الرئيسية صحافة حقوق الإنسان شمال سوريا: اعتقال شبان سوريين بعد ترحيلهم قسراً من تركيا إلى “المنطقة الآمنة”

شمال سوريا: اعتقال شبان سوريين بعد ترحيلهم قسراً من تركيا إلى “المنطقة الآمنة”

احتجزت السلطات التركية ثلاثة كرد سوريين تعسفاً ثم رحلتهم إلى سوريا حيث اعتقلهم فصيل "السلطان مراد" وأجبر اثنين منهم على دفع آلاف الدولارات مقابل إطلاق سراحهما وتعرض أحدهم للتعذيب

بواسطة communication
53 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

مازالت السلطات التركية تتبع سياسة الإعادة القسرية بحق اللاجئين السوريين على أراضيها منذ مطلع العام الحالي، حيث أعادت الآلاف منهم تعسفاً وبشكل غير قانوني إلى سوريا، رغم حيازة الكثير منهم على أوراق قانونية تخولهم البقاء في تركيا تحت بند “الحماية المؤقتة”. وهو ما أدّى، في نهاية المطاف، إلى تعرّض العديد من المرحلين إلى مضايقات وصلت إلى حد انتهاك حقوقهم من قبل قوى الأمر الواقع المسيطرة.

ففي تاريخ 6 آب/أغسطس 2022، أوقفت دورية من الشرطة المحلية التركية في مدينة إسطنبول ثلاثة شباب سوريين، واحتجزتهم لمدة 12 يوماً بشكل تعسفي رغم حيازتهم وثيقة الحماية المؤقتة (الكملك) وإذونات عمل.

قامت الشرطة بعدها بنقلهم إلى معبر “كلس/باب السلامة/Oncupinar Sinir Kapisi” الحدودي وتسليمهم إلى “فرقة السلطان مراد”. قامت الأخيرة باعتقال الشبان عدة أسابيع، ولم تفرج عنهم إلا بعد دفعهم مبالغ مالية للفصيل.

تحدثت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” مع الشبّان الثلاثة الذين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من إعادة اعتقالهم. تحدثوا عن إبعادهم قسراً عن عائلاتهم وأطفالهم الذين ما زالوا مقيمين في تركيا، وعن تجميد أرصدتهم البنكية، وإلغاء وثيقة الكملك الخاصة بهم، الأمر الذي يمنعهم من الوصول لأسرهم والتصرف بأموالهم.

تزامنت عمليات الإعادة هذه مع مجموعة من الإجراءات والسياسات الحكومية التركية الجديدة، منها الإعلان  عن توجه الحكومة التركية نحو الامتناع عن منح “الإقامات السياحية” أو بطاقات “الحماية المؤقتة” للسوريين الوافدين حديثاً إلى تركيا بشكل مباشر، ونقلهم إلى مخيمات جماعية من أجل “التحقق” من أوضاعهم.

بلغ عدد المرحلّين قسراً إلى سوريا حوالي 11 ألف شخص، منذ بداية العام 2022. علماً أن هذا الرقم لا يشمل أعداد المرحلين الذين يتم القبض عليهم في أثناء محاولتهم اجتياز الحدود نحو تركيا بطرق غير شرعية.

سبق أن أعدت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” تقريراً موسعاً احتوى على شهادات وأدلّة وافرة حول عمليات الترحيل القسرية بحق سوريين/ات في الأعوام 2019 و2020 و2021. خلص التقرير إلى أنّ عدد المرحلين/ات قسراً بلغ أكثر من 155 ألف شخص. كما نشرت “سوريون” تقريراً آخر عن موجة من عمليات الترحيل القسرية التي شهدها شهر كانون الثاني/يناير 2022.

الاعتقال التعسفي ثم الترحيل نحو “المناطق الآمنة”:

تحدثت سوريون من أجل الحقيقة والعدالة مع الشهود الثلاثة -وهم الكرد السوريين- حول طريقة توقيفهم على يد دورية شرطة تركية ومن ثم ترحيلهم. تقاطعت رواية الشهود الثلاثة فيما يتعلق بالتوقيف وظروف الاحتجاز، وبدأ الشاهد الأول روايته كالتالي:

“أحمل أنا والشابان اللذان تم ترحيلهما معي إذن عمل وبطاقة كملك، ونقيم في تركيا منذ ثماني سنوات، ولدينا حسابات بنكية، ونملك سيارات، ونعمل في معمل في مدينة اسطنبول. في يوم 6 آب/أغسطس 2022 جاءت دورية شرطة إلى مكان عملنا، وبدأ أفرادها التدقيق في الأوراق الثبوتية لجميع الموجودين، ومن ثم طلبوا من الشباب الكرد رفع أيديهم. رفعتُ يدي أنا والشابان الآخران. قال الشرطي أنهم سيأخذوننا إلى المخفر للتحقق من هوياتنا بسبب بلاغ مقدم ضدّ عمال أكراد في هذا المشغل. قبل أن نغادر المشغل قلنا للشرطة وباللغة التركية أننا نعمل بشكل قانوني ولدينا أوراق رسمية، فكان الرد أن هذا مجرد إجراء شكلي”.

أضاف الشاهد:

“ذهبنا مع الشرطة، وتفاجأنا بهم يأخذوننا إلى دائرة الهجرة في “توزلا” وليس إلى المخفر القريب من مقر عملنا. بقينا في دائرة الهجرة محتجزين مدة اثني عشر يوماً لم يقم خلالها أي أحد بالتحقيق معنا. في اليوم الثالث عشر أعطونا أوراقاً وطلبوا منا التوقيع عليها وهددونا بأننا سنظل محتجزين لديهم في حال الرفض. عند الاطلاع على الأوراق تبين لنا أنها أوراق العودة الطوعية. عندها طلبنا منهم السماح لنا بسحب المبالغ المالية التي في البنك والاتصال بأهلنا لتوكيل محامِ لنا. أخبرونا حينها بأنه سبق وأن تم تعطيل وثيقة الكملك الخاص بنا وتجميد الأرصدة، فرفضنا التوقيع على الأوراق”.

وتابع الشاهد:

“بعد رفضنا التوقيع على أوراق العودة الطوعية، وفي اليوم العشرين من توقيفنا، دخلت قوة من مكافحة الإرهاب إلى الزنزانة وقام أفرادها بتكبيلنا وتغطية أعيننا ووضعنا في سيارة. استمر الطريق لفترة طويلة جداً، توقفنا خلالها مرتين فقط، سمحوا لنا بدخول الحمام وأخبرونا أننا نستطيع شراء شيء نأكله إن كان لدينا المال، ولكننا لم نكن نمتلك شيئاً منه. وصلنا إلى معبر كلس من الجانب التركي، وهناك قام عناصر الشرطة التركية بتسليمنا إلى عناصر من فرقة السلطان مراد، والتي نقلتنا إلى معبر باب السلامة، ودخلنا الأراضي السورية دون أي أوراق”.

ختم الشاهد:

“عندما نزلنا من السيارة سألتُ الضابط التركي الذي كان واقفاً مع عناصر السلطان مراد عن سبب ترحيلنا. أخبرني أن هناك بلاغ ضدنا يقول أننا منتسبون لحزب العمال الكردستاني ونخطط لتنفيذ تفجيرات، ولكن بسبب عدم وجود أدلة ملموسة على هذا اكتفوا بترحيلنا دون محاكمتنا”.

إطلاق سراح المعادين قسراً بعد دفع آلاف الدولارات لفرقة السلطان مراد:

بحسب ما أفاد الشهود الثلاثة فقد تم اعتقالهم في مقر “فرقة السلطان مراد” في منطقة “حوار كلس” لفترات متراوحة، وأجبر اثنان منهم على دفع مبالغ مالية كبيرة لأحد قادة “السلطان مراد” ويلقب بـ”أبو أحمد أمنية” لقاء إطلاق سراحهم.

قال الشاهد الأول في حديثه مع “سوريون”:

“بعد أن تم تسليمنا إلى عناصر السلطان مراد، تم أخذي إلى التحقيق الذي دار حول كوننا منتسبين لحزب العمال الكردستاني ونخطط لتنفيذ تفجيرات في تركيا. نفيتُ خلال التحقيق كل الاتهامات، وأخبرتهم أنني مستقر في تركيا ولدي أوراق ثبوتية. بعد أن انتهى التحقيق بقيت محتجزاً مدة شهر كامل. بعدها جاء إليّ عناصر من السجن وطلبوا مني دفع مبلغ مالي لإطلاق سراحي. في البداية طلبوا 3000$. تفاوضت معهم حتى وصل المبلغ إلى 1800$. قامت عائلتي بدفع النقود إلى شخص يدعى أبو أحمد أمنية. تم نقلي من مقر الفرقة وتسليمي إلى الشرطة المدنية في أعزاز حيث فُرض عليّ دفع 500$ آخراً، ومن هناك تم إطلاق سراحي بعد دفعي النقود”.

عند التحدث مع الشاهد الثاني قال لـ”سوريون”:

“بعد تسليمي لفرقة السلطان مراد بقيتُ محتجزاً في مقرهم مدة أسبوعين، تعرضت خلالهما للضرب والتعذيب. دار التحقيق في كل مرة حول تهمة الانتماء لحزب العمال الكردستاني. خلال إحدى جلسات التحقيق قال لي المحقق أنه سيسمح لي بالاتصال بأهلي لأعلمهم أن عليهم دفع مبلغ 5000$ مقابل إطلاق سراحي. بالفعل اتصلتُ بعائلتي، وقامت الأخيرة بالتفاوض مع المحقق أو مع شخص آخر لا أعرف تحديداً، لكننا في النهاية دفعنا مبلغ 4000$ لشخص يدعى أبو أحمد أمنية. بعد ذلك تم نقلي إلى مقر الشرطة العسكرية في أعزاز، وبقيتُ مسجوناً هناك مدة شهر، سمحوا خلاله لأحد أصدقائي بزيارتي ثلاث مرات. بعدها تم إطلاق سراحي”.

قال الشاهد الثالث في حديثه مع “سوريون”:

“بعد أن تم تسليمي لعناصر من فرقة السلطان مراد، قاموا بالتحقيق معي حول عدد من قادة حزب العمال الكردستاني، وعرضوا عليّ الكثير من الصور، لم أستطع التعرف على أي منها لأني غادرت سوريا في عام 2012 وليس لي أي علاقة بهذه الأمور. كنتُ مستقراً في تركيا ولديّ حياتي هناك. تعرضتُ للضرب المبرح في كل مرة قلت فيها أنني لا أعرف الشخص الذي في الصورة. بقيتُ محتجزاً لديهم ثلاثة أسابيع، وخلال هذه الفترة طلبوا مني رقم هاتف عائلتي ليتواصلوا معهم. بعد نحو شهر من اعتقالي تم إطلاق سراحي. عرفتُ بعدها من عائلتي أن شخصاً يدعى أبو أحمد أمنية تواصل معهم، وطلب مبلغ 2000$ لقاء إطلاق سراحي. لم تتمكن عائلتي من دفع المبلغ لأننا عائلة فقيرة وليس لدينا مصدر دخل. مع ذلك تم إطلاق سراحي دون دفع”.

الإعادة القسرية للسوريين تخالف التزامات تركيا الدولية:

تشير التقارير الحقوقية والدولية إلى أن سوريا ما زالت مكاناً غير آمن، وإلى أن السوريين المعادين إليها يواجهون الاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري والابتزاز وغيرها من الانتهاكات الجسيمة.[1]

تفرض الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية اللاجئين لعام 1951 احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يحظر نقل شخص من سلطة إلى أخرى عندما تكون هناك أسباب وجيهة تدعو إلى الاعتقاد بأن الشخص سيواجه خطر التعرض لانتهاك بعض حقوقه الأساسية، بغض النظر عما إذا كان هذا الخطر مصدره دولة أو جهات فاعلة غير حكومية.[2]

لا يجوز لتركيا استخدام العنف أو التهديد به أو احتجاز الناس تعسفاً أو إكراههم على توقيع استمارات العودة الطوعية إلى أماكن قد يواجهون فيها خطراً، ويشمل ذلك طالبي اللجوء السوريين، الذين يحق لهم الحصول على حماية تلقائية بموجب القانون التركي، بما في ذلك الذين مُنعوا من التسجيل في نظام الحماية المؤقتة منذ أواخر 2017.[3]


[1] تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية (A/HRC/51/45)، مجلس حقوق الإنسان. صادر في 17 آب/أغسطس 2022. متاح على الرابط:

https://reliefweb.int/report/syrian-arab-republic/report-independent-international-commission-inquiry-syrian-arab-republic-ahrc5145-enarruzh

[2] “مذكرة بشأن الهجرة ومبدأ عدم الإعادة القسرية”، المجلة الدولية للصليب الأحمر، رقم (904). صادر في: آذار/مارس 2018، متاح على:

https://international-review.icrc.org/ar/articles/note-migration-and-principle-non-refoulement#:~:text=%D9%85%D8%A7%20%D9%87%D9%88%20%D9%85%D8%A8%D8%AF%D8%A3%20%D8%B9%D8%AF%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9,%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D8%B6%20%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%87%D8%A7%D9%83%20%D8%A8%D8%B9%D8%B6%20%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82%D9%87%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9.

[3] “تركيا: ترحيل مئات اللاجئين إلى سوريا”، منظمة هيومان رايتس واتش، 24 تشرين الأول/أكتوبر 2022. متاح على الرابط:

https://www.hrw.org/ar/news/2022/10/24/turkey-hundreds-refugees-deported-syria

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد