1. مقدمة:
سجل حيّ السومرية على أطراف العاصمة السورية دمشق في آب/أغسطس عام 2025 سلسلة من الإجراءات القسرية التي أدّت إلى نزوح واسع للعائلات العلوية التي تسكن الحي. ورافق هذه الإجراءات تقييد للحركة، وخطابات تمييزية، ومداهمات مترافقة بفحص وتحديد للملكية، وإخراج قسري من المنازل، استنادًا إلى شهادات سكانٍ من الحي تحدثت إليهم “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، وتقاطعها مع معطيات منشورة في مصادر مفتوحة تم التحقق منها. وبحسب الشهادات، تمت هذه الإجراءات بإشراف أو تنفيذ مجموعات مسلّحة من الأمن العام، وجرى خلالها منع الدخول والخروج من الحي، ومطالبات بالإخلاء حتى لمن يمتلك وثيقة ملكية، مع وضع إشارات على المنازل، ومصادرة أجهزة وأغراض شخصية في سياق عمليات المداهمة، إضافة إلى اعتقالات مدنية ضمن السكان، ما أدّى –بحسب الشهود– إلى نزوح نحو 80% من سكان الحي خلال فترة قصيرة، بينما أشارت وكالة رويترز أن نسبة النازحين/ات تصل إلى 85%، بذكرها “انخفاض عدد سكان الحي من 22 ألفاً إلى 3 آلاف”.
تلحظ “سوريون” أن السياق التاريخي للعقار الذي يقام عليه الحي معقّد أيضاً، إذ تحمّله الوثائق العقارية اسم العقار رقم 3603 المسجّل باسم أهالي من معضمية الشام ذات الغالبية السنّية، وقد خضع لعدة إشارات استملاك متتالية من جهات حكومية تعود إلى عقود سابقة، من دون تنفيذ تعويضات كاملة أو إجراءات قضائية مستقلة بخصوص حقوق المالكين الأصليين.
تُظهر الوقائع الموثَّقة أن ما جرى في حيّ السومرية لا يقتصر على نزاعٍ مدني أو عقاري اعتيادي، بل تخلّلته إجراءاتٌ قسرية جرت في غياب ضماناتٍ قانونية واضحة، الأمر الذي يفرض مقاربةً حقوقية دقيقة لواقع الإخلاء والإجراءات المصاحبة له. ويكتسب هذا التقرير أهميةً إضافية بالنظر إلى احتمال تكرار أنماطٍ مشابهة في مناطق أخرى، ما يجعل من تحليل هذه الحالة مدخلًا لاقتراح مقارباتٍ قانونية أكثر استدامة لمعالجة نزاعات السكن والملكية بالقانون ودون اللجوء إلى العنف.
لغرض إعداد هذا التقرير، أجرت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، خمس مقابلات معمّقة مع شهود من حي السومرية. وقد جرى الحصول على موافقة المشاركين/ات المستنيرة بعد توضيح الطبيعة الطوعية لمشاركتهم وطرق استخدام المعلومات التي قدّموها، بما في ذلك إدراج مقتطفات من شهاداتهم في هذا التقرير. وأكّد الشهود رغبتهم في إخفاء هوياتهم أو أي تفاصيل قد تكشف عنها، خشية التعرّض لأعمال انتقامية تطالهم أو أسرهم. وبناءً على ذلك، اعتمدت الورقة القانونية أسماء مستعارة عند الإشارة إلى الأشخاص الذين ترد شهاداتهم.
2. المداهمات والفرز القسري على أساس الهوية:
تشير الشهادات المتقاطعة التي وثّقتها “سوريون” إلى أنّ المداهمات في حيّ السومرية لم تجرِ بوصفها إجراءً إدارياً اعتيادياً، بل اتّسمت بطابعٍ قسري وانتقائي ذي بعد هويّاتي، ترافق مع تقييدٍ للحركة وإجراءاتٍ أقرب إلى الفرز العملي للسكان، كما اتّسم منذ لحظته الأولى بطابعٍ عنيف هدفه بثّ الخوف والإكراه داخل الحي. فقد قال الشاهد “سامر” (من الطائفة العلوية، ونازح حالياً من السومرية إلى منطقة أخرى في المعضمية نتيجة تهجيره مع عائلته):
“دخلوا إلى الحي مع إطلاق الرصاص وبثّ أناشيد ذات طابع جهادي لإرهاب الناس، وكان أيّ منزلٍ خالٍ من أهله، يُكسَر بابه. وكان كلّ بيتٍ يداهمونه نحو عشرة أشخاص. وعندما امتنعت بعض النساء عن فتح الأبواب خوفاً، قاموا بخلعها بالقوة، مع وجود قلّة قليلة فقط التزمت سلوكاً غير عنيف”.
وتعزّز الشاهدة “لين” (طالبة جامعية من الطائفة العلوية، ما زالت تعيش في السومرية) هذا النمط بذكر البعد التمييزي الذي رافق المداهمات وإغلاق الحي وتقييد الحركة داخله، إذ قالت:
“كانوا يدخلون على الناس… ويرددون شتائم طائفية مثل ‘اذهبوا إلى المخيمات، علوية خنازير’، وأغلقوا السومرية ولم يسمحوا لأحد بالحركة”.
كما أفادت الشاهدة ذاتها بأن بعض المنازل خضعت لوسمٍ بصري بواسطة إشارات على الواجهات، قائلة:
“وضعوا على البيوت إشارات O أو X… وعندما وصلوا بيتنا وضعوا إشارة X عليه، دون أن نفهم معنى هذا”.
وتشير الشهادات إلى أن بعض إجراءات المداهمة والإخلاء قُدّمت للسكان في بدايتها على أنها تفتيش تجريه “لجنة” قادمة إلى الحي للاطلاع على عقود الملكية، ثم تطوّر الأمر إلى مداهمات وانتقائية في توقيف الشبّان وإجبار الأسر على المغادرة، دون أن يُقدَّم أي قرار مكتوب أو تعريف رسمي بصفة هذه الجهة أو صلاحياتها.
ويعزّز ذلك ما ورد في شهادة “سامر”، الذي قال أن المداهمات “جرت بصورة انتقائية… وإذا تواجد في البيت أكثر من شابّين يأخذونهم للاعتقال” وهو ما يعكس ممارسة فرزٍ عملي للسكان والأسر خلال عملية التفتيش.
ورغم اجتماع محافظ دمشق مع مجموعة من أهالي السومرية -يوم 3 أيلول/سبتمبر 2025- والذي أكد أن “الدولة دولة قانون وأن حقوق المواطنين محفوظة ومصانة”، إلا أن إفادات الشهود أجمعت على أن الوقائع التي تلت ذلك تمثّلت في تجدد الضغوط ومحاولات الإخراج القسري، ما يعزّز مؤشرات غياب آلية رسمية واضحة أو مسار إداري قابل للمراجعة وإخفاقٍ جوهري في مبدأ الشفافية والوضوح الإجرائي، وهو شرط أساسي لأي إجراء مشروع يتعلق بالسكن والملكية وفق المعايير الدولية، مما يؤسس لانتهاك مزدوج لحقوق السكان في المساواة وعدم التعرض للمعاملة المهينة والحق في السكن الآمن.
3. الاعتقال التعسفي وسوء المعاملة وفرض مهَل زمنية للمغادرة:
تشير الشهادات إلى أنّ الاعتقال وسوء المعاملة استُخدما كوسيلتين مباشرتين للضغط على السكان ودفعهم إلى مغادرة منازلهم خلال مهَل زمنية قصيرة، على نحو يُفقد أي قرار بالمغادرة طابعه الحرّ ويحوّله إلى إكراه مباشر. كما أفادت الشاهدة “لين” بأن بعض الموقوفين أُطلق سراحهم بشرط الإخلاء الفوري، قائلة:
“اعتقلوا العديد من الشبان والرجال منهم ابن جيراننا وهو طفل عمره 15 عاماً فقط، وأخذوا كل من عمل تسوية وضع أيضاً…خرج أحدُ الشبان المعتقلين وهو مُنهك من الضرب، وقال إنهم واصلوا الاعتداء عليهم إلى أن جاء الشيخ وقال: من يرغب في الخروج فليُفرَج عنه بشرط أن يُخلي منزله يوم الخميس”.
ويُظهر الربط الصريح بين الحرية الشخصية والإخلاء أن الاحتجاز لم يكن إجراءً قانونياً مستقلاً، بل أداة ضغط لإجبار الأفراد على مغادرة مساكنهم ضمن مهلة مفروضة، وهو ما يُشكّل نقلاً قسرياً قائماً على الإكراه وليس اختياراً طوعياً. ويعزّز الشاهد “حسن” (من الطائفة العلوية ونازح من السومرية إلى مصياف) هذا النمط بذكره منح السكان مهلة لا تتجاوز 24 ساعة للمغادرة، على الرغم من امتلاكه وثائق ملكية رسمية للمسكن، إذ قال:
“كان الهدف هو التهجير؛ فقد منحونا أربعاً وعشرين ساعة فقط للمغادرة، رغم أن لدي وثائق تثبت ملكيتي للمنزل”.
وتُعدّ المهلة الزمنية القصيرة، مقترنة بالتهديد وسوء المعاملة، مؤشراً جوهرياً على غياب أي ضمانات إجرائية أو مراجعة قضائية، بما يتعارض مع المعايير الدولية التي تشترط الإخطار المسبق الكافي، وإتاحة وسائل تظلّم فعّالة، —مثلاً إمكانية الاعتراض على القرار أمام جهة مستقلة، وتمكين المتضررين من الطعن وتقديم دفوعهم والحصول على رد مُعلل ضمن مهلة مناسبة— إضافة إلى الامتناع عن أي شكل من أشكال الضغط أو العنف عند النظر في إجراءات الإخلاء.
وتتقاطع هذه الشهادات مع ما وثّقته مصادر مفتوحة حول إبلاغ عدد كبير من الأسر بوجوب الإخلاء خلال 48 ساعة ومنع بعضهم من نقل ممتلكاتهم الأساسية أثناء العملية، بوصفها إجراءات قسرية رافقت الحملة في الفترة ذاتها وهو ما أكدته الشهادات التي وثقتها “سوريون” أيضاً. وبحسب وكالة رويترز “جاء في الإخطارات التي رأتها رويترز معلقة على عشرات المنازل أن هذا إخطار لسكان المساكن غير القانونية في السومرية بمغادرة منازلهم في مدة لا تزيد عن 48 ساعة وإلا تعرضوا للعقاب بموجب القانون. وذكرت الوثائق أنها صادرة عن “لجنة الإسكان العامة التابعة للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية”. كما نشر موقع ألترا سوريا شهادة امرأة أشارت إلى “أن المسلحين أبلغوا السكان بضرورة مغادرتهم خلال 48 ساعة ‘وإلا سنهدم المنازل فوق رؤوسكم’.”. ونشر المرصد السوري لحقوق الإنسان أيضاً “أن فصيلاً مسلحاً قادم من منطقة المعضمية، قام بتهجير عائلات من حي السومرية في ريف دمشق، بعد منح من تبقّى داخل الحي مهلة لا تتجاوز 48 ساعة للمغادرة، من دون السماح لهم بأخذ أغراضهم الشخصية”.
كذلك تتقاطع الشهادات الموثقة مع التقارير المنشورة في ذكر أنّ العمليات نُفِّذت بحضور قيادات ميدانية مرتبطة بفصائل محلية، من بينها شخصٌ يُعرف باسم “أبو حذيفة”، والذي وُصف بأنه أحد المسؤولين عن انتشار العناصر التي ارتكبت انتهاكات داخل الحي خلال الحملة. وفي هذا السياق نشرت وكالة رويترز أنه “داهم عشرات من أفراد الأمن بقيادة مسؤول من وزارة الداخلية يعرف باسم أبو حذيفة المنازل واحداً تلو الآخر وأبلغوا السكان بأنهم يعيشون على أراض استولت عليها عائلة الأسد بشكل غير قانوني وطالبوهم بإثبات ملكيتهم لمنازلهم، وذلك وفقاً لما ذكره نحو عشرة من السكان واثنان من الزعماء المحليين الذين قالوا جميعا إنهم تعرضوا لهذه المعاملة.”
وتفيد الشهادات بتعرض بعض السكان لاعتداء بدني مباشر، بما في ذلك الضرب والتعذيب. وتتقاطع هذه الإفادات مع ما وثّقته مصادر مفتوحة حول استخدام العنف البدني في سياق الإخلاء القسري في السومرية حتى تجاه النساء، الأمر الذي يُعزّز توصيف الإجراء بوصفه قائماً على الإكراه والعنف لا على أي مسار قانوني مشروع.
4. الإخلاء القسري وحرمان المالكين من نقل أمتعتهم وأثاث منازلهم:
تشير الشهادات إلى أنّ الإخلاء ترافق مع قيود مباشرة على حق السكان في الانتفاع بممتلكاتهم أو نقلها عند المغادرة، الأمر الذي أدى إلى خسائر مادية. فقد أفاد الشاهد “حسن” بأن المنفّذين منعوا السكان من إخراج أثاثهم وأغراضهم، قائلاً:
“حين حاولنا إخراج متاع البيت، منعنا أفراد الفصيل من أخذ العديد من الأغراض الأساسية. لقد اضطررتُ إلى بيع ممتلكاتٍ تقدّر قيمتُها بمئة مليون مقابل مليونين ونصف فقط، لأنني لم أكن أملك أجرة نقل الأثاث”.
كما أفادت الشاهدة “لين” بأن القيود لم تقتصر على الممتلكات داخل المنازل، بل شملت تدابير تضييق موازية، من بينها إغلاق المتاجر وقطع المياه ومنع إدخال المواد الغذائية إلى الحي أثناء الحملة، قائلة:
“أغلقوا جميع المحال، وقطعوا المياه، ومنعوا إدخال المواد الغذائية، وبدأوا بإطلاق التهديدات… بينما بقيت النساء داخل المنازل بعد مغادرة عدد كبير من الرجال”.
هذا وتشير بعض الشهادات أيضاً إلى تعرّض عدد من المنازل لِلاستيلاء على منقولاتها أو العبث بمحتوياتها أثناء المداهمات، بما في ذلك الأثاث والأجهزة المنزلية، وهو ما يضيف إلى الإخلاء القسري بعداً مادياً قد يرقى وفق القانون السوري إلى توصيف السرقة الموصوفة عندما يتم ذلك تحت التهديد أو في سياق مسلح. وتُعدّ هذه الإجراءات ضغطاً مادياً مباشراً على السكان في لحظة الإخلاء، ما يعمّق الأثر على الأمن المعيشي والحق في السكن اللائق.
5. أثر التهجير القسري على الفئات الأكثر هشاشة:
عادةً ما يترك الإخلاء القسري أثراً مضاعفاً على الفئات الأشد هشاشة، ولا سيما الأطفال والنساء المعيلات والأسر الأكثر فقراً، نظراً لافتقارها إلى شبكات الحماية والموارد البديلة، وما يترتب على ذلك من مخاطر اجتماعية واقتصادية فورية تطال البالغين والأطفال على حدّ سواء.
في هذا السياق، تُبرز شهادة هدى (أرملة من الطائفة العلوية، فقدت زوجها واثنين من أبنائها في الحرب) الآثار العميقة للإخلاء على الفئات الأشد هشاشة، ولا سيما الأرامل والأسر المعيلة. فقد أوضحت أنها اضطرت بسبب التهديدات إلى مغادرة منزلها مع طفليها من دون أغراضها، ولم تتمكّن من العثور على مأوى أو تغطية أبسط النفقات، ما اضطرّها إلى البقاء في حديقة عامة. وقالت:
“دخلوا يطرقون الأبواب وأرهبونا، وأخافوا الأطفال، وشتمونا وشتموا أولادي المتوفَّين، وطلبوا منّا أن نغادر فقط بملابسنا من دون أن نأخذ شيئاً من أغراضنا. أخذتُ أولادي وخرجتُ إلى الطريق، وجلستُ في الحديقة لأنني لا أملك ثمن الإيجار، ولا يستطيع أحد من أهلي استقبالي، ولا أملك حتى أجرة الطريق. أذهب إلى المحال القريبة لآخذ ما يتبقّى من الطعام لأطعِم طفلَيّ الصغيرين… الكبير يبلغ الثانية عشرة من عمره وهو أيضاً يبحث عن عمل. ما ذنبي إذا كان زوجي وأبنائي قد قُتلوا في الحرب؟”
وتعكس هذه الشهادة أنّ الإخلاء وقع في سياقٍ خالٍ من بدائل سكنية أو ترتيبات دعم اجتماعي كافية، الأمر الذي ساهم في تفاقم الهشاشة المعيشية للأسر محدودة الموارد، ووضع الأطفال أمام مخاطر إضافية مرتبطة بالعمل القسري والتسرب من التعليم.
ولا تمثّل حالة “هدى” المثال الوحيد على الأثر المضاعف للإخلاء على الأسر الفقيرة والمعيلات منفردًا؛ إذ رُصدت حالات أخرى مشابهة، من بينها الحالة التي انتشرت صورتها في عددٍ من المواقع الإعلامية لامرأة وطفلتها اضطرّتا للمبيت في الشارع لعدم توفر أي بدائل سكنية.

امرأة وطفلتها تضطرّان للمبيت في الشارع عقب الإخلاء لعدم توفر مأوى بديل — المصدر: روزنة.
6. سندات الملكية وتجاهل الوضع القانوني للمساكن:
تفيد الشهادات التي وثقتها “سوريون” بأنّ وجود سندات ملكية أو وثائق سكن نظامية لم يؤدِّ أي حماية قانونية للسكان، بل جرى تجاهلها بالكامل خلال عملية الإخلاء، على نحو يدلّ على تنفيذ الإجراء خارج أي مسار إداري أو قضائي قابل للمراجعة. فقد ذكر الشاهد “حسن” أنه، رغم امتلاكه وثائق تثبت ملكية منزله، تلقّى أمراً بالمغادرة ضمن مهلة قصيرة دون النظر في وضعه القانوني، قائلاً:
“المنزل ملكٌ لي، لكنّ الوثائق التي بحوزتنا لم تحمِنا من الطرد”.
وتؤكّد الشاهدة “لين” الطابع المعمّم لهذا السلوك بقولها إن التعامل مع السكان لم يميّز بين من لديهم عقد قانوني ومن لا يملكونه:
“كانوا يدخلون المنازل ويعاملون الجميع بالطريقة نفسها، سواء كان لديهم عقد ملكية أم لا”.
كما يتقاطع ما ورد في الشهادات مع ما تضمّنه بيان صادر عن المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر، الذي أدان عمليات الاقتحام والإخراج القسري وأكّد أنّ الإجراءات تجاهلت الوثائق القانونية للسكان ورافقَتها اعتداءات جسدية وإهانات ذات طابع تمييزي.
هذا ما أشارت إليه أيضاً عدة تقارير ومقاطع فيديو منشورة في المصادر المفتوحة، مما يؤكد أنّ الإجراءات لم تتصل بمراجعة قانونية لحق السكن أو بآلية رسمية لنزع اليد، بل شكّلت إقصاءً كاملاً للضمانات الإجرائية الجوهرية التي تُعدّ شرطاً لازماً لأي إجراء مشروع يتعلق بالمأوى والملكية. ويعني ذلك تعارضاً مباشراً مع المعايير الدولية التي تشترط الإخطار المسبق الكافي، وإتاحة الطعن والمراجعة، والنظر الفردي في الأوضاع القانونية قبل اتخاذ أي قرار يمسّ السكن والملكية، ما يضع الواقعة ضمن نطاق الإخلاء القسري المفتقر إلى الشرعية الإجرائية.
7. سياق الملكية التاريخي وازدواجية الفئات المتضرّرة من النزاع على السكن:
تُظهر الوثائق العقارية والمصادر المفتوحة أن حيّ السومرية يقوم على عقار (رقم 3603) خضع عبر عقود متعاقبة لإشارات استملاك وإعادة تخصيص دون حسم قانوني نهائي لأوضاع الملكية أو التعويض، ما أوجد واقعاً سكنياً مركّباً ونتج عنه فئتان من المتضرّرين. فمن جهة لا يزال العقار الذي يقع عليه الحي مسجّلاً باسم مالكين أصليين من معضمية الشام (من الطائفة السنية) منذ ستينيات القرن الماضي، بينما تعرّض لاحقاً لاستخدامات وتخصيصات رسمية وغير رسمية دون مسار قضائي مكتمل للفصل في حقوق الأطراف أو جبر الأضرار الناتجة عن إجراءات الاستملاك السابقة.
ومن جهة أخرى، وفي ظلّ غياب تسوية قانونية عادلة لتلك المرحلة التاريخية، استقرّ في الحي على مرّ السنوات سكان حاليون (من الطائفة العلوية) –من بينهم عائلات ورثت إشغال المساكن– ليجدوا أنفسهم اليوم أمام إجراءات إخلاء قسرية لا تتضمّن ضمانات مراجعة أو تعويض أو بدائل سكنية. وبذلك يتكشّف نمط مزدوج من المظلومية:
- مالكون أصليون/سنّة تضرّروا سابقاً من إجراءات استملاك غير مكتملة التعويض أو التسوية،
- وسكان حاليون/علويون يتعرّضون اليوم لإخراجٍ قسري خارج أي مسار قضائي أو إداري مشروع.
إضافة لهاتين المجموعتين، وضح مسؤول حكومي في وزارة الداخلية السورية (لموقع جريدة المدن)، أن “منطقة السومرية، تعدّ من الأملاك المغتصبة التي تعود حيازتها للدولة، وكان النظام البائد قد اقتطعها من بلدة معضمية الشام وما حولها، لجعلها سكناً خاصاً للتشكيلات العسكرية والأمنية الطائفية، قدمها لما كان يعرف بسرايا الدفاع التي أسسها رفعت الأسد شقيق حافظ الأسد، قبل وضعها تحت تصرف الفرقة الرابعة وفرع المخابرات الجوية… جزء كبير من هذه المساكن، يعود ملكيته أساساً لوزارة الدفاع وأجزاء أخرى تعود لأفرع المخابرات والمؤسسات الأمنية، وبالتالي فهي ملكية حكومية، ومع حل هذه الأجهزة، أرجعت ملكية هذه المساكن لتصرف الدولة“.
ويُشير هذا السياق إلى أنّ الإجراء القسري الأخير لم يُعالج النزاع العقاري التاريخي ولا وفّر آلية قانونية متوازنة لتسوية الحقوق المتعارضة، بل أضاف طبقة جديدة من الضرر من خلال نقلٍ قسري دون تعويض أو فحص قانوني فردي لأوضاع الشاغلين. ومن منظورٍ حقوقي، فإن إدارة نزاعٍ عقاري متراكم عبر القوة والإكراه –بدلَ اللجوء إلى آليات رسمية للفصل في الحقوق، والتعويض، وإعادة التوجيه السكني– تُفضي إلى انتهاك مركب لحقّ الملكية والحقّ في السكن والحقّ في الوصول إلى سُبُل إنصاف فعّالة للفئات المتضررة.
8. الأبعاد القانونية:
يقرّ القانون الدولي بحقّ الأفراد والجهات في امتلاك الأموال والممتلكات المادية وغير المادية، والانتفاع بها والتصرف فيها وفق الأطر القانونية النافذة، باعتباره أحد الحقوق الأساسية للإنسان وركناً مهماً في البنيتين الاقتصادية والاجتماعية. كما يحمي الحق في السكن اللائق باعتباره امتداداً للكرامة الإنسانية، وذلك في عدد من الصكوك الدولية، من بينها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادتان 17، 25)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادتان 11، 17)، وميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي (المادة 17)، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (المادة 14). ووفق هذه المرجعيات، فإن الاعتداء على المساكن وموجوداتها أو حرمان أصحابها من استخدامها قسراً يُعد انتهاكاً واضحاً لحقوق الملكية والسكن.
وفي السياق نفسه، تُظهر الشهادات الموثقة ما تعرّض له بعض السكان من إهانات واعتداءات جسدية على يد عناصر مسلّحة ترتدي زيّ الأمن العام، وهي ممارسات تقع ضمن حظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة المنصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 5)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 7)، واتفاقية مناهضة التعذيب، فضلاً عن القواعد ذات الصلة الواردة في اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكولين الإضافيين لعام 1977.
إنّ إرغام العائلات على النزوح بالقوة يُعدّ جريمة تهجير قسري، محظورة بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 9)، واتفاقية جنيف الرابعة (المادة 49)، والبروتوكول الإضافي الثاني (المادة 17). ووفقاً لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يُصنّف التهجير القسري كجريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية (المادتان 7، 8).
وفي هذا الإطار، لا يمكن تبرير الانتهاكات المرتكبة بالاستناد إلى انتماء بعض الأفراد، سابقاً، إلى تشكيلات عسكرية أو مدنية مرتبطة بالنظام السابق، إذ إنّ جزءاً كبيراً من الضحايا هم من النساء والأطفال، كما أنّ العسكريين الذين امتنعوا عن القتال أو ألقَوا سلاحهم يُعدّون –بموجب المادة (3) المشتركة من اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949– أشخاصاً خارج القتال يتمتعون بالحماية الواجبة، ويجب معاملتهم معاملة إنسانية دون أي شكل من أشكال التمييز. كما تحظر اتفاقية جنيف الرابعة الاستيلاء التعسفي على ممتلكاتهم أو مصادرتها (المادة 46).
وعلى المستوى الوطني، فإن الممارسات المذكورة في التقرير تتناقض مع ما ورد في الإعلان الدستوري السوري الصادر في آذار 2025، حيث أكد على أن الملكية الخاصة مصانة (المادة 16)، كما أكد على أن جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان جزء لا يتجزأ من هذا الإعلان الدستوري (المادة 12)، وبناءً عليه، فإن المساس بالسلامة الجسدية، أو تعريض المواطنين/ات للمعاملة المهينة والتعذيب والاعتقال التعسفي، يمثل انتهاكاً مباشراً لصلب الدستور. كما أن استهداف الشاغلين لأنهم من طائفة معينة يتناقض مع مبدأ المساواة الذي نص عليه الإعلان الدستوري (المادة 10).
تقرّر القوانين السورية النافذة أنّ حق استعمال واستغلال والتصرف بالعقار يقتصر على مالكه، وفق أحكام القانون المدني السوري، ولا يجوز نزع الملكية إلا وفق إطار قانوني واضح ومقابل تعويض عادل. كما يقرّ عقد الإيجار للمستأجر حق الانتفاع بالعقار لقاء بدل معلوم. وإضافة إلى ذلك، فإن المساكن المنشأة بموجب المرسوم رقم 12 لعام 1975 المتعلق بمؤسسة الإسكان العسكري –ومن ضمنها مساكن السومرية– متاحة للتملك أو الاستئجار من قبل غير العسكريين، إذ يجيز النظام القانوني انتقال الملكية إلى الغير بعد سداد كامل القيمة ومرور المدة المحددة قانوناً.
إضافة لما سبق، فإن استيلاء العناصر المسلّحة على مساكن في السومرية يُعدّ جريمة غصب عقار وفق قانون العقوبات السوري (المادة 723)، وتُشدّد عقوبتها إذا ارتُكبت بالعنف أو التهديد، أو اشترك فيها مسلحون لتصل إلى السجن لمدة قد تبلغ ثلاث سنوات. كما يشكّل الاستيلاء على الأثاث والمنقولات من دون مسوّغ قانوني جريمة سرقة بالعنف أو سرقة موصوفة (المادتان 624، 625).
9. المسارات القضائية لمعالجة نزاعات السكن والملكية في حيّ السومرية:
إذا كانت العقارات التي تناولها التقرير تعود ملكيتها لأشخاص طبيعيين أو اعتباريين كما ورد في بعض المصادر التي استند اليها هذا التقرير، فإن المشرّع السوري قد وضع حلولاً قانونية موضوعية لمعالجة حالات الاستيلاء غير المشروع، حيث يملك المتضرر (سواء كان شخصاً طبيعياً أو اعتبارياً كالمحافظة والبلدية) حق اللجوء إلى القضاء عبر دعوى منع معارضة وتسليم. وتستند هذه الدعوى إلى القوة الثبوتية المطلقة للسجل العقاري وفق القانون المدني السوري (المادة 825)، وإلى حق المالك المطلق في التصرف بملكه واستغلاله واستعماله (المادة 768). وبموجب هذا المسار، يصدر القضاء حكماً بتثبيت ملكية المدعي وإلزام المعتدي بالإخلاء والتسليم تحت إشراف دائرة التنفيذ، التي تملك صلاحية الاستعانة بالقوة العامة لفرض سيادة القانون.
وفي الحالات التي تتطلب حماية عاجلة، أتاح القانون للمالك رفع دعوى طرد غاصب وتسليم العقار أمام القضاء المستعجل بناءً على ما نص عليه قانون أصول المحاكمات المدنية (المادة 79). وتمتاز هذه الدعوى بفاعليتها الزمنية، حيث إن الأحكام الصادرة فيها تكون مشمولة بالنفاذ المعجل بقوة القانون (المادة 292)، مما يضمن استعادة العقار دون انتظار استنفاد طرق الطعن. أما دعوى استرداد الحيازة، فبالرغم من وجودها قانوناً، إلا أنها تظل محفوفة بالصعوبات الإجرائية؛ إذ تتطلب إثبات شروط دقيقة للحيازة السابقة ووجوب رفعها خلال سنة واحدة فقط من تاريخ الغصب، مما يجعلها خياراً أقل مرونة للملاك في ظروف الاستيلاء القسري.
إن توفر هذه القنوات القضائية المشروعة يسقط أي تبرير لسلوك أسلوب المداهمات العشوائية أو الابتزاز الأمني. إن استبدال الأحكام القضائية بالاعتقال التعسفي أو مساومة المعتقلين على إطلاق سراحهم مقابل الاخلاء الفوري للعقارات التي يشغلونها يمثل انتهاكاً صارخاً للتشريعات السورية قبل الدولية. لذا، فإن تكريس مفهوم “دولة القانون” الذي نادى به محافظ دمشق أثناء لقائه لمجموعة من أهالي السومرية، يقتضي وقف هذه التجاوزات فوراً، ومحاسبة المرتكبين، وإعادة النزاعات إلى ولاية القضاء المختص الذي يجب أن يصون الملكيات ويحفظ الكرامات.
10. التوصيات:
تشير التوثيقات والتقارير إلى أن ما جرى في السومرية يشكّل نموذجاً مركّباً من الإخلاء القسري القائم على الهوية، المقترن بسوء المعاملة والاعتقال التعسفي وتعطيل الضمانات الإجرائية، بما يفضي إلى انتهاك متزامن للحق في السكن والملكية والحرية والأمان الشخصي، ويستوجب فتح تحقيق مستقل وتحديد المسؤولية المؤسسية والقيادية وجبر الضرر. وعليه، توصي “سوريون” بما يلي:
- وقف الإخلاءات القسرية فوراً وتعليق أي إجراءات تمسّ السكن أو الملكية في السومرية إلى حين إنشاء مسار قانوني واضح وقابل للمراجعة الفردية، مع ضمان عدم استخدام القوة خلال أي عملية إنفاذ، وتحت اشراف القضاء ورقابته.
- حصر أي إجراءات لاحقة تتعلق بالإخلاء أو تنظيم الملكية بقرارات من السلطة القضائية حصراً وبضمانات إجرائية كاملة تشمل إشعاراً كافياً، ومهلاً زمنية معقولة، وحقّ الطعن، ورقابة مدنية، إضافةً إلى تمكين الضحايا من سبل التظلّم والمساعدة القانونية وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
- فتح تحقيق مستقل وشفاف لتحديد المسؤولية المؤسسية والقيادية عن الاعتقال وسوء المعاملة والإخلاء القسري والاستيلاء على الممتلكات في السومرية، وضمان مساءلة مرتكبي الانتهاكات وفقاً للقانون.
- اعتماد آلية وطنية/محلية مستقلة لقضايا السكن والأرض والملكية في المنطقة، تراعي السياق التاريخي للنزاع العقاري، وتوازن بين حق الدولة في التنظيم وحقوق المالكين الأصليين والشاغلين الحاليين، وتضمن حلّ النزاعات عبر القضاء لا عبر القوة، وتضمن مشاركة الضحايا من كل الأطراف إضافة لمنظمات المجتمع المدني.
- توسيع الاختصاص الشخصي لهيئة العدالة الانتقالية لتشمل الانتهاكات التي ارتكبتها كل الأطراف وليس فقط تلك التي تسبب بها النظام السابق، وكذلك تمديد الإطار الزمني لتشمل الانتهاكات المرتكبة حتى تاريخ إقرار قانون العدالة الانتقالية من قبل مجلس الشعب.
