في ركن وادع من مدينة بانياس، كان هناك بيتٌ يقوم على ركيزتين: العمل النبيل والارتباط العائلي الوثيق. بيتٌ بناه نجيب رستم من عرق السنين، لم يكن يضج بصخب الحياة، بل بسكينة الأشخاص الذين يريدون من الدنيا تحقيق أحلامهم وطموحاتهم وسلامة المآل. هناك، كانت التفاصيل بسيطة ومقدسة؛ طاولة تجمع أباً وابنيه بعد يوم عمل شاق، وأحلاماً تُبنى بهدوء خلف جدرانٍ لم تكن تعرف أن الهوية قد تصبح يوماً سبباً للموت.
كانت عائلة رستم تعيش مساراتها المتقاطعة بمحبة؛ أبٌ يمثل الخبرة والوقار، وابنان يمثلان الطموح والكدح. كانوا جزءاً من نسيج المدينة الذي يخدم الجميع دون سؤالٍ عن أصلٍ أو منبت.
لم يكن نجيب رستم (أبو أيمن) الذي وُلد عام 1956 مجرد موظف متقاعد أتمَّ سنوات خدمته في مصفاة بانياس؛ بل كان الرجل الذي خبرته بيوت المدينة بصفة الإنسان “الكويس” وصاحب اليد التي تُصلح وتُعمّر. كان دستوره في الحياة يختصره في عبارة واحدة يرددها بيقين: “المهم إنك إنسان كويس”. حتى بعد أن أجرى عملية قلب مفتوح وأرهقته السنون، ظل ذاك القلب المسالم ينبض بالمحبة للجميع، بعيداً عن أي حقد أو تحزّب.
كان يرى في بانياس مستقره الأبدي، وآثر البقاء فيها بين أهله وجيرانه، مؤمناً أن رصيد الطيبة الذي زرعه طوال عقود سيكون سياجاً يحميه ويحمي عائلته.
أيمن الذي جمع بين التاريخ والمعجنات
ولد أيمن رستم عام 1988، كان نبض الحيّ في ذلك البيت، تخرج من قسم التاريخ لكنه لم يكتفِ بعلوم الكتب، بل مضى يكتب تاريخه الشخصي بعرق الجبين والاجتهاد. لم ينتظر أن تُهدي له الحياة سبلها، فصارع الوقت بين وظيفته الرسمية وعمله كـ “شيف معجنات” وتفوق فيه بمهارة وصدق، واصلاً ليله بنهاره.
عُرف عن أيمن ضحكته التي لا تغيب، ونوادره التي كانت تملأ المكان فرحاً وتفاؤلاً؛ حيثما وجد، وجد الأنس والسرور. كان إنساناً لا يتردد في مد يد العون، وطموحاته تسابق أيامه؛ يجتهد ليطور خبرته ويستقل بعمله الخاص، ويبني عائلة يسكن إليها.
إبراهيم… الذي اختار طريق الهندسة
أما إبراهيم رستم الذي وُلد في عام 1996، كان يمثل صوت العقل والسكينة في البيت. لم يكتفِ بنيل شهادة في هندسة الاتصالات، بل عمّق معرفته بالحصول على درجة الماجستير في التخصص ذاته، ليقضي ساعاته خلف شاشته يصمم المواقع الإلكترونية، باحثاً عن لغة تقنية عالمية تجمع.
كان إبراهيم الأخ المحب والعطوف الذي يحيط الجميع باهتمامه، وتوأم روح أخته ورفيق أيامها، والشخص الذي لم يُعرف عنه سوى اللطف والترفع عن الخصام.
إبراهيم، الذي آثر الهدوء طوال حياته، كان يرى في العلم والعمل وسيلةً وحيدة لبناء غدٍ أفضل. حصل على وظيفته كمهندس في وحدة مياه بانياس، وظل يسعى لتطوير مهاراته وتغيير حياته مخططاً لمشاريع قادمة.
آذار 2025
في 7 آذار 2025، قُتل نجيب وأيمن وإبراهيم في المجازر التي شهدها الساحل السوري. تبدّل حال ذلك البيت أسوة ببيوتٍ من الحي، وأحياء من المدينة، لم يكن المساء عادياً، بل كان بدايةً لغياب.
توقف حضورهم اليومي في البيت: الأب الذي أمضى عمره في المصفاة، والابن الذي تنقل بين وظيفتين، والابن الذي أنهى دراساته العليا وبدأ مساره المهني. يومها كانت نهاية حلم نجيب “الكويس”، أن يقضي ما تبقى من العمر في سكون، يرى ثمار تعبه في أولاده وبناته.
تم الاستناد في سرد هذه القصة إلى شهادة زينة رستم، التي فقدت والدها وأخويها.
