الرئيسية تقارير مواضيعية “حفر الأنفاق تحت الأرض بات الأمل الوحيد للنجاة والبقاء على قيد الحياة في الغوطة”

“حفر الأنفاق تحت الأرض بات الأمل الوحيد للنجاة والبقاء على قيد الحياة في الغوطة”


تقرير موجز يسلّط الضوء على الحالة الإنسانية المزرية لأشخاص يعيشون في أقبية تحت الأرض بسبب الحملة العسكرية الوحشية على الغوطة الشرقية

بواسطة wael.m
98 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية

مقدّمة: مازال مئات آلاف المدنيين المحاصرين في الغوطة الشرقية يعيشون أوضاعاً إنسانية كارثية، وذلك نتيجة استمرار الحملة العسكرية الأخيرة[1] الأعنف، والتي شنتها القوات النظامية السورية وحلفاؤها الروس على وجه الخصوص على الغوطة الشرقية اعتباراً من تاريخ 18 شباط/فبراير 2018، إذ أنّ عمليات القصف العنيفة التي تعرضت لها مدن وبلدات الغوطة الشرقية بمختلف أنواع الأسلحة، والتي قضى على إثرها مئات الضحايا من المدنيين، دفعت العديد من الأهالي إلى الاحتماء داخل أقبية تفتقر إلى أدنى شروط الحياة وأدنى شروط السكن اللائق، كما دفعت العديد منهم إلى حفر أنفاق تحت منازلهم أملاً في النجاة والبقاء على قيد الحياة.

وبحسب الباحث الميداني لدى سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، فإنّ العديد من أهالي الغوطة الشرقية باتوا غير قادرين على مغادرة "مساكنهم الجديدة هذه" إلا نادراً، ولا سيّما بعد تعرّض العديد منهم للإصابة أو القتل خلال رحلة بحثهم عما يسد رمقهم في الخارج، كما أنّ احتماء عدد كبير جداً من المدنيين داخل هذه الأقبية وعدم قدرتهم على مغادرتها، بات ينذر بخطر انتشار الأمراض فيما بينهم وخاصة الأمراض التنفسية والأمراض الجلدية والأمراض المُعدية الأخرى.

ومن اللافت الإشارة إلى أنّ مجلس الأمن الدولي كان قد تبنّى القرار رقم (2401) وسط ترحيب من الأمم المتحدة، والذي طالب بوقف الأعمال العدائية في جميع أنحاء سوريا في مدّة لا تقل عن (30) يوماً متتالياً، وذلك للتمكين من إيصال المساعدات الإنسانية وتقديم خدمات الإجلاء الطبّي للمرضى والمصابين.  وكان مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة قد وصف الوضع في سوريا ب"القاتم" وذلك على الرغم من صدور قرار مجلس الأمن الدولي الداعي لوقف الأعمال القتالية لمدة 30 يوما فى جميع أنحاء البلاد.

وكانت سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، قد أعدت في وقت سابق تقريراً بعنوان "كأنها القيامة"، وقد تناول هذا التقرير وقوع عدة مجازر في الغوطة الشرقية إثر الحملة العسكرية الأخيرة، كما كانت المنظمة قد أعدت أيضاً تقريراً بعنوان "قلة المساعدات الإنسانية تضاعف مأساة حوالي 400 ألف شخص محاصر في الغوطة الشرقية"، وقد تحدث هذا التقرير عن معاناة آلاف المدنيين المحاصرين في الغوطة الشرقية بسبب قلة المساعدات الإنسانية والأممية المقدمة لهم.

 

باتت رؤية ضوء الشمس رفاهية!

حسن المدني وهو أحد أبناء مدينة دوما، قال لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، بأنّ معظم أهالي الغوطة الشرقية لم يعد بوسعهم مغادرة الأقبية، وذلك بسبب عمليات القصف العنيفة التي تتعرض لها مدنهم وبلداتهم، مشيراً إلى أنّ ضوء الشمس بات رفاهية بالنسبة إلى جميع الأهالي، وتابع قائلاً:

"بديةً لم أكن أنوي الاحتماء داخل الأقبية، بل آثرت الصمود والبقاء في منزلي كالعادة، لكنّ القذائف والصواريخ بدأت تنهال علينا من كل حدب وصوب، فلم يتمكن أحد من البقاء داخل منزله حتى وإن كان محصناً، لقد بتنا نعيش حياة كاملة داخل هذه الأقبية، نأكل وننام ويلعب أطفالنا بين جدرانها."

 

صورة خاصة بسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، تظهر مدخل أحد الأنفاق التي قام الأهالي بحفرها في مدينة دوما من أجل الاحتماء من القصف.

 

صورة خاصة بسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، تظهر الأوضاع المزرية للعديد من الأهالي المحتمين داخل أحد الأقبية.

 

صورة خاصة بسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، تظهر إحدى الغرف المحفورة تحت الأرض والتي يحتمي بها الأهالي في الغوطة الشرقية.

 

وتابع المدني بأنّ العديد من الأهالي لم يجدوا خياراً أفضل من حفر حفرٍ كبيرة تحت منازلهم أملاً في الخلاص والنجاة من الموت، رغم أنّ هذه الحفر تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، وأضاف قائلاً:

"في أولى أيام القصف، استهدف النظام كل ماقد يبقينا على قيد الحياة، فقام بضرب الشبكات الكهربائية وتدمير بعضها بشكل كامل، وهو ما تسبّب في انقطاع الكهرباء عن كافة أحياء مدينة دوما، كما تسبّبت عمليات القصف العنيفة في انقطاع المياه عن الأهالي، إضافة إلى معظم شبكات الاتصال، فلم يعد بوسعنا التواصل مع بعضنا البعض، وفي ظل الحصار الذي يعيشه الأهالي لم يفلح الكثير منهم في تخزين أي مواد غذائية ولو بكميات بسيطة، وهو ماجعلهم يعيشون على بضع لقيمات لايعرف معظمهم كيف يحصلون عليها، إلا أنّ العديد منهم أصبحوا مضطرين للخروج والسعي وراء قوت يومهم، على الرغم من أنّ ذلك بات أشبه بعملية انتحارية قد لا يعود منها سالماً إلى أطفاله الذين ينتظرونه بفارغ الصبر."

 

الموت ينتظر الخارجين من الأقبية:

وفي شهادة أخرى أدلى بها "شادي العيسى- اسم مستعار" وهو أحد نشطاء مدينة دوما، حيث أفاد لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة بأنّ العديد من المدنيين الذين غادروا أقبيتهم سعياً وراء قوت يومهم، إما تعرضوا للإصابة أو الموت خلال رحلتهم تلك، وأضاف قائلاً:

"مع اشتداد القصف على مدينة دوما سارعت للاحتماء داخل الأقبية، وخاطرت بحياتي عدة مرات من أجل الحصول على قليل من الطعام، ومن حسن حظي فقد سقطت بعض القذائف بقربي عدة مرات، ولم ينجني من الإصابة إلا العناية الإلهية فقط. أستطيع القول بأنّ الموت لم يعد مخيفاً بالنسبة إلى معظم الأهالي، وإنما ما بات يخيفهم أكثر هو التعرض لإصابة خطيرة تعاني بعدها من قلة الدواء وظروف علاجية صعبة لا يمكن لأحد أن يتصورها."

 

وأشار العيسى إلى أنّ واحدة من الأطفال التي لم تتجاوز الخامسة بعد وتدعى "آية البجور"، كانت قد لقيت مصرعها بتاريخ 24 شباط/فبراير 2018، وذلك بينما كانت خارجة من القبو إلى الشارع من أجل الحصول على بعض مياه الشرب، موضحاً بأنّ صاروخ من نوع "كاتيوشا" كان قد فاجأها وسقط أمامها مباشرة، وهو ما أدى إلى مقتلها على الفور، وعلّق قائلاً:

"تخيل كيف من الممكن لشربة مياه أن تودي بحياة طفلة صغيرة لم ترتكب أي إثم."

 

أما سعيد العلي وهو من أبناء مدينة حمورية، فقد قال لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، بأنّ العديد من الأقبية لاتتوفر فيها أدنى الشروط الملائمة لحياة صحية جيدة، وهو ما أدى إلى انتشار بعض الأمراض بين صفوف الأهالي، وأضاف قائلاً:

"مع اشتداد القصف على مدينة حمورية، سارعت للنزول مع أطفالي للاحتماء داخل الأقبية، إلا أنّ هذه البقعة الضيقة كانت تشهد ازدحاماً كبيراً، وعلى إثر ذلك تعرض ابني الذي لم يكمل عامه الأول بعد إلى الإصابة بحالة اختناق، فاضطررت إلى مغادرة الأقبية وإخراجه، على الرغم من أنّ ذلك قد يعرض حياتنا للخطر لكن ليس باليد حيلة. لقد بات العديد من الأهالي يخافون انتشار الأمراض فيما بينهم داخل تلك الأقبية، نظراً لعدم قدرتهم على الخروج ورؤية ضوء الشمس حتى."

وحسبما أكدّ الباحث الميداني لدى سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، فإنّ العديد من أهالي الغوطة الشرقية باتوا مستعدين للتضحية بأي شيء مقابل الحفاظ على حياتهم، لذا اختار العديد منهم المكوث داخل تلك الأقبية على الرغم من صعوبة العيش فيها، مشيراً إلى أنّ العديد من المجازر وقعت بحق المدنيين بعد استهداف الطيران الحربي هذه الملاجئ بشكل مباشر، مثل المجزرة الرهيبة التي وقعت في بلدة بيت سوى بتاريخ 20 شباط/فبراير 2018، والتي راح ضحيتها عشرات المدنيين جلّهم من النساء والأطفال، وذلك إثر القصف الذي طال أحد الملاجئ المزدحمة في تلك البلدة.

 


[1] في يوم 17 شباط/فبراير 2018، قامت القوات النظامية السورية والميليشيات التابعة لها بحشد عدد كبير جداً من الآليات والجنود في عدّة نقاط متاخمة للغوطة الشرقية، وبحسب مصادر عسكرية فإنّ هذه الحشود جاءت كجزء من تحضيرات للعمليات العسكرية التي تشارك فيها "قوات النمر" التابعة ل"سهيل الحسن" من أجل السيطرة على عموم منطقة الغوطة الشرقية، وقد بدأت هذه الحملة بقصف مكثف  اعتباراً من تاريخ 18 شباط/فبراير 2018، ، سواء من خلال الطيران الحربي و طائرات هلكوبتر أوالمدفعية الثقيلة، مخلفةً منذ بداية هذه الحملة وحتى يومنا هذا أكثر من (500) قتيل، وذلك بحسب الباحث الميداني لدى سوريون من أجل الحقيقة والعدالة

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد