تم إنجاز هذا العمل بدعم من الاتحاد الأوروبي وبالشراكة مع “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights” . إن محتويات هذا المنشور هي مسؤولية “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” فقط/الجهة الناشرة، ولا تعكس بالضرورة آراء “الاتحاد الأوروبي” وآراء “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights”.
1. ملخص تنفيذي:
يوثّق هذا التقرير الموسع استمرار حالات الاختفاء القسري في سوريا، إلى جانب وقائع احتجاز ظلّ فيها مكان المحتجز مخفياً لفترات متفاوتة، وذلك في الفترة ما بين كانون الثاني/يناير 2025 وآب/أغسطس 2026.
يختلف النمط الذي تكشفه الحالات الموثقة في هذا التقرير، عن البنية المركزية والاتساع اللذين ميّزا الاختفاء في عهد الأسد الأبّ والابن. بيدَ أن تغيّر السلطة لم ينهِ الانتهاك تماماً؛ فقد استمر في سياقات متعددة، فيما ظلت آثاره ممتدة في حياة الضحايا وعائلاتهم.
تمثل الوقائع الموثّقة في هذا التقرير المنشور بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري (30 آب/أغسطس 2026)، إنذاراً مبكراً يستدعي معالجة الثغرات التي تسمح بوقوع الجريمة، قبل أن تتحول الحالات إلى ممارسة واسعة النطاق بحقّ المزيد من الضحايا.
تختلف الوقائع الموثقة في هذا تقرير، حيث نعرض فيه أمثلة عن حالات، أفاد أقارب أو شهود فيها بأن عناصر من الأمن العام، التابعين لوزارة الداخلية، أو من وزارة الدفاع، (وذلك بحسب الزي الرسمي الموحد الذي كانوا يرتدونه أو من خلال تعريفهم عن أنفسهم بهذه الصفة)، حَرموا الضحايا من حريتهم، ثم أنكرت الجهات الرسمية احتجازهم أو امتنعت عن الكشف عن مصيرهم أو أماكن وجودهم. وحالات أخرى، انتهت حالة الإخفاء بعد الكشف عن مكان المحتجز أو السماح لأسرته بزيارته. وهو تطور يوقف استمرار الاختفاء، لكنه لا يمحو الفترة السابقة متى توافرت خلالها عناصر الانتهاك، ولا ما قد يكون رافقها من اعتقال تعسفي أو سوء معاملة.
إلى ذلك، تلقت “سوريون” بلاغات بشأن أطفال قيل بأنّهم اختفوا وانقطعت أخبارهم، وتابعتها من خلال التحقيقات والمقابلات مع ذويهم، ومراجعة المعلومات التي تمّ جمعها. وأظهرت المتابعة أن بعض البلاغات ارتبط بحالات تمّ فيها تجنيد الأطفال أو إلحاقهم بتشكيلات مسلحة تابعة لسلطات أمر واقع، قبل أن تنقطع أخبارهم خلال نقلهم بين مناطق السيطرة أو عقب عمليات قتالية، بينما ارتبطت حالات أخرى باحتمال احتجازهم ومن ثم إخفائهم بشكل قسري. وتلقت الأسر روايات متعارضة عن مقتل الأطفال أو إصابتهم أو بقائهم أحياء في الاحتجاز، من دون أن تحصل على تأكيد موثوق لمصيرهم.
لا تُصنّف هذه الوقائع تلقائياً بوصفها اختفاءً قسرياً من دون إثبات عناصره القانونية، لكنها تثير انتهاكات مستقلة تتعلق بتجنيد الأطفال واستخدامهم، والحرمان من الحرية، وعدم البحث عنهم أو الكشف عن مصيرهم.
في مختلف هذه الحالات، تحملت الأسر عبء البحث وما صاحبه من خوف واستنزاف نفسي ومادي، فيما تعرض بعضها للابتزاز، من دون أن تحصل على معلومات رسمية موثوقة.
يكشف التقرير أيضاً، إلى أنّ استمرار هذا الانتهاك لا يعود فقط إلى غياب تجريم مستقل للاختفاء القسري، بل إلى غياب سجل موحد للمحتجزين، وضعف الرقابة القضائية والاستجابة العاجلة للبلاغات، وتعدد جهات الاحتجاز من دون سلسلة مسؤولية واضحة. ولم تتحول الخطوات المؤسسية المتخذة، وفي مقدمتها إنشاء “الهيئة الوطنية للمفقودين”، بعدُ إلى ضمانات عملية تمنع إنتاج حالات جديدة وتكفل البحث عن جميع الضحايا دون تمييز.
يدعو التقرير السلطات السورية الانتقالية إلى إنهاء الاحتجاز السري وغير المسجل، وإنشاء سجل وطني موحد لجميع المحرومين من حريتهم، وإخطار عائلاتهم فوراً بأماكن احتجازهم وأسبابها، وضمان وصولهم إلى محامٍ وطبيب ومثولهم دون إبطاء أمام القضاء. كما يوصي بفتح تحقيقات مستقلة في الحالات الموثقة، واعتماد قانون يجرّم الاختفاء القسري وفق المعايير الدولية، وإلغاء النصوص التي تسمح بالاحتجاز المطول من دون رقابة قضائية.
وأخيراً، يدعو التقرير إلى ضمان شمول عمل الهيئة الوطنية للمفقودين الحالات التي وقعت بعد انتقال السلطة، ويؤكد على أهمية التصديق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، والتعاون الكامل مع المؤسسات الدولية والأممية، ومنها المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية (IIMP) والسماح لها بالعمل في جميع الأراضي السورية.
