الرئيسية صحافة حقوق الإنسانياسر صبوح .. حكاية أب لم يعد من “التحقيق”

ياسر صبوح .. حكاية أب لم يعد من “التحقيق”

"بقينا نحاول تأمين دفن لائق له، بعد أن بقي جسده يوماً كاملاً على الأرض"

بواسطة Author F
145 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

كان ياسر صبوح رجلاً محباً للقراءة والكتابة، يعشق الطبيعة، ويملأ المكان بطاقة إيجابية وضحكة لا تغيب. لكنه، قبل كل شيء، كان أباً حنوناً لثلاث بنات، يغمرهن بالحب والدلال. تقول عنه ابنته لين:

والدي ياسر صبوح، الذي رحل عن عمر ثمانيةٍ وخمسين عاماً، لم يكن مجرد أب، بل كان عالماً صغيراً من المعرفة والحنان. أمضى سنوات طويلة في الدراسة والسفر، بدأها بعد البكالوريا في روسيا حيث درس اختصاص المكتبات، ثم تابع الماجستير في العلوم التربوية، ونال دكتوراه من الأكاديمية الوطنية البريطانية في الصحة البدنية. عمل في التدريس الجامعي في ليبيا، ودرّس في معاهد عليا، وشغل منصب مدير المركز الثقافي في اللاذقية.

كان مثقفاً واسع الاطلاع، لم أسمع منه يوماً كلمة جارحة، حتى عندما أخطئ. كانت بيننا تفاصيل يومية صغيرة، لكنها عميقة: أختار له ملابسه، نضحك معاً، ونعيش دفء العلاقة الأبسط والأصدق.

رغم أن وضعنا المادي كان متوسطاً، إلا أنه كان يضع تعليمنا فوق كل شيء. كان يتابع دراستي بدقة، وفي آخر مرة دخل غرفتي بينما كنت أدرس، قال لي: “برافو… درسي منشان تسافري وتنجحي”، ثم صار يطرق الباب كلما رآني أدرس، ليحضر لي شيئاً آكله أو أشربه. ما زلت أسمع صوت طرقاته حتى اليوم.

في مساء يوم الخميس، 7 آذار/مارس 2025، تغيّر كل شيء. بدأ إطلاق النار قرب منزلنا، تحت البناء مباشرة. اجتمعنا في الممر الداخلي، نرتجف من الخوف، ولم ننم طوال الليل. كنا نتحرك داخل البيت بلا هدف، نراقب وننتظر، ونتجادل أحياناً من شدة التوتر. كنت في السابعة عشرة، لا أفهم ما يحدث، ولا أتخيل أن الخطر يمكن أن يصل إلى داخل بيوتنا.

مع الفجر خفّ إطلاق النار قليلاً، فذهبت لأنام، معتقدة أن الصباح سيحمل هدوءاً. لكن والدي لم ينم. بقي يقظاً، قلقاً علينا، وقد سمع أصوات صراخ من بناء قريب، حيث أصيبت فتاة برصاصة.

استيقظت صباح الجمعة، وكان التوتر ما يزال يملأ المكان. رأينا المسلحين في الشارع، نراقبهم من خلف النوافذ. عند الساعة الحادية عشرة، رأيتهم يدخلون إلى البناء ويأخذون شاباً من الجيران. أخبرت والدي، فنظر إليّ نظرة لن أنساها… نظرة عجز وقلق، تختصر كل شيء.

بعدها، بدأوا يطرقون الأبواب. طرقوا باب جيراننا أولاً، ثم فتح والدي باب منزلنا قبل أن يطرقوه، كان واثقاً أنه لم يفعل شيئاً. قالوا له فوراً: “البنات بالغرفة… وإنت امشي معنا عالتحقيق”، ركضت خلفهم وسألت: “لوين آخدين بابا؟”،  قال أحدهم: “تحقيق تحت البيت… إذا ما عليه شي بيرجع”.

قال والدي: “ماني عامل شي”، ونزل معهم بهدوء، دون أن يودعنا. كان يعتقد، كما نحن، أنه سيعود بعد دقائق.

وقفت في الشرفة، رأيته تحت، فاطمأننت. لكن بعد لحظات… اختفى.

في المساء، عادوا إلى المنزل. سألتهم: “ليش ما رجع بابا؟”، قالوا: “لبكرا… شوية إجراءات”، صدقناهم وانتظرنا الصباح.

 اتصل خالي بنا في الصباح وقال لأمي: “سلامة راسك”. لم أصدق. لم أبكِ. بقيت متمسكة بكلامهم: “بكرا بيرجع”.

في اليوم التالي، نزلنا، كان والدي ملقىً على الأرض، عرفنا لاحقاً أنه لم يكن هناك تحقيق. أخذوه مع آخرين، وأجبروهم على الإهانات والصراخ. رفض والدي ذلك، وقال لهم: “نحنا إخوة… نحاسب اللي غلط… نحنا ما إلنا ذنب”. فأخذوه جانباً… ولم يعد.

بقينا نحاول تأمين دفن لائق له، بعد أن بقي جسده يوماً كاملاً على الأرض. اتصلنا مراراً حتى تمكنا من نقله.

حتى اليوم… يبدو كل شيء مثل كابوس.

قبل يومين فقط من الحادثة، كنا نضحك معاً. قال لي: “طالعة حلوة… لابوكي وأمك”. وقبلها بيوم، قال بفخر أمام الضيوف: “بناتي صاروا صبايا”، كان فرحاً بنا، رغم كل ما عاشه، إذ فقد والدته وهو في الخامسة، ونشأ في فقر وصعوبات، لكنه أصر على النجاح. سافر في عمر صغير، بنى نفسه بنفسه، وصار إنساناً لا يتكرر.

مهما تحدثت عنه… لا يكفي، لأنه لم يكن مجرد أب، كان حياة كاملة.

تم الاستناد في سرد القصة على شهادة لين صبوح، ابنة ياسر صبوح.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد