1. مقدمة وخلفية:
شهدت محافظة السويداء في تموز/يوليو 2025 تصعيداً عسكرياً واسعاً تخلّلته انتهاكات جسيمة بحق أبناء الطائفة الدرزية، في ظل تدهور حاد في الوضع الإنساني وانهيار متزامن في عدد من الخدمات الأساسية. وأسفر الهجوم الواسع عن عمليات قتل جماعية بإجراءات موجزة، وانتهاكات للكرامة الإنسانية، وعمليات اختطاف، ونزوح ما يصل إلى 187 ألف شخص.
ترافقت العمليات العسكرية مع قطع التيار الكهربائي، إضافة لقطع واسع النطاق ومتكرر للإنترنت وخدمات الاتصالات الأرضية والخلوية. وقد تزامن هذا الانقطاع مع مراحل مفصلية من الهجوم، بما في ذلك فترات القصف والاقتحام والنزوح الجماعي، ما أسهم في عزل المحافظة رقمياً وحرمان السكان من الوصول إلى المعلومات والتواصل في وقت بالغ الخطورة.
لا يُنظر إلى الإنترنت وخدمات الاتصالات، في سياقات النزاع المسلح، بوصفها خدمات تقنية فحسب، بل باعتبارها وسيلة أساسية لحماية المدنيين/ات، تمكّنهم من الاطلاع على التطورات الميدانية، وتحديد مسارات أكثر أماناً، وطلب المساعدة، والاطمئنان على العائلات، فضلاً عن تمكين الصحفيين/ات والفاعلين/ات المحليين/ات من توثيق الحقيقة والانتهاكات ونقلها إلى الرأي العام. وعليه، لا يقتصر أثر قطع هذه الخدمات خلال العمليات العسكرية على تقييد الوصول إلى المعلومات، بل قد يفضي إلى مضاعفة المخاطر التي تهدد الحق في الحياة والأمان الشخصي.
توثّق “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” في هذا التقرير سياق انقطاع الإنترنت والاتصالات في محافظة السويداء خلال تموز/يوليو 2025، وتحلّل آثاره الإنسانية والإعلامية والقانونية، استناداً إلى شهادات مباشرة من مدنيين/ات، وصحفيين، وناشطين، وخبراء تقنيين، إضافة إلى مراجعة مصادر مفتوحة مختصة. كما تسعى في هذا التقرير إلى تقييم مدى توافق هذه الانقطاعات مع التزامات الدولة بموجب القانون، ولا سيما واجبها في حماية المدنيين/ات وضمان وصولهم إلى المعلومات وحقهم في معرفة الحقيقة في أوقات النزاع.
يهدف هذا التقرير إلى إبراز العزل الرقمي بوصفه نمطاً خطيراً من الممارسات التي ترافق النزاعات المسلحة، وإلى التأكيد على أن ضمان استمرارية خدمات الاتصالات والإنترنت التزام قانوني وإنساني يرتبط مباشرة بحماية الأرواح ومنع وقوع مزيد من الانتهاكات.
2. منهجية التقرير:
يعتمد هذا التقرير على مقاربة تحليلية توثق قطع الانترنت والاتصالات في محافظة السويداء خلال هجوم تموز/يوليو 2025، وتقيم آثارها.
يستند التقرير إلى مقابلات معمّقة مع 8 شهود، جرت حضورياً أو عبر وسائل تواصل آمنة. وحصلت “سوريون” على موافقات الشهود المستنيرة بعد إيضاح الطبيعة الطوعية للمشاركة وطرق استخدام المعلومات التي قدّموها، بما في ذلك نشر هذا التقرير. وقد فضّل ستة مشاركين/ات –من الثمانية– إخفاء هوياتهم أو أي تفاصيل قد تكشف عنها، خشية أعمال انتقامية قد تطالهم أو عائلاتهم. وبناءً عليه، استخدم هذا التقرير أسماء مستعارة للإشارة إليهم عند اقتباس أجزاء من شهاداتهم.
دعّم التقرير الشهادات بمراجعة مصادر مفتوحة مختصة، من بينها تقارير وتحديثات صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، إضافة إلى تحليلات وبيانات صادرة عن منظمات معنية بالحقوق الرقمية مثل Access Now، SMEX. استُخدمت هذه المصادر لتحديد التسلسل الزمني للانقطاعات ونطاقها.
يتضمن التقرير تحليلاً تقنياً لطبيعة الانقطاعات، يميّز بين الأعطال الناتجة عن أضرار محتملة في البنية التحتية والانقطاعات ذات الطابع المركزي أو المنهجي، دون الجزم بأسباب غير مسنَدة. كما يعتمد التقرير تحليلاً قانونياً في ضوء قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني ذات الصلة بحماية المدنيين/ات والحق في الوصول إلى المعلومات.
3. التسلسل الزمني ونطاق قطع الإنترنت والاتصالات:
تُظهر المعطيات المتقاطعة أن محافظة السويداء شهدت نمطاً متكرراً من قطع الإنترنت والاتصالات خلال الفترة الممتدة بين 12 و20 تموز/يوليو 2025، تزامن مع مراحل مفصلية من التصعيد العسكري، بما في ذلك القصف، والاقتحام، والقتل، والخطف، وحركة النزوح الجماعي.
وبحسب ما وثقته “سوريون” من شهادات مدنيين/ات وصحفيين/ات من داخل المحافظة، بدأ الانقطاع بشكل شبه كلي في بعض المناطق اعتباراً من 12 تموز، وشمل الإنترنت الخلوي، والإنترنت الأرضي (ADSL)، والاتصالات الصوتية الخلوية والأرضية، مع فترات عودة محدودة وضعيفة لم تُمكّن من التواصل الفعّال. وتشير الإفادات إلى أن الانقطاع كان متفاوتاً زمنياً وجغرافياً، لكنه اتّسم بالتكرار، وبالحدّ الأدنى من الخدمة عند عودتها، لا سيما خلال ساعات الذروة الميدانية.
وتتوافق هذه الإفادات مع بيانات الرصد التقني التي أظهرت انخفاضاً حاداً ومتزامناً في توافر الاتصال في السويداء خلال الأيام نفسها (أنظر الصورة 1).
وفي هذا السياق، وثّقت منظمات معنية بالحقوق الرقمية (من بينها Access Now و SMEX) أنماطاً متكررة من قطع الإنترنت والاتصالات، وأكدت أن آثارها لا تقتصر على تعطيل خدمة تقنية، بل تؤدي عملياً إلى عزل المجتمعات المتأثرة، وتقويض قدرتها على الوصول إلى المعلومات الحيوية، وطلب المساعدة، والتواصل الآمن.
كما حذّرت هذه المنظمات من أن قطع الاتصالات خلال فترات التصعيد يعرقل العمل الإنساني، ويمنع التوثيق المباشر للانتهاكات، ويُضعف الرقابة العامة والمساءلة، ما يزيد من هشاشة حالة المدنيين/ات في لحظات الخطر.

الصورة 1: رصد قطع الانترنت والاتصالات عن السويداء من 12 إلى 20 تموز/يوليو 2025. المصدر: منصة IODA لقياس ورصد انقطاع الإنترنت حول العالم.
وفي حين عزت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية، ويرأسها “عبد السلام هيكل”، انقطاع الاتصالات إلى كونه “ناتجاً حصرياً عن صعوبات تقنية ولوجستية”، ولا سيما نفاد الوقود، تُظهر الشهادات والتحليل التقني مؤشرات قوية تُضعف هذا التفسير. إذ يفيد خبير في الاتصالات وأمن المعلومات في شهادته، استناداً إلى مراقبته المباشرة خلال فترة الانقطاع، بأن توقف منظومات اتصال مستقلة في التوقيت نفسه –ما يشمل الإنترنت الخلوي والأرضي والاتصالات الصوتية– يصعب تفسيره بعامل تقني واحد، أو بنقص الوقود وحده، لا سيما في ظل اعتماد أجزاء واسعة من منظومات الاتصالات على الطاقة الشمسية، وعودة الخدمة جزئياً خلال ساعات النهار. وفي هذا السياق، قال الخبير التقني بالاتصالات وأمن المعلومات علاء غزال لـ”سوريون”:
“تم تسجيل انقطاع شبه كامل ومتزامن في خدمات الإنترنت والاتصالات شمل أنظمة يفترض أن تكون مستقلة تقنياً. فقد توقفت شبكات الإنترنت الأرضي والخليوي عبر شبكتي ‘سيرياتيل وMTN سوريا’، إضافةً إلى توقف منظومات الهاتف الأرضي. تقنياً، يُفترض أن الهاتف الأرضي يعمل بشكل مستقل عن خدمات الإنترنت، وأن شبكتي سيرياتيل وMTN منظومتان منفصلتان، ما يجعل توقّف جميع هذه الخدمات في لحظة واحدة مؤشراً واضحاً على قطع صادر من المركز وليس ناتجاً عن خلل محلي أو نقص في الوقود أو الطاقة.”
وأضاف غزال أن نمط الانقطاع الداخلي في شبكة الهاتف يعزّز هذه الفرضية، موضحاً أنه:
“خلال فترة الرصد، تبيّن أن خدمات الهاتف الأرضي كانت معطّلة على مستوى المحافظة، لم يكن ممكناً إجراء مكالمات خارج المنطقة، بينما بقي الاتصال ممكناً بين خطوط ترتبط بالمقسم نفسه فقط. هذا يوضح أن المقاسم كانت تعمل، وأن القطع جرى عبر تعطيل الربط بين المقاسم، وليس نتيجة خلل تقني أو نقص الطاقة. ووفقاً لتلك المعطيات فإن انقطاع الهاتف الأرضي على الأرجح تم بقرار مركزي.”
وفي هذا السياق، وثّقت مصادر مستقلة استمرار ضعف الخدمة بعد عودتها الرسمية، مع انقطاعات متكررة لساعات طويلة، حيث تُظهر إشارة “القياس النشط” (Active Probing) على منصة IODA لرصد انقطاعات الإنترنت حول العالم، أن مستوى الاتصال في السويداء –في تاريخ 29 تموز/يوليو 2025– لم يتجاوز في أقصاه 50% من المعدلات الطبيعية، ما يشير إلى أن الوصول إلى الإنترنت بقي متعطّلاً بشكل كبير أو غير قابل للاستخدام في محافظة السويداء.
ويخلص هذا التقاطع بين الشهادات والرصد التقني إلى أن انقطاع الإنترنت والاتصالات في السويداء خلال شهر تموز/يوليو 2025 لم يكن حدثاً عرضياً قصير الأمد، بل اتّخذ شكلاً متكرراً ومتزامناً مع العملية العسكرية، وأسهم في تعميق العزل المعلوماتي للمحافظة خلال فترة حرجة.
ولا يمكن النظر إلى انقطاع الإنترنت والاتصالات في محافظة السويداء بمعزل عن سياق أوسع، إذ تُظهر التحليلات أن قطع الاتصالات يُستخدم على نحو متكرر من قبل حكومات في سياقات النزاع أو الاضطرابات الداخلية كأداة للسيطرة، ولعزل السكان، والتحكم بتدفّق المعلومات، والحدّ من التوثيق والتواصل في لحظات حرجة. وغالباً ما تترافق هذه الممارسات مع تصعيد أمني أو عسكري، وتُسهم في خلق بيئة معلوماتية مغلقة تزيد من هشاشة وضع المدنيين/ات، وتضعف آليات الحماية والمساءلة، بما يتعارض مع التزامات الدول بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
4. الأثر الإنساني لانقطاع الانترنت والاتصالات:
بحسب تحليل الشهادات التي وثقتها “سوريون” وما رصدته على المنصات الرقمية المختصة، ، شكّل انقطاع الإنترنت والاتصالات في محافظة السويداء خلال هجوم تموز/يوليو 2025 عاملاً حاسماً في تعريض المدنيين/ات لمخاطر جسيمة، ولم يكن أثره مقتصراً على تعطيل التواصل، بل امتدّ ليطال القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالبقاء، والنزوح، ولمّ شمل العائلات، وطلب المساعدة في ظل تصعيد عسكري واسع. وقد وقع هذا الانقطاع في توقيت بالغ الحساسية، تزامن مع القصف والاقتحام وحركة نزوح جماعي، ما جعل العزل الرقمي عنصراً مضاعفاً للضرر الإنساني.
أفادت شهادات متعددة بأن انقطاع الاتصالات خلق حالة من “الجهل”، حيث لم يكن السكان على دراية بما يجري خارج نطاق السمع المباشر للقصف، ولم يتمكنوا من معرفة اتجاهات الهجوم أو المناطق التي أصبحت غير آمنة. وقالت الشاهدة “هنادي” (من مدينة السويداء):
“بسبب انقطاع الانترنت والكهرباء وصل المهاجمون إلى المدينة بينما أهلها ليس لديهم علم بشيء. كنا نسمع أصوات القذائف والدبابات ولا نعلم ما الذي يحدث”.
وأوضحت أن هذا الجهل بما يجري دفع بعض المدنيين/ات إلى البقاء في منازلهم رغم الخطر القريب، وهو ما أكده معظم الشهود الذين تحدثت معهم “سوريون”، أضافت هنادي:
“لأن الناس لم تكن تعرف ما يحصل، الكثير منهم بقوا في منازلهم ولم يغادروا، فتمت تصفيتهم داخل بيوتهم”.
ويؤكد سميح، (وهو ناشط حقوقي ومدني من قرية ذيبين) هذا بقوله:
“كان لقطع الاتصالات دورٌ كبير في التسبّب بمجازر طالت مدنيين/ات، من بينهم نساء وأطفال. فقد قُتل الضحايا داخل منازلهم لعدم معرفتهم بما كان يجري حولهم، ولعدم قدرة أي جهة على إنذارهم بالخطر في الوقت المناسب”.
هذا وفي ظل غياب الاتصالات، اضطر السكان إلى النزوح بشكل غير منظم وعشوائي، دون معرفة الطرق الآمنة أو المناطق التي تشهد اشتباكات. وأفاد الشاهد يوسف (من مدينة السويداء) إلى أن انسحاب السكان بدأ بشكل فوضوي نتيجة الخوف، وأن المدينة بدت “كأنها خالية من الحياة”، في ظل الدخان والقصف المستمر، من دون أي قدرة على تبادل المعلومات أو التحذير من المخاطر.
وقد أكّد الخبير في الاتصالات وأمن المعلومات، علاء غزال، أن أثر انقطاع الإنترنت والاتصالات لم يقتصر على تعطيل التواصل، بل خلّف تداعيات إنسانية واسعة أثّرت على سلامة المدنيين/ات وقدرتهم على حماية أنفسهم واتخاذ قرارات آمنة خلال التصعيد. وفي هذا السياق، قال غزال:
“أنتج قطع الاتصالات آثاراً إنسانية مباشرة. لم يتمكّن المدنيون من التواصل للاطمئنان على عائلاتهم، واضطر سكان عشرات القرى للنزوح خلال الهجوم دون القدرة على معرفة الطرق الآمنة أو مواقع الاشتباكات. غياب المعلومات الفورية رفع مستويات الخوف والقلق والشائعات، وترك المدنيين دون أي مصدر موثوق لمتابعة التطورات”.
كذلك أدّى انقطاع الاتصالات إلى تفكك واسع للعائلات خلال النزوح، سواء داخل المحافظة أو بينها وبين أقارب في مناطق أخرى أو في الخارج. قالت هنادي:
“نحن كأسرة تشتتنا، ولعدم توفر الاتصالات فقد افترقنا ولم نجد بعضنا”.
وأشارت إلى أن استمرار قطع الإنترنت بعد العودة إلى المنازل، أو عودته بشكل ضعيف، فاقم الأذى النفسي، لا سيما مع وجود أقارب مغتربين شاهدوا لاحقاً مقاطع مصوّرة عن الانتهاكات دون أن يتمكنوا من التواصل والاطمئنان على أحبائهم:
“قطع الإنترنت سبّب لأقاربنا في الخارج أذى نفسياً كبيراً… خافوا علينا جداً ولم يستطيعوا التواصل معنا بأي شكل”.
بدورها، وصفت المحامية ريم (من مدينة صلخد) تجربة فقدان الاتصال اليومي على نحو مفصّل، قائلةً:
“لم يكن أحد يعرف أحوال الآخرين إلا من يراهم أمامه. عندما بدأ هاتفي يلتقط تغطية ضعيفة جداً لا تسمح بإجراء مكالمات، كنت أصعد إلى سطح المنزل، وفي زاوية محددة فقط، أتمكن من التقاط إشارة ضعيفة لإرسال رسالة قصيرة لأطمئن أخوتي… رسالة واتساب كانت تحتاج خمس دقائق لتُرسل”.
وأضافت أن هذه التجربة خلّفت أثراً نفسياً طويل الأمد:
“اليوم، وبعد مرور ستة أشهر، أصبح انقطاع الانترنت أو الاتصالات نذير شؤم بكل معنى الكلمة، لأنه يعيد إلينا الخوف من تكرار ما حدث”.
إضافة لما سبق، فقد أثّر غياب الاتصالات أيضاً على القدرة على طلب المساعد ونقل الجرحى. وأفاد الشاهد عمار (من قرية صمّا البردان):
“انقطع الانترنت بشكل كامل، ولم يقتصر الأمر على هذا فقط، بل شمل أيضاً شبكات التغطية الخلوية… لم يعد أحد يعرف شيئاً عن الآخر”.
وأوضح أن غياب المعلومات جعل الأهالي يبحثون عن المفقودين بأنفسهم:
“عند فقدان أحد الأشخاص، كان الأهالي يضطرون للذهاب إلى الطرقات والبحث بين الجثث… وقد توفي العديد من الأشخاص لأنهم تأخروا في معرفة حقيقة الوضع في المناطق القريبة من القتال”.
وأشار إلى أن هذا الانقطاع “رفع فاتورة الدم”، مؤكداً:
“أعتقد أن توفر الانترنت والاتصالات في ذلك الوقت كان سينقذ الكثير من الأرواح”.
تُظهر هذه الشهادات أن انقطاع الإنترنت والاتصالات خلال الهجوم على السويداء لم يكن عارضاً محايداً، بل ساهم في تعريض المدنيين/ات لمخاطر مباشرة، ومنعهم من اتخاذ قرارات مبنية على المعرفة، وأدّى إلى نزوح عشوائي، وتأخير الإسعاف، وأذى نفسي مستمر. ويؤكد ذلك أن الاتصالات، في سياق النزاع المسلح، تُعدّ وسيلة حماية أساسية، وأن قطعها في لحظات التصعيد يعتبر عامل خطير يضاعف هشاشة السكان ويقوّض حقهم في الحياة والأمان الشخصي.
5. أثر انقطاع الانترنت والاتصالات على الإعلام والتوثيق وانتشار المعلومات المضللة:
يشكّل انقطاع الإنترنت والاتصالات خلال الأزمات والنزاعات أحد العوامل التي تعيق قدرة الصحفيين/ات والفاعلين/ات المدنيين/ات على نقل المعلومات والتحقق منها وتوثيق الانتهاكات في الوقت الحقيقي. وقد حذّرت منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان وحرية التعبير من أن انقطاعات الشبكات تُقوّض قدرة الإعلام على أداء وظائفه الأساسية، بما في ذلك نشر المعلومات الموثوقة، والتحقق من الوقائع، ومراقبة أفعال الأطراف المتصارعة، وتوفير معلومات حيوية للمجتمعات المتضررة. كما تحدّ من حرية التعبير والتنظيم المجتمعي، وتمنع توثيق الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، لا سيما في أوقات النزاع، حين يعتمد البث الفوري للمعلومات على الاتصال الرقمي.
كما نبهت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو) إلى أن انقطاع الإنترنت يُضعف قدرات أنظمة المعلومات العامة على تزويد الناس بالأخبار والتحقق منها، مما يسهّل انتشار محتوى غير موثوق ومعلومات مضللة ويزيد الارتباك وعدم اليقين لدى الجمهور.
وقد أعربت أيضاً مجموعة الدول الأعضاء في Freedom Online Coalition (وهو تحالف يضم دولاً تلتزم بتعزيز حرية الإنترنت وحقوق الإنسان في الفضاء الرقمي، بما في ذلك حرية التعبير والوصول إلى المعلومات ومناهضة قطع الإنترنت) في بيان مشترك عن قلقها من أن الانقطاعات خلال النزاعات المسلحة تُعيق الوصول إلى المعلومات الحيوية، وتُحدّ من الإبلاغ المستقل والمراقبة الدولية لسلوك أطراف النزاع، كما تزيد من تفاقم الأزمات الإنسانية وتصعّب تنسيق المساعدات.
في سياق محافظة السويداء، حيث تزامن انقطاع الإنترنت مع ذروة العمليات العسكرية في تموز/يوليو 2025، حصل شلل كبير في قدرة الإعلام المحلي والناشطين/ات الحقوقيين على نقل التطورات والتحقق من الوقائع في وقتها، ما أتاح لجزء من الانتهاكات أن تبقى غير موثّقة آنياً، وتكبدت تغطية الأحداث تأخيرات سببت انتشاراً للمعلومات المضللة والمحرضة، كما ورد في شهادات الصحفيين المحليين المشاركين في توثيق الأحداث.
كذلك أفاد صحفيون محليون بأن انقطاع الإنترنت وشبكات الاتصال اضطرهم للاعتماد على وسائل بديلة ومحدودة، مثل الإنترنت الفضائي أو الرسائل النصية المتقطعة. وقال الإعلامي ضياء الصحناوي رئيس تحرير شبكة الراصد المحلية:
“تزامن الهجوم مع انقطاع الإنترنت وتردّي خدمة الاتصالات والكهرباء. كنت أضطر للذهاب إلى صالة يملك صاحبها إنترنت فضائي، وأعتمد على ما يرسله المراسلون من مدينة السويداء بشكل متقطع… الأخبار العاجلة كنت أرسلها عبر الرسائل إلى شخص خارج المحافظة ليقوم بنشرها قبل أن تنقطع الشبكة بشكل كامل”.
ولم يكن بالإمكان بث صور أو فيديوهات أو تحديثات منتظمة، ما أدّى إلى غياب التغطية اللحظية للأحداث. وفي ظل هذا الفراغ المعلوماتي، انتشرت الإشاعات على نطاق واسع حول سقوط قرى أو دخول قوات إلى مناطق بعينها، دون قدرة الإعلام المحلي على التحقق أو التصحيح. وأوضح الصحناوي:
“شكل انقطاع الإنترنت والاتصالات حالة رعب لدى الأهالي… وكانت الإشاعات عامل قوة للقوات المهاجمة، إذ كانت الإشاعات تطال قرى على أنها سقطت، بينما كانت في الحقيقة ما تزال تحت سيطرة أبناء السويداء. أدّى هذا الوضع إلى تضليل الكثير من السكان ودفعهم لاتخاذ قرارات مبنية على معلومات غير مؤكدة، ما فاقم حالة الذعر والنزوح والخطر”.
أدّى هذا الانقطاع إلى تأجيل عملية التوثيق، بحيث ظهرت الصور والمقاطع لاحقاً بعد عودة الاتصال. وأشار صحفيون إلى أن هذا التأخير سمح بطمس بعض الوقائع، وأعاق جهود التحقق من أعداد الضحايا وتسلسل الأحداث في أيام الهجوم الأولى. وقال الصحفي كريم (من مدينة السويداء) أن ما جرى بدأ بالظهور بعد عودة جزئية ومتأخرة للاتصال:
“عندما عادت خدمة الإنترنت بشكل ضعيف، بدأنا نرى آثار الدمار والجثث في الشوارع. لكن لم يكن بالإمكان نقل ما نراه أو توثيقه فوراً”.
وفي سياق الأثر على التوثيق، قدّم الخبير في الاتصالات وأمن المعلومات علاء غزال قراءة تحليلية تستند إلى خبرته السابقة في سوريا، معتبراً أن قطع الإنترنت في المناطق التي تشهد توترات أو عمليات عسكرية لا يأتي بمعزل عن تقييد نقل المعلومات والتوثيق المباشر. وفي هذا الإطار، قال غزال:
“قطع الاتصالات ليس سلوكاً جديداً في سوريا. منذ عام 2011 رافق هذا النمط عمليات عسكرية عديدة، أبرزها خلال اقتحام قوات الأسد لدرعا والغوطة الشرقية وحمص، وكذلك في العمليات العسكرية التركية في الشمال ضمن “غصن الزيتون” و”نبع السلام”.
ويكمل غزال:
“ تعتبر الإنترنت، ولا سيما خدمة البث المباشر، أداة مركزية لتوثيق الانتهاكات ونقل صوت الضحايا. وعندما تُقطع الشبكات، تبقى المعلومة حكراً على الإعلام الرسمي أو الرديف، الذي يعمل في سوريا كإعلام سلطة غير معني بصوت المدنيين. وتبين المواد التي ظهرت بعد عودة الخدمة أن الانقطاع ساهم فعلياً في منع التوثيق اللحظي للانتهاكات والحد من انتشار المعلومات في الوقت الحقيقي، ما يحدّ من إمكانية خلق ضغط محلي أو دولي.”.
تُظهر هذه الشهادات أن انقطاع الإنترنت والاتصالات في السويداء لم يقتصر على تعطيل خدمة تقنية، بل شكّل قيداً مباشراً على حرية الإعلام والتوثيق، وأسهم في حجب الانتهاكات عن الرأي العام في وقتها، وسمح بانتشار الإشاعات والمعلومات المضللة. ويؤكد ذلك أن قطع الاتصالات خلال النزاعات المسلحة يقوّض حق المواطنين في معرفة الحقيقة، ويعرقل جهود المساءلة اللاحقة.
6.محدودية بدائل الاتصال: الانترنت الفضائي في سياق بنية تحتية هشّة:
تُظهر الشهادات الموثّقة أن انقطاع الإنترنت والاتصالات ترافق مع محدودية شديدة في بدائل الاتصال، وعلى رأسها الإنترنت الفضائي، في سياق بنية تحتية للاتصالات تعاني أصلاً من هشاشة منذ سنوات. وأفادت الشاهدة “ريم” بأن التواصل كان شبه معدوم، موضحةً:
“ما كان يصل من أخبار كان مصدره خدمة ستارلينك، وليس الشبكات المحلية. ولولا انقطاع الإنترنت عن الناس، لظهرت ربما فظائع أكثر مما ظهر لاحقاً”.
وتشير هذه الإفادة إلى أن مصادر محدودة جداً للإنترنت الفضائي شكّلت نافذة شبه وحيدة لتداول المعلومات خلال فترة الانقطاع، لكنها بقيت محصورة في نطاق ضيّق وغير متاح لغالبية السكان. وفي السياق ذاته، قال الشاهد “عمار”:
“لم يكن هناك سوى عدد قليل جداً من الأشخاص في السويداء يمتلكون إنترنت فضائي”.
وتكتسب هذه الشهادات أهميتها عند وضعها في سياق واقع الاتصالات في سوريا، فبحسب ما أكده الخبير التقني علاء غزال:
“تعاني البنية التحتية للاتصالات في سوريا من تدهور واسع تراكم على مدى 14 عاماً نتيجة العمليات العسكرية، وتدمير الأبراج والمقاسم، وسرقة الكابلات. كما لم تُجرِ وزارة الاتصالات في الحكومة المؤقتة أي تحسينات جوهرية على الخدمات، بل اتجهت إلى تقييد الوصول للإنترنت عبر تجريم استخدام الإنترنت الفضائي سواء للأفراد أو للجهات التجارية. هذه القيود تزيد من صعوبة وصول المدنيين إلى المعلومات، وتقيّد قدرتهم على التواصل خلال الأزمات، وهي لحظات يفترض أن تكون الاتصالات فيها أداة حماية، لا أداة حجب”.
وكانت الحكومة الانتقالية قد جرمت استخدام الإنترنت الفضائي دون الحصول على ترخيص خاص، ولا سيما خدمة “ستارلينك”، مبررة هذه الإجراءات باعتبارات تنظيمية وأمنية، وصادرت محطات انترنت فضائي ضمن حملات مصادرة وتفتيش خاصة، وأكّدت أن استخدام أو إدخال أجهزة الإنترنت الفضائي يُعد مخالفة قانونية تستوجب المساءلة.
7.التكييف القانوني لانقطاع الإنترنت والاتصالات خلال الهجوم:
يُقيَّم انقطاع الإنترنت والاتصالات في محافظة السويداء خلال هجوم تموز/يوليو 2025 في ضوء القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، باعتباره إجراءً أثّر بشكل مباشر على حقوق أساسية، ولا سيما في سياق نزاع مسلح وتصعيد عسكري واسع.
7.1. القانون الدولي لحقوق الإنسان:
يكفل القانون الدولي لحقوق الإنسان الحق في حرية التعبير، بما يشمل تلقي المعلومات ونقلها دون قيود غير مبررة. ويُعدّ الإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة اليوم من الوسائل الرئيسية لممارسة هذا الحق. وعليه، فإن أي تقييد شامل أو واسع النطاق للاتصالات يجب أن يستوفي شروطاً صارمة، هي: الشرعية، والضرورة، والتناسب حيث يكفل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية هذا الحق بما يشمل الحق في التماس المعلومات وتلقيها ونقلها، وذلك بموجب المادة 19(2). كما لا تجيز المادة 19(3) فرض قيود على هذا الحق إلا إذا كانت منصوصاً عليها في القانون، وضرورية، ومتناسبة لتحقيق غاية مشروعة محددة. وكون سوريا طرف في العهد الدولي المذكور فهي ملزمة به، خاصة مع تأكيد المادة 12 من الإعلان الدستوري بان جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها سوريا جزءا لا يتجزأ من هذا الإعلان الدستوري. هذا بالإضافة الى نص المادة 13 من الإعلان المذكور والتي تؤكد بأن “تكفل الدولة حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة”.
في حالة السويداء، يشير النطاق الواسع للانقطاع، وتزامنه مع العمليات العسكرية، وامتداده ليشمل منظومات اتصال مستقلة، إلى تقييد عام وجماعي للحق في الوصول إلى المعلومات، دون الإعلان عن إطار قانوني واضح أو تدابير محددة تُظهر توافر شرطَي الضرورة والتناسب. ويشير هذا النمط إلى تقييد جماعي وغير مميّز للحق في الوصول إلى المعلومات، ما يضعه في تعارض مع متطلبات المادة 19 من العهد.
ويتعزّز هذا التقييم في ضوء التعليق العام رقم 34 على المادة 19 (2011) الصادر عن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، والذي أكّد في فقرته (43) أن العهد يحمي جميع أشكال التعبير ووسائل نشرها، بما في ذلك أنظمة الاتصالات الإلكترونية والإنترنت، وأنه لا يجوز للدول أن تمنع أو تعرقل الوصول إلى الإنترنت كلياً أو جزئياً. وبناءً عليه، فإن تعطيل الإنترنت على نطاق واسع خلال التصعيد العسكري في السويداء يُعدّ إجراءً يتعارض مع التفسير الرسمي الملزم للمادة 19.
ولا يقتصر الأثر القانوني للانقطاع على حرية التعبير فحسب، بل يمتد إلى الحق في الحياة المنصوص عليه في المادة 6 من العهد. فقد أكّد التعليق العام رقم 36 على المادة 6 (2018) أن التزامات الدول لا تقتصر على الامتناع عن الحرمان التعسفي من الحياة، بل تشمل التزامات إيجابية باتخاذ تدابير لمعالجة الظروف العامة التي قد تهدد الحياة. وفي ضوء الوقائع الموثقة، حال انقطاع الاتصالات دون تلقي التحذيرات، أو معرفة مناطق الخطر، أو طلب الإسعاف، أو اتخاذ قرارات نزوح آمنة، ما أسهم في تعريض المدنيين/ات لمخاطر جسيمة. وعليه، فإن الانقطاع في هذا السياق يمسّ شروط حماية الحق في الحياة ويقوّض الالتزامات الإيجابية المترتبة على الدولة.
7.2. القانون الدولي الإنساني:
في سياق النزاعات المسلحة، يفرض القانون الدولي الإنساني على أطراف النزاع واجباً إيجابياً يتمثل في حماية السكان المدنيين واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتقليل الأضرار اللاحقة بهم. وتنص المادة 57 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف على مبدأ جوهري هو ضرورة توخي الحذر المستمر لتجنيب المدنيين أخطار العمليات العسكرية، وهو التزام لا يقتصر على لحظة تنفيذ الهجوم، بل يمتد إلى مرحلة التخطيط واختيار الوسائل والأساليب.
وتكتسب الفقرة 2(ج) من المادة 57 أهمية خاصة في هذا السياق، إذ توجب توجيه إنذار مسبق بوسائل مجدية في حال كانت الهجمات قد تمس السكان المدنيين، ما لم تحُل الظروف دون ذلك. ويُفهم من هذا الالتزام أن إتاحة وسائل التواصل الفعّالة تُعد عنصراً أساسياً لتمكين المدنيين/ات من تلقي التحذيرات، واتخاذ تدابير وقائية، والفرار من مناطق الخطر. وعليه، فإن قطع الإنترنت والاتصالات أثناء العمليات العسكرية، ولا سيما عندما يتزامن مع القصف أو الاقتحام، يقوّض عملياً القدرة على تنفيذ هذا الالتزام، ويُضعف من فعالية أي إنذار محتمل.
إن قطع الإنترنت والاتصالات خلال العمليات العسكرية، حين يُفرض بصورة عامة وغير مميّزة، يثير مخاوف جدية بشأن مدى توافقه مع مبدأ حماية المدنيين. ويتعزز ذلك في ضوء المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تضمن للأشخاص المحميين الحق في الاحترام والحماية من جميع أعمال العنف أو التهديد. إذ إن العزل الرقمي الذي يمنع التحذير والتواصل وطلب المساعدة يمكن أن يُنظر إليه كتدبير يُفاقم مخاطر العنف بدل الحدّ منها، لا سيما في بيئة تشهد تصعيداً عسكرياً واسعاً.
علاوة على ما تقدّم، فإن قطع الاتصالات وشبكة الإنترنت يُمثل تقويضاً مباشراً للالتزام القانوني بوجوب توخي الحذر المستمر في إدارة العمليات العسكرية لتفادي إلحاق الضرر بالسكان المدنيين. إن هذا الإجراء يحرم أطراف النزاع من القدرة على اتخاذ كافة الاحتياطات الممكنة لتجنب إيقاع خسائر في أرواح المدنيين أو إصابتهم، وهو ما يُشكل تعارضاً صريحاً مع مقتضيات القاعدة رقم 15 من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، إذ يؤدي ‘العزل الرقمي’ إلى خلق بيئة عملياتية تفتقر للشفافية، وتمنع المدنيين من اتخاذ تدابير وقائية للنجاة، مما يرفع من احتمالية وقوع هجمات غير تمييزية أو مفرطة الأثر.
كما أكدت المقررة الخاصة المعنية بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير، إيرين خان، أن الوصول إلى مصادر معلومات متنوعة يمكن التحقق منها حقاً من حقوق الانسان الأساسية، وهو ضرورة أساسية للناس في المجتمعات المتأثرة بالنزاعات، وهي في الواقع “حق من حقوق البقاء”، وهو أيضاً بالغ الأهمية لحل النزاعات، وفضح انتهاكات حقوق الانسان، والسعي إلى التحقيق والمساءلة، ويعتبر الوصول إلى الانترنت أمراً حيوياً، لا سيما في السياقات المتأثرة بالنزاعات حيث قد يكون هو السبيل الوحيد للاتصال بالعالم الخارجي.
7.3. الحق في معرفة الحقيقة والحق في الوصول إلى المعلومات:
إضافة إلى ما سبق، أكّد مجلس حقوق الإنسان في قراره رقم A/HRC/RES/32/13 لعام 2016، بشأن تعزيز وحماية حقوق الإنسان على الإنترنت إدانته القاطعة للتدابير الرامية إلى منع أو تعطيل الوصول إلى المعلومات على الإنترنت. ويكتسب هذا القرار أهمية خاصة في حالة السويداء، حيث أدّى انقطاع الاتصالات إلى إعاقة التوثيق المباشر ونقل المعلومات خلال الأيام الأولى من الهجوم، ما أثّر على الحق في معرفة الحقيقة وبالتالي انتهك الحق في الحياة والأمان الشخصي.
يُعدّ الحق في معرفة الحقيقة من الحقوق المعترف بها دولياً، ولا سيما في سياق الانتهاكات الجسيمة ووقائع العنف المرتبطة بالنزاعات المسلحة. وقد كرّست الأمم المتحدة هذا الحق من خلال قرارات متتالية صادرة عن هيئاتها المختلفة، معتبرةً أن للضحايا وذويهم، وكذلك للمجتمع ككل، حقاً أصيلاً في معرفة ما جرى، وظروفه، وهوية المسؤولين عنه. ولا يقتصر هذا الحق على مراحل ما بعد النزاع أو المساءلة القضائية، بل يمتد ليشمل الحق في الوصول إلى المعلومات في وقت وقوع الانتهاكات، بما يتيح التوثيق المباشر ويمنع طمس الوقائع.
ويرتبط الحق في معرفة الحقيقة ارتباطاً وثيقاً بالحق في الوصول إلى المعلومات، بوصفه الشرط العملي والأساسي لممارسته. فحرمان السكان من وسائل الاتصال والإنترنت خلال فترات التصعيد يمنع إنتاج الحقيقة ذاتها في لحظتها الأولى، ويؤدي إلى فجوات معلوماتية يصعب سدّها لاحقاً. وهو ما أكدته مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان مشددةً على واجب الدول في ضمان حفظ المعلومات المتعلقة بالانتهاكات ونشرها، لا تقييدها أو حجبها.
في هذا الإطار، يمكن النظر إلى انقطاع الإنترنت والاتصالات في محافظة السويداء بوصفه عاملاً أعاق ممارسة الحق في معرفة الحقيقة في لحظة حاسمة. فقد حال الانقطاع دون توثيق الانتهاكات ونشرها في الوقت المناسب، وأخّر وصول المعلومات الموثوقة إلى الداخل والخارج، وأسهم في بقاء جزء من الوقائع غير مرئي أو غير قابل للتحقق في الأيام الأولى من الهجوم. مما يُضعف قدرة الضحايا والمجتمع على المطالبة بالمساءلة، ويقوّض الحق في الإنصاف وجبر الضرر، اللذين يعتمدان بدورهما على معرفة الحقيقة كشرط سابق.
8. التوصيات:
تشير الوقائع الموثقة في هذا التقرير إلى أن قطع الانترنت والاتصالات مسّ بحقوق أساسية لأهالي السويداء محمية بموجب القانون الدولي، ولا سيما الحق في الحياة، وحرية الوصول إلى المعلومات ومعرفة الحقيقة، وأسهم في تعريض المدنيين/ات لمخاطر جسيمة، وأثار مخاوف جدية بشأن الامتثال لواجبات حماية المدنيين/ات واتخاذ الاحتياطات أثناء العمليات العسكرية. وعليه، يخلص هذا التقرير إلى أن هذا الانقطاع يثير مسؤوليات قانونية محتملة تستوجب التحقيق والمساءلة. وعليه، توصي “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” بالإجراءات التالية:
8.1. إلى السلطات الانتقالية:
- الامتناع الفوري عن قطع الانترنت والاتصالات أو تعطيلها على نحو شامل أو متكرر، ولا سيما أثناء العمليات العسكرية أو التوترات الأمنية، وضمان استمرارية الوصول إلى وسائل الاتصال باعتبارها عنصراً أساسياً لحماية المدنيين/ات.
- ضمان وجود إطار قانوني واضح وعلني لأي تقييد استثنائي محتمل على الاتصالات، على أن يكون محدداً زمنياً، وضرورياً، ومتناسباً، ومتاحاً للمراجعة القضائية. وضمان عدم عرقلة التوثيق والإعلام، وحماية الصحفيين/ات والفاعلين/ات المحليين من أي تدابير تحول دون نقل الوقائع أو توثيق الانتهاكات في الوقت المناسب.
- اتخاذ تدابير وقائية فعّالة تضمن تمكين المدنيين/ات من الوصول إلى المعلومات الحيوية أثناء الأزمات، بما في ذلك التحذيرات المبكرة، ومسارات النزوح الآمن، وإمكانية طلب التدخل الطبي العاجل.
- إجراء لجنة التحقيق الوطنية في أحداث السويداء تحقيق مستقل وشفاف في قرارات قطع الانترنت والاتصالات خلال تموز/يوليو 2025، ونشر نتائجه، وتحديد المسؤوليات الإدارية أو الجنائية عند الاقتضاء.
- توضيح الأسباب القانونية والموجبة لمنع حيازة أو استخدام الإنترنت الفضائي، بما في ذلك أجهزة ستارلينك، عبر قرارات معلنة ومفصّلة، وعدم الاكتفاء بصيغ عامة أو مبهمة من قبيل “اعتبارات تنظيمية أو أمنية”، مع بيان نطاق الحظر ومدته وإتاحته للمراجعة والطعن وفق الأصول القانونية.
8.2. إلى الأمم المتحدة والآليات الدولية والجهات المانحة:
- متابعة ورصد انقطاعات الإنترنت والاتصالات في سوريا، ولا سيما في سياقات التصعيد العسكري، واعتبارها مؤشرات محتملة على مخاطر جسيمة بحق المدنيين/ات.
- إدراج العزل الرقمي ضمن تقارير وآليات الرصد الحقوقي بوصفه عاملاً مضاعفاً للضرر الإنساني، ومكوّناً مؤثراً على الحق في الحياة وحرية التعبير والتوثيق.
- مطالبة السلطات السورية بتقديم إيضاحات رسمية حول أسباب أي انقطاع واسع النطاق، ومدى توافقه مع التزاماتها بموجب القانون الدولي.
- دعم مبادرات الاتصال الآمن والبديل في السياقات الإنسانية، بما يراعي سلامة المستخدمين/ات ولا يعرّضهم/ن للملاحقة.
- تعزيز دعم التوثيق المستقل عبر تمكين الفاعلين/ات المحليين من أدوات الحفظ الآمن للأدلة الرقمية وجمع الشهادات في البيئات عالية المخاطر.
