تم إنجاز هذا العمل بدعم من الاتحاد الأوروبي وبالشراكة مع “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights” . إن محتويات هذا المنشور هي مسؤولية “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” فقط/الجهة الناشرة، ولا تعكس بالضرورة آراء “الاتحاد الأوروبي” وآراء “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights”.
ما تزال العديد من النساء والفتيات في سوريا يتعرضن للقتل تحت ذرائع مرتبطة بما يسمى “الشرف”، في جرائم تستهدف في جوهرها حقّ المرأة في اتخاذ قراراتها الشخصية المتعلقة بالزواج أو الطلاق أو اختيار شريك الحياة أو إدارة شؤونها الخاصة.[1] ورغم اختلاف الظروف والملابسات المحيطة بكل حالة، إلا أن هذه الجرائم تشترك في كونها تُرتكب انطلاقاً من اعتبار سلوك المرأة أو خياراتها مسألة تمس “سمعة” العائلة أو الجماعة، بما يبرر لدى الجناة استخدام العنف المميت بحقها.
يوثق هذا التقرير خمس حالات قتل لنساء وفتيات في محافظات حلب وإدلب وحماة خلال الفترة الممتدة بين حزيران/يونيو 2025 وأيار/مايو 2026. وتكشف الشهادات التي جمعتها “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” عن أشكال متعددة من العنف القائم على النوع الاجتماعي، شملت القتل بسبب اختيار شريك الحياة، أو الطلاق، أو على خلفية علاقات عاطفية مرفوضة اجتماعياً، فضلاً عن معاقبة إحدى ضحايا العنف الجنسي بدلاً من محاسبة مرتكب الاعتداء.
ولا تمثل الحالات الواردة في هذا التقرير جميع جرائم القتل المرتكبة بذريعة “الشرف” في سوريا خلال الفترة المشمولة بالتقرير، وإنما تشكل أمثلة موثقة على ظاهرة أوسع يصعب حصرها وتوثيقها بصورة شاملة. فكثيراً ما تُحاط هذه الجرائم بدرجات عالية من السرية والتكتم داخل الأسر والمجتمعات المحلية، وقد تُقدَّم على أنها حوادث عرضية أو حالات انتحار أو جرائم جنائية عادية، بما يحول دون كشف دوافعها الحقيقية. كما يواجه توثيق هذا النوع من الانتهاكات تحديات إضافية ناجمة عن الخوف من الوصمة الاجتماعية أو الانتقام، الأمر الذي يدفع بعض الشهود وأقارب الضحايا إلى الامتناع عن الإدلاء بالمعلومات أو الإبلاغ عن الوقائع، الأمر الذي يحدّ من إمكانية الوصول إلى صورة كاملة عن حجم هذه الجرائم وانتشارها.
وتُظهر الوقائع التي حصلت عليها “سوريون” كيف يمكن للأعراف الاجتماعية والعائلية والعشائرية أن تتحول إلى أدوات لتقييد حرية النساء والتحكم بمصائرهن، وصولاً إلى حرمانهن من الحقّ في الحياة. كما تسلط الضوء على الحاجة إلى اتخاذ تدابير أكثر فاعلية لحماية النساء المعرضات للخطر، وضمان المساءلة القانونية الكاملة عن الجرائم المرتكبة بذريعة “الشرف”، باعتبارها جرائم قتل لا يمكن تبريرها بأي اعتبارات اجتماعية أو ثقافية.
لغرض إعداد هذا التقرير، قامت “سوريون” بمقابلة 5 مصادر من الشهود وأقارب الضحايا. وقد تم الحصول على موافقة المشاركين/ات المستنيرة بعد شرح طبيعة المشاركة الطوعية واستخدام المعلومات -بما في ذلك نشر هذا التقرير- وابلاغهم بإمكانية سحب موافقاتهم في أي وقت كان. وبناءً على طلبهم، لم يتم ذكر أسماء الضحايا الصريح وتم استبداله بأسماء مستعارة، مع حجب أي تفاصيل قد تؤدي إلى الكشف عن هويات الشهود والضحايا أو تعريضهم/ن لخطر الانتقام.
1. رنا: قُتلت بعد أن حُمّلت مسؤولية جريمة اعتداء جنسي ارتُكبت بحقها:
تواجه العديد من النساء ضحايا العنف الجنسي أضراراً تتجاوز الاعتداء ذاته، إذ يُحمَّلن مسؤولية ما تعرضن له ويواجهن الوصم أو العقاب داخل أسرهن ومجتمعاتهن، بدلاً من الحصول على الحماية والإنصاف ومحاسبة الجناة. ويدفع الخوف من ردود فعل الأسرة أو المجتمع العديد من الضحايا إلى إخفاء ما تعرضن له وعدم الإبلاغ عنه، خشية العواقب التي قد تترتب على كشفه أكثر من خوفهن من الجاني نفسه.
في كانون الأول/ديسمبر 2025، قُتلت رنا (20 عاماً) في ريف محافظة إدلب، على يد شقيقها الذي وجّه إليها عدة طعنات أودت بحياتها، بعد اكتشاف حملها.
وبحسب شهادة حصلت عليها “سوريون”، كانت رنا ترتبط بعلاقة عاطفية مع شاب من قريتها يرغب في الزواج منها، إلا أن ابن عمها كان يرفض هذه العلاقة ويضغط للزواج منها. ووفقاً للشهادة، تعرضت رنا للاغتصاب على يد ابن عمها أثناء وجودها في أرض زراعية تابعة للعائلة، إلا أنها أخفت ما جرى خوفاً من رد فعل أسرتها.
وقالت الشاهدة “امتنعت رنا عن إبلاغ والدتها أو أي من أفراد عائلتها بما تعرضت له لأنها كانت تخشى أن تُحمّل المسؤولية عوضاً عن ابن عمها الذي اغتصبها”، مضيفة أن مخاوفها تحققت لاحقاً عندما اكتُشف حملها نتيجة الاغتصاب.
وبحسب الشهادة، أخبرت رنا والدتها بحقيقة ما جرى وأوضحت أن ابن عمها هو من اعتدى عليها، وأضافت الشاهدة أن “والدة رنا قامت بإخبار شقيق الفتاة أن الشاب الذي كان يربطه بها علاقة حب قد تعرض لها، ولم تخبره أن ابن عمه قام بفعلته لتجنب المشاكل العائلية الكبيرة”. وبدلاً من توجيه الاتهام إلى مرتكب الاعتداء، تعرضت رنا للطعن عدة مرات على يد شقيقها الذي قتلها على الفور.
ولم تتوقف المأساة عند هذا الحد، إذ أفادت الشهادة بأن شقيق الضحية أقدم لاحقاً على قتل الشاب الذي كانت ترتبط به عاطفياً، فيما لم يتعرض الشخص المتهم بارتكاب الاعتداء الجنسي لأي مساءلة. وأضافت الشاهدة أن شقيق رنا أوقف لفترة من الزمن قبل أن يخرج من السجن لاحقاً. وتختم الشاهدة يقولها “هكذا خسرت رنا حياتها مرتين؛ الأولى حين تعرضت للاعتداء، والثانية حين حرمت من حقها في الحماية والعدالة”.
2. سارة: قُتلت بعد إجبارها على التخلي عن الرجل الذي اختارته شريكاً لحياتها:
في آذار/مارس 2026، قُتلت سارة (18 عاماً) في ريف حلب، بعد أشهر من محاولتها الارتباط بشاب أحبته وينتمي إلى عشيرة أخرى. وبحسب شهادة حصلت عليها “سوريون” من شخص مقرب من الضحية، فإن والدها رفض مراراً الموافقة على زواجها من الشاب بسبب انتمائه العشائري، رغم تقدمه لخطبتها أكثر من مرة.
ومع استمرار رفض الأسرة، قررت سارة الهرب برفقة الشاب في محاولة للزواج بعيداً عن الضغوط العائلية والعشائرية. إلا أن عائلتها تمكنت من استعادتها بعد تدخل وجهاء عشائريين، أعقبته سلسلة من التوترات والخلافات بين الطرفين، شملت عمليات خطف متبادلة لأقارب الشاب، قبل أن يتدخل وجهاء عشائريون لعقد جلسة صلح في مدينة حلب. وبحسب الشاهد، جرى خلال تلك المرحلة “تسليم الفتاة إلى شيخ عشائري لتبقى لديه كأمانة ريثما يحلوا المسألة… قبل أن يتعهد والدها بعدم التعرض لها ووعد بتزويجها من ابن عمها في لبنان”.
إلا أن هذه التعهدات لم تمنع وقوع الجريمة. فلاحقاً، وأثناء وجود سارة قرب الحدود السورية اللبنانية، أطلق شقيقها النار على رأسها، ما أدى إلى مقتلها على الفور. ووفقاً للشهادة، فرّ الشقيق ووالد الضحية عقب الحادثة، ولم تتم محاسبة الفاعل حتى وقت إجراء المقابلة. وأضاف الشاهد: “رحلت سارة في أول عمرها، وخسرت حياتها لأنها أحبت وحاولت أن تختار مصيرها بنفسها، أما الجناة فما زالوا فارّين”.
ولا تبدو هذه الواقعة معزولة عن حالات أخرى وثقتها “سوريون” شهدت تدخل وجهاء وشخصيات اجتماعية أو عشائرية للتوصل إلى تسويات تتعلق بمصير النساء بعد هروبهن أو رفضهن قرارات أسرهن المتعلقة بالزواج. فقد وثقت “سوريون” سابقاً على سبيل المثال قضية الطفلة جلنار عزقول، التي لجأت إلى منزل عائلة شاب كانت على علاقة به بعد فرارها من منزل أسرتها خوفاً من العنف. وبعد وساطات شارك فيها رجال دين ووجهاء محليون، أُعيدت جلنار إلى عائلتها عقب توقيع والدها تعهداً بعدم التعرض لها، إلا أنه خالف ذلك التعهد وأقدم على قتلها. وتُظهر هذه الوقائع استمرار التعامل مع النساء بوصفهن موضوعاً للتفاوض والتسوية بين الرجال والعشائر، في حين يُستبعد حق النساء أنفسهن في تقرير مصيرهن أو ضمان حمايتهن الفعلية.
3. نورا: جريمة “شرف” مؤجلة خمسة عشر عاماً:
تكشف هذه القضية مثالاً عن إخضاع النساء لأحكام اجتماعية لا تسقط بمرور الزمن. فعلى الرغم من مرور أكثر من خمسة عشر عاماً على زواج نورا وتأسيسها أسرة وإنجابها ستة أطفال، ظل اختيارها لشريك حياتها يُعامل باعتباره جرماً يستوجب العقاب، وهو ما يعكس هيمنة تصورات تضع “شرف” العائلة فوق حق المرأة في الاستقلال واتخاذ القرارات المتعلقة بحياتها الخاصة.
في آذار/مارس 2026، قُتلت نورا (35 عاماً) في ريف حمص، على يد ابن شقيقها، بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على زواجها من رجل رفضت عائلتها الارتباط به بسبب اختلاف الانتماء الطائفي، فهو من الطائفة العلوية بينما هي سنّية.
وبحسب شهادة حصلت عليها “سوريون”، كانت نورا قد اختارت قبل سنوات الزواج من الرجل الذي أحبته رغم معارضة أسرتها، ما دفعها إلى مغادرة منزل عائلتها والعيش مع زوجها في ريف حمص. وعلى مدى السنوات اللاحقة، بنت حياة مستقرة مع زوجها وأنجبت ستة أطفال، أكبرهم في الثالثة عشرة من عمره.
ورغم مرور سنوات طويلة على الواقعة، لم تنهِ القطيعة العائلية آثار الخلاف القديم. ففي يوم الجريمة، تلقت نورا اتصالاً من ابن شقيقها الشاب، أخبرها خلاله برغبته في زيارتها. وبحسب الشاهد، استقبلت نورا هذه المبادرة بكثير من الأمل، معتقدة أن السنوات الطويلة ربما خففت من حدة الخلاف وأعادت فتح باب التواصل مع عائلتها.
وبحسب الشاهد و“في مساء اليوم نفسه، استدرجها ابن شقيقها إلى منطقة الصالحية قرب حمص، حيث أطلق النار عليها لتسقط غارقة بدمائها قبل أن يفر من المكان… كان خبر مقتلها بالنسبة لأهلها أمراً طبيعياً، فقد اعتبروا أنهم غسلوا عارهم بعد خمسة عشر عاماً”.
وأسفرت الجريمة عن حرمان ستة أطفال من والدتهم، فيما ظل الفاعل فاراً من العدالة حتى وقت إجراء المقابلة.
4. ريم: قُتلت في طريقها إلى حياة جديدة:
في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، قُتلت ريم (28 عاماً) في مدينة جسر الشغور بريف إدلب، على يد ابن عمها، بعد محاولتها مغادرة سوريا والعودة إلى ألمانيا. وبحسب شهادة حصلت عليها “سوريون” من أحد أقارب الضحية، كانت ريم قد عاشت مع زوجها وأطفالها في ألمانيا لعدة سنوات بعد مغادرتها سوريا بسبب الحرب. إلا أنها عادت إلى البلاد عقب سقوط نظام الأسد، رغم معارضتها لهذه الخطوة، استجابة لإصرار زوجها ورغبته في الاستقرار مجدداً داخل سوريا.
ومع تدهور الظروف المعيشية، وازدياد الخلافات الأسرية، قررت ريم الانفصال عن زوجها وإبلاغ عائلتها برغبتها في العودة إلى ألمانيا. وفي يوم الجريمة، غادرت برفقة أحد شبان الحي الذي كان يساعدها في الوصول إلى الحدود السورية اللبنانية تمهيداً للسفر، إلا أن ابن عمها شاهدهما معاً، فقام بتوجيه الشتائم إلى الشاب قبل أن يطلق النار على ريم، تاركاً إياها تنزف في المكان ويلوذ بالفرار. ووفقاً للشاهد، “برر ابن العم فعلته بأن مرافقة ريم لرجل لا تربطها به علاقة قرابة أو زواج يُعد مساساً بما اعتبره شرف العائلة وخرقاً للعادات والتقاليد”.
خلّفت الجريمة ثلاثة أطفال حُرموا من والدتهم، فيما أُلقي القبض على المشتبه به بعد نحو شهر من اختفائه. وقال الشاهد أنه يخشى أن يُفرج عنه لاحقاً بسبب التعامل مع القضية باعتبارها جريمة مرتبطة بذريعة “الشرف”.
5. دالية: قضية وفاة أُغلقت سريعاً رغم الشكوك المحيطة بها:
ليست جميع الوفيات المرتبطة بذريعة “الشرف” جرائم معلنة أو موثقة بصورة قاطعة. ففي بعض الحالات، تسبق الوفاة مؤشرات على وجود تهديدات أو مخاوف عبّرت عنها الضحية، بينما تُسجّل الحادثة لاحقاً بوصفها وفاة عرضية أو طبيعية، دون أن تُحسم الشكوك التي تحيط بها. وتسلط قضية دالية الضوء على هذا النوع من الحالات، حيث تداخلت المخاوف المسبقة والضغوط الاجتماعية مع ملابسات وفاة أثارت الشكوك.
فقبل وفاتها بأشهر، كانت دالية (21 عاماً) تخبر مقربين منها بأنها تخشى العودة إلى منزل عائلتها بعد الطلاق. وبحسب الشهادة التي حصلت عليها “سوريون” من إحدى قريباتها، كانت الضحية تردد أنها “تشعر بأن مكروهاً قد يصيبها بسبب نظرة بعض أفراد الأسرة والعشيرة إليها، وبسبب الأحاديث والشائعات التي انتشرت عنها عقب انفصالها عن زوجها.“
في حزيران/يونيو 2025، توفيت دالية داخل منزل عائلتها في محافظة حلب، في حادثة سُجلت على أنها ناجمة عن “صعق كهربائي أثناء الاستحمام”. إلا أن ملابسات الوفاة والظروف التي سبقتها دفعت مقربين منها إلى التشكيك في الرواية المتداولة وطرح تساؤلات حول احتمال تعرضها للقتل تحت ذريعة “الشرف”.
وكانت دالية قد تزوجت في سن مبكرة من أحد أقاربها وأنجبت طفلين قبل أن تنتهي حياتها الزوجية بالطلاق. وأكدت الشاهدة أن الضحية “كانت خائفة وتشعر أنهم سيؤذونها بذريعة غسل العار”، مضيفة أن الضغوط التي تعرضت لها لم تقتصر على أفراد الأسرة، بل امتدت إلى محيطها الاجتماعي الأوسع.
وبحسب الشاهدة “يُنظر إلى الطلاق في محيط دالية العائلي والعشائري بوصفه أمراً شديد الحساسية، في ظل ضغوط كبيرة تُفرض على النساء، وانتشار الزواج المبكر وزواج الأقارب، وما يرافق ذلك من أهمية مفرطة لما يُعرف بـسمعة العائلة وتأثيرها على مختلف جوانب الحياة.”
عقب إعلان وفاة دالية، جرى دفنها بسرعة، من دون أن يُعرف ما إذا كانت قد اتُخذت إجراءات تحقيق مستقلة أو فحص جنائي يمكن أن يبدد الشكوك المحيطة بالقضية. وأضافت الشاهدة: “تحدث بعض الأشخاص المقربين منها عن وجود علامات استفهام كبيرة حول ما جرى”، مؤكدة اعتقادها بأن بعض أفراد العائلة كانوا يسعون للتخلص من دالية منذ أشهر، رغم عدم وجود أدلة قاطعة تثبت ذلك.
ورغم عدم توفر معلومات كافية تسمح بالجزم بوقوع جريمة قتل، فإن هذه القضية تبرز أهمية التعامل بجدية مع الوفيات التي تسبقها مؤشرات على وجود تهديدات أو مخاوف عبّرت عنها الضحية نفسها، وضمان إجراء تحقيقات مستقلة وفعالة كلما أثيرت شبهات مرتبطة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي أو بما يسمى جرائم “الشرف”.
6. رأي قانوني:
على الرغم من إلغاء المادة 548 من قانون العقوبات السوري رقم 148 لعام 1949 بموجب القانون رقم 2 لعام 2020، والتي كانت تمنح مرتكبي بعض جرائم القتل المرتبطة بما يسمى “الشرف” أسباباً مخففة أو معفية من العقوبة، لا تزال هذه الجرائم تُرتكب بصورة متكررة، بما يعكس استمرار العوامل الاجتماعية والثقافية التي ساهمت تاريخياً في تبرير العنف ضد النساء والتسامح معه.
وبما أن التشريعات السورية النافذة ما تزال مطبقة استناداً إلى المادة 51 من الإعلان الدستوري الصادر في آذار/مارس 2025، فإن الأفعال الواردة في هذا التقرير تشكل جرائم قتل عمد أو قتل قصد وفقاً لظروف كل حالة، وتخضع للأحكام المنصوص عليها في المواد 533 وما يليها من قانون العقوبات السوري. وتنص الفقرة الثالثة من المادة 535 صراحةً على أن القتل العمد المرتكب بحق أحد الأصول أو الفروع يُعاقب عليه بالإعدام، ما يعكس إدراك المشرّع لجسامة هذا النوع من الجرائم. ورغم أن “سوريون” تُعارض تطبيق عقوبة الإعدام باعتبارها انتهاكاً للحق في الحياة، إلا أن النص يُبرز خطورة هذه الأفعال، ويؤكد ضرورة إخضاع مرتكبيها لأقصى العقوبات القانونية وعدم التساهل في محاسبتهم.
هذا ولا يزال قانون العقوبات السوري يتضمن نصوصاً قد تُستخدم عملياً لتخفيف العقوبات في بعض هذه الجرائم، ولا سيما المادة 192 المتعلقة بما يسمى “الدافع الشريف”. ويثير هذا النص إشكاليات جدية من منظور حقوق الإنسان، نظراً لما ينطوي عليه من مفاهيم فضفاضة قد تسمح بإضفاء شرعية ضمنية على أعمال العنف المرتكبة باسم حماية “الشرف” أو “السمعة”، بما يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون وواجب الدولة في حماية الحق في الحياة.
وتُظهر الحالات الموثقة أيضاً انتهاك جملة من الحقوق الأساسية المكفولة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، حيث تمثل هذه الجرائم انتهاكاً للحق في الحياة المنصوص عليه في المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كما تشكل شكلاً من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي المحظور بموجب اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) وغيرها من المعايير الدولية ذات الصلة. كذلك، تتعارض هذه الجرائم مع إعلان الأمم المتحدة بشأن القضاء على العنف ضد المرأة لعام 1993، الذي أكّد على وجوب حماية النساء من العنف، وضمان حقهن في الحياة والكرامة والمساواة.
7. مسؤولية السلطات الانتقالية وتوصيات لها:
تتحمل السلطات الانتقالية مسؤولية خاصة في ضمان حماية النساء والفتيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي، سواء من خلال ملاحقة مرتكبي الجرائم، أو اتخاذ تدابير واضحة مفادها أن أي تبرير للعنف ضد النساء استناداً إلى مفاهيم “الشرف” أو “السمعة” لا مكان له في دولة تحترم سيادة القانون وحقوق الإنسان.
وتتطلب مواجهة هذه الجرائم إصلاحات تشريعية جادة تتجاوز الاكتفاء بالعقاب بعد وقوع الجريمة، وتشمل مراجعة القوانين التي تنطوي على أحكام تمييزية أو تسمح بتفسيرات قد تؤدي إلى التساهل مع العنف ضد النساء بما يضمن توفير حماية قانونية أكثر فعالية للنساء والفتيات.
كما تبرز بعض الوقائع الموثقة الحاجة إلى تعزيز فعالية التحقيقات الجنائية في الجرائم والوفيات التي تحيط بها شبهات مرتبطة بالعنف ضد النساء، وضمان عدم إغلاق القضايا أو التعامل معها بصورة شكلية عندما تتوافر مؤشرات تستدعي تحقيقاً مستقلاً وشاملاً.
إن بناء الثقة بمؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية لا يقتصر على معالجة الملفات السياسية والأمنية الكبرى، بل يشمل أيضاً قدرة هذه المؤسسات على حماية الفئات الأكثر عرضة للخطر، وضمان تمتع النساء بحقوقهن الأساسية دون خوف من العنف أو الانتقام أو الإفلات من العقاب.
وعليه، تقدم “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” التوصيات التالية إلى الحكومة السورية الانتقالية:
- الإعلان بشكل واضح وصريح عن رفض جرائم القتل المرتكبة بذريعة “الشرف”، والتأكيد على أنها جرائم قتل لا يمكن تبريرها بأي اعتبارات اجتماعية أو عائلية أو عشائرية.
- ضمان إجراء تحقيقات مستقلة وفعالة وسريعة في جميع جرائم القتل والوفيات المشبوهة والعنف الجنسي التي تطال النساء، ومحاسبة المسؤولين عنها وفقاً للقانون، بمن فيهم المحرضون أو المساهمون في ارتكابها أو التستر عليها، مع توفير الحماية اللازمة للضحايا والشهود والناجيات من العنف.
- إجراء مراجعة شاملة للتشريعات السارية، ولا سيما قانون العقوبات (خاصة المادة 192) وقانون الأحوال الشخصية، بهدف إلغاء أو تعديل الأحكام التي تنطوي على تمييز ضد النساء والفتيات أو تقييد حقوقهن وحرياتهن الأساسية، وبما ينسجم مع مبدأ المساواة وعدم التمييز.
- التأكيد على عدم شمول مرتكبي جرائم “الشرف” بأي عفو عام أو إطلاق سراح إداري خارج الأطر القضائية، وضمان استمرار ملاحقتهم ومحاسبتهم وفق القانون.
- إدماج منظور النوع الاجتماعي في التشريعات والسياسات العامة وخطط إصلاح قطاعي العدالة والأمن، وتعزيز قدرات القضاة وأفراد إنفاذ القانون على التعامل مع جرائم العنف القائم على النوع الاجتماعي وفق المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
- تطوير آليات فعالة لحماية النساء والفتيات المعرّضات لخطر العنف الأسري أو التهديد بالقتل، بما في ذلك توفير قنوات آمنة للإبلاغ والتدخل المبكر وإحالة الحالات المعرضة للخطر إلى جهات مختصة قادرة على توفير الحماية.
- دعم حملات التوعية المجتمعية التي تؤكد حق النساء في الحياة والكرامة والاستقلالية الشخصية، وتناهض الممارسات والأفكار التي تبرر العنف ضد النساء باسم “الشرف” أو “السمعة”.
- تعزيز التعاون مع الآليات الدولية المعنية بحقوق المرأة، والعمل على مواءمة التشريعات والسياسات الوطنية مع الالتزامات الدولية لسوريا، بما في ذلك اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، والسعي إلى مراجعة ورفع التحفظات التي تتعارض مع مبدأ المساواة وعدم التمييز.
[1] نشرت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” العديد من التقارير التي توثق حالات القتل بذريعة “الشرف”. أنظر مثلاً: سوريا/المرحلة الانتقالية: القتل بذريعة الشرف: عنف مستمر وسط غياب الحماية وتحديات الاستجابة القانونية. 19 حزيران/يونيو 2025. سوريا: 185 جريمة قتل بحجة الدفاع عن الشرف منذ 2019. 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2022. اختفاء شابّة في الجنوب السوري وسط أنباء عن مقتلها “بذريعة الشرف”. 25 آب/أغسطس 2021. بذريعة “الشرف”: جرائم مستمرة بحق النساء في مناطق سورية مختلفة. 5 أيار/مايو 2021. عشر جرائم “بدافع الشرف” في الحسكة والسويداء منذ مطلع 2019. 8 آب/أغسطس 2019. سوريا: مقتل طفلة وامرأتين بجرائم منفصلة “بدافع الشرف“. 5 تموز/يوليو 2019.
