1. المقدمة:
شهدت مناطق شمال وشرق سوريا خلال كانون الثاني/يناير 2026 تصعيداً عسكرياً واسع النطاق، ولا سيما خلال النصف الأول من كانون الثاني/يناير 2026، حيث اندلعت مواجهات مكثفة في عدة محاور شملت حلب والرقة ودير الزور والحسكة، في سياق تصعيد واسع للأعمال القتالية في المنطقة بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والقوات التابعة للحكومة السورية الانتقالية وقوات العشائر العربية الموالية لها. وتشير الشهادات والمعلومات المتقاطعة التي وثقتها “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” إلى أن هذه العمليات ترافقت مع هجمات مباغتة وتقدم سريع، ما أدى إلى تغيّر متكرر في خطوط السيطرة خلال فترات زمنية قصيرة، وخلق حالة من الفوضى الميدانية. وقد رافق هذا التصعيد تدهور ملحوظ في أوضاع الحماية، لا سيما في المناطق التي شهدت انسحابات غير منظمة أو انقطاعاً في وسائل الاتصال بين الوحدات العسكرية.
وفي سياق هذه المواجهات، برزت سلسلة من الانتهاكات ضد عاملين/ات مع الإدارة الذاتية ومقاتلين ومقاتلات من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) خارج نطاق الاشتباك والعمليات القتالية، حيث انقطعت أخبارهم أو تعرّضوا للقتل أو الاختفاء، في ظل غياب معلومات رسمية واضحة حول مصيرهم، علماً أن العديد منهم كانوا قد خرجوا من القتال، أي لم يكونوا في حالة قتال فعلية، سواء نتيجة الإصابة أو الأسر أو الانفصال عن وحداتهم، وهي حالات تفرض بموجب القانون الدولي الإنساني التزامات واضحة تتعلق بحمايتهم وعدم استهدافهم وضمان سلامتهم.
إلى جانب تحليل الشهادات والمعلومات التي جُمعت حول حوادث القتل والاختفاء خلال أحداث كانون الثاني/يناير 2026، يتضمن هذا التقرير دراسة حالة موسعة تستند إلى شهادة شاهدة عيان كانت حاضرة خلال أحداث كمين استهدف المقاتلين والمدنيين الكورد عند مفرق قرية مكمن، في طريق أبيض بين الحسكة والرقة. وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لأنها توثق تسلسلاً متصلاً من الوقائع، بدءاً من لحظة الفرار من الرقة والوقوع في الكمين، مروراً بالاحتجاز وسوء المعاملة والقتل، وصولاً إلى اختفاء عدد من الأشخاص واستمرار البحث عن مصيرهم. كما تتقاطع رواية الشاهدة مع شهادات ومعلومات أخرى وثقتها “سوريون”، ما يمنحها قيمة توثيقية إضافية لفهم سياق الأحداث والأنماط التي رافقتها.
وبحسب ما وثقته “سوريون”، جرت عدة عمليات إفراج وتبادل محتجزين بين الحكومة السورية الانتقالية والإدارة الذاتية منذ آذار/مارس 2026. ففي 8 آذار/مارس أُفرج عن 59 مقاتلاً، تلتها في 10 آذار/مارس عملية تبادل شملت نحو 100 محتجز من كل طرف. وفي 19 من الشهر ذاته، شهدت محافظة الحسكة عملية تبادل جديدة، هي الثالثة ضمن هذه السلسلة، وشملت الإفراج عن نحو 300 مقاتل من قسد كانوا محتجزين لدى الحكومة السورية، مقابل عدد مماثل من المحتجزين لدى قسد، إضافة إلى 11 مقاتلة من قسد. وفي 11 نيسان/أبريل أطلق سراح 400 مقاتل من قسد مقابل 91 من قوات الحكومة السورية، وجرت عمليات تبادل إضافية خلال الشهر، ساهمت في حل ملف المحتجزين جزئياً وتسليم السجون (مثل غويران وغيرها). وفي الشهر التالي أفرج عن حوالي 232 مقاتلاً تابع لقسد في 8 أيار/مايو، قبل أن يُطلق سراح 88 مقاتلاً آخر من قسد في 25 من الشهر نفسه، إضافة لعمليات إفراج محدودة مثل 28 مقاتلة من وحدات حماية المرأة YPJ.[1]
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن تصريحات صادرة عن القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، كانت قد أفادت بأن عدد المحتجزين في السجون السورية يبلغ نحو 1070 شخصاً، بينهم مدنيون وعسكريون.
وتكشف الشهادات التي وثقتها “سوريون”، إلى جانب الأدلة المرئية والمصادر المفتوحة التي تم التحقق منها، عن نمط متكرر من الانتهاكات يتجاوز الحالات الفردية، ويتقاطع عند مؤشرات رئيسية، من بينها فقدان الاتصال في سياق العمليات العسكرية، والاحتجاز غير المعلن، والتعرّض للتعذيب وسوء المعاملة، إضافة إلى حالات قتل في ظروف غير واضحة.
وتكشف بعض الشهادات أن الانتهاكات الموثقة لم تقتصر على المقاتلين/ات البالغين/ات، بل شملت أيضاً قاصرين/ات التحقوا بتشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية، ثم انقطع الاتصال بهم ولم يُعرف مصيرهم بعد الأحداث.
تشير هذه الأنماط إلى وجود ممارسات متكررة تتعلق بالاحتجاز غير المعلن وسوء المعاملة والقتل في ظروف غير واضحة، واستمرار الغموض بشأن مصير عدد من الضحايا.
لغرض إعداد هذا التقرير، قامت “سوريون” بمقابلة 13 شاهد/ة من الضحايا وأقاربهم وشهود عيان. وقد تم الحصول على موافقة المشاركين/ات المستنيرة بعد شرح طبيعة المشاركة الطوعية واستخدام المعلومات -بما في ذلك نشر هذا التقرير- وابلاغهم بإمكانية سحب موافقاتهم في أي وقت كان. وبناءً على طلبهم، تم استخدام أسماء مستعارة للإشارة إلى الشهود، مع حجب أي تفاصيل قد تؤدي إلى الكشف عن هوياتهم أو تعريضهم أو عائلاتهم لخطر الانتقام.
2. دراسة حالة: من الكمين إلى الاختفاء:
2.1. إفادة شاهدة عيان على أحداث كمين قرية مكمن على طريق أبيض:
“نورا” أم لخمسة أطفال كورد، كانت تقيم مع عائلتها في مدينة الرقة، ويعمل زوجها في مقر مؤسسة الجرحى التابعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد). تروي في شهادتها لـ”سوريون” كيف دفعت التطورات العسكرية المتسارعة خلال كانون الثاني/يناير 2026 عائلتها إلى مغادرة المدينة بعد تلقي تحذيرات من الجيران بشأن تدهور الوضع الأمني واحتمال اتساع نطاق الاشتباكات. ووفقاً لشهادتها، كان الخروج في ظل حالة من الفوضى والارتباك، مع غياب المعلومات الواضحة بشأن الطرق الآمنة أو الجهات المسيطرة عليها. كما تشير الشهادة إلى أن عائلات مدنية وعاملين مع الإدارة الذاتية ومقاتلين كانوا يغادرون المنطقة في الوقت ذاته، في سياق اتسم بتداخل الصفة المدنية والعسكرية والانهيار السريع لخطوط السيطرة.
وقالت “نورا”:
“خرجنا يوم 18 كانون الثاني/يناير من الرقة باتجاه الحسكة. كانت الشوارع فارغة تماماً من المدنيين والمحلات مغلقة، وكانت السيارات تجوب الشوارع، يستقلها أناس عسكريون لا أعرف لمن كانوا يتبعون، وكانت أصوات القصف والطلقات تملأ المدينة.”
ووصفت الشاهدة كيف تلقى الركاب تحذيرات متكررة بوجود كمين على مفرق قرية مكمن (التي تقع تقريباً في منتصف الطريق المعروف بـ”طريق أبيض” الواصل بين الحسكة والرقة)، قبل أن يجدوا أنفسهم لاحقاً في قلبه، في وقائع تتقاطع مع شهادات ومعلومات أخرى وثقتها “سوريون”. وقالت:
“التقينا بثلاثة شباب عسكريين يحملون سلاحهم ويهربون عائدين، سألناهم عما يجري فقالوا لنا: عودوا فهناك كمين أمامكم. كنا عالقين على الطريق نذهب ونعود… ووصلنا إلى مكان الكمين وبمجرد وقوفنا هجموا علينا.”
2.2. احتجاز الرجال وتعذيبهم على مرأى من عائلاتهم:
بعد وقوع الكمين، وجدت “نورا” نفسها وأطفالها في قلب مشاهد متلاحقة من العنف والتهديد، بينما كان الرجال الذين جرى فصلهم عن عائلاتهم يتعرضون للاحتجاز وسوء المعاملة على مرأى من النساء والأطفال. تقول الشاهدة:
“هجم العساكر علينا وقبضوا على الرجال واقتادوهم خلف السيارة، وطلبوا منهم الانبطاح أرضاً، وعندما رفضوا أطلقوا وابلاً من الرصاص فوق رؤوسهم. فتحتُ باب السيارة فوجدت أمامي شاباً في نحو الثامنة عشرة من عمره، طويل الشعر حتى الكتفين، يرتدي سترة رصاصية اللون ويضع شارة خضراء على جبينه كتب عليها “لا إله إلا الله”. وما إن نزلت من السيارة برفقة ابنتي الصغيرة حتى صوب سلاحه الرشاش نحو رأسي، قبل أن يتدخل عنصر آخر ويزيح فوهته، بينما كانت الطلقات تتوالى فوقي.”
تتابع الشاهدة:
“تمسكتُ بابنتي وكنت أرجوهم ألا يقتلوا أطفالي. حاولت ابنتي الأخرى أن ترتمي على والدها، ولكن الشاب ذا الشعر الطويل دفعها. وقاموا برمي ولدي الآخر من السيارة. أما ابني الكبير المريض فكان جالساً في السيارة مستسلماً ورافعاً يديه لأكثر من نصف ساعة.”
وتضيف الشاهدة أن النساء والأطفال ظلوا داخل السيارة أو بجوارها بينما استمرت أعمال العنف بحق الرجال:
“نظرت إلى جانبي فرأيت الرجال ممددين على بطونهم على الأرض. في ذات اللحظة رفع زوجي رأسه، كانت عيناه محمرتين جداً، وقال لأولاده: لا تخافوا بابا، لا تخافوا. وأشار لي أن أبعد الأطفال، وبالفعل جمعت أطفالي بعيداً عنه وقمت بتغطيتهم ببطانية حمراء صغيرة كانت معي وطلبت منهم ألا ينظروا حولهم.”
وبحسب الشهادة، لم يقتصر الأمر على الاحتجاز، بل امتد إلى ممارسات وصفتها الشاهدة بأنها أعمال تعذيب وإذلال متعمد:
“كانوا كلما رفع أحدهم رأسه يركلون رأسه، وكان طرف الطريق مليئاً بالنباتات الشوكية، وكانوا يجبرونهم على الانبطاح ويضعون الأشواك في أفواههم، ويدعسون على رؤوسهم، أو يجبرونهم على خلع ستراتهم كي تغرز الأشواك في أجسادهم.”
وعلى الرغم من أن “نورا” شاهدت إطلاق النار على الرجال المحتجزين، فإن مصيرهم ظل غير واضح بالنسبة لها. فبعد عودتها إلى موقع الكمين لم تجد جثمان زوجها بين الجثث، في حين ظل ابنها يؤكد أن والده لم يُقتل، وأنه رأى العناصر يقتادونه إلى عربة عسكرية.
في النهاية، سمح العناصر للشاهدة وأطفالها بمغادرة الموقع برفقة مدنيين آخرين. وتروي “نورا” أن العناصر أنزلوا العلم الكردي من السيارة التي كانت تقلهم وقاموا بدهسه، قبل أن يطلبوا من سائقين مدنيين كانا يمران في المكان نقل النساء والأطفال إلى وجهاتهم.
وبعد مغادرة موقع الكمين، واصلت الشاهدة طريقها، حيث تقول إنها شهدت وقائع قتل أخرى وانتشاراً واسعاً للجثامين على امتداد الطريق.
2.3. الإعدامات الميدانية والجثث المتروكة على الطريق:
وثقت “نورا” وقائع قتل وجثامين متناثرة، من بينها حوادث طالت أشخاصاً كانوا مقيدي الحركة وغير قادرين على الدفاع عن أنفسهم. كما تصف الشهادة ترك جثامين في العراء دون جمعها أو إخلائها، في مخالفة للالتزامات التي يفرضها القانون الدولي الإنساني بشأن حماية الأشخاص الخارجين من القتال واحترام الموتى.
وفي شهادتها، تصف “نورا” حادثة قتل شاهدتها أثناء وجودها في موقع الكمين، كان ضحيتها شاب برفقة والدته وشقيقه من ذوي الإعاقة:
“وصلت سيارة يستقلها أم وولداها، أحدهما كان بلا أرجل. قام العسكريون بإنزالهم من السيارة وأجلسوهم على قارعة الطريق. كانت الأم تحتضن ابنها السليم والآخر جالس بجانبها. توسلت الأم ألا يقتلوا ابنها السليم وتمسكت به واحتضنته، فقاموا بفتح يديها عنه وقتلوه في حضنها بست طلقات.”
وأضافت الشاهدة أن الأم انهارت فور وقوع الحادثة:
“أصيبت المرأة بجلطة واعوج فمها فوراً.”
وروت الشاهدة حادثة أخرى شاهدتها بنفسها أثناء توجهها على الطريق:
“قام العسكريون بإنزال ثلاثة أشخاص من إحدى السيارات. قاموا بتغطية أعينهم بقماش، وكبلوا أيديهم من الخلف، وطلبوا منهم الركض باتجاه التلة الصغيرة الموحلة، وجهزوا سلاحهم، وبمجرد أن ركضوا قاموا برميهم بالرصاص. اثنان منهم فارقا الحياة على الفور، أما الثالث فكان لا يزال حياً ويتحرك.”
وأضافت:
“رأيتُ اثنين من العناصر بلباس العشائر ذاهبين إليه ويقولون: انظروا إلى هذا، إنه لا يزال حياً. وقاموا بحمل حجر لضربه على رأسه، لكنني أدرت رأسي كي لا أرى، وسمعت ابني يقول لأخيه: انظر إنهم يضربون رأسه بالحجر.”
كما تصف الشاهدة انتشار الجثامين على امتداد الطريق في مشاهد بقيت حاضرة في ذاكرتها حتى بعد مرور أشهر على الحادثة، وتضيف:
“عدت لاحقاً إلى مكان الكمين، ورأيتُ ثلاثة كلاب سوداء تنهش الجثث. فقلت للسائق: إنهم يأكلون الجثث، إذا كانت جثة زوجي هنا فإنني سأخذها معي، لكنني لم أجده.”
وبحسب الشاهدة، كان موقع الكمين يعج بالجثامين؛ إذ قدرت عددها بنحو 25 جثة، عسكريون ومدنيون. كما روت مقتل امرأة كانت تحاول الفرار مع زوجها وطفلها الرضيع البالغ من العمر خمسة أيام فقط، بعدما أصابتها رصاصة في الرأس.
2.4. الاختفاء ورحلة البحث عن المصير:
تحولت لحظة احتجاز زوج “نورا” إلى رحلة بحث طويلة وشاقة عن مصيره، في ظل غياب أي معلومات رسمية مؤكدة بشأن مكان احتجازه أو وضعه القانوني. وخلال الأشهر التالية، اعتمدت الشاهدة على مراجعة السجون والمحاكم، والتواصل مع محتجزين مفرج عنهم ووسطاء محليين، في محاولة لمعرفة ما إذا كان زوجها لا يزال على قيد الحياة. وتعكس هذه التجربة الصعوبات التي تواجهها عائلات المفقودين أو المحتجزين في الوصول إلى معلومات موثوقة حول ذويهم.
روت الشاهدة أنها فقدت الاتصال بزوجها منذ كانوا عند الكمين، ولم تتلقَ أي معلومات رسمية بشأن مصيره:
“لم نجد أحداً من الرجال الذين أطلقوا النار عليهم وهم منبطحون، لا نعلم إن كانوا مقتولين أم أحياء، لكنهم أخذوهم معهم. لم أجد زوجي بين القتلى ولا بين المفرج عنهم.”
وخلال الأشهر التالية، تلقت “نورا” معلومات متقاطعة من محتجزين مفرج عنهم وأشخاص قالوا إنهم التقوا بزوجها أثناء الاحتجاز، وكانت معظم هذه الروايات تشير إلى وجوده في سجن الأقطان وإصابته في ساقه.
عندها قررت “نورا” التوجه إلى الرقة للبحث عنه بنفسها. وتروي في شهادتها أن حراس السجن أكدوا بدايةً وجود زوجها لديهم، قبل أن تتغير الرواية لاحقاً. تقول الشاهدة:
“سألتهم: هل هذا الاسم موجود لديكم؟ فقال لنا حارس البوابة: نعم إنه هنا، وطلب مني أن أعود في اليوم التالي، وهذا ما حدث. لكن شخصاً آخر على البوابة قال أن زوجي ليس لديهم وطلب مني مراجعة المحكمة أولاً. ذهبت إلى المحكمة، فسألني الموظف عن تاريخ الاعتقال، وراح يلومني لأنني لم أسأل عنه منذ البداية. قلت له إنني لم أكن أجرؤ على السؤال بعد ما رأيته في ذلك اليوم، فقال: كنتِ ستفيدينه إذا ما سألتي عنه مبكراً لكنك تأخرتِ في السؤال عنه.”
تكمل الشاهدة:
“بعد أن استكمل بعض الإجراءات الورقية، طلب منا العودة إلى السجن. كان أمام السجن تجمع كبير من الناس، معظمهم نساء ينتظرن أخبار أقاربهن. كنا نزور السجن ثلاث مرات يومياً، وفي النهاية عندما استلموا الأوراق كتبوا عليها بقلم الرصاص: اذهبي إلى سجن آخر، فزوجك ليس هنا.”
تتقاطع شهادة “نورا” مع روايات أخرى وثقتها “سوريون” بشأن الاحتجاز غير المعلن، والقتل في ظروف غامضة، واستمرار الغموض حول مصير عدد من الأشخاص الذين شوهدوا أحياء بعد وقوعهم في الأسر. كما تعكس الشهادة الآثار الممتدة لهذه الأحداث على عائلات الضحايا والمفقودين، ولا سيما في ظل غياب المعلومات الرسمية واستمرار حالة عدم اليقين بشأن مصير ذويهم.
3. الاعتقال التعسفي والتعذيب في مراكز الاحتجاز:
تكشف الشهادات التي وثقها هذا التقرير عن نمط اعتقال لا يقتصر على حرمان المقاتلين من حريتهم، بل يمتد ليشكّل منظومة من الانتقام والإهانة والاحتجاز غير المعلن، تتسم بغياب التوثيق، وانقطاع المعلومات، وتعرض المعتقلين للتعذيب ولسلسلة من الانتهاكات الجسيمة منذ لحظة أسرهم.
في الحالات التي أمكن تتبعها، لم يكن الاعتقال إجراءً منظماً أو موثقاً، بل جاء نتيجة انهيار الوضع الميداني، حيث وجد المقاتلون أنفسهم محاصرين أو معزولين، قبل أن يعتقلوا دون أي تسجيل رسمي أو إخطار لاحق. ويصف أحد الناجين لحظة التحول من القتال إلى الاعتقال قائلاً:
“لم يتبق لدينا ذخيرة وكان هذا سبب أسرنا… لا أعلم ماذا حل بالبقية.”
لا تمثّل هذه اللحظة نهاية الاشتباك فحسب، بل بداية انقطاع كامل في المسار القانوني للشخص، حيث يختفي من أي سجل رسمي، ويصبح وجوده محصوراً في روايات غير مؤكدة، سواء من جهات عسكرية أو من وسطاء أو ناجين آخرين. وتعكس شهادة “روجين” هذا الغموض، حيث انتقلت الرواية حول مصير زوجها بين القتل والاعتقال دون أي إثبات قاطع:
“في البداية أخبرني زملاؤه أنه استشهد… ثم قالوا لي أنه تعرّض لكمين على الطريق… وأن السائق قُتل، أما زوجي فيظنون أنه أُسر وتم تحويله إلى سجن في دير الزور.”
ويزداد خطر هذا الغموض في حالات الأشخاص الذين لا يحملون وثائق رسمية، إذ قد يؤثر ذلك على معاملتهم أثناء الاحتجاز ويزيد من هشاشتهم. وفي هذا السياق، أفادت “روجين” بأن زوجها كان من فئة “مكتومي القيد” ولم يكن يحمل أي وثائق أثناء تنقله:
“لم يكن بحوزته أي إثبات شخصي… كل أوراقه تركها في البيت… كان يحمل فقط مهمته الرسمية في حقيبته.”
لا يقتصر هذا الغموض على لحظة الاعتقال، بل يستمر خلال الاحتجاز، حيث يُنقل المعتقلون بين عدّة مواقع دون أي شفافية أو وضوح في الجهة المسؤولة أو طبيعة الاحتجاز، ما يزيد من صعوبة تتبعهم ويعزز من احتمالات تعرضهم لانتهاكات إضافية.
وتتخذ هذه الانتهاكات طابعاً ممنهجاً داخل أماكن الاحتجاز، حيث تشير الشهادات إلى استخدام العنف الشديد كوسيلة أساسية للتعامل مع المعتقلين، بما يؤدي إلى إصابات جسدية خطيرة. يقول المقاتل دلشاد والذي تم اعتقاله من قبل كتيبة مقاتلة تابعة للحكومة السورية، وتم نقله لاحقاً من نقطة محطة أبيض إلى سجن “الكم الصيني” في الشدادي:
“عندما أمسكوني حقق معي شخص ينادونه الشيخ. رأيت البواري الخضراء تنكسر على جسمي… كسروا ستة عظام من قفصي الصدري، وخمسة من أسناني.”
إلا أن ما يبرز بشكل خاص هو الطابع المنهجي للإذلال، وليس فقط العنف الجسدي. يصف الشاهد دلشاد كيف تم تعريض المعتقلين في سجن “الكم الصيني” بشكل متعمد لخطر مباشر داخل مكان الاحتجاز:
“قاموا بزجنا نحن الـ14 أسير في سجون داعش، كل ثلاثة منا في مهجع يحوي نحو 50 عنصراً داعشياً… كنا لا نزال بلباسنا العسكري… كانوا يضربوننا بشدة.”
ويضيف:
“قمت برفع الشهادة، لكنهم كانوا يضربونني وكان أحدهم يدعس على فمي ويمنعني من قول الشهادة. كان العناصر خلف فتحة باب المهجع ينظرون إلينا ويضحكون ويستمتعون. كانوا يقولون للدواعش في السجن: هؤلاء قد فصلوا عنكم زوجاتكم وزجوهم في مخيم الهول. كانوا يحرضونهم علينا.”
يشير هذا السلوك إلى استخدام الاعتقال كأداة للانتقام والإذلال، عبر خلق بيئة عنف مفتوحة داخل مكان الاحتجاز نفسه، وتعريض المعتقلين لخطر مباشر من أطراف كانوا قد قاتلوها سابقاً.
كما تُظهر الشهادات وعياً واضحاً لدى القائمين على الاحتجاز بطبيعة الانتهاكات المرتكبة، حيث تم في بعض الحالات تجنّب ممارستها في أماكن خاضعة للمراقبة:
“كنا نتعرض للضرب في المهاجع فقط… أما في الممرات لم نكن نتعرض للضرب لأنه كانت هناك كاميرات مراقبة.”
يشير هذا التفصيل إلى إدراك ضمني بعدم قانونية هذه الممارسات، ومحاولة إخفائها، وهو ما يعزز من توصيفها كأفعال ممنهجة وليست عشوائية.
كما انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة تُظهر اعتقال نساء مقاتلات وتعريضهن لسوء المعاملة والإذلال. وأظهرت بعض هذه المقاطع التعامل معهن كغنائم أو تقديمهن كهدايا للمقاتلين. كما انتشر مقطع يُظهر إلقاء مقاتلة من قوات سوريا الديمقراطية من طابق مرتفع داخل أحد المباني في مدينة حلب، في انتهاك جسيك لأحكام القانون الدولي الإنساني.
وفي مجملها، تكشف هذه المعطيات عن نمط احتجاز يتجاوز الحرمان من الحرية، ليشمل إخفاءً فعلياً للمصير، وتفكيكاً لمسار الحماية القانونية، وممارسات عنف وإذلال منظمة، ما يثير مخاوف جدية بشأن سلامة المعتقلين وإمكانية تعرضهم لانتهاكات إضافية خارج أي إطار من المساءلة أو الرقابة.
4. الاختفاء القسري وفقدان الاتصال: بين تضارب الروايات والحرب النفسية:
تكشف الشهادات التي وثقها هذا التقرير عن نمط واسع من حالات فقدان الاتصال التي لا يمكن تفسيرها فقط بعوامل ميدانية، بل تتطور في العديد من الحالات إلى وضع أقرب إلى الاختفاء القسري، حيث يعتقل الأفراد ويغيبون بشكل كامل عن أي مسار معلوم، وتُحرم عائلاتهم من الوصول إلى معلومات موثوقة حول مصيرهم.
وتبرز حالة “عمار” بوصفها مثالاً على الغموض الذي أحاط بمصير عدد من المقاتلين بعد انقطاع الاتصال بهم خلال المعارك. فبحسب شهادة أحد أقاربه، كان عمار قد قطع إجازة كان يستعد خلالها لحفل زفافه، ليلتحق مجدداً بقطعته العسكرية مع توسع المواجهات في الشيخ مقصود والأشرفية. وفي آخر تواصل له بتاريخ 15 كانون الثاني/يناير، أشار إلى خطورة الوضع، قبل أن ينقطع الاتصال به بشكل كامل بعد ذلك بأيام، بالتزامن مع دخول القوات الحكومية إلى المنطقة التي كان موجوداً فيها. ومع استمرار غياب أي معلومات رسمية عن مصيره، بدأت العائلة بتتبع أخباره عبر مقاتلين مفرج عنهم من مراكز الاحتجاز، إلى أن وردت إفادات متقاطعة تشير إلى احتمال وجوده داخل أحد مراكز الاحتجاز العسكرية في حلب. ويصف الشاهد ذلك قائلاً:
“كنا نتواصل مع كل مقاتل نسمع بخروجه من السجن ونسأل عن ابننا، ونرسل صورته إليهم. عدد منهم أخبرنا أنهم شاهدوه في سجن المخابرات العسكرية / قيادة المنطقة الشمالية في حلب قرب دوار الباسل، لكننا لا نعرف مصيره، ولا نزال في انتظار عودته.”
لا يقتصر الأمر في هذه الحالات على انقطاع الاتصال، وإنما يترافق مع تضارب مستمر في الروايات، حيث تتلقى العائلات معلومات متناقضة حول مصير ذويها، تتراوح بين القتل، والأسر، والبقاء على قيد الحياة، دون أي دليل حاسم. وتصف “إيفين”، هذا الوضع بقولها:
“أعرف أن أحد أبنائي أسير، ولكن الثاني لا أعرف عنه شيئاً أكيداً… نبحث عنه منذ أكثر من شهرين ولم تصلنا أية معلومات… منهم من يقول إنه حي، ومنهم من يقول إنه مقتول… نحن لا نعلم ماذا حل به.”
إلا أن ما يميّز عدداً من هذه الحالات هو تحوّل فقدان الاتصال إلى أداة ضغط نفسي ممنهجة، من خلال استخدام هواتف الضحايا للتواصل مع عائلاتهم، وتقديم معلومات متضاربة أو مهينة أو مهدِّدة. وتروي “إيفين”:
“اتصلت برقمه فردّ علي أحدهم وقال: لقد قتلنا ابنك وقطعنا رأسه ورمينا جثته للحيوانات… وكان يشتم بكلمات بذيئة.”
وفي أوقات أخرى، عندما تتصل بنفس الرقم كان يعطيها روايات مختلفة:
“مرة يقولون إنه في السجن… ومرة يقولون إنه ميت… لا نعرف ماذا نصدق.”
ولم يقتصر الأمر على التهديد أو التضليل، بل اتخذ طابعاً مقصوداً من الإيذاء النفسي، حيث قام من استولى على هاتف الضحية بالاتصال في أوقات غير اعتيادية، موجهاً عبارات تستهدف كسر العائلة معنوياً. تقول عن هذا ابنة “إيفين” (أخت المقاتلَين):
“كانوا يتصلون بنا في الساعة الرابعة صباحاً… ويسألون: هل ماتت أمكم أم ليس بعد؟… إنهم يمارسون معنا حرباً نفسية.”
وفي بعض الحالات، نُشرت صور يُعتقد أنها تعود للضحايا، أو روايات من أشخاص ادّعوا رؤيتهم في أماكن احتجاز، دون إمكانية التحقق من صحتها. وتصف إحدى الشاهدات هذا التمزق الداخلي بقولها:
“أظن أن صورة الجثة التي رأيتها هي صورة أخي المفقود… كل التفاصيل هي تفاصيله… لكن لا أستطيع أن أؤكد… ولا أستطيع أن أخبر أمي فقلبها لن يتحمل.”
وفي مجملها، تكشف هذه الحالات عن نمط يتجاوز فقدان الاتصال العرضي، ليصل إلى مستوى من الغموض المنهجي والتلاعب بالمعلومات، يقوّض حق العائلات في معرفة مصير ذويها، ويُبقي الضحايا خارج أي إطار واضح للحماية أو المساءلة.
وتكشف شهادة “هزار” (45 عاماً، من القامشلي) أن الغموض بشأن مصير المفقودين/ات قد يستمر حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية وعودة المقاتلين/ات وبدء عمليات الإفراج عن المحتجزين/ات. فقد كانت ابنتها، البالغة من العمر 14 عاماً، قد التحقت بالشبيبة الثورية في نيسان/أبريل 2025، وانقطع تواصلها مع أسرتها منذ ذلك الحين، قبل أن ترد معلومات من زملاء لها عن نقلها إلى حي الشيخ مقصود في حلب واختفائها خلال معارك كانون الثاني/يناير 2026. وخلال الأشهر التالية، تلقت الأسرة روايات متعارضة تفيد تارة بأنها أُصيبت ونُقلت إلى الرقة، وتارة بأنها وقعت في الأسر ونُقلت إلى حلب، أو جرى نقلها لاحقاً إلى قنديل. كما أفاد أحد المفرج عنهم، بعد تعرفه إلى صورتها، بأنها كانت ضمن مجموعة حوصرت واعتُقل أفرادها ثم نُقلوا إلى حلب. تقول هزار:
“توجهنا إلى شخص خرج من الأسر بعدما قيل لنا إنه تعرّف إلى صورة ابنتنا. أخبرنا أنه وزملاءه التقوا عند جسر الأبيض بنحو تسع فتيات وخمسة شبان، ثم حوصروا معاً داخل أحد الأبنية هناك حيث قُتل قيادي وفتاتان، بينما اعتُقل الباقون ونُقلوا إلى حلب. وعندما سألته عن ابنتي، قال: نعم، كانت معنا”.
ومع ذلك، لم تتلقَ الأسرة أي إخطار رسمي يثبت احتجازها أو وفاتها أو يحدد مكان وجودها، رغم مراجعة مراكز متعددة، ومتابعة قوائم المفرج عنهم، والتواصل مع مسؤولين وقيادات عادوا من حلب. وتقول الشاهدة:
“منذ أن غابت ابنتي لم أسمع صوتها. في كل مرة يخبرني أحدهم قصة مختلفة؛ منهم من يقول إنها مصابة، ومنهم من يقول إنها أسيرة، أو إنها نُقلت إلى قنديل. وعندما قالوا لنا إنه لم يبق لديهم فتيات أسيرات سألتهم: إذاً أين ابنتي؟ لا أريد منهم شيئاً سوى أن يخبروني: هل ابنتي حية أم ميتة؟ كل القيادات عادوا من حلب، وهم على علم بكل الأسرى والشهداء والمفقودين، لكنهم لا يخبروننا شيئاً.”
كما تشير الشهادة إلى وجود تناقضات في المعلومات المتداولة بشأن بعض الفتيات، إذ أفادت «هزار» بأن فتاة سبق أن أُعلن عن مقتلها ظهرت لاحقاً بين المفرج عنهم، بينما ظهر اسم فتاة أخرى ضمن قوائم الإفراج دون أن تعود إلى عائلتها. وتؤكد هذه الروايات، إن ثبتت، ضرورة مطابقة قوائم القتلى والمحتجزين والمفرج عنهم، والتحقق من وصول المفرج عنهم فعلياً إلى عائلاتهم، بدل الاكتفاء بإعلان الأسماء أو الأعداد.
5. القتل في سياق العمليات العسكرية: بين الاشتباك والتصفية:
تُظهر الشهادات التي وثقها هذا التقرير حالات قتل طالت مقاتلين من قوات سوريا الديمقراطية في سياق العمليات العسكرية خلال كانون الثاني/يناير 2026، إلا أن بعض هذه الحالات تثير تساؤلات جدية حول الظروف التي وقعت فيها، وما إذا كانت قد حدثت أثناء الاشتباك المباشر أو بعد خروج الضحايا من القتال.
في عدد من الحالات، كان الضحايا قد أصيبوا أو أصبحوا في وضع لا يسمح لهم بالقتال قبل انقطاع الاتصال بهم، ما يطرح احتمال تعرضهم للقتل المباشر بشكل انتقامي وهم في حالة عجز عن الدفاع عن أنفسهم. ويصف قريب أحد الضحايا، لحظاته الأخيرة قبل فقدان الاتصال به:
“في الساعة الثالثة والنصف صباحاً أرسل رسالة إلى والده يقول فيها إنه أُصيب وسيَموت… وبعدها انقطع الاتصال معه تماماً. في صباح اليوم التالي رد شخص غريب على هاتفه وقال لنا: هذا عدو الله، كلب وفطس، وبعدها أصبح هاتفه خارج التغطية.”
لاحقاً، تم العثور على جثة الضحية –إلى جانب جثث أخرى– بعد أن قام الأهل بنشر صورته على وسائل التواصل الاجتماعي بحثاً عنه. تعرف أحد المدنيين على الصورة وكان قد قام بدفن الجثث بشكل جماعي. يقول الشاهد حول ذلك:
“قال لنا الرجل الذي دفنهم: ‘كانوا مجموعة من الشباب، رأيت جثثهم في طرف البلدة فقمت بوضعهم في مكان واحد ووضعت ستراتهم على وجوههم وقمت بتغطيتهم جميعاً بالتراب، هذا ما تمكنت من فعله لهم'”.
وعند استعادة الجثمان، أظهرت الإصابات طبيعة العنف الذي تعرض له:
“كان قد أُصيب برصاصتين في رأسه، واحدة في الجبهة والأخرى في وجهه، إضافة إلى إصابات أخرى في جسده.”
تشير هذه المعطيات إلى أن القتل لم يقتصر على المواجهة المباشرة، حيث يمكن أن يكون قد وقع في لحظة لاحقة، خاصة في ظل وجود إصابات متعددة في مناطق قاتلة، ما يثير احتمال تعرض الضحية لإطلاق نار من مسافة قريبة أو في ظروف لم يكن فيها قادراً على القتال.
وفي حالات أخرى، وردت روايات عن وجود أعداد من الجثث المتروكة في مناطق الاشتباك، دون إخلاء أو توثيق، كما في الطريق بين الرقة والحسكة، حيث أشارت إحدى الشهادات إلى أن:
” كانت الجثث مرمية على جانبي الطريق بأعداد كبيرة.”
ويمتد أثر هذه الانتهاكات بحق المقاتلين/ات إلى عائلاتهم، التي تضطر في كثير من الأحيان للاعتماد على مصادر غير رسمية أو مبادرات فردية لاستعادة الجثامين أو التأكد من الهوية، في ظل غياب أي قنوات رسمية.
وفي إحدى الحالات، لم تتمكن العائلة من الوصول إلى الجثمان إلا بعد أيام، من خلال وسطاء محليين، ودفع تكاليف نقل خاصة، في مؤشر على غياب أي آلية منظمة للتعامل مع القتلى في سياق العمليات.
تعكس هذه الحالات نمطاً من القتل المرتبط بسياق العمليات العسكرية، إلا أن بعض الوقائع، لا سيما تلك المتعلقة بإصابة الضحايا قبل انقطاع الاتصال، وطبيعة الإصابات، وظروف العثور على الجثث، تثير شكوكاً حول احتمال وقوع عمليات قتل بعد خروج الضحايا من القتال، وهو ما يستدعي تحقيقاً مستقلاً لتحديد ملابسات هذه الحالات والمسؤوليات المرتبطة بها.
6. الأنماط المشتركة والتوصيف القانوني:
تدلّ الشهادات التي جُمعت لأغراض هذا التقرير على أن التصعيد العسكري في شمال وشرق سوريا خلال كانون الثاني/يناير 2026 جرى في سياق ميداني اتسم بسرعة تغيّر السيطرة وتداخل مسارات التقدم والانسحاب، ما خلق حالة من الاضطراب في عدد من المحاور التي شهدت مواجهات مباشرة أو انسحابات متلاحقة. وفي ظل هذه الظروف، وجد الكثير من المقاتلين أنفسهم منفصلين عن وحداتهم أو مضطرين إلى التحرك بشكل فردي أو ضمن مجموعات صغيرة، دون توفر معلومات كافية عن الطرق الآمنة أو أماكن تمركز القوات الأخرى. كما ساهم ضعف وسائل الاتصال أو انقطاعها في بعض الحالات في تعقيد القدرة على التتبع والتنسيق.
لا يمكن قراءة الحالات التي يوثقها هذا التقرير كوقائع منفصلة، بل كجزء من نمط متكرر يكشف عن تفكك تدريجي في منظومة الحماية القانونية للأفراد، يبدأ منذ لحظة فقدان الاتصال، ويمتد عبر مسار غير موثق من الاحتجاز أو الغياب، وصولاً إلى إمكانية تعرضهم لانتهاكات جسيمة في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الشفافية أو المساءلة.
يتمثل المؤشر الأول لهذا النمط في فقدان أي معلومات واضحة عن وضع الأفراد أو مكان وجودهم بمجرد انقطاع الاتصال بهم أو خروجهم من نطاق المتابعة. ففي جميع الحالات الموثقة، يغيب أي تسجيل رسمي للاعتقال، ولا تُعلن أي جهة مسؤوليتها عن الاحتجاز، ولا تتوفر آلية تتيح للعائلات الوصول إلى معلومات موثوقة. ويؤدي هذا الانقطاع إلى وضع يُصبح فيه الشخص فعلياً خارج أي إطار قانوني محدد، بما في ذلك الضمانات الأساسية المرتبطة بالاحتجاز أو الحماية في النزاعات المسلحة.
ويرتبط بذلك مؤشر ثانٍ يتمثل في تعدد أماكن الاحتجاز دون وضوح في المسؤولية المباشرة عن هذه الأماكن، حيث تشير الشهادات إلى نقل المعتقلين بين مواقع مختلفة، في سياق غير منظم أو معلن، ما يعقّد إمكانية تتبعهم أو تحديد الجهة المسؤولة عنهم. ويؤدي هذا التداخل إلى تقويض أي إمكانية للرقابة، ويخلق بيئة مواتية لوقوع الانتهاكات دون مساءلة.
أما المؤشر الثالث، فيتجلى في الطابع المتكرر والمنهجي للعنف وسوء المعاملة سواء عند الاعتقال أو داخل أماكن الاحتجاز، حيث تتقاطع الشهادات عند أنماط متشابهة من الضرب المبرح، والإذلال، والتعريض للخطر، إلى جانب ممارسات تدل على إدراك القائمين عليها بعدم مشروعيتها، بما في ذلك تجنب الكاميرات أو إخفاء الانتهاكات عن الرصد المباشر.
ويتمثل المؤشر الرابع في وجود حالات قتل وقعت في ظروف غير واضحة، لا سيما في الحالات التي سبقت فيها إصابة الضحايا انقطاع الاتصال بهم، أو تم العثور على جثثهم لاحقاً دون توثيق رسمي أو معلومات حول ملابسات الوفاة. وتثير هذه المعطيات تساؤلات جدية حول ما إذا كانت بعض هذه الحالات قد وقعت أثناء القتال، أو بعد خروج الضحايا من القتال أو في ظروف كانوا فيها عاجزين عن الدفاع عن أنفسهم.
ويتقاطع مع هذه الأنماط سلوك ممنهج قائم على الغموض والتلاعب بالمعلومات، حيث تُترك العائلات في حالة مستمرة من التضارب بين روايات غير مؤكدة، وتتعرّض لتهديدات وضغوط نفسية مباشرة عبر استخدام هواتف الضحايا أو نقل معلومات مهينة أو متناقضة، بما يحوّل غياب المعلومات من نتيجة عرضية إلى أداة إيذاء بحد ذاتها.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن توصيف عدد من هذه الحالات ضمن إطار الاختفاء القسري، نظراً لاقتران الحرمان من الحرية بإنكار المصير أو مكان الوجود. كما تندرج حالات الاحتجاز التي تتم خارج أي أساس قانوني أو دون ضمانات إجرائية ضمن مفهوم الاحتجاز التعسفي. كذلك، تشير الوقائع المتعلقة بالتعذيب وسوء المعاملة إلى انتهاك للحظر المطلق للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وهو حظر ذو طبيعة آمرة لا يقبل أي استثناء، بما في ذلك في سياق النزاعات المسلحة.
كما يبرز عامل إضافي ساهم في تعميق هذا النمط، يتمثل في الانقطاع الواسع والمتكرر لخدمات الاتصالات خلال فترات من العمليات العسكرية، وهو ما تزامن، وفق الشهادات، مع مراحل مفصلية من الهجوم، بما في ذلك فترات القصف والاقتحام وحركات النزوح. ولا يُنظر إلى خدمات الاتصالات في سياق النزاعات المسلحة بوصفها بنية تقنية محايدة، بل باعتبارها وسيلة أساسية لحماية الأفراد، تمكّنهم من الوصول إلى المعلومات، وتحديد مسارات أكثر أماناً، وطلب المساعدة، فضلاً عن دورها في تمكين التوثيق والمساءلة. وفي هذا السياق، فإن تكرار الإشارة إلى انقطاع الاتصال في الشهادات، إلى جانب سوابق موثقة في سياقات أخرى داخل سوريا، يثير تساؤلات جدية حول طبيعة هذا الانقطاع ودوره المحتمل في تكريس بيئة تسمح بوقوع الانتهاكات أو إخفائها وطمس الادلة.
وفي هذا الإطار، تترتب المسؤولية القانونية عن الانتهاكات المذكورة على عاتق الحكومة الانتقالية، بصفتها الجهة التي تمارس سيطرة فعلية على المناطق ومرافق الاحتجاز التي نُقل إليها عدد من الضحايا، وفق ما تشير إليه الشهادات. ولا تقتصر هذه المسؤولية على ضمان المعاملة الإنسانية للمحتجزين، بل تمتد لتشمل منع الاختفاء القسري، والكشف عن مصير المفقودين، وضمان تسجيل جميع حالات الحرمان من الحرية، ومنع التعذيب وسوء المعاملة، والتحقيق في حالات القتل التي وقعت في ظروف غير واضحة، لا سيما تلك التي يُحتمل أنها حدثت بعد إصابة الضحايا أو عجزهم عن القتال.
ولا تنحصر هذه المسؤولية في نطاق السيطرة الفعلية للحكومة الانتقالية على الأرض أو أماكن الاحتجاز التابعة لها فحسب، بل تمتد أيضاً إلى الأفعال المرتكبة من قبل عناصر أو تشكيلات تعمل ضمن الهياكل العسكرية أو الأمنية التابعة للدولة أو تحت إشرافها أو سيطرتها الفعلية. وفي هذا الإطار، تلتزم الدولة بضمان امتثال هذه الجهات لقواعد القانون الدولي الإنساني، وبمنع الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، بما في ذلك من خلال التسلسل القيادي وآليات الرقابة الداخلية.
كما تقتضي هذه المسؤولية اتخاذ تدابير فعالة لضمان عدم بقاء الأفراد خارج أي إطار قانوني، بما في ذلك تمكين العائلات من الوصول إلى معلومات موثوقة، ومنع التلاعب بالمعلومات أو استخدام الغموض كأداة ضغط أو إيذاء، وضمان عدم استخدام أي إجراءات –بما في ذلك القيود على الاتصالات– بشكل يؤدي إلى تعميق العزل المعلوماتي أو إعاقة توثيق الانتهاكات.
ويفرض القانون الدولي الإنساني، في هذا السياق، التزاماً مستمراً بالبحث عن المفقودين، وتوضيح مصيرهم، وضمان احترام وحماية جميع الأشخاص الذين خرجوا من القتال، وهي التزامات لا تسقط في ظل العمليات العسكرية أو تعقيداتها.
وفي مجملها، تعكس هذه الأنماط بيئة عملياتية تتقاطع فيها الفوضى الميدانية مع غياب الشفافية وتعدد الجهات المسيطرة، بما يؤدي إلى تقويض الضمانات القانونية الأساسية، ويترك الأفراد عرضة لانتهاكات جسيمة تشمل الاحتجاز غير المعلن، والاختفاء، والتعذيب، والقتل في ظروف غير واضحة، دون توثيق كافٍ أو مساءلة فعالة.
7. التوصيات:
تُظهر الوقائع التي يوثقها هذا التقرير أن الانتهاكات التي طالت مقاتلين/ات من قوات سوريا الديمقراطية خلال كانون الثاني/يناير 2026 لم تقتصر على سياق الاشتباكات العسكرية، بل امتدت إلى مراحل لاحقة، شملت حالات احتجاز غير معلن، واختفاء، وتعذيب، وظروف قتل تثير تساؤلات جدية حول مشروعيتها.
وفي هذا الإطار، يؤكد التقرير أن كون الضحية تحمل صفة “مقاتل” لا ينفي تمتعه بالحماية القانونية، إذ يظل جميع الأشخاص الذين خرجوا من القتال، سواء بسبب الإصابة أو الأسر أو الانفصال عن وحداتهم، مشمولين بضمانات أساسية بموجب القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك الحق في المعاملة الإنسانية، والحماية من التعذيب، وحظر القتل خارج نطاق القتال.
وتشير الأنماط الموثقة، ولا سيما تلك المتعلقة بسوء المعاملة، والإذلال، والتعامل العدائي مع الضحايا، إلى ممارسات تتجاوز الضرورات العسكرية، وتقترب من طابع انتقامي، خاصة في ظل الخطاب المستخدم، وطبيعة الانتهاكات المرتكبة، والبيئة التي وقعت فيها.
وفي مجملها، تكشف هذه الحالات عن إخفاق خطير في احترام الحد الأدنى من الضمانات القانونية الواجبة في النزاعات المسلحة، وتؤكد الحاجة الملحّة إلى اتخاذ تدابير فورية لضمان حماية الأشخاص الذين أصبحوا خارج القتال، ومنع تكرار هذه الانتهاكات. وعليه توصي “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” بما يلي:
إلى الحكومة الانتقالية:
- الكشف الفوري عن مصير جميع الأشخاص الذين فُقد الاتصال بهم خلال العمليات العسكرية، واتخاذ تدابير فعالة للبحث عن المفقودين وتوضيح مصيرهم.
- نشر قوائم رسمية بأسماء المحتجزين وأماكن احتجازهم، وتمكين العائلات من الوصول إلى معلومات موثوقة حول ذويهم.
- الوقف الفوري لجميع أشكال التعذيب وسوء المعاملة خلال عملية الاعتقال وفي مراكز الاحتجاز، ومحاسبة المسؤولين عنها.
- ضمان معاملة جميع الأشخاص الذين خرجوا من القتال معاملة إنسانية، وفقاً لالتزامات القانون الدولي الإنساني.
- اتخاذ تدابير عاجلة لتحديد القاصرين والقاصرات بين المفقودين والمحتجزين والقتلى، والتحقق من أعمارهم وهوياتهم، والكشف الفوري عن مصيرهم وإبلاغ عائلاتهم بمكان وجودهم ووضعهم الصحي والقانوني، وضمان معاملتهم بما يراعي مصلحتهم الفضلى واحتياجاتهم الخاصة.
- فتح تحقيقات مستقلة وشفافة في جميع حالات القتل التي وقعت في ظروف غير واضحة، لا سيما تلك التي يُحتمل أنها حدثت بعد إصابة الضحايا أو عجزهم عن القتال.
- مواءمة التشريعات الوطنية مع التزامات سوريا بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك إدماج أحكام حظر التعذيب، والاختفاء القسري، والاحتجاز التعسفي ضمن القوانين الوطنية، وضمان قابلية إنفاذها بشكل فعّال.
- تفعيل دور الهيئة الوطنية للمفقودين، وتمكينها من القيام بولايتها بشكل مستقل وفعّال، ولا سيما فيما يتعلق بالكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسرياً، وجمع وتوثيق المعلومات، بما في ذلك من خلال إطلاق آليات آمنة لاستقبال إفادات الأهالي وتشجيعهم على تقديم ما لديهم من معلومات أو أدلة.
- إصدار مدونة سلوك ملزمة للعسكريين وقوات الأمن العام، تتضمن بشكل واضح الالتزامات القانونية المترتبة عليهم أثناء العمليات العسكرية وأثناء تنفيذ مهامهم، ولا سيما ما يتعلق بحماية الأشخاص الذين خرجوا من القتال، وحظر التعذيب وسوء المعاملة، وضمان معاملة جميع المحتجزين معاملة إنسانية.
إلى المجتمع الدولي:
- الضغط على الحكومة الانتقالية في سوريا للكشف عن مصير المفقودين وضمان احترام التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني.
- دعم آليات الرصد والتوثيق المستقلة، بما في ذلك المبادرات المحلية، لضمان جمع الأدلة المتعلقة بالانتهاكات.
- دعم الجهود الرامية إلى مساءلة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك عبر الآليات الدولية القائمة.
- حث الاليات والمؤسسات الدولية العاملة على الملف السوري ولا سيما لجنة التحقيق الدولية المستقلة (COI) والمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين (IIMP) على إجراء زيارات ميدانية لدور ومراكز التوقيف السورية للاطلاع على أوضاع الموقوفين والمحتجزين.
إلى منظمات المجتمع المدني (ولاسيما العاملة في المجال الحقوقي):
- رصد خطاب الكراهية الصادر عن القادة العسكريين والمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، وتوثيقه كدليل على “التحريض” أو “النية” في ارتكاب جرائم حرب.
- تقديم جلسات توعية لعائلات الضحايا حول كيفية سلوك الطرق القانونية المتاحة لدى الحكومة الانتقالية للمطالبة بزيارة ذويهم أو معرفة أماكن احتجازهم، لضمان عدم تعرضهم للاستغلال بكل أشكاله.
- تدريب النشطاء المحليين على حفظ الأدلة الرقمية (كفيديوهات الإذلال وسوء المعاملة المنتشرة على وسائل التواصل) باستخدام أدوات تضمن عدم التلاعب بها وتحدد مكان وزمان الجريمة بدقة.
- مواصلة توثيق الانتهاكات المرتكبة من جميع الأطراف بشكل مهني ومستقل، وضمان حفظ الأدلة وتوثيقها في الوقت المناسب، بما يسهم في دعم جهود المساءلة. ويشمل ذلك إحالة المعلومات الموثقة، عند الاقتضاء، إلى الجهات الوطنية المختصة والآليات والمؤسسات الدولية ذات الصلة، في إطار يحافظ على الاستقلالية ويهدف إلى تعزيز المساءلة ومنع الإفلات من العقاب.
[1] تشير بعض الشهادات التي وثقتها “سوريون” إلى احتمال الإفراج عن مجموعات أخرى، ولا سيما من الفتيات، دون إعلان رسمي عن أسمائهن أو أعدادهن. إلا أن “سوريون” لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من عدد هذه الحالات أو ظروف الإفراج عنها.
