قصة بهاء حيدر… بكرا الكل بيعرفني وبيتذكرني

لم يكن بهاء حيدر مجرّد اسم يُذكر بين الضحايا، ولا مجرد رقم يُضاف إلى قوائم طويلة من السوريين الذين فقدوا حياتهم. كان إنساناً كامل الحضور، حاضراً في تفاصيل حياة من عرفوه، وفي ذاكرة طلابه وأصدقائه وأفراد عائلته. وحين نتحدث عنه اليوم، فإننا لا نستعيد فقط قصة فقدٍ موجع، بل سيرة إنسان عاش حياته وهو يحاول أن يجعل حياة الآخرين أكثر دفئاً وإنسانية.
تصفه زوجته بأنه كان “إنساناً حقيقياً”. كان يحب الناس بصدق، يشعر بوجعهم ويقف إلى جانبهم دون تردد. لم يكن ينتظر أن يُطلب منه المساعدة، كان يرى الحاجة ويبادر إليها، يعطي بكرم ومن دون منّة أو انتظار مقابل. في كل محيط عاش فيه ترك أثراً طيباً في قلوب الآخرين، حتى أصبح محبوباً لدى كل من عرفه. كثيرون ممن عرفوه يتذكرونه اليوم بوصفه شخصاً حاضراً دائماً، مستعداً لتقديم ما يستطيع، سواء كان ذلك دعماً معنوياً أو مساعدة عملية.
داخل بيته، كان زوجاً حنوناً يملأ البيت حباً ودفئاً في كل الأوقات. تصفه زوجته بأنه كان زوجاً مثالياً حرفياً. حتى في لحظات الخلاف أو النقاشات الصعبة، كان يحاول أن يعالج الأمور بهدوء ومحبة، متجنباً أن تتحول المشكلات الصغيرة إلى جروحٍ كبيرة. هذه القدرة على احتواء الخلافات بلطفٍ وتفانٍ كانت واحدة من صفاته التي قلّما يجدها الإنسان في الآخرين.
وكما كان زوجاً محباً، كان أيضاً أباً شديد الحنان لابنته نينار. هو من اختار اسمها الذي يعني “إلهة الحب والينبوع”، ولم يكن اختيار الاسم صدفة، بل كان انعكاساً لرغبته في أن تنمو ابنته في بيئة مليئة بالحب والعطاء. كانت نينار بالنسبة لبهاء وزوجته ثمرة قصة حبٍ عاشاها معاً، فحرصا على أن يكبّراها في بيئة يغمرها الحب والاهتمام، فكانت النتيجة طفلة سليمة جسدياً ونفسياً، تعرف كيف تحب الآخرين وتعطيهم من قلبها. اليوم تبلغ نينار خمس سنوات، ويصفها المحيطون بها بأنها طفلة محبة وكريمة، تبدو أكبر من عمرها من حيث الوعي والنضج، وتحمل في شخصيتها الكثير مما زرعه فيها والدها.

أما في عمله فكان مدرساً ناجحاً ومتفانياً إلى حدٍ لافت. كان يقضي ساعات طويلة في الليل يحضّر دروسه بعناية وإبداع، يكتب الأسئلة ويرتب الشروحات، ثم ينشرها على فيسبوك وتلغرام ليتمكن أكبر عدد ممكن من الطلاب من الاستفادة منها. بالنسبة له لم يكن التعليم مجرد وظيفة بل رسالة حقيقية، كان يؤمن بأن المعرفة يجب أن تكون متاحة للجميع، لذلك لم يتردد في بذل جهد إضافي من أجل طلابه حتى خارج الصفوف الدراسية. يوماً ما تعجّبت زوجته من حجم الجهد الذي يبذله وقالت له: “يا الله، لماذا كل هذا التعب؟ كل يوم تكتب وتحضر وتنشر على الإنترنت.” فأجابها بهدوء وبساطة: “بكرا الكل بيعرفني وبيتذكرني.”
توفي بهاء صباح السبت 8 آذار بعد أن اقتحم مسلحون منزل عائلته وأقنعوه ووالده بالصعود إلى سطح البناء بذريعة “نحن هنا لحمايتكم”. لكن بمجرد خروجهم أطلقوا عليهم النار”.
تقول زوجته:
طرق المسلحون باب منزل عائلة زوجي، ففتحه والده العجوز البالغ 75 عاماً، فقالوا له: “نريد مفتاح باب سطح البناء للتحقق من عدم وجود قناصين”، فأجابهم أن المفتاح بحوزة سكان البناء ولا يوجد قناصون. قال المسلحون: “نحن هنا لحمايتكم”. حينها خرج زوجي بهاء من الغرفة وأخبرهم عن هويته كمدرس في مدرسة إياد كندو، ثم طلبوا منه ووالده الصعود إلى السطح. بعد دقيقتين تماماً، سمعت صوت إطلاق أعيرة نارية، ورأيت المسلحين ينزلون على درج البناء ركضاً من منظار باب المنزل. وهنا فتحت باب المنزل وهرعت الى السطح ركضاً وإذ ببهاء ووالده مقتولين، كانت الجثث متجهة الى الحائط والرصاص قد دخل من الظهر وخرج من الصدر.
تم الاستناد في سرد هذه القصة إلى شهادة زوجة بهاء حيدر.