الرئيسية أوراق قانونيةفي يومها العالمي: أين تقف “سوريا الجديدة” من الديمقراطية؟

في يومها العالمي: أين تقف “سوريا الجديدة” من الديمقراطية؟

في اليوم الدولي للديمقراطية تتمثل الرسالة الأهم في الاعتراف بأن سوريا لم تدخل بعد مساراً ديمقراطياً وبأن الالتزام بالديمقراطية يقتضي ترجمته في القواعد والمؤسسات والممارسة

بواسطة Author F
45 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

منذ آذار/مارس 2011، حمل السوريون والسوريات إلى الشوارع مطالب الحرية والكرامة والعدالة، وواجهوا حكم الأجهزة الأمنية والفساد واحتكار السلطة. وشكّلت هذه المطالب، في مضمونها، تطلعاً إلى نظام ديمقراطي يقوم على سيادة الشعب وسيادة القانون والمشاركة السياسية والمساءلة. وجاء سقوط نظام الأسد، في كانون الأول/ديسمبر 2024، حاملاً فرصة تاريخية لتحقيق هذا التطلع. ويتوقف تحويل هذه الفرصة إلى انتقال ديمقراطي على بناء قواعد توزّع السلطة، ومؤسسات مستقلة تقيّدها، وضمان مشاركة المجتمع في صنع القرارات التي تحدد مستقبله. ووفق هذه المعايير، تسير سوريا اليوم في اتجاه مقلق وبعيد عن الديمقراطية. ويعزز هذا القلق غياب التزام صريح ببناء نظام ديمقراطي عن الإعلان الدستوري ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، ومجموعة المراسيم والقرارات الصادرة عن رئيس المرحلة الانتقالية وعن وزراء ومسؤولي الحكومة الانتقالية. ولا تكمن المشكلة في غياب المصطلح وحده، بل أيضاً في المسارات والمؤسسات التي أُنشئت خلال هذه المرحلة.

لقد برز قصور النهج التشاركي مبكراً في مؤتمر الحوار الوطني، الذي عُقد يومي 24 و25 شباط/فبراير 2025. فرغم إعلان لجنته التحضيرية إجراء مشاورات مع نحو أربعة آلاف شخص في مختلف المحافظات، جاء التحضير النهائي متعجلاً، إذ أُعلن موعد المؤتمر قبل يومين فقط، ما دفع بعض الشخصيات السياسية والأكاديمية إلى الاعتذار عن الحضور. كما أُثيرت انتقادات بشأن انتقائية المشاركة وغياب قوى سياسية وقومية فاعلة، من بينها قوى كردية رئيسية. وجاءت مخرجات المؤتمر عامة، من دون التزامات ملموسة أو جدول زمني أو آليات واضحة لتنفيذها ومتابعة توصياته. وبذلك، لم يوفّر المؤتمر مساراً تشاركياً شاملاً وقابلاً للمتابعة، أو يؤسس لتوافق وطني واسع حول بناء المرحلة الانتقالية.

ثم جاء الإعلان الدستوري، الصادر في آذار/مارس 2025، ليكرس مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات، ومنحَ رئيس الجمهورية نفوذاً واسعاً على السلطتين التشريعية والقضائية. فالرئيس يعيّن ثلث أعضاء مجلس الشعب مباشرة، فيما اختير الثلثان الآخران بواسطة هيئات انتخابية غير مباشرة تشكّلت تحت إشراف لجنة عليا عيّنها الرئيس. ولا تقتصر المشكلة في الانتخاب غير المباشر وحده، إنما في غياب الاقتراع العام وخضوع مسار تشكيل المجلس لنفوذ الرئيس؛ ما يضعف تمثيله للإرادة الشعبية وقدرته على مراقبة السلطة التنفيذية باستقلال. ويضاف إلى ذلك انفراد الرئيس بتعيين الوزراء وإعفائهم، في حين لا يملك مجلس الشعب منح الحكومة الثقة أو حجبها، ولا مساءلة الرئيس أو عزله؛ وبذلك تصبح الحكومة مسؤولة أمام الرئيس، لا أمام هيئة تمثيلية منتخبة.

ويمتد الخلل إلى السلطة القضائية؛ إذ يعيّن الرئيس جميع أعضاء المحكمة الدستورية العليا، وهي الجهة المكلفة بمراقبة دستورية القوانين وضبط ممارسة السلطات لصلاحياتها، بما يحدّ من قدرتها على أداء دورها الرقابي باستقلال، ولا سيما تجاه الرئيس نفسه. ويترأس الرئيس كذلك مجلس القضاء الأعلى، بموجب قانون السلطة القضائية رقم 98 لعام 1961، الذي بقي نافذاً عملاً بالمادة 51 من الإعلان الدستوري، ما يخلط بين قيادة السلطة التنفيذية وإدارة شؤون القضاء. وقد حذرت سوريون من أجل الحقيقة والعدالة وهيومن رايتس ووتش من أن هذا البناء يكرّس السيطرة التنفيذية بدلاً من تمهيد الطريق نحو ديمقراطية حقيقية.

ولا يقتصر الخلل الديمقراطي على تركّز الصلاحيات؛ فالديمقراطية تتطلب أيضاً مجالاً عاماً حراً يتيح للمواطنين المشاركة الفعلية. وتشكّل حرية التعبير والإعلام، وحرية تكوين الجمعيات والأحزاب السياسية، وحرية التجمع السلمي، شروطاً أساسية لمناقشة شكل الدولة، وتكوين البدائل السياسية، ومراقبة السلطات ومساءلتها. وإذا لم تُحمَ هذه الحريات بقوانين ضامنة ومؤسسات مستقلة، تبقى الحقوق الواردة في الإعلان الدستوري شكلية، وتُصاغ قواعد المرحلة الانتقالية من أعلى. وعندئذ يصبح الانتقال مساراً لإعادة تنظيم السلطة داخل المركز التنفيذي نفسه، بدلاً من نقلها إلى الشعب، ومؤشراً إضافياً على الابتعاد عن الديمقراطية.

الديمقراطية والعدالة الانتقالية:

في بلد ينتقل من حكم سلطوي ونزاع طويل، ترتبط الديمقراطية بالعدالة الانتقالية؛ فالانتقال الديمقراطي يتطلب تفكيك أنماط الإفلات من العقاب وإخضاع السلطات والأجهزة للقانون. ويسهم كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين أياً كانت الجهة التي ينتمون إليها، وإنصاف الضحايا والإصلاح المؤسسي، في منع تكرار استخدام أجهزة الدولة والعنف لإقصاء المواطنين من الحياة العامة. غير أن المرسوم رقم 20 لعام 2025 حصر ولاية الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بانتهاكات النظام السابق، مستبعداً انتهاكات الأطراف الأخرى وتلك التي وقعت بعد سقوطه. وعندما تحدد السلطة الانتهاكات الجديرة بالمساءلة تبعاً لهوية مرتكبيها، تصبح العدالة انتقائية ويُرسَّخ الاعتقاد بأن بعض الفاعلين فوق القانون. وهذا يقوّض المساواة وسيادة القانون والثقة بالمؤسسات، ويبعد المرحلة الانتقالية عن بناء نظام ديمقراطي يخضع فيه الجميع للقواعد نفسها.

وتظهر الصلة المباشرة بين المساءلة والديمقراطية في أثر الانتهاكات المستمرة على المجال العام؛ فقد وثّقت “سوريون” خلال المرحلة الانتقالية وقائع قتل غير مشروع واعتقال تعسفي واختفاء قسري وتعذيب، إلى جانب أوجه قصور في استقلال التحقيقات وفعالية المساءلة.

وعندما تُنسب هذه الانتهاكات إلى أجهزة الدولة، أو لا تتصدى لها السلطات بتحقيق مستقل ومحاسبة فعالة، فإنها تكرّس الخوف وتبعث برسالة مفادها أن السلطة ما تزال قادرة على استخدام القوة خارج حدود القانون. وهذا يردع الأفراد والمجتمعات عن الاعتراض والتنظيم والمشاركة، ويقوّض المجال العام الحر والآمن الذي لا تقوم ديمقراطية من دونه.

يكشف تركّز السلطات بيد الرئيس، وضعف المشاركة المجتمعية، وغياب الرقابة المؤسسية والمساءلة المتساوية، عن اختلالات بنيوية في مسار المرحلة الانتقالية تنذر بإعادة إنتاج حكم سلطوي جديد، وإن اختلفت بنيته وخطابه عن النظام السابق. وتزداد خطورة هذا المسار لأن الفترة الانتقالية يُفترض أن تقود إلى صياغة دستور دائم سيحدد شكل الدولة وقواعد الحكم ومكانة المواطنين فيها لسنوات طويلة. وتصحيح المسار يتطلب مراجعة تشاركية للإعلان الدستوري تحدّ من صلاحيات الرئيس وتضمن استقلال السلطتين التشريعية والقضائية، وإطلاق عملية دستورية جامعة تفضي إلى دستور يقوم على سيادة الشعب والمواطنة المتساوية وعدم التمييز، ضمن جدول زمني واضح ينتهي بانتخابات عامة حرة ونزيهة. ويتطلب كذلك فتح المجال العام أمام الإعلام المستقل والجمعيات والأحزاب والتجمع السلمي، وضمان تمثيل النساء وجميع المكونات والمناطق، ومساءلة مرتكبي الانتهاكات من دون تمييز. وعلى المجتمع الدولي ألا يتعامل مع تركّز السلطة بوصفه استقراراً، أو مع إنشاء المؤسسات وحده بوصفه ديمقراطية؛ فالعبرة ليست بوجود دستور وبرلمان وحكومة، بل بكيفية تشكيلها، واستقلالها، واستناد السلطات السياسية إلى تفويض شعبي، وخضوعها للمساءلة، واستقلال القضاء عنها.

في اليوم الدولي للديمقراطية، تتمثل الرسالة الأهم في الاعتراف بأن سوريا لم تدخل بعد مساراً ديمقراطياً حقيقياً، وبأن الالتزام بالديمقراطية يقتضي ترجمته في القواعد والمؤسسات والممارسة. فالديمقراطية ليست وعداً مؤجلاً، وإنما نظام يضمن مشاركة الناس في إدارة الشأن العام، وتداول السلطة، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وحرية التعبير والتنظيم، والمساواة أمام القانون. وقد دفع السوريون والسوريات ثمناً باهظاً للخروج من دولة احتكر فيها فرد ومجموعة ضيقة القرار العام. لذلك، فإن أي مرحلة انتقالية تعيد تركيز السلطات، وتحدّ من المشاركة الشعبية، وتؤجل الرقابة والمساءلة، تسير بعيداً عن أحد أهم مطالبهم. فالديمقراطية هي القاعدة التي يجب أن تُدار بها هذه المرحلة منذ يومها الأول.

وتُلزم المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الدولة بضمان حق المواطنين والمواطنات في المشاركة في إدارة الشؤون العامة، مباشرة أو بواسطة ممثلين يختارون بحرية، وفي الانتخاب والترشح ضمن انتخابات نزيهة ودورية تقوم على الاقتراع العام والمتساوي. لذلك، فالديمقراطية إطار ضروري لإعمال حقوق السوريين التي التزمت الدولة باحترامها. وتؤكد اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أن إعمال هذه الحقوق واجب أياً كان شكل الدستور أو الحكومة، فلا يكفي وصف السلطة بأنها “انتقالية” لتبرير استبعاد المجتمع من صنع القرار.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد