الرئيسية تقارير مواضيعية “شبح منتصف الليل” يلتهم “شهرزاد” وأطفالها الصغار !

“شبح منتصف الليل” يلتهم “شهرزاد” وأطفالها الصغار !


قصص لناجين من "حريق سينما عامودا" في ذكراه التاسعة والخمسين

بواسطة bassamalahmed
269 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية

ملّخص تنفيذي:

يصادف يوم 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، الذكرى السنوية الـ(59) لحريق “دار سينما شهرزاد” في مدينة عامودا في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا عام 1960، هذه الفاجعة التي عُرفت في الذاكرة الشعبية الكردية والسوريّة باسم “حريق سينما عامودا”، والتي راح ضحيتها آنذاك ما يقرب الـ200 طفلاً من طلاب المرحلة الابتدائية، بعدما تمّت دعوتهم من قبل مدير ناحية عامودا، لحضور أحد الأفلام المصرية القديمة في صالة السينما، من أجل دعم الثورة الجزائرية ضدّ الاستعمار الفرنسي (1954-1962) آنذاك، على أنّ يتم إرسال ثمن التذاكر كمساهمة في دعم الثورة.

 

في العام 1960 كان في مدينة “عامودا”، صالتان لعرض السينما، إحداهما تُعرف باسم “سينما فؤاد”، والأخرى يكان ُطلق عليها اسم “سينما شهرزاد”، وكانت سينما “فؤاد” تعدّ صالةً صيفية بينما كانت سينما “شهرزاد” تعدّ صالةً شتوية مبنيّة من الطين والقشّ، كما تُبنى البيوت الطينية في عموم تلك المنطقة الزراعية الخصبة.

 

بحسب المعلومات التي حصلت عليها سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، فقد لجأ صاحب السينما وهو من مدينة “عامودا” واسمه “خضر عزو معكو”، في تصميمها إلى وضع بعض “الديكورات الفلكورية” وكانت عبارة عن جوالات/أكياس خيش[1] وتمّت صباغتها بألوان مختلفة، حيث كانت الصالة في غالبيتها مصنوعة من الخشب وفيها كراسي من الخيزران، في حين كانت الأبواب خشبية وبمغلاق داخلي (أي يتم إغلاقها من الداخل)، كما كانت السينما تتسع لحوالي 200 شخص كحد أقصى.

بدعوة من مدير ناحية “عامودا” تمّ إبلاغ مدراء المدارس بضرورة مساندة ثورة الجزائر عبر “أسبوع دعم ثورة الجزائر” وكان من ضمن برامج الأسبوع هو تخصيص يوم واحد من أجل عرض أفلام لأطفال المدارس، على أن يذهب ريعها للثورة الجزائرية، وكان ثمن بطاقة الفيلم آنذاك حوالي ربع ليرة سورية، حيث أفاد العديد من شهود العيان والناجين لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة بأنّ شراء البطاقات حينها لم يكن إجبارياً، لكن في المقابل من لم يكن يشتري تلك البطاقات كان يُنظر إليه بازدراء.

كان الفيلم الذي تمّ عرضه هو فيلم “شبح منتصف الليل”[2] وهو فيلم مصري قديم وغير مخصّص للأطفال أساساً، حيث أشارت العديد من المصادر الذين التقتهم سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، إلى أنّ الفيلم كان قديماً ومستعملاً عدّة مرات، وربما كانت إدارة الصالة قد حصلت عليه مجاناً، حيث أنّ نوعية تلك الأفلام “الأبيض والأسود” كانت معرّضة للاحتراق ما إن استعملت مرات كثيرة بسبب طبيعتها البدائية التي كانت تُصنع فيها الأفلام آنذاك، وقد تمّ عرض الفيلم للمرة الثالثة يومها، وهي المرة التي تسببت في إشعال السينما، حيث أكدّت شهادات الناجين جميعها أنّ النيران بدأت من غرفة تشغيل الفيلم.

 

وما زاد الطين بلّة هو العدد الكبير للأطفال الئين جاؤوا لمشاهدة الفلم، فقد تمّ حشر الكثير من الأطفال في صالة السينما بما يفوق طاقتها الاستيعابية، فبينما كانت الصالة تتسع لحوالي 200 شخصاً، تمّ حينها إدخال أكثر من ذلك الرقم بكثير، مضيفين بأنّ عامودا لم تكن فيها محطة إطفاء أو أيّ سيارات إطفاء آنذاك فقد كانت بلدة صغيرة مقارنة مع وضعها الحالي.

 

الأطفال الضحايا الذين ماتوا حرقاً، كانوا في مُجملهم من طلاب مدرسة “المتنبي والغزالي” الابتدائيتين، وقد وثّقت جريدة “المصوّر” المصرية الحادثة بعد يوم من وقوعها، حيث تمّ التقاط مجموعة صور للضحايا، والناجين من الجرحى والقبور والسينما المحترقة، وقد قالت الجريدة حينها أنّ 193 طفلاً توفوا نتيجة هذه الحادثة فيما أصيب 50 آخرون.

“عزيز كارس” أحد نشطاء مدينة عامودا الذين قاموا بأنشطة توثيقية حول الحادثة، قال لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة في شهادته أنّهم استطاعوا إحصاء مقتل 187 طفلاً، بينم 12 طفلاً تم دفنهم في إحدى المقابر الجماعية في مقبرة “شرمولا” في عامودا، إضافة إلى 172 طفلاً تمّ دفنهم في قبور مفردة في المقبرة ذاتها، و 3 أطفال قتلوا في الحادثة وتمّ دفنهم في مقابر خارج مدينة عامودا.

 

كان من بين الضحايا 3 أطفال من المكون السرياني/المسيحي السوري في الجزيرة بينما  كان الباقي من الكرد السوريين.

 

ووفقاً للعديد من المصادر فقد أهملت حكومة الوحدة آنذاك (أي الوحدة ما بين سوريا ومصر 1958-1961)، التحقيق الجدّي للوقوف على أسباب الحادثة وتحديد المسؤولين عن تلك الفاجعة، ومنذ ذلك الحين بقي التحقيق مقيّداً ضدّ مجهولين، وتمّ تحويل مكان السينما إلى حديقة بعد أن اشترتها البلدية، وهذه الحديقة لا تزال قائمة حتى الآن، وتعرف باسم حديقة “الشهداء”، وفيها نصب تذكاري صممه فنان من محافظة دير الزور واسمه “محمود جلال” لأطفال مع علم يرمز للعلم الجزائري، في إشارة إلى أنّ الأطفال راحوا ضحية دعم الثورة الجزائرية، وفي السنوات اللاحقة منعت الحكومات السورية المتعاقبة إحياء ذكرى الفاجعة، ويُعتقد أنّ سبب المنع هو عدم إفساح المجال لتناول مواضيع وشعارات قد تخرج عن مجرد إحياء ذكرى، وبخاصة أنّ الغالبية العظمى من أبناء المنطقة هم من الكرد، لكن مع غياب أجهزة الأمن السورية عن مدينة عامودا عام 2012، وتأسيس الإدارة الذاتية في محافظة الحسكة عام 2014، عاد العديد من الأهالي إلى إحياء ذكرى الضحايا الذين سقطوا جرّاء هذه الحادثة.

 

صور رقم (1) و(2) و(3) تظهر الأطفال من ضحايا حريق سينما “عامودا” عام 1960، مصدر الصور: صفحات محلّية من مدينة عامودا.

صورة للضحية “يحيى حاج كارس سليفي” وكان يبلغ من العمر 19 عاماً،  وقد ذهب من أجل جلب ابن عمّه الطفل، وعندما حاول انقاذه التهمته النيران آنذاك، يُذكر أنّ عدد الضحايا من عائلة “سليفي” بلغ ثلاثة ضحايا (يحيى ومحمود كيلو سليفي وعبدالرحمن حج حسين سليفي). مصدر الصورة: الناشط عزيز كارس.

منهجية التقرير:

اعتمد التقرير في منهجيته على (8) شهادة ومقابلة بالمجمل تمّ إجراؤها بشكل مباشر/وعبر الانترنت مع شهود عيان وناجين وأهالي من قبل الباحث الميداني لدى المنظمة، خلال الفترة الممتدة من أواخر شهر أيار/مايو وحتى بدايات شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2019، إضافة إلى ذلك تمّ الرجوع إلى العديد من المصادر الأخرى والتي قامت بعملية توثيق لتلك الأحداث.

من الأهمية بمكان الإشارة إلى أنّ هذا الجهد من قبل “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” هي محاولمة مكمّلة لجميع الجهود التي دأبت على توثيق وتأريخ حادثة حريق سينما عامودا، منها كتاب للمؤلف “ملا أحمد نامي” بعنوان قصة حريق “سينما عامودا” وآخر للمؤلف “قادر عكيد”  وآخر  للمحامي “حسن دريعي” الذي أصدر كتاباً في جزأين تحت عنوان “عامودا تحترق”. ومؤلفين آخرين.

 

1. كيف بدأت الحادثة:

بدأت الحادثة حينما تمّت دعوة مئات الأطفال من طلاب المدارس والذين لا تتجاوز أعمار معظمهم 12 عاماً، من قبل مدير ناحية “عامودا” آنذاك، لحضور أحد الأفلام في “سينما شهرزاد” وكان الهدف من هذه الدعوة، جمع التبرعات لدعم الثورة الجزائرية ضدّ الاستعمار الفرنسي، هذا ما قاله العديد من الناجين لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، والذين كانوا ومازالوا يعانون ألم هذه المأساة رغم مرور 59 عاماً.

 

“رشيد فاتي” من مواليد مدينة عامودا عام 1948، كان أحد الأطفال الناجين من هذه الحادثة، وكان يبلغ من العمر آنذاك 10 أعوام، حيث استرجع لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة ما جرى قائلاً:

“كانوا يسمّون ذلك الأسبوع بأسبوع الجزائر، أي أنّ ريع الفيلم كان يذهب لصالح الجزائر، وكنت حينها طالباً في المرحلة الابتدائية في مدرسة المتنبي، وأذكر أنهم يوم الحادثة، دعوا الناس للاجتماع أمام البلدية، وكانوا يدعون للتبرّع من أجل الجزائر، ولم يكن الأمر إجبارياً، لكنه كان شبه إجباري، فمن كان لا يذهب، كان من المتوقع أن ينظر إليه فيما بعد بازدراء، وأذكر أنّ صالة السينما كانت معمّرة من الطين واللبن، وكان بناؤها بمقدار نصف متر تحت الأرض، أمّا سقفها فقد كان من القش والعواميد، وأبوابها لم تكن تصلح أن تكون سوى زريبة حيوانات. عرضوا الفيلم في الساعة السابعة والنصف مساءً، وكنت حينها جالساً في القسم العلوي، فتوقف العرض في منتصف الفيلم وابيّضت الشاشة، فسمعت صوتاً ونظرت خلفي وشاهدت النار، حيث كان النار تنبعث من غرفة تشغيل الفيلم، فصحنا وصرخنا “حريق” وقفزنا من القسم العلوي، وكان ارتفاع هذا القسم ما بين المترين والمتر والنصف، لكننا قفزنا إلى أرضية صالة السينما.”

 

صورة رقم (4) صورة خاصة بسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، تظهر الناجي “رشيد فاتي”.

 

حاول “رشيد الفرار” من الباب الشمالي لصالة السينما، لكن لم ينجح في ذلك من شدّة الازدحام، فتوجه إلى الباب الجنوبي، حيث وجد الأطفال وهم مكدّسين فوق بعضهم البعض، فسارع للقفز فوق ثلاثة أطفال، وخلال هذه الأثناء أصيب “رشيد” بحروق من الدرجة الثانية في قدمه، وتابع قائلاً:

“وصلنا للخارج وتنفسّنا، وكانت النيران مازالت مستعرّة، فنظرت خلفي، وكان المنظر كالجحيم تماماً والنار تنبعث من النوافذ، لقد وضعوا في السينما يومها حوالي 400 طفل أي فوق سعة السينما التي كانت تسع ما بين 200-300 شخصاً، وكانوا كلهم من الأطفال، وسمعنا حينها أنّ غرفة التشغيل في صالة السينما كانت تحوي حوالي 300 كيلو من الأفلام، وقد اشتعلت جميعها.”

“إبراهيم شيخو” من مواليد مدينة عامودا عام 1948، طفل آخر نجا من هذه الحادثة، لكنّ آثار الحروق التي أصيب بها ما زالت ملازمة له حتى اليوم، حيث استرجع لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة ما جرى حينها قائلاً:

“كنت حينها طالباً في الصف الرابع الابتدائي، وقد وزعوا علينا بطاقات لحضور الفيلم في سينما “شهرزاد” كان سعرها حينها ربع ليرة سورية، وكل ما أذكره أنني ذهبت إلى السينما، وقبل أن ينتهي عرض الفيلم، بدأت النيران بالتهام المكان، وكان مصدرها من غرفة تشغيل الفيلم، وكان الجميع صغاراً في السن، حتى أنّ بعضهم رمى بنفسه من القسم العلوي، فسارعت للتوجه إلى دكان صغير كان موجوداً داخل السينما، فدخلتها برفقة 20 طفلاً آخرين، وبقينا فيها حتى وصلت النار إلى شاشة السينما وانتشرت في كامل الصالة، حتى انهار السقف.”

صورة رقم (5) صورة خاصة بسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، تظهر الناجي “إبراهيم شيخو”.

 

تمّ إنقاذ “أبراهيم” بعدما كان قد أصيب بحروق شديدة في يديه وقدميه، بينما تعرّض عدد من زملائه للاختناق، وعلى إثر ذلك تمّ إسعافه إلى مشفى القامشلي الوطني، حيث بقي حوالي الشهر وهو يعاني من ألم حروقه على حد وصفه.

 

2. أسباب الحادثة تعود إلى الإهمال:

 

بحسب ما ذكر العديد من الناجين لسوريون من أجل الحقيقة، فقد أتى إلى صالة السينما يوم الحادثة، مئات الطلاب من الأطفال، إلى حد غصّت بهم صالة السينما، حيث استوعبت أعداداً أكثر من طاقتها، وكانت النيران تصدر من غرفة تشغيل الفيلم، ثمّ امتدّت إلى صالة السينما، والتي كانت بمعظمها مصنوعة من الخشب، حيث عزا معظمهم أسباب الحادثة إلى الإهمال، وبخاصة تشغيل الفيلم لمرات عدّة، بشكل يفوق طاقة فيلم قديم وقابل للاحتراق.

“إبراهيم عيسى” من مواليد عامودا 1937، كان أحد العاملين السابقين في صالة سينما “شهرزاد” حينما وقعت الحادثة في العام 1960، حيث استرجع لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة مجريات ما حدث حينها قائلاً:

  “أذكر أنّ فيلماً مصرياً قديماً كان يُعرض في يوم حريق السينما، وكان اسم الفيلم “شبح منتصف الليل”، وقد كان عرضه ممنوعاً في ذلك الوقت، لأنّ الفيلم كان مخيفاً، وكان فيه مشاهد مخيفة، وغير مناسبة بتاتاً للأطفال، كما كان هنالك العديد من الأطفال الذي أتوا لمشاهدة هذا الفيلم، وكان شريط الفيلم شبيهاً بشريط أفلام كاميرات الفوتو القديمة، تلك المادة كانت تشتعل بالنار عندما تتعرّض للحرارة، وكانت من صناعة مصرية. بدأ العرض الأول للفيلم، وكان ثمن الكرت الواحد ربع ليرة سورية، وكان العرض الأول مخصصاً للتلاميذ من البنات الصغار، أمّا العرض الثاني فقد كان مخصصاً للتلاميذ من الأولاد، وكُرّر نفس الفيلم في العرضين، ولم يعد الفيلم صالحاً، وكانت مسنّنات الفلم مكسورة، وكان الجهاز الحاضن للفيلم عبارة عن صندوق، في الخلف كان هناك مرآة وفحمتان تتصلان ببعضهما البعض، الفحمتان يعطيان الضوء  للمرآة، وكانت المرآة تعطي الضوء للعدسة، في حين كانت العدسة تعطي الضوء للشاشة، حرارة الفحمتان كانت قوية، وكانت الحرارة قادرة على حرق اليد، فاشتغل الفيلم، وفي الفصل الثاني انقطع.”

 

صورة رقم (6) صورة خاصة بسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، تظهر الناجي “إبراهيم عيسى”.

 

وأضاف “عيسى” بأنّ النار اندلعت في صالة السينما والتي كانت مصنوعة من الخشب والعواميد، حتى وصلت سقف الصالة، واسترجع ما حدث حينها قائلاً:

“قبل أن تحترق السينما بعشرة دقائق صعدت إلى الأعلى حيث كان الجو حاراً ولا يطاق، وشاهدت في الصالة امرأة كانت تأتي لأول مرة إلى السينما وتحمل طفلاً صغيراً على كتفها والآخر برفقتها، فجاءني أحد الأصدقاء إلى السينما وطلب مني الخروج للحديث معه، فابتعدنا عن السينما قرابة 50-100 متر تقريباً، وبعدها لاحظنا بأنّ الكهرباء انقطعت، وبدأت الناس تٌهرول عكس اتجاهنا، كان الوقت ما بين المغرب والعشاء، وقال لي أحدهم ألا تشاهد خلفك كيف تخرج النيران من شباك السينما؟ فعدنا إلى السينما، واجتمع الناس كلهم، وسكبوا الماء على الشبابيك لكن دون فائدة، وكان للسينما بابان، باب على الشارع من الشمال، وباب من الجنوب، وكانت الصالة أشبه بالقبو، فاحترقت السينما وهرب الأطفال، وكانت أعمارهم تتراوح ما بين 10-12 سنة، وعندما أراد الأطفال الهروب وأتوا على الدرج للصعود، وكان الباب يقفل من الداخل، وكانت هذه مصيبة، فقد كان الباب عتيقاً ومن خشب قديم، فتدافع الأطفال وأغلق الباب تماماً، وحاول الناس فتح الباب من الخارج لكن دون فائدة.”

وتابع “عيسى” بأنّ حوالي ستة أطفال استطاعوا الفرار من الباب الجنوبي لصالة السينما، حيث كان يقع قبالته بئراً للماء، فسقط ثلاثة أطفال في هذه البئر الجافة، وأضاف مسترجعاً ما حدث حينها قائلاً:

“كان هنالك دكاناً لبيع الموالح داخل صالة السينما، وقد كان هنالك 13 طفلاً قد علقوا في داخلها، فاجتمع الناس حينها وحاولوا خلع الباب، لكن دون جدوى، حيث احترق الأطفال جميعاً، وأذكر انّ أحد الأشخاص ويدعى “محمد سعيد آغا” حاول إنقاذ الأطفال، حيث كان ابنه في صالة السينما[3]، فنحج في إنقاذ حوالي ستة أطفال من الحريق، وفي هذه اللحظة حضرت سيارة الشرطة وقالوا لنا: “يا جماعة الأمر بات خطراً عليكم، فالجدران ستنهار، ولا أمل لأحد بعد الآن بإنقاذ أطفاله، لأنّ النار كانت تخرج من الباب”،  فأراد “محمد سعيد آغا” أن يدخل مرة أخرى، فمنعه الشرطي، لكنه أصرّ على الدخول للسينما ولم يخرج، وإنهار السقف. كانت المأساة كبيرة، حيث وصل عدد الضحايا من الأطفال الذين ماتوا حرقاً حتى 200 طفلاً، و50 طفلاً جريحاً، كما أذكر انهم دفنوا في كل قبر جثامين 5-6 أطفال تقريباً، لأنهم لم يتعرفوا على الأسماء، بسبب الحروق الشديدة.”

 وختم “عيسى” حديثه بأنّ إحدى منظمات الإغاثة أتت عقب حريق السينما وأعطت الأسر المتضرّرة البطانيات والنقود، حيث أعطوا لكل أسرة توفي منها طفل مبلغ 3000 ليرة سورية[4]، كما أنّ الحكومة السورية كان قد اشترت قطعة الأرض -مكان السينما التي احترقت- من صاحبها، وحولتها إلى حديقة أصبحت تسمّى حالياً “حديقة الشهداء”.

 

“صديق أوسي شيخموس”، من مواليد مدينة عامودا عام 1932، شاهد آخر كان قد ساهم في بناء سينما “شهرزاد/عامودا” منذ تأسيسها، كما كان أحد الشهود على تلك الحادثة، حيث تحدّث لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة قائلاً:

“كنت أعمل كنجار وقد ساهمت في بناء هذه السينما، حيث عمرناها من اللِبن، ووضعنا عارضات من الحديد في السقف، وفوقها عواميد خشب من ثمّ القش والتراب، وكان للسينما بابان في اتجاهين، باب في الجنوب وباب في الشمال، وقد صنعت هذه الأبواب من الخشب، وأردت صنع أبواب واسعة على أن يمكن فتحها من الخارج، كي يتسنّى للحاضرين الهروب إذا ما حصل شيء، لكنّ صاحب السينما “خضر معكو” رفض ذلك، وقال: “لا،  سنصمم الأبواب بمغلاق خلفي”، كما صنعنا درج كي يجلس المشاهدون فوقه، وهو عبارة عن مقاعد متدرّجة صنعناها من عواميد وخشب، حتى الأرضية أيضاً.”

وتابع “صديق حول ما حدث في تلك الحادثة قائلاً:

“عندما احترقت صالة السينما، كنت جالساً في المنزل، وأذكر أننا سمعنا الصراخ والعويل، فسألنا ماذا حصل؟ قالوا بأنّ السينما احترقت وبداخلها العديد من الأطفال، فركضنا وكانت الشرطة تفرّق الناس من هناك، كي لا يقتربوا من الحريق، فذهبت إلى هناك كي أساعدهم، كان الباب مقفلاً وحاول أحد الأشخاص ويدعى “محمد سعيد آغا” فتحه فلم يفتح، فقفز من فوق حائط السور ودخل من الباب الجنوبي إلى السينما، وكان قد نجح بإنقاذ حياة العديد من الأطفال، ولمّا وقع سقف الصالة، كسرنا الباب، وشاهدنا الأطفال كأوراق العنب مرصوصين فوق بعضهم البعض، وكانوا محروقين، وعند فتحنا للباب ترامت جثثهم بين أرجلنا، وكنت حاضراّ في تلك اللحظة، فقمت بحمل طفل بينما قام أحدهم بحمل طفل آخر، كي نأخذهم إلى المستوصف،  لقد كان الأطفال يصارعون الموت، وتعبنا حتى أوصلنا الأطفال الى المستوصف، حيث كان هنالك الكثير من الأطفال ميتين، ويتم أخذهم إلى الجامع.”

صورة رقم (7) صورة خاصة بسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، تظهر الشاهد “صديق أوسي شيخموس”.

 

 

وأشار “صديق” إلى أنّ عدداً من عناصر الشرطة كانوا قد أخذوا أطفالهم من السينما قبل حدوث الحريق، مضيفاً  بأنّ غالبية عائلات مدينة عامودا كانت قد خسرت طفلاً أو اثنين جرّاء هذه الحادثة، حيث لفت إلى أنّ عائلته كانت قد فقدت ابن عمه بعد مقتله في هذه الحادثة، إضافة إلى جرح طفلين آخرين من عائلته جرّاء ما حدث.

3. جرحُ لا يلتئم:

أودى حريق سينما “عامودا/شهرزاد” بحياة حوالي 200 طفل كما أسفر عن إصابة عشرات آخرين، حيث قال العديد من الناجين لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة بأنّ هم ما زالوا يذكرون تلك الحادثة وكأنها حدثت البارحة، حيث أنّ تبعاتها النفسية والجسدية لازالت ملازمة لهم حتى يومنا هذا.

 

“حسام الدين شيخي” من مواليد عامودا 1944، كان أحد الأطفال الضحايا الذين تعرّضوا للإصابة خلال الحريق الذي اندلع في سينما “عامودا/شهرزاد” عام 1960، حيث ذكر لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة ما حدث حينها قائلاً:

“كنت في الصف السادس الابتدائي، وكان عمري حوالي 12 أو 13 سنة حينما اندلع حريق السينما، وأذكر أننا كنا فقراء ولم يكن عندنا نقود، فحصلت على ربع ليرة سورية بشقّ النفس، واشتريت تذكرة لحضور الفيلم المصري الذي كان يُعرض حينها، وكان دوري في السادسة مساءً، فذهبت قبلها بعشرة دقائق، وقفزت من فوق الأسلاك والسور، وكانت الأبواب مفتوحة، وكان هنالك زحمة شديدة، وأذكر أنّ المقاعد كانت مصنوعةً من الخشب و الخيزران، وما إن مضت دقائق حتى بدأت الناس تصيح وتصرخ “نار”، حيث كانت ألسنة اللهب تلتفّ على بعضها، وازداد الصراخ، فتزاحمنا بشدة، وكان الباب يبعد عني حوالي 10 أمتار، فقفزت من فوق الأطفال، وأمسك بي حارس السينما وخرجت من باب السينما الشمالي.”

صورة رقم (8) صورة خاصة بسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، تظهر الناجي “حسام الدين شيخي”.

 

وأكمل “شيخي” بأنّ غالبية الضحايا الذين توفوا إثر هذا الحريق، كانوا من الأطفال، حيث ما زال يذكر كيف كان الأطفال يهرعون مسرعين للخروج من الباب الشمالي والجنوبي للصالة، مشيراً إلى أنّ الأبواب لو كانت مصنوعة بشكل جيد، لتمكن الجميع من الخروج والنجاة بحياتهم، حيث تابع قائلاً:

“أذكر أنّ أحد الأطفال عاد ليأخذ حذائه لكنه احترق، فقد كان حذاؤه جديداً، وكان الناس فقراء، وكل ما أذكره أنّ الأجساد كنت قد تحولت إلى رماد، وبأنني أصبت في عيني اليسرى نتيجة الحرارة، وحتى الآن أنا غير قادر على الرؤية بها بشكل جيد، الفيلم الذي عرضوه ونتيجة تعرّضه للحرارة الزائدة احترق، وبعد الحادث باتت جميع دور السينما في منطقة الجزيرة تحت المراقبة، فكانت تأتي الأفلام مرفقةً بكرت مدوّن فيها تاريخ الفيلم وعنوانه وقصته، لكن قبيل حادثة الحريق تلك، كانوا يشترون الأفلام من سوق القامشلي بشكل عشوائي، وإذا ما كان الفيلم مشوقاً كانوا يشترونه، كان أصحاب صالات سينما (فؤاد وشهرزاد) قد نقلوا الفيلم من سينما فؤاد إلى سينما شهرزاد، وكانوا يقولون أنّ مخصّصات الفيلم ستذهب  لأجل الجزائر من دون أن يقوموا بأي دعاية للفيلم، حتى إنّ معلمي المدارس لم يسألوا ما هو الفيلم، وأتوقع بأنّ صاحب السينما لم يشترِ الفيلم، بل حصل عليه مجاناً.”

“محمد أمين عبد السلام” من مواليد قرية “قحفكا” في ريف عامودا عام 1948، شاهد آخر كان قد نجا من هذه الحادثة، وكان حينها طالبُ في الصف السادس الابتدائي، حيث تحدّث لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة حول ما حدث حينها قائلاً:

“أذكر أنّ ابن خالي قد اشترى بطاقة لحضور الفيلم، لكنّ والدته منعته من الذهاب، فذهبت أنا عوضاً عنه، وأذكر أنني ارتديت ملابس جديدة لأجل السينما، وفي الحقيقة فقد كانت السينما حينها أشبه بزريبة بكل معنى الكلمة، فقد كانت الأرضية تراباً ومكانها عميقاً، وكانت كراسي الصالة من الطين، وكان المكان مزدحماً بشكل كبير، وكل ما أذكره أنّ احدهم صاح “حريق” فحاول كل طفل أن ينقذ نفسه، لكن الباب ومن شدّة الازدحام والتدافع انقفل من الداخل، فتراجعت من بينهم إلى الخلف ودخلت دكانة صغيرة في الصالة، فدخلها آخرون أيضاً، واستعرّت النار سريعاً، وكان بعض الأطفال يبكون والبعض كان محترقاً ومن بينهم شخصُ لا زال حياً اسمه “أحمد القادري”، إضافة إلى طفل آخر يدعى “ابراهيم حمي” كان قد احترق بجانب الباب.”

عندما انهار سقف السينما، حاول الأطفال الفرار إلى الخارج، وخلال رحلة الفرار هذه تعرّض “عبد السلام” لحروق شديدة في يده وساقه، وعلى إثر ذلك، أغمي عليه، فتمّ إسعافه إلى المستوصف حيث تمّ تحويله في اليوم التالي إلى مدينة القامشلي/قامشلو للعلاج.

صورة رقم (9) صورة خاصة بسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، تظهر الناجي “محمد أمين عبد السلام”.

“مجول حسن كون رش” من مواليد مدينة عامودا عام 1949، كان أيضاً أحد الأطفال الناجين من تلك الحادثة، حيث ذكر لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، بأنه كان قد ذهب إلى سينما “شهرزاد” في يوم الحادثة، برفقة ابن عمه وجاره وابن رئيس مخفر الشرطة، حيث تحدّث لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة في هذا الصدد قائلاً:

“حينها كنت طالباً في الصف الرابع الابتدائي، وأذكر أنه عندما دخلنا صالة السينما، جلست برفقة جاري بجانب الباب، بينما جلس ابن عمي وابن رئيس المخفر في القسم العلوي، والذي كان مصنوعاً بمجمله من الخشب والعواميد، فاشتعل الفيلم بعد فترة قصيرة من عرضه، ونظرت خلفي وشاهدت النار في غرفة ماكينة الفيلم، في البداية لم أبالِ، لكن وبعد خمس دقائق امتدت النيران من غرفة الفيلم إلى الصالة، فرمى الأطفال بأنفسهم من الأعلى، وحينها تنبّهت بأنّ الأمر ليس هيّنًا، فخرجنا مباشرةً إلى الشارع، وبعد عشر دقائق أصبح مشهد النيران عجيباً، فالباب الذي خرجت منه انقفل بسبب تراكم الأطفال خلفه، أما الباب الآخر والذي كان على الشارع فقد انغلق هو الآخر لنفس السبب، وأذكر أنّ ارتفاع نوافذ السينما كان حوالي أربعة امتار، فكان الأطفال يصعدون فوق بعضهم البعض حتى أصبحوا بعلو هذه النوافذ، فهربت إلى البيت وأخبرت أمي بأنّ السينما احترقت.”

صورة رقم (10) صورة خاصة بسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، تظهر الناجي “مجول حسن كون رش”.

صورة مأخوذة من صفحات محلية تابعة لمدينة عامواد، تُظهر عدد من الناجين بينهم طفل بين يدي والدته واسمها “فريدة” وهي والدة الكاتب الكردي المعروف “دلاور زنكي”.

 


[1]  أكياس مخصصة لملئها بالقمح أيام موسم الحصاد.

[2] ذكرت مصادر أخرى أنّ اسم الفلم كان “جريمة في منتصف الليل”، إلاّ أنّ الرواية الأقرب للحقيقة هي “شبح منتصف الليل” باعتبار أنّ تاريخ انتاج الفلم يعود للعام 1947.

[3] قال مصدر لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة أنّ ابن “محمد سعيد آغا” كان متواجداً في الدفعة الثانية التي حضرت الفلم ولم تكن بين الدفعة الثالثة التي دفعت العدد الكبير من الضحايا، حيث أخبره الأهالي أنّ طفله فهد ليس موجوداً في السينما أثناء الحريق وهو موجود في البيت، فردّ “آغا” إنّ أطفال عامواد كلهم فهد !

[4] رفض العديد من الأهالي قبول ذلك “التعويض”.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد