلعة في دمشق من مسرح الجريمة، الحدث، 22 حزيران/يونيو 2025. مقابلة ثانية معه في 24 حزيران/يونيو 2025 عبر قناة يوتيوب “بالمباشر”.
فيديو شاهد عيان، يوميات قذيفة هاون في دمشق، 22 حزيران/يونيو 2025.
فيديو مصاب يروي ما حصل في اللحظات الأولى لتفجير كنيسة مار إلياس في دمشق، عنب بلدي، 23 حزيران/يونيو 2025.
