الرئيسية تقاريرمجازر الساحل: انتهاك “الحق في الحقيقة” ومحاولات فرض الرواية الأمنية في “شهادات وفاة” الضحايا

مجازر الساحل: انتهاك “الحق في الحقيقة” ومحاولات فرض الرواية الأمنية في “شهادات وفاة” الضحايا

وثقت "سوريون" انتهاكات واسعة مرتبطة بالتعامل مع جثامين ضحايا مجازر العلويين وإجراءات تسجيل الوفيات والضغوط التي تعرضت لها عائلات لفرض روايات رسمية تربط الضحايا بالأعمال القتالية أو تصفهم بأنهم من "فلول النظام"

بواسطة Author F
64 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

     1. مقدمة:

مع شروع عائلات ضحايا مجازر الساحل السوري (آذار/مارس 2025) في استلام جثامين الوفيات، واستكمال إجراءات تسجيلهم، واستخراج الوثائق الرسمية المرتبطة بفقدانهم، وثّقت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” أنماطاً من الانتهاكات طالت الضحايا وعائلاتهم.

وشملت هذه الانتهاكات صعوبات في الوصول إلى الجثامين أو دفنها، وحرمان بعض العائلات من دفن ذويها بصورة آمنة وكريمة، إضافة إلى حالات من التمثيل بالجثث وامتهان كرامة الضحايا. كما أفادت شهادات عديدة بتعرض العائلات لضغوط أثناء استخراج شهادات الوفاة أو تسجيل أسباب الوفاة، بما في ذلك محاولات لربط بعض الضحايا بالأعمال القتالية أو توصيفهم باعتبارهم من “فلول النظام”، رغم أن العديد من الشهادات والوقائع المحيطة بمقتلهم تشير إلى أنهم كانوا مدنيين/ات أو أشخاصاً غير مشاركين في الأعمال القتالية.

يتناول هذا التقرير الانتهاكات المرتبطة بالتعامل مع الجثامين، ودفن الضحايا، وإجراءات تسجيل الوفيات واستخراج شهادات الوفاة، وما تعكسه هذه الممارسات من انتهاكات للكرامة الإنسانية والحق في الحقيقة والوصول إلى العدالة.

لغرض إعداد هذا التقرير، قامت “سوريون” بمقابلة 7 مصادر من الشهود وأقارب الضحايا. وقد تم الحصول على موافقة المشاركين/ات المستنيرة بعد شرح طبيعة المشاركة الطوعية واستخدام المعلومات -بما في ذلك نشر هذا التقرير- وابلاغهم بإمكانية سحب موافقاتهم في أي وقت كان. وبناءً على طلبهم، تم استخدام أسماء مستعارة للإشارة إلى الشهود، مع حجب أي تفاصيل قد تؤدي إلى الكشف عن هوياتهم أو تعريضهم أو عائلاتهم لخطر الانتقام.

     2. خلفية:

شهد الساحل السوري، ولا سيما محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة وحمص، بين 6 و 10 آذار/مارس 2025 موجة من أعمال العنف، عقب إطلاق السلطات السورية “عمليات أمنية” واسعة النطاق بحجة ملاحقة موالين للنظام السابق ومصادرة أسلحتهم.

خلال هذه العمليات، وثّقت العديد من التقارير الحقوقية، ومن ضمنها “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، ارتكاب سلسلة من الانتهاكات الجسيمة، حيث شنت القوات الحكومية والجماعات المسلحة الموالية لها، إلى جانب متطوعين مسلحين انخرطوا في العمليات، هجمات منسقة استهدفت أكثر من 30 بلدة وقرية وحي تقطنها غالبية علوية، بذريعة ملاحقة “فلول النظام”. وأسفرت تلك العمليات عن مقتل ما لا يقل عن 1400 شخص على أساس الهوية، وتخللتها مداهمات واسعة النطاق، وعمليات نهب وإحراق للمنازل، في سياق رافقه خطاب كراهية وتحريض ذي طابع طائفي، فيما شهدت بعض المناطق إبادة عائلات بأكملها. كما أفاد العديد من الشهود بأن المهاجمين عرّفوا عن أنفسهم بوصفهم تابعين لوزارتي الدفاع أو الداخلية، أو لفصائل تعمل إلى جانب السلطات الانتقالية.

كذلك شملت الانتهاكات أنماطاً ممنهجة من الإذلال والمعاملة القاسية؛ إذ أُجبر رجال على الزحف والنباح مثل الكلاب قبل إعدامهم رمياً بالرصاص، فيما تعرّض محتجزون، بينهم مسنون، للضرب المبرح أمام الكاميرات. وأكد ناجون أنهم واجهوا موجات متعاقبة من المسلحين الملثمين، بعضهم يرتدي بزات عسكرية وآخرون ملابس مدنية، اقتحموا المنازل والأحياء مراراً.

ورغم أن العديد من هذه الانتهاكات ارتُكبت تحت ذرائع مرتبطة بـ”التحقيق” أو “ملاحقة الفلول”، فإن نمط الاستهداف المتكرر على أساس الهوية والانتماء الطائفي، إلى جانب اتساع نطاق الانتهاكات، يشير إلى وجود نهج عقابي جماعي استهدف المجتمعات العلوية بصورة واسعة، بغض النظر عن المسؤولية الفردية، علماً أن هذه الانتهاكات لم تتوقف بانتهاء موجة المجازر الأساسية بتاريخ 10 آذار/مارس 2025، بل استمرت بأشكال مختلفة خلال الفترة اللاحقة، وخاصة في حمص.

وكانت الحكومة السورية الانتقالية قد أعلنت بتاريخ 9 آذار/مارس 2026 عن تشكيل لجنة وطنية للتحقيق وتقصي الحقائق. إلا أن تشكيل اللجنة وآليات عملها، إضافة إلى تقريرها الذي لم يُنشر كاملاً، أثاروا انتقادات ومخاوف تتعلق بالاستقلالية والشفافية وغياب التشاركية وعدم الحياد.

وفي أعقاب هذه الأحداث، خلصت لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا، في تقريرها الصادر في آب/أغسطس 2025 بشأن أحداث الساحل السوري، إلى أن الهجمات كانت منهجية وواسعة النطاق، وأن أفراداً من القوات التابعة للسلطات الانتقالية، إلى جانب أشخاص مستقلين ومقاتلين موالين للنظام السابق، ارتكبوا انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب، شملت القتل والتعذيب والاختطاف والنهب وتدمير الممتلكات.

     3. صعوبة الوصول إلى الجثامين ودفن الضحايا:

لم تتوقف معاناة عائلات الضحايا عند فقدان أقاربهم خلال المجازر، بل امتدت إلى المراحل اللاحقة المرتبطة باستلام الجثامين ودفنها. ففي العديد من الحالات، بقيت الجثامين لساعات طويلة، وأحياناً لأيام، داخل المنازل أو في الشوارع، في ظل استمرار إطلاق النار، وانتشار المجموعات المسلحة، وخوف السكان من التنقل أو الاقتراب من أماكن وجود الجثامين.

وفي شهادته لسوريون، روى الشاهد “خالد”، وهو شقيق أحد الضحايا في مدينة بانياس، أن عائلة شقيقه لم تتمكن من استلام الجثمان بعد مقتله، بسبب استمرار انتشار المسلحين وإطلاق النار الكثيف في الحي. وأضاف “خالد” أن والده حاول الترتيب لجلب الجثمان ودفنه فور علمه بمقتل ابنه، إلا أن الجار الذي بقي في الحي حذره قائلاً: “لا تأتِ، إنهم يقتلون أي شخص يقترب”، في إشارة إلى استمرار وجود المسلحين وإطلاق النار في المنطقة.

وأوضح “خالد” أن الجار احتاج إلى ساعات طويلة حتى يتمكن من سحب الجثمان وإدخاله إلى البناء، قبل أن تضطر والدة الضحية، وهي سيدة مسنة تعاني من هشاشة العظام، إلى نقل جثمان ابنها بنفسها بعد انحسار وجود المسلحين نسبياً. وقال الشاهد: “حملت جثمان ابنها وحدها، ملفوفاً ببطانية، وأعادته إلى المنزل”.

وأضاف “خالد” أن العائلة امتنعت عن نقل الجثمان إلى المشفى بسبب الخوف من فقدانه أو دفنه ضمن مقابر جماعية، قائلاً أن الأهالي كانوا يتداولون معلومات عن “أخذ الجثث ودفنها جماعياً باستخدام التريكسات والشاحنات”، فيما تحدثت شهادات أخرى عن تكدس الجثامين داخل المشافي وصعوبة التعرف على بعضها. كما أفاد بأن فرق الهلال الأحمر و”الخوذ البيضاء/الدفاع المدني” بدأت لاحقاً بجمع الجثامين وتنظيف الشوارع “خوفاً من مرور سيارات الأمم المتحدة”، وفق تعبيره.

وفي شهادة أخرى، قالت “مي”، وهي شاهدة من مدينة بانياس فقدتْ اثنين من أقاربها، أن عائلات عديدة رفضت نقل جثامين ذويها إلى المشفى بسبب غياب أي آلية واضحة لاستلامها أو توثيقها، إضافة إلى الخوف من ضياع الجثامين أو دفنها دون علم ذويها. وأضافت أن أقاربها الذين ساعدوا الهلال الأحمر في نقل الجثث أخبروها بأن دور الفرق اقتصر على “تسجيل أسماء الضحايا على أكياس الجثث”، في ظل وجود “أعداد هائلة ومكدسة فوق بعضها البعض” داخل المشفى، بحسب وصفها.

وتشير هذه الشهادات إلى أن معاناة عائلات الضحايا لم تتوقف عند فقدان أقاربهم، بل امتدت إلى مرحلة التعامل مع الجثامين ودفنها، في ظل ظروف اتسمت بالخوف، وغياب الحماية، والفوضى، واستمرار سيطرة المجموعات المسلحة على المناطق المتضررة.

     4. التمثيل بالجثامين وامتهان كرامة الضحايا:

وثقت “سوريون” حالات اضطرت فيها العائلات لعيش لحظات قاسية مرتبطة بالعبث بالجثث أو التعامل المهين معها. وفي شهادتها لـ”سوريون”، قالت “دلال”، وهي ناجية فقدت ثلاثة من أفراد عائلتها خلال المجازر، أن المسلحين عادوا إلى منزل العائلة بعد قتل الضحايا الثلاثة، و“بدأوا التنكيل والعبث بالجثث بشكل يفوق الوصف”، وفق تعبيرها. وأضافت أن الجثامين بقيت داخل المنزل لما يقارب يومين، قبل أن تتمكن فرق الهلال الأحمر من نقلها إلى المشفى الوطني في بانياس.

وفي شهادة أخرى، وصفت “رزان”، وهي ناجية من قرية الصنوبر التابعة لمدينة جبلة، ما تعرض له سكان القرية بعد عمليات القتل، مشيرة إلى أن الأهالي اضطروا لمشاهدة جثامين أقاربهم في الشوارع دون القدرة على الوصول إليها أو دفنها، قائلة: “كان السكان يشاهدون جثث ذويهم تأكلها الكلاب”. كما أفادت بأن مسلحين قاموا “بالعبث بجثث الشهداء باستخدام المفرقعات النارية ليلاً”، وبـ“سحل الجثث في شوارع القرية بسياراتهم”، مضيفة أن سكان القرية مُنعوا من دفن ضحاياهم، وأن “الإذلال طال الأحياء والأموات على حد سواء”.

تعكس هذه الشهادات كيف تحوّل التعامل مع جثامين الضحايا إلى امتداد للعنف نفسه، حيث امتدت المعاناة من فقدان الأقارب، إلى حرمان العائلات من وداعهم أو دفنهم بصورة كريمة، وإجبارها على مواجهة مشاهد مهينة وقاسية تركت آثاراً نفسية عميقة على الناجين/ات وأقارب الضحايا.

     5. شهادات الوفاة وفرض الرواية الأمنية:

امتدت معاناة عائلات ضحايا مجازر الساحل السوري إلى مرحلة تسجيل الوفيات واستخراج الوثائق الرسمية، حيث أفادت شهادات حصلت عليها “سوريون” بأن عائلات واجهت ضغوطاً مباشرة وغير مباشرة لتوصيف الضحايا باعتبارهم من “فلول النظام” أو قتلى اشتباكات مع القوات الحكومية، مقابل استكمال الإجراءات الرسمية المتعلقة بإصدار شهادات الوفاة. وفي حالات عديدة، دفعت هذه الضغوط العائلات إلى الامتناع عن استخراج شهادات الوفاة لأشهر، أو اللجوء إلى محامين ودعاوى “تثبيت وفاة” لتجنب تبني الرواية التي حاولت بعض الجهات الرسمية فرضها.

وفي شهادته لـ”سوريون”، قال “خالد”، شقيق أحد ضحايا المجازر في مدينة بانياس، إن زوجة شقيقه حاولت بعد أشهر من مقتله البدء بإجراءات إثبات الوفاة، إلا أنها فوجئت بتغيّر الإجراءات المتبعة في دائرة النفوس. وأوضح أن الموظفين أخبروها بضرورة التوقيع على ورقة جاهزة أعدّت مسبقاً، تتضمن أن المتوفى “من فلول النظام”، وأنه “شارك بمحاولة الانقلاب وكان يقاتل في صفوف الفلول”. وأضاف: “قيل لها: إن لم توقّعي على هذه الورقة، فلن تحصلي على شهادة وفاة”. وبحسب “خالد”، رفضت زوجة شقيقه التوقيع على هذه الرواية، فما كان من المسؤول إلا أن قال لها: “اخرجي وفكري ثم ارجعي بجواب”، قبل أن تغادر المكان دون استكمال الإجراءات.

وفي شهادة أخرى، قالت “سمر”، وهي موظفة في أحد مشافي طرطوس وشقيقة أحد الضحايا، إنها وزوجة شقيقها توجهتا بعد قرابة شهرين من مقتله لاستكمال الإجراءات القانونية المتعلقة بإثبات الوفاة، إلا أن مديرية النفوس طلبت منهما إحضار ضبط شرطة بسبب ورود “طلق ناري” في تقرير الطبيب. وأضافت أنهما أُرسلتا إلى قسم الشرطة الجنوبي في مدينة طرطوس، حيث رفض العناصر كتابة الضبط، وطلبوا منهما التوقيع على ورقة تفيد بأن شقيقها “من فلول النظام السابق وكان يحارب الدولة”. وأكدت “سمر” أنهما رفضتا التوقيع على “هذا الادّعاء الكاذب”، موضحة أن شقيقها “كان متوجهاً من منزله في طرطوس إلى القرية، ولم يكن له علاقة بفلول النظام، ولم يكن بحوزته سلاح أو أي ممنوعات”. وأضافت: “وحتى اليوم لم نصدر شهادة الوفاة ولم نقم بالإجراءات القانونية، لن نقوم بظلم أخي مرة ثانية بعد أن تم ظلمه وقتله بدون سبب”. كما شددت على أن شقيقها كان قد تعرض سابقاً للاعتقال من قبل أجهزة النظام السابق وبقي لسنوات رهن المحاكمة، مضيفة: “تعرض أخي للظلم أيام حكم النظام السابق، وتعرض للظلم مجدداً بعد أن وصلت سلطة الأمر الواقع إلى الحكم”.

كما أفادت “مي”، وهي مهندسة زراعية من مدينة بانياس فقدت اثنين من أقاربها خلال المجازر، بأن العائلة اضطرت إلى توكيل محامٍ لمتابعة إجراءات شهادة الوفاة وحصر الإرث، قبل أن تُسجل الوفاة رسمياً تحت عبارة “وفاة طبيعية”. وأشارت “مي” أيضاً إلى معرفتها بحالات أخرى “تم إجبارهم على التوقيع على ورقة تدعي أن فقيدهم قد تم قتله لأنه من فلول النظام البائد وأنه كان باشتباك مسلح مع القوى الأمنية”.

وفي شهادة أخرى، قالت “هبة”، وهي ناجية من مدينة جبلة فقدت زوجها وشقيقيه ووالده في المجازر، أن العائلة تعرضت لضغوط مباشرة مرتبطة بإصدار شهادات الوفاة، موضحة: “تم الضغط علينا للتوقيع على ورقة مفادها أن من استشهد كان منتمياً إلى فلول النظام السابق أو تم قتله من قبل فلول النظام السابق”. وأضافت أن العائلة امتنعت بسبب ذلك عن استخراج شهادات وفاة للضحايا لفترة طويلة، قبل أن تتراجع الجهات الرسمية عن تلك الصيغة وتبدأ بتسجيل الوفاة على أنها ناجمة عن “التعرض لطلق ناري”. وقالت: “حين أدركت الحكومة أننا لن نوقع على هذه الادعاءات الكاذبة، أصبحت تكتب في شهادة الوفاة أن الوفاة ناجمة عن التعرض لطلق ناري، وهنا قمنا بإصدار شهادات الوفاة”.

وبالمثل، قالت “دلال”، وهي ناجية فقدت ثلاثة من أفراد عائلتها، أن ابنتها ووالدة زوجها امتنعتا في البداية عن استخراج شهادات وفاة للضحايا موضحة أن “الدوائر الحكومية كانت تضغط عليهم للادعاء بأن فلول النظام هم من قاموا بقتلهم”. وأضافت أن العائلة لم تتمكن من استخراج شهادات الوفاة إلا بعد مرور قرابة شهرين على المجازر، وأن سبب الوفاة المدوّن في الوثائق الرسمية اقتصر على عبارة: “وفاة نتيجة طلق ناري”. كما أشارت إلى أن عائلات ضحايا آخرين، من بينهم عائلة صديقتها المقربة، تعرضت لضغوط مشابهة للادعاء بأن “فلول النظام هم من ارتكبوا المجزرة”.

أما “رزان”، وهي ناجية من قرية الصنوبر التابعة لمدينة جبلة فقدت والدها وثلاثة من أشقائها خلال المجازر، فقالت أنه طُلب من العائلة إحضار ضبط شرطة يبين سبب الوفاة عند محاولة استخراج شهادات الوفاة، مضيفة أنه “كان يتم كتابة: فلول نظام، أو أثناء اشتباك القوى الأمنية مع فلول النظام”. وأضافت أن العائلة رفضت هذه الصيغة لأنها رأت فيها محاولة “للتملص من المسؤولية عن المجازر”، ما دفعها إلى الامتناع عن إصدار شهادات الوفاة لفترة طويلة. وأوضحت أنه خلال شهر شباط/فبراير 2026 اضطرت العائلة إلى توكيل محامٍ وتقديم دعوى “تثبيت وفاة”، تضمنت توصيف الفاعل بأنه “مجموعة مسلحة ملثمة مجهولة”، رغم معرفة العائلة بهوية المسؤولين عن القتل، مضيفة: “القتلة والمجرمون معروفون وما يزالون أحراراً ومتواجدين في قريتنا”.

وتشير هذه الشهادات إلى أن إجراءات تسجيل الوفيات واستخراج شهادات الوفاة لم تكن مجرد مسار إداري أو قانوني محايد، بل تحولت إلى مساحة إضافية للضغط على العائلات وإعادة صياغة الرواية المرتبطة بمقتل الضحايا، عبر ربطهم بالأعمال القتالية أو توصيفهم باعتبارهم من “فلول النظام”. ويأتي ذلك رغم أن العديد من الشهادات التي وثقتها “سوريون” تتعلق بمدنيين/ات قُتلوا داخل منازلهم، أو على أسطح الأبنية بعد إجبارهم على الصعود إليها، أو في محيط منازلهم وأحيائهم، دون وجود أي مؤشرات على مشاركتهم في أعمال قتالية أو حيازتهم أسلحة. كما أظهرت الشهادات أن عدداً من الضحايا كانوا موظفين مدنيين، أو طلاباً، أو أشخاصاً سبق أن تعرضوا للاعتقال أو المحاكمة في عهد النظام السابق، الأمر الذي عزز رفض عائلاتهم تبني الروايات التي حاولت جهات رسمية فرضها بشأن ظروف مقتلهم. وفي عدد من الحالات، أفاد الشهود بأنهم كانوا يعرفون هوية المهاجمين، أو أن المجموعات المسلحة عرّفت عن نفسها بوصفها تابعة لوزارتي الدفاع أو الداخلية أو لفصائل تعمل إلى جانب السلطات الانتقالية، وهو ما عمّق رفض العائلات توصيف الضحايا باعتبارهم قتلى اشتباكات مع “فلول النظام”.

     6. التوصيف القانوني للانتهاكات الموثقة:

لا يتناول هذا التقرير بالتفصيل مجمل الانتهاكات التي رافقت مجازر الساحل السوري في آذار/مارس 2025، والتي سبق توثيق العديد منها في تقارير حقوقية أخرى، وإنما يركز بصورة أساسية على الانتهاكات المرتبطة بالتعامل مع الجثامين، وعرقلة دفن الضحايا، والتمثيل بالجثث، والضغوط المرتبطة بإجراءات تسجيل الوفيات واستخراج شهادات الوفاة، وما ترتب على ذلك من انتهاك للكرامة الإنسانية والحق في الحقيقة والوصول إلى العدالة.

وتشير الوقائع والشهادات التي وثقتها “سوريون” إلى أن عدداً من هذه الأفعال يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي الإنساني العرفي، وكذلك لقانون العقوبات السوري، حيث نصت اتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكوليها الإضافيين على ضرورة التزام الأطراف المتحاربة باحترام قواعد دفن الموتى أثناء العمليات العسكرية، وأن تتم عمليات الدفن وفقاً لشعائر ديانة المتوفى إن أمكن، مع ضرورة احترام مقابرهم أيضاً. كما ألزمت أطراف النزاع بالبحث عن جثث الموتى من الطرف الآخر ومنع سلبها، وأن تسجل بأسرع ما يمكن جميع البيانات التي تساعد على التحقق من هوية الموتى.[1]

كذلك أجازت الاتفاقيات المذكورة لأطراف النزاع الاستعانة بالمدنيين وجمعيات الغوث بالبحث عن الموتى والابلاغ عن أماكنهم. وعلى أطراف النزاع الوصول إلى اتفاق حول ترتيبات تتيح للفرق أن تبحث عن الموتى وتحدد هوياتهم وتلتقط جثثهم من مناطق القتال، مع ضرورة أن يتمتع أفراد هذه الفرق بالاحترام والحماية أثناء تفرغهم لأداء هذه المهام دون غيرها. ويتوجب البحث عن الموتى والحيلولة دون انتهاك حرماتهم وأداء المراسم الأخيرة لهم بطريقة كريمة[2]. كذلك ألزم القانون الدولي الإنساني العرفي أطراف النزاع باحترام جثث الموتى واحترام قبورهم وصيانتها بشكل ملائم، وكذلك ضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع سلب الموتى، أو تشويه جثثهم.[3]

تُثبت هذه النصوص أن كرامة الإنسان في القانون الدولي الانساني هي قيمةٌ مطلقة لا تسقط بالموت ولا بالعداء العسكري؛ فإلزام الخصوم بالبحث عن جثامين أعدائهم، وحمايتها من التشويه أو السلب، وتأمين دفنها اللائق يعكس حمايةً قانونية صارمة لحرمة الميت بمعزلٍ عن موقفه أو هويته. وتكتسب هذه القواعد المُلزمة أهمية خاصة في مواجهة الانتهاكات الفظيعة التي وثقتها الشهادات، من تمثيلٍ بالجثامين وسحلها، وتركها في الشوارع أو منع دفنها، وصولاً إلى تعمّد إجبار العائلات على مشاهدة تلك الفظائع، واكراههم على الإدلاء بمعلومات تنافي الحقيقة للحصول على شهادات الوفاة، مما يشكل اعتداءً صارخاً على الكرامة الإنسانية يمتد أثره النفسي المُهين إلى الأحياء من ذوي الضحايا.

وفي هذا السياق تجب الإشارة إلى أن قانون العقوبات السوري قد أولى حرمة خاصة للجثث ومراسم دفنها حيث فرض عقوبة الحبس من شهر إلى سنة على كل من يتعدى على حرمة الأموات أو يسرق أو يتلف جثة، كلها أو بعضها (المادتان 463 و465).

كذلك، فإن حرمان العائلات من الوصول الآمن إلى جثامين ذويها أو دفنهم بصورة لائقة، وعرقلة عمليات الدفن أو تأخيرها، يتعارض مع المبادئ التي تفرض احترام جثامين الموتى وضمان التعامل معها بصورة تحفظ كرامتهم وحقوق ذويهم. وتزداد خطورة هذه الانتهاكات حين تقترن بخطاب تحريضي أو باستهداف قائم على الهوية والانتماء الطائفي، كما ورد في عدد من الشهادات التي وثقتها “سوريون”.

وفيما يتعلق بإجراءات تسجيل الوفيات واستخراج شهادات الوفاة، تثير الشهادات الواردة في هذا التقرير إشكاليات قانونية خطيرة تتعلق بالحق في الحقيقة، وواجب السلطات في توثيق الوقائع بصورة دقيقة ومحايدة، وضمان عدم استخدام الإجراءات الإدارية أو القانونية لفرض روايات تتناقض مع الوقائع أو مع إفادات الضحايا والشهود. وقد أكدت المجموعة المحدّثة من المبادئ المتعلقة بحماية وتعزيز حقوق الإنسان من خلال مكافحة الإفلات من العقاب الصادرة عن الأمم المتحدة، أن لكل ضحية ولكل مجتمع حقاً غير قابل للتصرف في معرفة الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة وظروف وقوعها.

وتظهر الشهادات التي وثقتها “سوريون” أن بعض العائلات تعرضت لضغوط مباشرة أو غير مباشرة للتوقيع على روايات تربط الضحايا بالأعمال القتالية أو تصفهم بأنهم من “فلول النظام”، مقابل استكمال إجراءات تسجيل الوفاة أو الحصول على الوثائق الرسمية. ولا تمس هذه الممارسات بحقوق الضحايا وعائلاتهم فحسب، بل تقوض أيضاً سلامة السجلات الرسمية وإمكانية الوصول إلى الحقيقة والمساءلة مستقبلاً، خصوصاً في سياقات الانتهاكات الجماعية التي تتطلب تحقيقات مستقلة وفعالة تحفظ الوقائع والأدلة بصورة دقيقة وغير منحازة.

كما أن امتناع الأهالي عن استكمال الإجراءات الرسمية لفترات طويلة، يعكس استمرار بيئة الخوف وغياب الثقة بوجود مسارات آمنة وفعالة للإنصاف والمحاسبة، إضافة إلى خشية العائلات من التعرض للانتقام أو التضييق بسبب تمسكها بروايتها حول ظروف مقتل ذويها.

     7. التوصيات:

في ضوء الشهادات والوقائع التي وثقتها “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، وما تكشفه من انتهاكات مرتبطة بالتعامل مع الجثامين ودفن الضحايا وإجراءات تسجيل الوفيات واستخراج شهادات الوفاة، تقدم “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” التوصيات التالية إلى السلطات السورية الانتقالية، والمجتمع الدولي، بهدف ضمان احترام حقوق الضحايا وذويهم، ومنع تكرار هذه الانتهاكات، وتعزيز مسارات الحقيقة والمساءلة والعدالة.

       7.1. إلى الحكومة السورية الانتقالية:
  • ضمان إجراء تحقيقات مستقلة وفعالة وشفافة في الانتهاكات المتعلقة بالتعامل مع الجثامين، ومنع الدفن، والتمثيل بالجثث، والضغوط المرتبطة بإجراءات تسجيل الوفيات واستخراج شهادات الوفاة في سياق مجازر الساحل السوري. واتخاذ خطوات واضحة لمحاسبة المسؤولين بمن فيهم الأشخاص الذين أصدروا الأوامر أو شاركوا أو سهلوا ارتكابها، بغض النظر عن مواقعهم أو انتماءاتهم.
  • ضمان عدم استخدام مؤسسات الدولة لفرض روايات تتعلق بظروف وفاة الضحايا أو انتماءاتهم السياسية أو العسكرية، ووقف أي ممارسات تُجبر العائلات على التوقيع على إفادات أو روايات تتناقض مع الوقائع المرتبطة بمقتل ذويهم.
  • ضمان تسجيل أسباب الوفاة بصورة دقيقة ومهنية ومحايدة، وإتاحة إمكانية مراجعة أو تصحيح الوثائق الرسمية في الحالات التي يشتبه فيها بتسجيل معلومات غير صحيحة أو مضللة، وضمان حق العائلات في استخراج شهادات الوفاة والوثائق الرسمية دون تمييز.
  • احترام كرامة الضحايا بعد الوفاة، وضمان التعامل مع الجثامين وفق المعايير القانونية والإنسانية، بما يشمل تسليمها إلى ذويها دون تأخير غير مبرر، والسماح بدفنها بصورة آمنة وكريمة، ومنع أي ممارسات تنطوي على التمثيل بالجثث أو امتهان كرامة الموتى.
  • اتخاذ تدابير فعالة لحماية الضحايا والناجين/ات وذويهم والشهود من أي أعمال انتقام أو ترهيب أو تضييق بسبب شهاداتهم أو مواقفهم المتعلقة بالأحداث.
  • تنفيذ التزاماتها القانونية المفروضة عليها بموجب اتفاقيات جنيف وبروتوكوليها الإضافيين وقواعد القانون الدولي الإنساني العرفي وقانون العقوبات السوري.
       7.2. إلى المجتمع الدولي وآليات الأمم المتحدة:
  • دعم جهود التوثيق المستقلة بما يشمل الانتهاكات المرتبطة بالجثامين والحق في الحقيقة.
  • مواصلة رصد أوضاع الضحايا وذويهم والضغط من أجل إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة تفضي إلى محاسبة فعلية للمسؤولين عن الانتهاكات.
  • دعم المبادرات الرامية إلى حفظ الأدلة والسجلات المتعلقة بالانتهاكات وضمان عدم العبث بها أو استخدامها لفرض روايات غير دقيقة بشأن الضحايا وظروف مقتلهم.
  • التأكيد، في جميع أشكال الانخراط مع السلطات السورية الانتقالية، على ضرورة احترام حقوق الإنسان ولا سيما حقوق الضحايا وذويهم، وضمان حقهم في الحقيقة والعدالة والإنصاف.
  • الضغط على الحكومة السورية لتنفيذ التزاماتها القانونية بما يتوافق مع معايير القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي الإنساني العرفي.

[1] المواد 15 و16 و17 من اتفاقية جنيف الأولى لتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان والمادة 20 من اتفاقية جنيف الثانية المتعلقة بتحسين حال الجرحى والمرضى والغرقى من القوات المسلحة في البحار.

[2] المواد 17 و33 و34 من البروتوكول الإضافي الأول والمادة 8 من البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف الأربع.

[3] القواعد 112 و113 و115 من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد