الرئيسية تقاريرإعادة تعريف الرموز العامة في سوريا: بين العدالة الانتقالية وغياب المشاركة المجتمعية

إعادة تعريف الرموز العامة في سوريا: بين العدالة الانتقالية وغياب المشاركة المجتمعية

على الحكومة السورية الانتقالية إرساء آليات مشاركة مجتمعية إلزامية تسبق أي قرار يمسّ الفضاء الرمزي العام ومراجعة القرارات التي تجاوزت نطاقها المُعلن

بواسطة Author F
37 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

تم إنجاز هذا العمل بدعم من الاتحاد الأوروبي وبالشراكة مع “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights” . إن محتويات هذا المنشور هي مسؤولية “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” فقط/الجهة الناشرة،  ولا تعكس بالضرورة آراء “الاتحاد الأوروبي” وآراء “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights”.

منذ توليها السلطة، اتخذت الحكومة السورية الانتقالية سلسلة من القرارات التي طالت الحيز الرمزي والثقافي العام في سوريا، شملت إلغاء أعياد وطنية وإضافة أخرى، وإعادة تسمية مئات المدارس، وإجراء تعديلات على المناهج الدراسية. وعلى الرغم من اختلاف طبيعة هذه القرارات وآليات إصدارها، فإنها تتقاطع جميعاً في تأثيرها على الذاكرة الجمعية وصياغة الهوية الوطنية وإعادة تعريف الرموز العامة.

ينطلق هذا التقرير من أن القرارات المتعلقة بالأعياد الوطنية، وأسماء المؤسسات التعليمية، والمناهج الدراسية، لا تُعد قرارات إدارية أو تعليمية بحتة، بل تمثل جزءاً من سياسات الذاكرة التي تؤدي دوراً محورياً في المراحل الانتقالية بوصفها أدوات للجبر الرمزي وضمانات عدم التكرار وبناء عقد اجتماعي جديد قائم على الاعتراف بالتنوع وتعزيز الانتماء المشترك.

وترى “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” أن الإشكالية الرئيسية لا تكمن بالضرورة في مضمون القرارات المتخذة، بل في الطريقة التي أُقرت بها، إذ صدرت دون مشاركة مجتمعية فعالة أو معايير معلنة وشفافة، رغم مساسها المباشر برموز تحمل دلالات تاريخية وثقافية لمجتمعات محلية متنوعة. ويجادل التقرير بأن أي إعادة تشكيل لهذه الرموز في سياق انتقالي ينبغي أن تستند إلى مبادئ المشاركة والتمثيل والاعتراف بالتعددية، بما يعزز الثقة المجتمعية ويحول دون إعادة إنتاج أنماط الإقصاء التي سادت في الماضي.

استناداً إلى هذا الإطار، توصي “سوريون” بإرساء آليات مؤسسية للتشاور المجتمعي تسبق أي قرار يمس الذاكرة العامة أو الرموز المشتركة، وبمراجعة الحالات التي تجاوز فيها التطبيق العملي الأهداف المعلنة للقرارات الرسمية.

يستند هذا التقرير في منهجيته إلى رصد وتحليل مراسيم رئاسية ووثائق إدارية رسمية، نُشرت عبر الإنترنت، إضافة إلى خمس مقابلات مع مواطنين/ات من محافظات ومدن وأحياء شهدت تغييراً لأسماء مدارسها، بهدف استطلاع رأي المجتمع المحلي. وقد حصل الباحثون/ات على موافقة مستنيرة من جميع المشاركين/ات بعد توضيح طبيعة المشاركة الطوعية وأغراض استخدام المعلومات، بما في ذلك نشر هذا التقرير. وبناءً على طلبهم/ن، استُخدمت أسماء مستعارة للإشارة إليهم/ن، وأُخفيت أي تفاصيل قد تكشف عن هوياتهم/ن، نظراً للمخاطر الأمنية المحتملة.

يرصد التقرير هذه القرارات ويقيسها بمبادئ العدالة الانتقالية بوصفها إطاراً معيارياً مرجعياً، لا بوصفها سنداً لإثبات انتهاك قانوني بعينه.

1. مدخل وخلفية:

طوال عقود حكم الأسد الأب والابن وُظِّفت الرموز الوطنية في سوريا وجرى تسييسها على حساب معناها الجمعي، فتحولت إلى ملكية سياسية حصرية تُمثل السلطة الحاكمة بدلاً من الوطن والمجتمعات المحلية، واستُثمرتْ كأدوات هندسة عقائدية عملت على فرض سردية أحادية وتجريم أية سردية مخالفة. فحملت المدارس والشوارع والساحات أسماء أفراد من عائلة الأسد أو شخصيات مرتبطة بالنظام، فيما اقترنت مناسبات وطنية وأحداث تاريخية بخطاب تمجيدي للسلطة الحاكمة.

ومع سقوط النظام، برزت فرصة تاريخية لاستثمار هذه الرموز في عملية بناء هوية وطنية سورية تعترف بالتنوع، وتوظيفها في ترميم الثقة المجتمعية وبناء عقد اجتماعي جديد يعكس قيم المواطنة والمساواة. إلا أن السياسات التي تنتهجها الحكومة السورية الانتقالية تكشف عن مسار مغاير، يتجه نحو تفكيك الرموز الوطنية السابقة وإحلال رموز جديدة بطريقة تُؤدي -بغض النظر عن الدوافع والذرائع- في كثير من الأوقات إلى إقصاء التعددية المجتمعية السورية، وتستنسخ الآليات الأحادية ذاتها التي كان يفرضها نظام الأسد.

2. قرارات تمسّ الذاكرة الجمعية وتفتقر إلى المشاركة:

منذ وصول “هيئة تحرير الشام” بقيادة أحمد الشرع إلى سدة الحكم في سوريا، وتشكيلها حكومة تصريف الأعمال في كانون الثاني/ديسمبر 2024، ثمّ الحكومة الانتقالية في آذار/مارس 2025، رصدت “سوريون” سلسلةً من القرارات التي طالت ثلاثة مستويات متمايزة من المجال العام الذي تتجسد فيه الذاكرة والهوية:

  1. التقويم الوطني: من خلال إلغاء ذكرى حرب تشرين/أكتوبر 1973، وعيد الشهداء في السادس من أيار/مايو.
  2. الفضاء المؤسسي التعليمي: من خلال إعادة تسمية مئات المدارس.
  3. المحتوى المعرفي: من خلال تعديلات على المناهج الدراسية.

على تباين طبيعتها القانونية وآليات إصدارها، تشترك القرارات في كونها تمسّ رموزاً ذات بُعد جمعي تاريخي تنتمي إلى مجتمعات محلية بعينها قبل أن تنتمي إلى الدولة، كما أنها جميعاً صدرت دون معايير شفافة مُعلنة تحكم الاختيار، والأهم: دون إشراك المجتمعات المحلية المعنية أو تمكينها من المساهمة في صياغة التغيير.

وإذ تُعد مراجعة الإرث الرمزي للدول الخارجة من النزاعات ممارسة شائعة في سياقات العدالة الانتقالية، إلا أن شرعية هذه العملية ترتبط بمدى شمولها وشفافيتها وقدرتها على استيعاب تعدد الروايات والهويات المجتمعية، بما يَحُول دون استبدال سردية رسمية مهيمنة بأخرى جديدة.

يرصد التقرير في الأجزاء التالية كيف تُنتج هذه الحالات الثلاث، في تزامنها وتوجهها المشترك، مشهداً واحداً متسقاً على مستوى الأثر: فالمرسوم الرئاسي رقم 188 لعام 2025 أسقط عيد الشهداء من التقويم الوطني، فيما أزالت تعديلات المناهج الإشارة إلى إعدامات 6 أيار/مايو 1916 التي نفذها الاحتلال/الحكم العثماني بحق عدد من رموز الحركة الوطنية السورية واللبنانية، وهي الواقعة التاريخية التي استند إليها إحياء “عيد الشهداء” بوصفه مناسبة وطنية لتخليد ذكرى هؤلاء وإرثهم النضالي. وبالتوازي، يُعاد رسم الفضاء المؤسسي للمدارس عبر استبدال أسمائها بأسماء لا تعكس تنوع المجتمعات المحلية. يتقاطع هذا كله في عملية تشكيل الذاكرة الجمعية من زوايا ثلاث: تحديد وفرض ما يُحتفى به، وأين يُحتفى به، وكيف تُروى حكايته.

لا تقتصر أهمية الرموز العامة والمناهج التعليمية والمناسبات الوطنية على التعبير عن هوية المجتمع أو ذاكرته الجمعية، بل تؤدي أيضاً دوراً في ترسيخ القيم التي تسعى الدولة إلى نقلها للأجيال القادمة.

وفي سياقات العدالة الانتقالية، تُعد عمليات التذكّر وصون الذاكرة إحدى أدوات منع تكرار الانتهاكات، إذ تسهم في بناء فهم مشترك للماضي وتعزيز الديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان والمواطنة واحترام التعددية. ومن هذا المنطلق، فإن القرارات المتعلقة بالذاكرة العامة لا تقتصر آثارها على الماضي، بل تمتد إلى تشكيل تصورات المجتمع عن مستقبله والقيم التي يقوم عليها، الأمر الذي يضفي أهمية خاصة على ضمان شمول هذه القرارات لمختلف المكونات المجتمعية وعدم إفضائها إلى تهميش بعض رواياتها أو تجاربها التاريخية. وفي هذا السياق، أكد المقرر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار أن عمليات التذكّر تسهم في حفظ المعرفة بالانتهاكات الجسيمة ونقلها إلى الأجيال اللاحقة بما يدعم جهود منع تكرارها.

2.1. التقويم الوطني: إلغاء عيدي الشهداء وحرب تشرين/أكتوبر 1973:

في أكتوبر/تشرين الأول 2025 أصدر رئيس الإدارة السورية الانتقالية أحمد الشرع المرسوم رقم 188 لعام 2025، مُلغياً بموجبه العمل بالمرسوم رقم 474 لعام 2004 الذي كان ينظّم الأعياد والعطل الرسمية. تضمّن المرسوم الجديد إسقاط عطلة “عيد ثورة الثامن من آذار” وهو ذكرى استلام حزب البعث للسلطة في سوريا عام 1963، إضافة إلى عيدي الشهداء في 6 أيار/مايو، وذكرى حرب عام 1973 في 6 أكتوبر/تشرين الأول. وفي المقابل، أُضيف عيدان جديدان هما: عيد الثورة السورية في الثامن عشر من آذار/مارس إحياءً لذكرى اندلاع الاحتجاجات ضد نظام الأسد عام 2011، وعيد التحرير في 8 كانون الأول/ديسمبر باعتباره تاريخ ذكرى سقوط نظام الأسد.

تعود جذور عيد الشهداء إلى 6 أيار/مايو 1916، حين نفّذ الوالي العثماني جمال باشا (المعروف باسم جمال باشا السفّاح) أحكام إعدام بحق عدد من المناضلين من نخب الفكر والسياسة السوريين واللبنانيين في ساحتَي المرجة بدمشق والبرج ببيروت. وكان المُعدَمون مسلمين ومسيحيين على حدٍّ سواء، جمعتهم المطالبة باستقلال بلادهم ومقاومة سياسات التتريك القسرية، وصدرت بحقهم أحكام من محاكم عرفية صورية افتقرت لأدنى شروط المحاكمة العادلة.[1] ولهذا التاريخ مكانته في الوعي الوطني السوري المشترك، وهو في الوقت نفسه ذاكرة جامعة تتجاوز الانتماءات الطائفية والعرقية.

يطرح قرار إلغاء عيد الشهداء تساؤلات جدية لم تُجِب عنها الحكومة الانتقالية. فالمرسوم لم يتضمن مسوّغاً معلناً لإلغاء هذا العيد تحديداً، كما أنه صدر دون تشاور مع مؤسسات المجتمع المدني، والهيئات الثقافية والدينية، والفعاليات المجتمعية المحلية، أو المجتمعات المعنية بهذه الرموز والذاكرة المرتبطة بها. ويرى البعض أن القرار يهدف إلى طمس الخلافات التاريخية مع تركيا. لكن، بصرف النظر عن الدافع، تبقى الإشكالية في إجراء هذه التغييرات دون مشاركة ودون تبرير رسمي شفاف.

يختلف قرار إلغاء ذكرى حرب تشرين/أكتوبر 1973 عن سابقه في طبيعته، إذ تتقاطع حوله وجهتا نظر لكلٍّ منهما وجاهتها. فمن جهة، قام نظام الأسد بتوظّيف إرث هذه الحرب لعقود في تشريع استمراريته، حتى غدا اسمها الرسمي “حرب تشرين التحريرية” لازمة بعثية بامتياز، ما يجعل قرار الإلغاء مسوّغاً مقبولاً لدى شريحة واسعة من السوريين. ومن جهة أخرى، شارك في هذه الحرب مئات الآلاف من السوريين الذين يحملون ذكراها بمعزل عن توظيفات النظام لها، وهي بهذا المعنى حدث ذو أبعاد جمعية مستقلة. لا تكمن المشكلة في أيّ الرأيين أرجح، بل في أن المرسوم 188 أسقط ذكرى حرب تشرين بالصيغة الإجرائية ذاتها التي أسقط بها عيد الشهداء: دون تعليل، ودون معايير معلنة، ودون تشاور ومشاركة. وحين تُتخذ قرارات تمس التقويم الوطني على هذا النحو، يصبح من المتعذر التمييز بين ما يستند إلى منطق انتقالي مبدئي وما يستند إلى اعتبارات غير معلنة.

2.2. إعادة تسمية المدارس: الآلية المُعلنة والفجوات الموثقة:

في 25 أيلول/سبتمبر 2025، أعلنت وزارة التربية والتعليم آليةً موحدة لتغيير أسماء بعض المدارس في جميع المحافظات، “انسجاماً مع توجهات الدولة في تجاوز آثار المرحلة السابقة، وحذف الأسماء المتعلقة برموز النظام البائد” كما ورد في الإعلان. حددت الوزارة أربعة معايير لاختيار الاسم الجديد: “اسم المنطقة، والعمق الديني والثقافي والتاريخي للمجتمع السوري، والرموز الوطنية والشخصيات العلمية والثقافية المؤثرة في التاريخ، والأسماء الملهمة للطلاب والتي تعزز من انتمائهم الوطني والإنساني”. وقد حصرت الآلية المعلنة عملية اتخاذ القرار بين مديرية التربية والمحافظ، دون أي خطوة لإشراك المجتمع.

شمل نطاق عمليات إعادة التسمية معظم المحافظات السورية. في درعا، أعلن مدير التربية محمد الكفري إتمام تغيير أسماء 172 مدرسة بعد مصادقة وزارة التربية على قائمة الأسماء الجديدة. وفي 21 أيلول/سبتمبر 2025، أصدرت مديرية التربية في حلب أمراً إدارياً يقضي بتغيير أسماء 128 مدرسة. وفي حماة، أطلقت المحافظة بالتعاون مع مديريتَي التربية والأوقاف خطة لتغيير أسماء نحو 500 مدرسة.

تكشف المقارنة بين المعايير المُعلنة والتطبيق الفعلي عن فجوتين: الأولى هي تغييب المشاركة المجتمعية، فالآلية الرسمية ذاتها تخلو من أي خطوة لإشراك الأهالي أو الكوادر التعليمية أو الهيئات الثقافية المحلية، وتتسع الفجوة إذ نلحظ مشاركة مديرية الأوقاف في وضع خطة تغيير أسماء المدارس في حماة. والثانية هي تجاوُز النطاق المُعلن. فإذا كان الهدف المُعلن يقتصر على “حذف أسماء رموز النظام البائد”، فإن التطبيق أثبت خلاف ذلك. حيث طالت التغييرات أسماء شخصيات تاريخية وثقافية ونضالية لا صلة حقيقية بينها وبين نظام الأسد، مثل جميلة بوحيرد، المناضلة الجزائرية المناهضة للاستعمار الفرنسي؛ وعائشة الدباغ الأديبة والنائبة البرلمانية؛ وخالد الأسعد، عالم الآثار السوري؛ وعبد السلام العجيلي، الأديب والطبيب السوري.

وتُظهر الشهادات التي جمعتها “سوريون” أن الاعتراض لم يكن منصبّاً على الاسم الجديد بحد ذاته، بقدر ما ارتبط بالشعور باستبعاد المجتمع المحلي من قرار يمس جزءاً من ذاكرته ورموزه المشتركة. وفي هذا السياق، قال محامٍ من مدينة حمص:

“شهدت ثانوية حمدان محفوض في حي عكرمة بمدينة حمص تغييراً مفاجئاً لاسمها، وهو ما ترك أثراً كبيراً في نفوسنا. ينحدر الشهيد حمدان محفوض من محافظة حمص، وقد استشهد في حرب تشرين في سبعينات القرن الماضي… بالنسبة لنا، لم يكن اسم المدرسة مجرد لوحة على مدخل المبنى، بل كان جزءاً من ذاكرتنا وهويتنا، ورمزاً لمرحلة كاملة من حياتنا. لذلك كان من الصعب تقبّل فكرة تغيير الاسم، خاصة أن الشهيد حمدان محفوض لا يُعدّ من رجال النظام السابق، بل هو شهيد قدّم حياته دفاعاً عن أرض سوريا”.

وفي مدينة السقيلبية (ذات الغالبية المسيحية) بريف حماة، استُبدِلتْ أسماء مدارس كانت تحمل هوية المجتمع المحلي، مثل “سليم حداد” و”سهيل المقدسي” (وهما شخصيتان محليتان ارتبط اسمهما بتاريخ مدينة السقيلبية ومؤسساتها التعليمية)، بأسماء جديدة مثلنور البيانوبوابة العلم. قد يبدو هذا التغيير محايداً بالمعيار اللغوي، لكن محايدة الاسم الجديد لا تعني محايدة القرار: فإزالة أسماء تعكس هوية المجتمع المحلي واستبدالها بأسماء لا تعكسه يُشكّل محواً للحضور الثقافي من الفضاء المؤسسي للمدينة، وهو ما يُبرز عمق الإشكال المتعلق بغياب التشاور والمشاركة مع المجتمع المحلي قبل اتخاذ القرار.

معظم المصادر الذين قابلتهم “سوريون” عبروا عن شعورهم بالاغتراب تجاه الأسماء الجديدة. واللافت هو اقتران موقفهم بالطريقة الفجائية التي أجريت هذه التغييرات من خلالها. يقول شاهد من مواليد 1980، وهو أب لستة أطفال:

“عندما عدنا لنحضر أطفالنا من المدرسة كان أول ما واجهناه هو انقطاع الحنين. الاسم الذي شكّل جزءاً من ذاكرتنا الجماعية اختفى فجأة، وحلّ مكانه اسم جديد لا نعرف عنه شيئاً”.

2.3. تعديل المناهج المدرسية: رواية فوقية للتاريخ:

في تقريرها “سوريا: تعديل المناهج الدراسية.. قرار أيديولوجي أحادي يفتقر إلى الشرعية“، رصدت “سوريون” جملةً من التعديلات التي أجريت على المناهج السورية خلال المرحلة الانتقالية. فعلى مستوى المفاهيم لا الوقائع التاريخية فحسب، جرى تغيير تعريف مفهوم “الشهادة” من “الشهادة في سبيل الوطن” إلى “الشهادة في سبيل الله” في مادة التربية الإسلامية المعدَّلة. وهو تعديل يُوسّع أثر التغييرات التي لم تعد قاصرة على محو ذكرى عيد الشهداء (إعدامات أيار 1916)، إنما تصبح إعادة صياغة للمفهوم (مفهوم الشهادة) الذي جعل هذه الذكرى جامعةً تتجاوز الانتماءات الدينية.

ولعل من أبرز التعديلات دلالةً وارتباطاً في هذا السياق هو ما طرأ على كتاب التاريخ في الصف الثالث الثانوي الأدبي، إذ حُذفت منه جملة “إعدام قادة الحركة الوطنية في السادس من أيار 1916”. وبالتوازي، حُذفت من كتابَي الثالث الثانوي الأدبي والعلمي عباراتٌ من قبيل “جور العثمانيين” و”في ظل سلطة عثمانية غاشمة”، فيما استُبدل مصطلح “الاحتلال العثماني” بـ”الحكم العثماني”.

تكشف هذه التعديلات مجتمعةً عن قرارات تُتَّخذ بطريقة فوقية هرمية، وتحتكم إلى البوصلة ذاتها: إعادة تعريف الحقبة العثمانية ومحو ذكر إعدامات أيار من المحتوى التعليمي؛ الأمر الذي يتضافر مع المرسوم 188 الذي أسقط ذكرى هؤلاء الشهداء أنفسهم من التقويم الوطني.

3. في ضوء معايير العدالة الانتقالية:

تُدرج الأدبيات الدولية تغيير أسماء الأماكن العامة وإقامة النصب وإعلان المناسبات وصياغة المناهج ضمن تدابير ما يُعرف بـ “الجبر الرمزي للضرر” وضمانات عدم التكرار، وهو ركن من أركان العدالة الانتقالية لما تؤديه من دور في الاعتراف بالضحايا وبناء سردية وطنية جامعة. وتُعد المشاركة المجتمعية الواسعة في تصميم سياسات الذاكرة العامة، شرطاً أساسياً لترميم الثقة بين الدولة والمجتمع وتعزيز الشعور بالانتماء المشترك.

وتنص المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في الانتصاف والجبر، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2005، على أن التدابير الرمزية جزء من “الترضية” المستحقة، وعلى ضرورة أن تكون في خدمة الضحايا والمجتمع.

تشكل سياسات التذكّر والتخليد أحد الأبعاد الرمزية للعدالة الانتقالية، إذ لا تقتصر وظيفتها على إحياء أحداث الماضي أو تكريم الضحايا، بل تسهم أيضاً في تحديد الوقائع والشخصيات والقيم التي تُمنح مكانة في الذاكرة العامة. فالأعياد الوطنية، وأسماء المدارس، والمناهج التعليمية، شأنها شأن النصب والمتاحف، تعكس تصورات الدولة والمجتمع حول ما يستحق أن يُتذكَّر ومن يُعترف به ضمن السردية الوطنية المشتركة. ومن ثم، فإن القرارات المتعلقة بهذه الرموز تتجاوز بعدها الإداري أو التعليمي لتصبح جزءاً من عملية أوسع لإعادة تعريف الهوية الجماعية وصياغة العلاقة بين الماضي والمستقبل في المجتمعات الخارجة من النزاعات أو الحكم السلطوي.

من المهم التنويه بأن هذه المبادئ ذات طابع توجيهي لا تعاهدي مُلزم بذاته، ولذلك يستحضرها هذا التقرير بوصفها إطاراً معيارياً لا سنداً لإثبات مخالفة قانونية.

وبحسب هذا الإطار، فإن القيمة العلاجية للتدبير الرمزي مرتبطة بطريقة إنتاجه: فالرمز المفروض من أعلى دون مشاركة أصحاب المصلحة يفقد وظيفته في ترميم الثقة، وقد يتحول إلى مصدر انقسام جديد. مما يعني أن القرارات التي تطال الذاكرة المجتمعية لمجتمعات بعينها ينبغي أن تخضع لتشاور فعال يضمن عدم تحوُّلها -عند التطبيق- إلى إقصاء لتلك المجتمعات.

4. التوصيات:

بناءً على ما تقدّم، توصي “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” بما يلي:

إلى الحكومة السورية الانتقالية:
  • إرساء آلية ثابتة تشترط مرور أي قرار يمس المجال الرمزي والثقافي العام على هيئة مختصة بملف العدالة الانتقالية، تضم ممثلين عن مكونات المجتمع المتنوعة وتُلزَم بإصدار رأي مُعلَّل قبل صدور القرار. ولا يُغني عن ذلك إصدار المرسوم ثم تقديم المسوّغات في مرحلة لاحقة.
  • إدراج خطوة إلزامية للتشاور المجتمعي ضمن آلية إعادة تسمية المدارس، تشمل أولياء الأمور والكوادر التعليمية والهيئات الثقافية المحلية قبل اعتماد أي اسم جديد، مع إيلاء اهتمام خاص للمجتمعات ذات التركيبة الثقافية المتنوعة.
  • مراجعة الحالات التي تجاوز فيها التطبيق الميداني الهدف المُعلن بـ “حذف رموز النظام البائد”، وإبلاغ المجتمعات المعنية بنتائج تلك المراجعة. وفتح قناة رسمية معلنة تُتيح لهذه المجتمعات تقديم طلبات مراجعة مدعومة بالحجج.
  • الامتناع عن اعتماد أي تسمية تمس البعد الرمزي الجماعي لمجتمع محلي دون إجراء تشاور فعلي معه، وضمان أن تعكس التسميات تركيبة المجتمع الثقافية والتاريخية.
إلى منظمات المجتمع المدني والإعلام المستقل:
  • مواصلة رصد وتوثيق التغييرات الجارية في الحيز الرمزي والثقافي العام، وأرشفتها بصورة منهجية، وكشف التجاوزات التي قد تؤدي إلى تهميش بعض الروايات أو الهويات المحلية من خلال تقارير ودراسات مستقلة، بما يحفظ الذاكرة المحلية ويعزز المساءلة العامة ويسهم في تشكيل رأي عام مُستنير.

[1]Eugene Rogan, The Fall of the Ottomans: The Great War in the Middle East, 1914–1920, Basic Books, 2015.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد