1. الملخص التنفيذي:
يوثّق هذا التقرير منظومةً متكاملة من الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها الفصائل المسلحة المنضوية تحت لواء ما كان يُعرف سابقاً بـ”الجيش الوطني السوري” والمدعومة من تركيا في منطقة عفرين ومحيطها، منذ سيطرتها على المنطقة عقب عملية “غصن الزيتون” في آذار/مارس 2018، وحتى ما بعد سقوط نظام الأسد وتشكيل الحكومة السورية الانتقالية أواخر عام 2024. ويأتي هذا التحقيق الموسع في سياق تحوّل مؤسسي أعلن فيه “الجيش الوطني” حلّ نفسه عقب انتهاء العملية العسكرية المسماة “ردع العدوان”، واندماج فصائله ضمن وزارة الدفاع التابعة للحكومة السورية الانتقالية، التي أُعلن عن تشكيلها خلال “مؤتمر النصر” بتاريخ 29 كانون الثاني/يناير 2025.[1]
يستند التقرير إلى 41 شهادة مباشرة، إلى جانب مجموعة من المواد مفتوحة المصدر، ليكشف عن أنماط ممنهجة من الاعتقال التعسفي، والتعذيب، والإخفاء القسري، والابتزاز المالي، والتمييز القائم على الهوية الإثنية، في ظل غياب شبه كامل للمساءلة والرقابة القضائية.[2]
تُظهر نتائج التقرير أن الاعتقال التعسفي شكّل المدخل الأساسي لدورة متكاملة من الانتهاكات، حيث جرى توقيف المدنيين/ات دون مذكرات قضائية، غالباً على الحواجز أو أثناء عودتهم من مناطق النزوح، ثم اقتيادهم إلى شبكة واسعة من مراكز الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية. وقد شملت هذه المراكز مدارس، ومعامل، ومستودعات، ومنازل مدنية مصادَرة، حُوّلت إلى أماكن احتجاز تعمل خارج أي إطار قانوني، وتُدار بعقلية أمنية قائمة على العنف والإذلال.
ويكشف التقرير عن استمرار هذه الممارسات بعد عام 2024، بما يؤكد عدم ارتباط الانتهاكات بمرحلة الحرب أو بسلطة النظام السابق فقط. فقد وثّقت “سوريون” اعتقالات طالت مدنيين/ات عادوا إلى عفرين بعد سقوط النظام، واحتُجزوا بذريعة “التفتيش” أو “التدقيق الأمني”، ثم تعرّضوا للضرب وسوء المعاملة دون عرضهم على القضاء، ما يؤكد أن البنية القمعية ذاتها ما زالت قائمة، وإن تغيّر السياق السياسي.
كما يوثّق التقرير أنماطاً متكررة من التعذيب والمعاملة اللاإنسانية، شملت الضرب المبرّح، والصعق الكهربائي، والتعليق، والحرق، والتجويع، والإهانات اللفظية، والتهديد بالاعتداء الجنسي. ولم تكن هذه الممارسات استثناءات فردية، بل جزءاً من سياسة ممنهجة تُستخدم لانتزاع اعترافات قسرية أو لإجبار ذوي المعتقلين/ات على دفع فديات مالية. ويبرز في هذا السياق استخدام التعذيب أمام أفراد الأسرة، أو تعذيب أحد الأقارب للضغط النفسي على المعتقل، بوصفه أحد أكثر الأساليب قسوة وتأثيراً.
ويُظهر التقرير كذلك أن الإفراج عن المعتقلين/ات غالباً ما ارتبط بدفع مبالغ مالية كبيرة، دون أي قرارات قضائية مكتوبة أو إيصالات رسمية، ما حوّل الحرمان من الحرية إلى أداة ابتزاز واقتصاد موازٍ تستفيد منه الفصائل وقادتها. كما رافقت الاعتقال ممارسات نهب ومصادرة ممتلكات، سواء أثناء المداهمات أو كشرط غير معلن للإفراج.
على مستوى الهوية، تكشف الشهادات عن سياسة تمييز ممنهجة ضد السكان الكرد، حيث استُخدمت “التهمة الجاهزة” بالانتماء إلى الكيانات الكردية أو العمل ضمن هياكل الإدارة الذاتية السابقة لتبرير الاعتقال والتعذيب. وترافقت هذه الاتهامات مع خطاب مهين وعبارات تحقيرية ذات طابع إثني، ما يعكس أن الانتهاكات استهدفت فئة بعينها (الكرد) على أساس هويتها.
ويُبرز التقرير أن دمج الفصائل المسلحة ضمن وزارة الدفاع التابعة للحكومة السورية الانتقالية، ومنح قادتها مناصب رسمية، جرى دون أي مسار مساءلة حقيقي عن الانتهاكات الموثقة، بل شمل شخصيات وردت أسماؤها في تقارير حقوقية دولية وعلى قوائم عقوبات. ويؤكد هذا الواقع استمرار سياسة الإفلات من العقاب، وإعادة إنتاج منظومة القمع بأشكال مؤسسية جديدة.
خلص التقرير إلى أن الانتهاكات الموثقة في عفرين تشكّل سياسة ممنهجة ومتواصلة منذ عام 2018، واستمرت بعد تغيّر السلطة، ما يجعلها من الانتهاكات المستمرة التي تستوجب معالجة شاملة ضمن مسار عدالة انتقالية لا يستثني أي طرف.
وفي ضوء هذه النتائج، يختتم التقرير بجملة من التوصيات الموجّهة إلى الحكومة السورية الانتقالية، والمجتمع الدولي، تدعو إلى الاعتراف الرسمي بالانتهاكات، وفتح تحقيقات مستقلة، وربط دمج الفصائل بآليات مساءلة فعّالة، وإنهاء عمل مراكز الاحتجاز غير الرسمية، وضمان حقوق الضحايا في الحقيقة والإنصاف وجبر الضرر، بوصفها شروطاً أساسية لأي انتقال سياسي يقوم على سيادة القانون وعدم تكرار الانتهاكات.
لقراءة وتحميل الملف بشكل كامل وبصيغة ملف PDF – يُرجى الضغط هنا.
[1] العربي الجديد. قرارات مؤتمر النصر السوري… نقطة نظام. 5 شباط/فبراير 2025. https://www.alaraby.co.uk/opinion/%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D9%86%D9%82%D8%B7%D8%A9-%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85
[2] أنظر على سبيل المثال: هيومن رايتس واتش. “كل شي بقوة السلاح” الانتهاكات والإفلات من العقاب في مناطق شمال سوريا التي تحتلها تركيا. 29 شباط/فبراير 2024. https://www.hrw.org/ar/report/2024/02/29/387395 أنظر أيضاً: تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية A/HRC/49/77. بتاريخ 8 شباط/فبراير 2022. https://docs.un.org/ar/A/HRC/49/77
