الرئيسية تقارير“جواز العبور غير المعلن”: الإقصاء الوظيفي والتمييز في مؤسسات الدولة في المرحلة الانتقالية

“جواز العبور غير المعلن”: الإقصاء الوظيفي والتمييز في مؤسسات الدولة في المرحلة الانتقالية

تدعو "سوريون" الحكومة الانتقالية إلى وقف إجراءات الفصل والنقل التعسفي وضمان الشفافية في إعادة هيكلة القطاع العام وعدم التمييز على أساس الانتماء الطائفي أو السياسي أو الجندري وضمان وجود آليات فعالة للمراجعة والتظلم والمساءلة القانونية

بواسطة Author F
47 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

تم إنجاز هذا العمل بدعم من الاتحاد الأوروبي وبالشراكة مع “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights” . إن محتويات هذا المنشور هي مسؤولية “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” فقط/الجهة الناشرة،  ولا تعكس بالضرورة آراء “الاتحاد الأوروبي” وآراء “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights”.

     1. المقدمة:

شهدت مؤسسات الدولة السورية، عقب سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تغييرات واسعة طالت البنية الإدارية والوظيفية في عدد كبير من القطاعات العامة. شملت التغييرات إنهاء عقود عشرات آلاف العاملين/ات، ووقف صرف رواتب، وإحالة موظفين/ات إلى إجازات طويلة، وإجراء تنقلات وظيفية مفاجئة إلى مناطق بعيدة عن أماكن عملهم الأصلية أو اختصاصاتهم المهنية، وسط غياب معايير واضحة وشفافة تحكم هذه الإجراءات.

وفي هذا السياق، وثقت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” شهادات جديدة لعاملين/ات سابقين/ات في مؤسسات حكومية مختلفة، من بينها قطاعات القضاء والتعليم والموانئ والمؤسسات الإنشائية التابعة للدولة، تحدثوا فيها عن تعرضهم لإجراءات وصفوها بالتعسفية أو التمييزية، شملت الفصل غير المبرر، أو النقل التعسفي، أو الاستبعاد من التوظيف، أو حرمانهم من رواتبهم وحقوقهم التأمينية، دون تزويدهم بقرارات إدارية معلّلة أو إتاحة سبل فعالة للاعتراض أو التظلّم.

وتشير الشهادات التي وثقتها “سوريون” إلى أن بعض هذه الإجراءات لم تستند إلى اعتبارات إدارية أو تنظيمية، بل ارتبطت بخلفيات طائفية أو سياسية أو جندرية، أو بمعايير مرتبطة بالموقف من الانتفاضة السورية (عام 2011) أو الانتماء المناطقي والاجتماعي، الأمر الذي يثير مخاوف جدية بشأن استخدام عملية إعادة هيكلة مؤسسات الدولة كأداة للإقصاء وإعادة تشكيل القطاع العام على أسس غير مهنية.

كما تكشف الشهادات عن آثار إنسانية واقتصادية عميقة لهذه الممارسات، بما في ذلك فقدان مصادر الدخل، وتعطّل الحقوق التقاعدية والتأمينية، واضطرار بعض العائلات إلى الهجرة أو النزوح، إضافة إلى تفاقم مشاعر الخوف وعدم الاستقرار لدى شرائح واسعة من العاملين/ات في القطاع العام.

يهدف التقرير إلى تسليط الضوء على أنماط الفصل والإقصاء الوظيفي والنقل التعسفي في مؤسسات الدولة السورية بعد سقوط النظام، وتحليلها في ضوء أحكام القانون السوري والمعايير الدولية ذات الصلة، ولا سيما مبادئ المساواة وعدم التمييز والحق في العمل والحق في الحماية القانونية الفعالة.

لغرض إعداد هذا التقرير، قامت “سوريون” بمقابلة 5 شهود وضحايا، وقد تمّ الحصول على موافقة المشاركين/ات المستنيرة بعد شرح طبيعة المشاركة الطوعية واستخدام المعلومات -بما في ذلك نشر هذا التقرير- وابلاغهم بإمكانية سحب موافقاتهم في أي وقت كان.

وبناءً على طلبهم، تم استخدام أسماء مستعارة للإشارة إلى الشهود، مع حجب أي تفاصيل قد تؤدي إلى الكشف عن هوياتهم أو تعريضهم أو عائلاتهم لخطر الانتقام.

     2. خلفية: إعادة هيكلة المؤسسات العامة بعد سقوط النظام:

رافقت المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد حالة من الاضطراب الإداري وعدم الاستقرار داخل عدد كبير من مؤسسات الدولة السورية، وسط غياب رؤية معلنة وواضحة بشأن آليات إعادة هيكلة القطاع العام والمعايير التي اعتُمدت للإبقاء على العاملين/ات أو إنهاء خدماتهم أو نقلهم.

وفي ظل هذا الغموض، برزت شكاوى متزايدة من موظفين/ات وعاملين/ات سابقين/ات في مؤسسات حكومية مختلفة تحدثوا عن تعرضهم لإجراءات تعسفية وتمييزية، شملت الفصل من العمل، أو الإحالة إلى إجازات طويلة، أو النقل إلى مناطق بعيدة عن أماكن إقامتهم أو اختصاصهم المهني، أو استبعادهم من فرص التوظيف والترقية دون توضيحات قانونية كافية.

ورغم إعلان السلطات الجديدة أن بعض هذه الإجراءات يندرج ضمن مساعي “إعادة هيكلة الاقتصاد” ومعالجة ما وصفته بـ”البطالة المقنعة” داخل مؤسسات الدولة، إلا أن غياب المعايير المعلنة والآليات القانونية الواضحة، وعدم نشر قرارات إدارية مفصلة تبيّن أسس الفصل أو النقل أو الاستبعاد، أثار حالة واسعة من القلق وعدم اليقين بين العاملين/ات في القطاع العام.

وفي عدد من المحافظات، ولا سيما في مناطق الساحل السوري ذات الكثافة العلوية، ترافقت هذه الإجراءات مع تصاعد التوترات الأمنية والخطاب الطائفي عقب أحداث العنف التي شهدتها المنطقة في آذار/مارس 2025، وما تبعها من مخاوف، خاصة لدى أبناء الطائفة العلوية، من تعرضهم للاستهداف أو الإقصاء داخل مؤسسات الدولة. وكانت “سوريون” قد وثقت سابقاً شهادات متعددة حول عمليات فصل جماعي وإقصاء وظيفي طالت موظفين/ات من الطائفة العلوية، وسط اتهامات باستخدام الانتماء الطائفي أو الموقف السياسي كعامل مؤثر في بعض القرارات الوظيفية.

وفي هذا السياق، يوثق التقرير الحالي مجموعة من الشهادات التي تعكس جانباً من التحولات التي شهدها القطاع العام السوري خلال المرحلة الانتقالية، وما رافقها من إشكالات قانونية وإدارية ومخاوف مرتبطة بالتمييز والإقصاء وغياب الشفافية في إدارة الموارد البشرية داخل مؤسسات الدولة.

     3. الفصل التعسفي والنقل القسري في مؤسسات الدولة:

وثقت “سوريون” عدداً من الشهادات التي تحدث أصحابها عن تعرضهم للفصل من العمل أو إنهاء العقود أو الإقصاء من الوظيفة العامة في ظروف افتقرت إلى الوضوح والضمانات القانونية الكافية. وفي عدد من الحالات، قال الشهود أن القرارات اتُّخذت بصورة مفاجئة ودون تقديم أسباب إدارية واضحة أو إتاحة مسارات فعالة للاعتراض أو التظلم، ما تركهم في حالة من عدم الاستقرار المهني والمعيشي.

في هذا السياق، قالت “سناء”، وهي موظفة إدارية في وزارة التربية (من الطائفة العلوية)، جرى تعيينها ضمن عقود المسابقة المركزية عام 2021، أن عقدها أُنهي مطلع عام 2026 رغم أنه لم يصل إلى نهاية مدته القانونية، مضيفة أن القرار شمل الكثير من العاملين/ات في مديريات التربية دون توضيحات واضحة حول الأسباب أو المعايير المعتمدة. وقالت:

“تم إبلاغي بإنهاء عقدي اعتباراً من الشهر الأول لعام 2026، رغم أن عقودنا هي عقود ممتدة لخمس سنوات، ولم تصل بعد إلى مدتها القانونية التي تتيح إنهاءها أو عدم تجديدها.”

وأضافت أن المفارقة بالنسبة لها تمثلت في إعلان الجهات نفسها عن مسابقات توظيف جديدة في الوقت الذي جرى فيه إنهاء عقود موظفين/ات كانوا يشغلون شواغر فعلية، متسائلة:

“إذا كانت هناك شواغر ونقص في الكادر، فلماذا يتم فصل هذا العدد الكبير من العاملين والعاملات بدل الإبقاء عليهم في مناصبهم”

وفي شهادة أخرى، قال “جورج”، وهو موظف مدني (مسيحي) عمل لأكثر من 32 عاماً في مؤسسة الإنشاءات العسكرية في حمص، أن العاملين/ات في المؤسسة توقفوا عن تقاضي رواتبهم منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، قبل أن يُطلب منهم البقاء في منازلهم بانتظار تعيين إدارة جديدة. وأضاف أن غياب أي توضيحات رسمية دفعه لاحقاً إلى تقديم استقالته على أمل الحصول على مستحقاته التأمينية أو التقاعدية، لكنه بقي حتى لحظة إجراء المقابلة معه دون معرفة مصير حقوقه. وقال:

“ما زلت حتى الآن أدور بين الجهات المعنية دون معرفة مصير حقوقي المالية والتأمينية.”

كما أشار إلى أن الكثير من العاملين/ات الذين أمضوا سنوات طويلة في الخدمة وجدوا أنفسهم مهددين بخسارة تعويضاتهم بسبب تعطل الإجراءات الإدارية وعدم وضوح مصير المؤسسات التي كانوا يعملون فيها، مضيفاً:

“المؤسسة حالياً خالية من المناصب الإدارية الأساسية، وجميع العاملين أعيدوا إلى منازلهم دون رواتب، ولم يتم صرف أي منحة أو تعويض.”

وفي محافظة اللاذقية، روت “نهاد”، وهي مهندسة (من الطائفة العلوية) عملت في الموانئ السورية لمدة 31 عاماً، كيف تحولت إجراءات إعادة الهيكلة، بحسب وصفها، إلى وسيلة لدفع عدد كبير من الموظفين/ات إلى الاستقالة أو مغادرة وظائفهم. وقالت إن الإدارة الجديدة منحت العاملين/ات إجازات لثلاثة أشهر، قبل أن تُرسل لاحقاً قرارات نقل إلى مناطق بعيدة لا تتناسب مع اختصاصاتهم المهنية أو ظروفهم الاجتماعية.

وأضافت أن من بين نحو 335 موظفاً جرى إبعادهم عن العمل، بقي موظف علوي واحد فقط في المؤسسة. ووضحت أنها تلقت رسالة عبر تطبيق “واتس آب” تُبلغها بنقل مركز عملها إلى مدينة البوكمال، رغم خبرتها الطويلة في قطاع الموانئ والعمل البحري. وقالت:

“طلبت مقابلة المدير لسؤاله لماذا نقلتني إلى البوكمال، وماذا أفعل هناك وأنا خبيرة بمجال عملي، عملت بتأسيس العديد من الموانئ الخليجية ومنها موانئ بالسعودية.”

وبحسب إفادتها، فإن الإدارة أبلغتها بأن القرار لا يُعد فصلاً بل “نقلاً”، رغم أن النقل كان بحسب ما صرحت لا يرتبط بطبيعة عملها وخبرتها المهنية. وأضافت:

“قدمت استقالتي مباشرة وبنفس اللحظة قبلت الاستقالة. وهذا تعسف إداري لا يجوز قبول الاستقالة إلا بعد 60 يوم.”

وقالت “نهاد” إن هذه الإجراءات دفعتها إلى مغادرة عملها الذي أمضت فيه معظم حياتها المهنية، دون امتلاك بدائل واضحة للعمل أو الاستقرار، مضيفة:

“أنا الآن بمنتصف العمر دون عمل، ولا أعرف العمل إلا بالموانئ، فأين أذهب؟”

وفي إحدى الشهادات وثقت “سوريون” ما جرى مع مُدرسة من محافظة طرطوس حيث ترافق فصلها من عملها (خلال حملات الفصل التي طالت عدداً من العاملين/ات في القطاع التعليمي) مع تدهور حاد في الوضع الأمني والمعيشي لأسرتها، خاصة عقب أحداث الساحل السوري في آذار/مارس 2025. وبحسب الشهادة، اضطرت الأسرة إلى مغادرة سوريا نحو لبنان عبر أحد المعابر غير الشرعية بعد دفع رشاوى، في ظل مخاوف أمنية متزايدة وفقدان مصدر الدخل الأساسي. وقال أحد أفراد أسرتها:

“بسبب هذا الفصل التعسفي فقدت الأسرة الأمان المالي والمعيشي بعد أن فقدت الأمان الشخصي.”

وأضاف أن العائلة واجهت بعد وصولها إلى لبنان ظروفاً صعبة، شملت تكاليف السكن والتعليم. كما اضطرت طفلتهم إلى الانتقال إلى مدرسة جديدة في لبنان في منتصف العام الدراسي، وسط صعوبات في التأقلم ومتابعة المناهج واللغات الأجنبية مقارنة بزملائها الجدد ما سبب ضغوطاً مادية ونفسية إضافية للعائلة.

     4. التمييز والإقصاء في الوصول إلى الوظيفة العامة:

وفي بعض الحالات امتدّ أثر هذه الإجراءات من خسارة الوظيفة أو الدخل ليشمل الشعور بالإقصاء من المجال العام وفقدان الثقة بوجود معايير مهنية أو قانونية تحكم التوظيف والاستمرار في العمل داخل مؤسسات الدولة.

في هذا السياق، تحدثت “زينة”، (من الطائفة السنية) وهي محامية تحمل درجة الماجستير في الحماية الأسرية والعنف الأسري وتمتلك خبرة مهنية طويلة في مجال المحاماة والتحكيم، عن تجربتها في التقدم إلى مسابقة قضائية بعد سقوط النظام. وقالت إنها اجتازت الامتحان الكتابي والمقابلات القانونية بنجاح، وحصلت على علامات مرتفعة، إلا أن المقابلة الأخيرة، بحسب وصفها، ابتعدت عن تقييم الكفاءة القانونية واتجهت نحو أسئلة ذات طابع شخصي وديني وسياسي.

وقالت إن بعض الأسئلة التي طُرحت عليها لم تكن مرتبطة بالمؤهلات القضائية، بل تناولت الموقف من الثورة أو الممارسات الدينية والحياة الشخصية، مضيفة:

“كان واضحاً من طبيعة الأسئلة أن هناك توجهاً مسبقاً نحو اختيار أشخاص محددين.”

وأضافت أن السؤال الأبرز الذي وُجّه إليها كان:

“ماذا فعلتِ خلال 14 سنة؟ أو بمعنى آخر: ماذا قدّمتِ للثورة؟”

وبحسب إفادتها، فقد شعرت بعد المقابلة أن خلفيتها الاجتماعية والشخصية لعبت دوراً في استبعادها، رغم خبرتها المهنية الطويلة، وقالت:

“أدركت أن جوابي لم يكن الجواب الذي يريدونه، وأنني لا أملك ‘جواز العبور’ غير المعلن.”

كما أشارت إلى أنها سمعت من متقدمين آخرين تعليقات تفيد بأن فرص قبول النساء غير المحجبات كانت أضعف، مضيفة:

“خارج القاعات سمعت كثيراً من الزملاء يقولون: إذا لم تكوني محجبة فلن يتم قبولك.”

وفي نهاية شهادتها، قالت “زينة” أنها شعرت بأنها تعرضت لنوع من التمييز لكونها امرأة غير محجّبة والمظهر الشخصي، مضيفة:

“في النهاية، أشعر أنني تعرّضت للظلم، ولنوع من العنف القائم على النوع الاجتماعي، فقط لأنني امرأة وغير محجبة.”

وفي سياق المخاوف المرتبطة بتزايد المؤشرات على التمييز القائم على النوع الاجتماعي والمظهر الشخصي داخل بعض المؤسسات الرسمية، تداول ناشطون ومحامون معلومات عن منع عدد من المحاميات من دخول دائرة النفوس في شارع الثورة بدمشق، بذريعة “منع الاختلاط”. وبحسب المعلومات المتداولة، أدى هذا الإجراء إلى عرقلة معاملات قانونية وإدارية مرتبطة بموكلي المحاميات، في ظل غياب أي قرار رسمي معلن ينظم هذه القيود أو يحدد أساسها القانوني، ما أثار مخاوف إضافية بشأن تقييد وصول النساء إلى أماكن العمل والمؤسسات العامة على أسس تمييزية.

وتعكس هذه الشهادات، رغم اختلاف القطاعات والمؤسسات التي وردت منها، مخاوف متكررة لدى العديد من العاملين/ات والمتقدمين/ات للوظائف العامة من غياب معايير واضحة وشفافة تحكم قرارات الفصل أو النقل أو التوظيف، ومن احتمال تأثر بعض هذه القرارات بعوامل تتعلق بالخلفية الطائفية أو السياسية أو الجندرية، في ظل ضعف آليات المراجعة والتظلم وغياب التوضيحات الرسمية الكافية.

     5. الإطار القانوني والإشكالات المرتبطة بقرارات الفصل والنقل والتوظيف:

تثير الشهادات الواردة في هذا التقرير جملة من الإشكالات القانونية المرتبطة بمدى التزام الجهات العامة في سوريا بمبادئ المساواة والشفافية في إدارة الموارد البشرية داخل مؤسسات الدولة، ولا سيما فيما يتعلق بقرارات الفصل من العمل، وإنهاء العقود، والنقل الإداري، والتوظيف في الوظائف العامة.

وبحسب الشهادات، اتُّخذت بعض الإجراءات دون تقديم قرارات إدارية معلّلة أو إتاحة فرص فعلية للاعتراض أو التظلم، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى توافق هذه الممارسات مع القواعد القانونية الناظمة للوظيفة العامة، والتي تشترط، من حيث المبدأ، أن تستند القرارات الإدارية إلى أسباب واضحة ومشروعة، وأن تخضع لإجراءات وضمانات قانونية تكفل حق الموظف/ة في المراجعة والطعن.

كما تثير بعض الوقائع الموثقة مخاوف مرتبطة بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص في الوصول إلى الوظائف العامة، خاصة في الحالات التي تضمنت مؤشرات على التمييز القائم على الانتماء الطائفي أو الخلفية السياسية أو النوع الاجتماعي أو المظهر الشخصي، وهي اعتبارات يُفترض ألا تشكل أساساً لاتخاذ القرارات الوظيفية أو التقييم المهني داخل مؤسسات الدولة.

وبحسب القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم 50 لعام 2004، والذي لا يزال نافذاً في سوريا بموجب الإعلان الدستوري، تُعدّ عقوبة التسريح أو الطرد من الوظيفة من العقوبات المسلكية المشددة التي لا يجوز فرضها إلا بموجب حكم صادر عن المحكمة المسلكية المختصة بمحاكمة العاملين/ات في الجهات العامة، فيما تقتصر صلاحية الإدارة على تنفيذ الحكم وليس إصداره. ولا تتضمن الشهادات التي وثقتها “سوريون” ما يشير إلى صدور مثل هذه الأحكام بحق العاملين/ات الذين تم فصلهم أو إنهاء عقودهم، الأمر الذي يثير إشكالات قانونية بشأن مشروعية بعض إجراءات التسريح والاستبعاد الوظيفي الموثقة في هذا التقرير. كما ينص القانون ذاته على حقوق العاملين/ات المتعلقة بالتعويضات ومكافآت نهاية الخدمة والمعاشات التقاعدية بما يتناسب مع مدة الخدمة الفعلية، في حين تشير بعض الشهادات إلى وجود حالات من الغموض أو التعطيل في صرف هذه المستحقات. كذلك لا يتضمن القانون نصاً يجيز فرض “إجازات إجبارية” طويلة الأمد من النوع الذي ورد في بعض الإفادات، ما يثير تساؤلات إضافية حول الأساس القانوني لهذه الإجراءات ومدى توافقها مع القواعد الناظمة للوظيفة العامة.

وتنص المعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على الحق في العمل، والمساواة أمام القانون، والحماية من التمييز، والحق في مستوى معيشي لائق وحياة كريمة، إضافة إلى ضمان الحق في الوصول المتكافئ إلى الوظائف العامة ووجود وسائل انتصاف فعالة في مواجهة القرارات التعسفية. وبالمثل، شدّدت اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 111 لعام 1958، المعروفة باتفاقية “التمييز في الاستخدام والمهنة”، على التزام الدول بوضع سياسات وطنية تهدف إلى تعزيز تكافؤ الفرص والمساواة في المعاملة في ميادين الاستخدام والعمل، بغية القضاء على كافة أشكال التمييز في هذا السياق.

     6. التوصيات:

في ضوء الشهادات التي وثقها هذا التقرير، وما تكشفه من مخاوف مرتبطة بالفصل التعسفي والتمييز وغياب الشفافية في إدارة القطاع العام خلال المرحلة الانتقالية، تدعو “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” الجهات السورية المعنية والمجتمع الدولي إلى اتخاذ الإجراءات التالية:

        6.1. إلى الحكومة السورية الانتقالية والجهات الإدارية المعنية:
  • وقف جميع إجراءات الفصل أو النقل أو إنهاء العقود التي لا تستند إلى أسس قانونية واضحة ومعلنة.
  • نشر معايير شفافة ومكتوبة تتعلق بإعادة هيكلة القطاع العام وآليات التوظيف والنقل وإنهاء الخدمة.
  • ضمان عدم استخدام الانتماء الطائفي أو السياسي أو الخلفية الاجتماعية أو النوع الاجتماعي كأساس لاتخاذ القرارات الوظيفية.
  • فتح مراجعة مستقلة لقرارات الفصل والنقل التي صدرت بعد كانون الأول/ديسمبر 2024، وتمكين المتضررين/ات من تقديم اعتراضات فعالة، وحث الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية لممارسة الدور المنوط بها بهذا الخصوص.
  • ضمان حقّ العاملين/ات في الحصول على رواتبهم ومستحقاتهم التأمينية والتقاعدية دون تأخير أو تمييز.
  • الامتناع عن استخدام النقل الإداري كوسيلة ضغط لدفع الموظفين/ات إلى الاستقالة أو ترك العمل.
  • اعتماد معايير مهنية وحيادية في التوظيف، وضمان عدم إخضاع المتقدمين/ات لأسئلة ذات طابع ديني أو سياسي أو تمييزي.
  • تعزيز آليات الشفافية والمساءلة داخل مؤسسات الدولة، وضمان تعليل القرارات الإدارية المتعلقة بالموارد البشرية، ومراقبة مدى التزام المؤسسات بالقوانين الناظمة للوظيفة العامة ومبادئ المساواة وعدم التمييز.
       6.2. إلى الأمم المتحدة والجهات الدولية المعنية:
  • متابعة أوضاع العاملين/ات المفصولين أو المتضررين من إجراءات إعادة الهيكلة في سوريا، وإدراج هذه الانتهاكات ضمن التقارير المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية وعدم التمييز.
  • دعم الجهود الرامية إلى تعزيز الشفافية والإصلاح القانوني والإداري في مؤسسات الدولة السورية.
  • التأكيد في التواصل مع السلطات السورية على ضرورة احترام مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص والحق في العمل والحياة الكريمة واحترام سيادة القانون.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد