الرئيسية تقاريرالقتل المتنقل: نمط متكرر من القتل المباشر باستخدام الدراجات النارية بحق مدنيين/ات في سوريا

القتل المتنقل: نمط متكرر من القتل المباشر باستخدام الدراجات النارية بحق مدنيين/ات في سوريا

استمرار حالات استهداف مدنيين/ات في المناطق العلوية ما يثير تساؤلات جدّية حول مسؤولية السلطات في مجال الحماية والتحقيق والمساءلة

بواسطة Author F
592 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

     1. مقدمة:

شهدت مناطق سورية عدة خلال الأشهر الماضية نمطاً مقلقاً في عمليات قتل نُفذت بأسلوب متشابه، تمثّل في استهداف مدنيين/ات من الطائفة العلوية بإطلاق نار مباشر من قبل مسلحين مجهولي الهوية يستقلون دراجات نارية، ثم يلوذون بالفرار خلال ثوانٍ، دون أن تُعرف هويتهم أو تُعلن نتائج تحقيقات جدية في معظم الحالات. وقد تركزت هذه العمليات، بحسب ما وثّقه هذا التقرير، في مناطق ذات غالبية علوية، ما أثار مخاوف متزايدة من تحوّل هذه الحوادث إلى نمط عنف متكرر يتجاوز حدود الجرائم الفردية المعزولة.

ولا تكمن خطورة هذه الوقائع في تكرارها أو تشابه أسلوبها فحسب، بل في كونها تُنتج واقعاً تصبح فيه الحياة اليومية نفسها —داخل المنازل، وفي أماكن العمل، وأثناء التنقل— مجالاً محتملاً للموت المفاجئ، دون إنذار أو قدرة على التنبؤ أو الوقاية.

وقد برزت في بداية هذا العام حادثة استهداف كوادر طبية أمام مشفى الكندي في مدينة حمص بوصفها إحدى أكثر الوقائع دلالة على خطورة هذا النمط، ليس فقط لما أسفرت عنه من قتلى وجرحى، بل لكونها طالت عاملين/ات في القطاع الصحي، في سياق يُفترض أن يتمتع فيه هؤلاء بحماية خاصة بموجب القانونين السوري والدولي. وأعادت هذه الحادثة إلى الواجهة مخاوف جدّية من توسّع دائرة الاستهداف لتشمل فئات مدنية وخدمية أساسية، في ظل غياب تدابير وقائية فعّالة وتحقيقات جدية تكفل سلامتهم.

وفي المقابل، يُلاحظ في غالبية الحوادث الموثقة غياب الإعلان عن نتائج تحقيقات قضائية أو أمنية واضحة، أو تحديد هوية الجناة، أو مساءلة المسؤولين عن هذه الجرائم، ما يُسهم في تكريس حالة من الإفلات من العقاب، ويقوّض ثقة السكان المحليين في قدرة الجهات المعنية في فرض الأمن وسيادة القانون.

ولا تقتصر خطورة هذه الظاهرة على عدد الضحايا أو أسلوب التنفيذ فحسب، بل تمتد إلى آثارها العميقة على الإحساس بالأمان المجتمعي، وعلى قدرة المدنيين/ات على ممارسة حياتهم اليومية دون خوف من الاستهداف المباغت، ولا سيما في أوساط أبناء الطائفة العلوية الذين عكست شهادات عدد منهم شعوراً متزايداً بأنهم باتوا مستهدفين بناء على هويتهم. إذ تُظهر الشهادات التي جُمعت لغرض هذا التقرير أن هذه الجرائم غالبًا ما تقع في أماكن مألوفة للضحايا، كالأحياء السكنية، أو مواقع العمل، أو الطرقات العامة، ودون أن تسبقها اشتباكات أو ظروف أمنية استثنائية، ما يعزز طابعها المتعمّد والمباشر.

     2. منهجية التقرير:

انطلاقاً من ذلك، يسعى هذا التقرير إلى توثيق وتحليل هذا النمط من عمليات القتل من منظور حقوقي، من خلال الجمع بين الشهادات المباشرة والمصادر المفتوحة، وتقييم الوقائع في ضوء التزامات سوريا بموجب إعلانها الدستوري وقوانينها الوطنية، إضافة إلى التزاماتها الدولية في مجال حماية الحق في الحياة ومنع القتل خارج نطاق القضاء. كما يهدف التقرير إلى تسليط الضوء على مسؤوليات السلطات المعنية في منع هذه الجرائم، والتحقيق فيها بصورة فعّالة، وضمان محاسبة مرتكبيها، بما يحدّ من تكرارها ويحمي المدنيين/ات من المزيد من الانتهاكات الجسيمة.

لأجل هذا التقرير، أجرت “سوريون” 8 مقابلات معمّقة مع شهود وذوي ضحايا، بوسائل مختلفة شملت المقابلات المباشرة وعبر الإنترنت. جرى الحصول على موافقة الشهود المستنيرة بعد إيضاح الطبيعة الطوعية للمشاركة وطرق استخدام المعلومات التي قدّموها، بما في ذلك نشر هذا التقرير. وقد فضّل 7 من المشاركين/ات إخفاء هوياتهم أو أي تفاصيل قد تكشف عنها، خشية أعمال انتقامية قد تطالهم أو عائلاتهم. وبناءً عليه، استخدم هذا التقرير أسماء مستعارة للإشارة إليهم عند الاقتباس من شهاداتهم.

     3. دراسة حالة: استهداف كوادر مشفى الكندي في مدينة حمص:

في مساء يوم الخميس 8 كانون الثاني/يناير 2026، تعرّض خمسة من العاملين/ات في مشفى الكندي بمدينة حمص لعملية إطلاق نار مباشرة نفذها مسلحون مجهولو الهوية يستقلون دراجة نارية، أثناء مغادرة العاملين/ات مقر عملهم. وبحسب ما أوردته مصادر إعلامية وبيانات رسمية، أطلق المسلحون النار بشكل مباشر وسريع على السيارة التي كانت تقلّ الكادر، ثم انسحبوا فوراً من مكان الحادثة. وأسفر الهجوم عن مقتل أربعة من العاملين/ات في المشفى وإصابة شخص واحد، كلهم من الطائفة العلوية، وهم: ذو الفقار زاهر (طبيب)، ليال سلوم (مهندسة من كادر المشفى)، علاء ونوس (ممرض)، ومازن الأسمر (سائق السيارة)، فيما أُصيب أسامة ديوب (محاسب في المشفى) بجروح.

أدانت وزارة الصحة السورية الحادثة في بيان رسمي، معربة عن حزنها لمقتل الكوادر الصحية، ومؤكدة أن الهجوم استهدف العاملين/ات أثناء مغادرتهم المشفى. وذكر البيان أن الجهات الأمنية باشرت التحقيق في ملابسات الحادثة، وفرضت طوقاً أمنياً في محيط الموقع، وتعهدت بملاحقة الجناة وتقديمهم إلى العدالة، مع التأكيد على استمرار تقديم الخدمات الطبية وعدم توقف العمل في المشفى. كما أصدرت مديرية صحة حمص نعياً رسمياً للضحايا، في خطوة عكست الاعتراف الرسمي بوقوع الحادثة وبكون الضحايا من الكوادر العاملة في القطاع الصحي.

لكن وبرغم صدور بيانات رسمية تُدين الهجوم وتؤكد فتح تحقيقات، لم تُعلن حتى تاريخ إعداد هذا التقرير نتائج تحقيق قضائي واضحة أو معلومات عن تحديد هوية الجناة أو توقيفهم، وهو ما ينسجم مع نمط أوسع من الحوادث الموثقة في هذا التقرير، حيث تُسجَّل الوقائع ضد مجهول، دون أن تُفضي التحقيقات المعلنة إلى مساءلة فعلية أو شفافية كافية بشأن مسارها.

تُبرز حادثة مشفى الكندي، من خلال طبيعة الضحايا وأسلوب التنفيذ ومكان وقوع الجريمة، مؤشرات خطيرة على استهداف مباشر لمدنيين/ات، بمن فيهم عاملون/ات في القطاع الصحي، خارج أي سياق قتال أو اضطراب أمني، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول مدى التزام السلطات المعنية بواجباتها في حماية الحق في الحياة وضمان أمن الكوادر الصحية.

     4. روايات الضحايا وتوثيق الوقائع الميدانية

تدعم الشهادات المباشرة التي جُمعت لغرض هذا التقرير، إلى جانب المعلومات الواردة في المصادر المفتوحة، ما خلصت إليه حادثة مشفى الكندي، وتُظهر تكراراً لوقائع قتل مباشر استهدفت مدنيين/ات في مناطق غالبية سكانها من الطائفة العلوية، نُفذت من قبل مسلحين مجهولي الهوية، وفي سياق يتسم بغياب المساءلة وعدم الإعلان عن نتائج تحقيقات فعّالة.

في شهادة أدلت بها راما، وهي محامية من مدينة حمص، من الطائفة العلوية، وثّقت تفاصيل مقتل شقيقتها داخل منزل العائلة، في هجوم مفاجئ نفذه مسلحون يستقلون دراجة نارية. وتُعد هذه الواقعة من أوضح الأمثلة على نمط القتل المتنقل المباشر الذي يتناوله هذا التقرير، من حيث استهداف مدنيين/ات في مكان يفترض أنه آمن، وبأسلوب مفاجئ وسريع، ومن قبل مسلحين مجهولي الهوية، دون أي سياق أمني استثنائي أو اشتباك مسلح. وقد وقعت الجريمة داخل منزل عائلي في مدينة حمص، ما يعكس مدى هشاشة الحماية المدنية، واتساع نطاق الخطر ليطال الفضاءات الخاصة التي يُفترض أن تكون الأكثر أمانًا.

تقول راما في شهادتها:

“في مساء يوم 18 آب/أغسطس 2025، كانت عائلتنا تستقبل الضيوف في منزلنا احتفالاً بنجاح أختي في المدرسة. كنا نجلس على الشرفة في الطابق الأول، عندما سمعنا صوت دراجة نارية تقترب بسرعة، وبعدها مباشرة أُطلق وابل من الرصاص باتجاهنا. انبطحنا جميعاً في محاولة للنجاة، لكن أختي أصيبت برصاصة اخترقت صدرها. فقدت وعيها فوراً، ونقلناها إلى المشفى، لكن الإصابة كانت قاتلة. لا نعلم من هم مطلقو النار، ولم نرَ وجوههم. كل ما نعرفه أنهم جاؤوا على دراجة نارية وغادروا خلال ثوانٍ.”

وفي شهادة أخرى، قال سعد، من الطائفة المرشدية، وهو مزارع من السقيلبية في محافظة حماة، إن شقيقه قُتل أثناء رعيه للأغنام، في هجوم مباشر نفذه مسلحون يستقلون دراجة نارية:

“بتاريخ 7 تموز/يوليو 2025، حوالي الساعة الرابعة عصراً، كان أخي يرعى الأغنام بجانب منزل عمي عندما رأينا دراجة نارية عليها مسلحان يرتديان لباساً عسكرياً مموهاً تقترب منه. أحدهم صرخ عليه ليلتفت، ثم خلال ثوانٍ أطلق النار مباشرة على رأسه، وبعدها أطلق الآخر النار على جسده بشكل عشوائي. لم يكن هناك أي شجار أو مشكلة. بعد ارتكاب الجريمة غادرا المكان. نقلناه إلى المشفى، وأكد الطبيب أن الوفاة ناتجة عن إصابات متعددة بطلقات نارية.”

أما ياسر، وهو مزارع من منطقة سلحب في محافظة حماة، من الطائفة العلوية، فقد وثّق حادثة مقتل شقيقه وزوجته بعد خروجهما إلى البساتين للعمل. تعكس هذه الواقعة امتداد نمط القتل المباشر إلى المناطق الزراعية والريفية، واستهداف مدنيين/ات أثناء مزاولتهم أعمالهم اليومية في ظروف اعتيادية. كما تُظهر محدودية الاستجابة الرسمية الأولية في حالات الاختفاء، وما يترتب على ذلك من مخاطر جسيمة على الحق في الحياة، خاصة عندما لا تُتخذ تدابير عاجلة للبحث والحماية. يقول ياسر:

“خرج شقيقي وزوجته صباح يوم 6 تموز/يوليو 2025 إلى بساتين القرية لقطاف ورق الغار، كما اعتادا أن يفعلا. تأخرت عودتهما ولم نتمكن من التواصل معهما. توجهتُ إلى مركز الأمن العام وقدمتُ بلاغاً عن اختفائهما، لكن لم يُتخذ أي إجراء فعلي. في اليوم التالي، وبعد بحث طويل، عثرنا عليهما مقتولين في منطقة مهجورة. أكد الطبيب الشرعي أن شقيقي أصيب بسبع طلقات نارية في الصدر، وزوجته بأربع طلقات. لم تُسرق منهما أي مقتنيات، ولم نتلقَّ أي معلومات لاحقة عن تحقيق أو محاسبة.”

وتكشف هذه الشهادات أن الاستهداف لا يقوم على سلوك فردي أو دور محدد للضحايا، بل يتسم بطابع عشوائي في اختيار الأشخاص، ضمن مجتمع يسكنه أبناء الطائفة العلوية، ما يعزّز شعورًا متزايدًا لدى أبناء هذا المجتمع بأن الانتماء الطائفي ذاته بات عامل خطر، بغضّ النظر عن العمر أو المهنة أو نمط الحياة.

وفي شهادة أخرى من ريف السلمية، تحدثت زينة، التي تعمل في محل تجاري في بلدة الصبورة بريف حماة الشرقي، عن حادثة إطلاق نار عشوائي نفذها أشخاص مجهولو الهوية في شارع السوق بالبلدة، حيث قالت:

“يوم 20 كانون الأول/ديسمبر 2025، حوالي الساعة التاسعة صباحاً، سمعنا إطلاق نار كثيف ومتواصل. مسلحون ملثمون كانوا يطلقون النار بشكل عشوائي في الشوارع. استشهد رجلان هما علي أحمد المحمد (28 عاماً) وتوفيق رمضان جفول (70 عاماً)، وأُصيب أربعة آخرون، بينهم طفل وهم صالح أحمد المحمد (26 عاما)، وتيم أيمن قبقلي (15 عاما) وعماد العلي (65 عاما) وإبراهيم منصور (43 عاما). استمر إطلاق النار قرابة ساعة. لم نعرف من هم المهاجمون لأنهم ملثمون، وعاشت القرية كلها حالة رعب.”

وأكد رامي، وهو عامل حر من القرية ذاتها، الرواية نفسها، مضيفاً:

“دخلوا على دراجة نارية، متلثمين، وأطلقوا النار على المحلات والطريق. قتلوا رجلين يعملان في محل لبيع الخضار. حضر الأمن بعد انتهاء الهجوم، ولكن لا توجد أي حماية للقرية. نحن نعيش بلا أمان، خاصة في الليل.”

ولا ينعكس هذا الخوف على الأفراد فحسب، بل يمتد ليطال العلاقات الاجتماعية وأنماط العيش، حيث أشار عدد من الشهود إلى تغيّر سلوك العائلات، وتراجع الحركة اليومية، وتنامي العزلة، في ظل شعور جماعي بانعدام القدرة على الحماية أو الاحتماء بأي إطار عام.

وفي سياق وقائع سابقة تبيّن امتداد هذا النمط زمنياً، أدلى موسى، وهو محامٍ من مدينة حمص، من الطائفة العلوية، بشهادة حول مقتل أحد أقربائه المباشرين داخل محل تجاري في حي السبيل، في هجوم مباغت نفذه مسلحون مجهولو الهوية، قائلاً:

“في ظهر يوم الجمعة 25 نيسان/أبريل 2025، كان الضحية متواجداً داخل متجره بحي السبيل عندما مرت دراجة نارية عليها شخصان، توقفت أمام المحل، وقام أحدهما بإطلاق حوالي عشر طلقات نارية باتجاهه. أكثر من ثلاث منها أصابت جسد الرجل في الصدر والبطن واليد. لم نتمكن من معرفة من قام بهذا الفعل، فقد كان المهاجمان ملثمين، ولم تكن هناك كاميرات في المكان. في اليوم التالي نُظّم ضبط بالواقعة، وسُجلت القضية ضد مجهول.”

كما أدلى حامد، وهو من ريف حمص الشرقي من الطائفة العلوية، بشهادة عن نجاته من محاولة قتل، وإصابته بطلق ناري أثناء عمله في أرضه الزراعية، في حادثة تُظهر نمط الاعتداء المباشر باستخدام السلاح الناري وغياب أي متابعة رسمية لاحقة:

“بتاريخ 7 حزيران/يونيو 2025، حوالي الساعة الواحدة والنصف ظهراً، كنت أعمل في أرضي الزراعية في قرية جب عباس، رفقة شقيقي الذي كان يعمل بدوره في مكان قريب. اقترب مني شخصان وسألاني عن عملي، ثم حاولا الاستيلاء على دراجتي النارية بالقوة. عندما حاولت منعهما، قام أحدهما بإشهار مسدس وإطلاق عيار ناري أصابني في بطني، ما أدى إلى سقوطي أرضاً. حاول المعتديان إطلاق طلقات أخرى، لكن السلاح لم يعمل، فاستطعت الزحف والاختباء بين الأشجار، بينما سرقا الدراجة وهربا. سمع شقيقي صوت الطلق الناري فركض إليّ ونُقلني إلى المشفى في حمص وتلقيت العلاج، وتكبدت تكاليف عالية، وتعطلت عن العمل. رغم إبلاغ الجهات المعنية، لم تُتخذ أي إجراءات فعلية، وسُجلت الحادثة ضد مجهول.”

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن المرصد السوري لحقوق الإنسان نشر تقريراً أشار فيه إلى توثيق 67 حالة تصفية وقتل مباشر خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر 2025، نُفذت في مناطق مختلفة من سوريا وبأساليب متقاربة، شملت إطلاق النار المباشر، مع تسجيل غالبية القضايا ضد مجهول، ودون الإعلان عن نتائج تحقيقات قضائية لاحقة. ومن بين الحالات التي وثّقها المرصد، والتي تتقاطع مع نمط القتل موضوع هذا التقرير، مقتل شاب من أبناء الطائفة العلوية ينحدر من مدينة القرداحة، جراء إطلاق نار مباشر استهدفه داخل مزرعة أحد أقربائه (6 تشرين الأول/أكتوبر)، مقتل معالج فيزيائي من أبناء الطائفة العلوية بإطلاق نار مباشر في حي مساكن الشرطة بمدينة حمص، على يد مسلحين مجهولين كانا يستقلان دراجة نارية ويرتديان زيّ الأمن العام (7 تشرين الأول/أكتوبر)، ومقتل مواطن من أبناء الطائفة العلوية في حي الزهراء بمدينة حمص، برصاص مجهولين يستقلون دراجة هوائية (11 تشرين الأول/أكتوبر)، ومقتل ثلاثة أشخاص، بينهم رجل وزوجته من أبناء الطائفة العلوية، جراء إطلاق نار نفذه مجهولون يستقلون دراجة نارية أمام محل تجاري على طريق باب الدريب في مدينة حمص (19 تشرين الأول/أكتوبر).

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل هذا النمط من العنف عن أثره في تكريس شعور لدى أبناء الطائفة العلوية بأنها مستهدفة على نحو غير قابل للتوقّع أو التفادي، وهو ما يضاعف خطورته مقارنة بجرائم العنف الفردية أو المعزولة.

     5. توصيف النمط وخصائص عمليات القتل المنفّذة باستخدام الدراجات النارية

تُظهر الحوادث الموثقة في هذا التقرير وجود نمط متكرر من عمليات القتل يتسم بخصائص مشتركة من حيث وسيلة التنفيذ، وطبيعة الهجوم، وسلوك المنفذين بعد ارتكاب الجريمة. ويُعد استخدام الدراجات النارية عنصراً محورياً في هذا النمط، إذ يتيح للمنفذين سرعة الوصول إلى الضحايا وسهولة الانسحاب من موقع الجريمة خلال وقت وجيز، ما يحدّ من فرص التعرف على هويتهم أو ملاحقتهم.

في غالبية الحالات، نفّذ الهجوم شخصان مسلحان يستقلان دراجة نارية واحدة، أقدما على إطلاق النار بشكل مباشر وقصير المدى، وغالباً باتجاه الرأس أو الصدر، بما يشير إلى قصد إحداث الوفاة. ولم تُسجّل في هذه الوقائع مؤشرات على اشتباكات مسلحة، أو مقاومة من قبل الضحايا، أو دوافع جنائية تقليدية مثل السرقة، ما يعزز توصيف هذه الأفعال كعمليات قتل متعمّدة ومباشرة.

كما تُظهر الشهادات والمصادر المفتوحة أن هذه العمليات وقعت في أماكن مألوفة للضحايا، مثل محيط المنازل، مواقع العمل، أو أثناء التنقل اليومي، وفي أوقات لا تشهد عادةً توترات أمنية استثنائية. وغالباً ما كان المنفذون ملثمين، فيما سُجّلت معظم القضايا لاحقاً ضد مجهول، دون الإعلان عن نتائج تحقيقات قضائية فعّالة.

من حيث طبيعة الضحايا، طالت هذه العمليات مدنيين/ات من فئات مهنية واجتماعية متنوعة، من بينهم عاملون/ات في القطاع الصحي، مزارعون، أصحاب محال، وسائقون. وتشير الشهادات والتوثيقات التي جُمعت لغرض هذا التقرير إلى أن غالبية الضحايا ينتمون إلى الطائفة العلوية، ويقيمون في مناطق شهدت تكراراً ملحوظاً لهذه الحوادث.

ورغم عدم إعلان نتائج تحقيقات رسمية شفافة تحدد دوافع الجناة أو تفضي إلى مساءلتهم، فإن تراكم العناصر الموثقة في هذا التقرير يحدّ من إمكانية توصيف هذه الوقائع كحوادث منفصلة أو عشوائية، ويفرض التعامل معها بوصفها نمطاً متكرراً من العنف يحمل أبعاداً تمييزية واضحة. ويستفيد هذا النمط من سهولة التنفيذ وضعف المساءلة، ويخلّف آثاراً عميقة على الإحساس بالأمان لدى السكان المدنيين، ولا سيما في المجتمعات التي طالتها هذه الهجمات بشكل متكرر، بما يستدعي تحليلاً قانونياً معمّقاً لمسؤوليات السلطات المعنية.

وفي هذا السياق، تُعزّز شهادة الصحفي يامن حسين ما خلص إليه هذا التقرير بشأن الطابع المنهجي والاستهدافي للعنف، إذ يقدّم قراءة ميدانية للوقائع، تشمل أنماط القتل وتوزّعها وآثارها العميقة على المجتمعات المحلية. يقول حسين:

“تشهد مدينة حمص بعد سقوط النظام موجة من أعمال القتل التي تبدو في معظمها ممنهجة وتُنفَّذ بدوافع انتقامية أو طائفية، أو بهدف الضغط على السكان لإجبارهم على ترك منازلهم. وقد تكررت هذه الأنماط في عدة مناطق مثل حي النازحين، وشارع بيت الطويل، وحي كرم اللوز. الغالبية الساحقة من الضحايا هم من الطائفة العلوية، إضافة إلى نسبة من أبناء الطائفة المرشدية، ما يشير إلى استهداف طائفي واضح”.

ويضيف:

“بعض الحالات لها طابع انتقامي، وأخرى تُرتكب بقصد دفع الناس للرحيل. ففي كرم الزيتون مثلاً، قُتلت عائلة كاملة مع زوارها، وفي حي النازحين أُطلقت قنبلة على منزل لم تؤدِّ إلى وفاة أحد، لكنها تسببت بتهجير العائلة. ومن بين الضحايا عدد كبير من القاصرين والشباب غير المرتبطين بالقتال مع النظام السابق. مثلاً عثر على الشاب يامن، وعمره 21 عاماً، مقتولاً قرب مقبرة الكتيب”.

ويؤكد الصحفي في شهادته على أنه:

“حتى الآن، لم تُعلن السلطات عن هوية أي مرتكب، ولم تُحاسب أحداً، ولم تُقدّم رواية موثوقة للدوافع. لكن بالنظر إلى أعمار الضحايا وتوزعهم المناطقي، يتضح وجود سياق استهدافي واضح. كما أن استخدام الدراجات النارية في تنفيذ الجرائم يعكس شعوراً بالحصانة، في ظل غياب كامل للمحاسبة، ما يساهم في انتشار حالة من الاستباحة دون خوف من العواقب”.

     6. الإطار القانوني

      6.1. القتل في القانون السوري وتكييف الوقائع الموثقة

ينص قانون العقوبات العام رقم 148 لعام 1949 على أن عقوبة من قتل إنسان قصداً من دون تخطيط مسبق، هي الأشغال الشاقة من خمس عشرة إلى عشرين سنة (المادة 533). وتُشدد العقوبة لتصبح الإعدام عندما يُقدِم الجاني على القتل بعد وعي وتصميمٍ مسبقين، أي بعد تفكير وتخطيطٍ لما سيقوم به (المادة 535).[1]

ويُستخلَصْ القصد الجرمي في الوقائع الموثقة من جملة من المؤشرات المادية المتضافرة؛ تبدأ من الاتفاق المسبق بين الجناة على التخطيط للعملية واستخدام دراجة نارية لتسهيل التنفيذ والفرار، مروراً باستخدام وسيلة قاتلة بطبيعتها كالسلاح الناري، وتوجيه الضربات بدقة نحو مواضع حيوية من جسد الضحية كالرأس والصدر. إن تكرار إطلاق النار المباشر وفرار الخاطف فور تحقق النتيجة، في ظل انعدام أي اشتباك مسلح أو خطر يبرر القوة المميتة، يؤكد بشكل لا لبس فيه وجود نية إزهاق الروح. كما أن تنفيذ الهجوم في أماكن عامة ودون دوافع جرمية تقليدية كالسرقة أو الخصومة الشخصية، يؤكد أن الفعل يشكل جريمة قتل عمد مكتملة الأركان وفق التشريع السوري، واعتداءً صارخاً على الحق في الحياة.

      6.2. انتهاك الحق في الحياة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان

على الصعيد الدولي، تُعدّ هذه الأفعال انتهاكاً صريحاً للمادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل الحق في الحياة وتُلزم الدول الأطراف بحمايته، ليس فقط بالامتناع عن القتل التعسفي، بل أيضاً باتخاذ التدابير اللازمة لمنع حرمان الأفراد من حياتهم على يد طرف ثالث.

ويشمل هذا الالتزام واجب الدولة في منع الجرائم القاتلة، وحماية الأفراد المعرضين للخطر، والتحقيق الفوري والفعّال في كل حالة قتل، ومحاسبة المسؤولين عنها. وعليه، فإن استمرار وقوع عمليات قتل مباشر بحق مدنيين/ات، وبأسلوب متكرر، دون الإعلان عن نتائج تحقيقات جدية، يُعد إخلالاً بالالتزامات الإيجابية المترتبة على الدولة بموجب القانون الدولي. وتجدر الإشارة إلى أن الإعلان الدستوري أكد أن جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية تعد جزءً لا يتجزأ من هذا الإعلان (المادة 12).

      6.3. الأبعاد التمييزية وحظر العنف القائم على الانتماء الطائفي

تشير الوقائع الموثقة في هذا التقرير إلى أن غالبية الضحايا ينتمون إلى الطائفة العلوية، وأن عمليات القتل تكررت في مناطق ذات غالبية من هذه الطائفة، وبأسلوب متشابه، ودون وجود روابط سلوكية أو جنائية فردية تفسّر الاستهداف. ويشكّل هذا المعطى، مقروناً بتكرار النمط وغياب المساءلة، مؤشراً قوياً على أبعاد تمييزية في هذا العنف.

ويحظر القانون الدولي لحقوق الإنسان أي شكل من أشكال التمييز، بما في ذلك التمييز القائم على الدين أو الانتماء الطائفي. وتنص المادتان 2 و26 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على التزام الدول بضمان الحقوق دون تمييز، وبحماية متساوية أمام القانون. وعليه، فإن تقاعس الدولة عن مواجهة نمط عنف يستهدف فئة مجتمعية بعينها، أو عدم اتخاذ تدابير خاصة لحمايتها عند ثبوت تعرّضها لخطر متكرر، قد يرقى إلى انتهاك مستقل لمبدأ عدم التمييز، إضافة إلى انتهاك الحق في الحياة.

      6.4. واجب الدولة في التحقيق الفعّال ومنع الإفلات من العقاب

لا يقتصر الالتزام القانوني للدولة على الامتناع عن القتل غير المشروع، بل يمتد إلى واجب إجراء تحقيقات فعّالة في كل حالة قتل، وفق معايير الاستقلالية، والسرعة، والشفافية، والجدية، وإتاحة سبل الانتصاف للضحايا وذويهم. إن التقاعس عن التحقيق أو الاكتفاء بتسجيل القضايا ضد مجهول، دون خطوات ملموسة لكشف الحقيقة ومحاسبة الجناة، يُعد في حد ذاته انتهاكاً للحق في الحياة. وتُظهر الوقائع الموثقة في هذا التقرير تكرار غياب النتائج المعلنة للتحقيقات، وعدم إطلاع الرأي العام أو ذوي الضحايا على مسارها، ما يرسّخ مناخ الإفلات من العقاب، ويُسهم في تكرار هذه الجرائم، ويقوّض ثقة المجتمع بقدرة السلطات على توفير الحماية.

وحتى في الحالات التي لا تُحدَّد فيها هوية الجناة، تظل مسؤولية الدولة قائمة إذا ثبت إخفاقها في اتخاذ التدابير الوقائية المعقولة، أو في الاستجابة الفعّالة بعد وقوع الجريمة. ويُعد هذا الإخفاق مسؤولية ناشئة عن الامتناع، لا تقل خطورة عن المسؤولية الناشئة عن الفعل، خاصة عندما يتعلق الأمر بنمط متكرر من الانتهاكات الخطيرة.

     7. التوصيات

       7.1. إلى الحكومة الانتقالية
  • فتح تحقيقات جنائية مستقلة وفورية في جميع حوادث القتل المباشر الموثقة في هذا التقرير، على أن تستوفي هذه التحقيقات معايير الاستقلالية، والجدية، والسرعة، والشفافية، وأن تُعلن نتائجها للرأي العام.
  • عدم الاكتفاء بتسجيل القضايا ضد مجهول، واتخاذ خطوات تحقيق ملموسة، تشمل جمع الأدلة الجنائية، وتحليل أنماط الجرائم، والاستماع إلى الشهود، واستخدام الوسائل التقنية المتاحة لتحديد هوية الجناة.
  • تكييف هذه الوقائع قانونياً بوصفها جرائم قتل عمد وفق أحكام قانون العقوبات السوري، وضمان ملاحقة جميع المتورطين، سواء كفاعلين مباشرين أو شركاء أو محرضين، وفقاً للقانون.
  • اتخاذ تدابير وقائية عاجلة لحماية المدنيين/ات في المناطق التي شهدت تكراراً لهذه الحوادث، ولا سيما المناطق ذات الغالبية العلوية، بما يشمل تعزيز الحماية حول أماكن العمل والمنشآت الحساسة، دون تمييز.
  • إنشاء مكتب تحقيقات مركزي يربط بين الحوادث في المحافظات المختلفة (حمص، حماة، الساحل) بدلاً من معالجة كل جريمة كحالة معزولة في مخفر شرطة محلي، للبحث في الروابط بين الجناة ومن خلفهم.
  • مواجهة الأبعاد التمييزية للعنف من خلال الاعتراف العلني بخطورة استهداف فئة مجتمعية بعينها، واتخاذ سياسات واضحة لمنع العنف القائم على الانتماء الطائفي، بما يتماشى مع مبدأ المساواة أمام القانون، وتجريم خطاب الكراهية ووضع عقوبات رادعة لهذا الفعل ضمن إطار قانوني واضح.
  • ضمان حق الضحايا وذويهم في المعرفة والإنصاف، بما يشمل إبلاغهم بمسار التحقيقات، وتمكينهم من الوصول إلى العدالة، وتأمين سبل الانتصاف والتعويض المناسبة.
       7.2. إلى المجتمع الدولي وهيئات الأمم المتحدة
  • حثّ السلطات السورية على الوفاء بالتزاماتها بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما ما يتعلق بحماية الحق في الحياة، وحظر التمييز، وواجب التحقيق الفعّال.
  • دعوة آليات الأمم المتحدة المعنية، بما في ذلك المقررين الخاصين المعنيين بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء وبالتمييز، إلى متابعة هذه الوقائع وطلب إيضاحات رسمية بشأنها.
  • دعم جهود التوثيق المستقلة التي تقوم بها المنظمات الحقوقية السورية، وضمان حمايتها من أي مضايقات أو قيود، باعتبارها عنصراً أساسياً في مكافحة الإفلات من العقاب.
       7.3. إلى منظمات المجتمع المدني السورية 
  • مواصلة توثيق هذه الجرائم بشكل منهجي، مع التركيز على تحليل الأنماط الزمنية والجغرافية، وجمع شهادات الضحايا وذويهم بطريقة آمنة، ورصد ومراقبة مدى متابعة السلطات المعنية في التحقيق الجاد والمحايد في تلك الجرائم.
  • تقديم الدعم القانوني والنفسي لذوي الضحايا والناجين/ات، ولا سيما في المناطق المتضررة، والعمل على كسر مناخ الخوف والصمت.
  • مناصرة حق جميع السوريين/ات في الحياة والأمان دون تمييز، والتصدي لخطاب الكراهية أو التحريض أو التبرير أو الإنكار، أيا كان مصدره.

[1] تؤكد “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” التزامها برفض عقوبة الإعدام في جميع الظروف، انسجاماً مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان التي تعتبرها عقوبة قاسية ولا إنسانية ولا رجعة فيها، ومع التأكيد على أن المطالبة بالمساءلة الجنائية لا تعني الدعوة إلى تطبيق هذه العقوبة، بل إلى تحقيق العدالة وضمان عدم الإفلات من العقاب ضمن إطار يحترم الحق في الحياة وسيادة القانون.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد