الرئيسية صحافة حقوق الإنسان ليبيا: استمرار تجنيد أطفال سوريين كمرتزقة إلى جانب انتهاكات أخرى

ليبيا: استمرار تجنيد أطفال سوريين كمرتزقة إلى جانب انتهاكات أخرى

يتم نقل الأطفال المجندين كمرتزقة من شمال غرب سوريا ثم إلى غازي عنتاب فاسطنبول ثم إلى طرابلس

بواسطة bassamalahmed
411 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع
صورة مأخوذة من مقطع فيديو نشرته فرقة السلطان سليمان شاه/العمشات بتاريخ 16 آذار/مارس 2023، لإحياء ذكرى الانتفاضة السورية الـ12 في حي جنزور الليبية في طرابلس.

  تم تعديل هذا التقرير في 11 أيار/مايو 2023. يوجد ما يقرب من 7000 مقاتل سوري في ليبيا حالياً، وليس 5000 كما ورد في نسخة سايقة.

 

رغم الجهود الحثيثة التي تبذلها اللجنة الليبية المشتركة (5+5) لإخراج كافة القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، تواصل فصائل من “الجيش الوطني السوري/المعارض” والمدعوم من تركيا إرسال مقاتلين إلى ليبيا؛ ليبلغ عددهم الحالي نحو سبعة آلاف عنصر، ولتستمر بذلك عمليات التجنيد التي بدأتها تركيا منذ أواخر عام 2019. إلا أنّها لم تكن الطرف الوحيد، حيث قامت شركات روسية بتجنيد مرتزقة سوريين من المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، للقتال على الجانب الآخر للنزاع.

وبحسب المعلومات الجديدة التي حصلت عليها “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” من خلال شهادات حديثة في نيسان/أبريل 2023، وصلت إلى ليبيا آخر دفعة من المقاتلين السوريين في كانون الأول/ديسمبر عام 2022، متضمنة عناصر من الفصائل المعارضة النشطة بتجنيد مرتزقة، وكذلك أطفال دون سن الـ18.

إنّ بقاء المرتزقة السوريين في ليبيا، يأتي على النقيض من الدعوات الأممية لإجلاء جميع المقاتلين الأجانب من البلاد، وتأكيداتها المتكررة على أنّ استمرار هذا الوجود يشكّل تهديداً خطيراً لأمن ليبيا والمنطقة؛ وهي مخاوف تتجاهلها الشركات الأمنية الروسية و”الجيش الوطني السوري/المعارض” وتركيا، التي وافق برلمانها بتاريخ 21 حزيران/يونيو 2022، على مذكرة لتمديد مهام القوات بليبيا لمدة 18 شهراً اعتباراً من 2 يوليو/تموز 2022. ورغم أنّ هذه المذكرة لا تأتي على ذكر المقاتلين السوريين بشكل مباشر، إلا أنّ الجيش التركي يمارس الإشراف الفعلي على المرتزقة السوريين، والذين يتم نقلهم بعلم وبواسطة السلطات التركية من سوريا إلى ليبيا.

في هذا التقرير، تكشف “سوريون” عن مواصلة بعض فصائل المعارضة تجنيدهم لأطفال  وإرسالهم إلى معسكرات المرتزقة في ليبيا؛ كما تقف على الوضع الحالي للمرتزقة السوريين داخل هذه المعسكرات في ظل انخفاض وتيرة المعارك في ليبيا.

حيث يرصد التقرير تعرض المقاتلين لخروقات تتعارض مع الاتفاقات التي عقدوها قبل تجنيدهم، مسلطاً الضوء على دور المحسوبية والواسطة في تلك المعسكرات، لاسيما بما يتعلق بالإجازات؛ وكذلك العقوبات التي يتعرض لها المقاتلون، من بينهم المجندين الأطفال، حال خرقهم لأوامر القادة.

يستند التقرير على لقاءات أجرها الباحثون في “سوريون” مع ستة مصادر عسكرية في ليبيا، حيث يورد  شهادتين من مقاتلين في فصيلين مختلفين هناك، وشهادتين لطفلين مجندين وصلا إلى ليبيا في دفعة كانون الأول/ديسمبر عام 2022، بالإضافة إلى شهادتين لقائدين عسكريين، تحدثا عن مجموعة من الانتهاكات التي تمارسها بعض الفصائل، ومنها تهريب عناصر من “تنظيم الدولة الإسلامية” (داعش) من سوريا إلى ليبيا.

كما يوثق التقرير استمرار تربح القادة العسكريون لفصائل “الجيش الوطني السوري” المتواجدة في ليبيا من المقاتلين، والذين يظل دافعهم الأساسي للتطوع كمرتزقة هو الكسب المادي؛ وكذلك اتساع دائرة الانتهاكات التي تورط فيها بعض المقاتلون والقادة سابقاً. إلى جانب استمرار المرتزقة الاتجار بالمخدرات، أكدت المصادر التي تحدثت معها “سوريون” تورط قادة بعمليات تهريب بشر إلى إيطاليا من ليبيا.

وكان خبير التحقق الرقمي لدى “سوريون” قد كشف في تغريدة نشرت بتاريخ 16 آذار/مارس 2023، إحياء  فرقة السلطان سليمان شاه/العمشات لذكرى الثورة السورية الـ12 في حي جنزور الليبية في طرابلس للعام الثالث على التوالي.

  1. مقاتلون “ليس لهم أحد”:

تحدثت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” إلى مقاتل ضمن فصيل “لواء صقور الشمال” (مصدر رقم 1)، المتواجد في معسكر “سوق الخميس”، الذي أشار إلى أن عمليات إبدال العناصر في ليبيا، ومن ضمنهم مقاتلي الدفعة الأخيرة، تخضع للمحاصصة، وقال في إفادته:

“وصلت آخر دفعة من المقاتلين إلى ليبيا في كانون الأول/ديسمبر عام 2022؛ بلغ تعدادها 150 مقاتلاً. حيث وصل من فصيل (صقور الشمال) على سبيل المثال 10 عناصر وأعيد 10 عوضاً عنهم. لكل فصيل عدداً من المقاعد في الطائرة، يحدد على أساس عدد مقاتليه في ليبيا؛ لكن الحصة الأكبر هي لفصائل العمشات (فرقة السلطان سليمان شاه) والحمزات والسلطان مراد.”

وعن شروط التجنيد، والظروف المترتبة عليها في ليبيا، أشار المصدر أن العقود تنحصر “بالضباط ذوي الرتب”، فيما لا يوقع المقاتلون على اتفاقات مماثلة؛ مما يفتح المجال لاستغلالهم مادياً من قبل القادة العسكريين، وحرمانهم من العديد من المزايا التي وعدوا بها قبل نقلهم إلى ليبيا. قال المصدر:

“بالنسبة للرواتب، تدفع الكتائب مبالغ على هواها دون رقابة. تدفع عناصر القيادة (للمقاتلين) 230 دولار في ليبيا و 230 دولار في سوريا؛ علماً أن الراتب المستحق الكامل 800 دولار. وقد وصل أدنى الرواتب التي تدفعها الكتائب إلى 200 دولار فقط. جرى آخر دفع للرواتب في 30 آذار 2023 في حوار كلس. تصل الرواتب إلى المسؤول المالي في مقر القيادة، وتأتي بعدها قادة الكتائب لاستلام  المبالغ على عدد عناصرها. يأخذ كل قائد حصته ويوزع باقي المبلغ على أهالي العناصر.”

أكد مقاتل آخر من “فرقة السلطان محمد الفاتح” (مصدر رقم 2)، المتواجد في معسكر “الدبلوماسي” في حديثه لـ”سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” على تفاصيل الدفع والحصص التي يحتفظ بها القادة لأنفسهم من رواتب المقاتلين:

 “تسلم الرواتب على دفعتين؛ دفعة من 200 دولار تسلم للعنصر (في ليبيا) يأخذ منها القائد 50 أو 100 دولار، ودفعة تسلم في سوريا عن طريق وكيل من العائلة وقدرها 5000 ليرة تركية. تصل الرواتب خلال مدة أقلها شهرين وأكثرها ستة أشهر.”  

كما لا يوفر القادة فرصة لإخضاع المقاتلين المرتزقة بأي وسيلة، بما في ذلك استغلال الظروف الاقتصادية والمعيشية لعوائلهم خلال استلام القسم المخصص لهم من رواتب أبناءهم. في هذا الصدد يقول المصدر الأول:

“عند دفع الرواتب ينحصر مكان الاستلام في حوار كلس، حيث يصعب على أغلب العائلات الوصول إلى تلك المنطقة، وعند وصولهم ينتظرون لساعات خارج المعسكر بموقف إذلال، حيث لا يوجد مكان مخصص أو مناسب لهم، ويسمعون كلمات إهانه بحقهم.”

ورغم أن هذه الصورة هي الحالة الروتينية التي تتعرض لها عوائل المرتزقة، وأغلبهم من النساء، عند استلام الرواتب، يلجأ القادة كذلك إلى التصعيد والتهديد بحرمانهم من الراتب عند وجود خلاف مع المقاتل في ليبيا، بحسب المصدر الأول الذي قال:

“تقطن أغلب العائلات في مخيمات، ليس لديهم أي معين في ظل ظروف صعبة، لتكون زوجة العنصر هي الوكيل عن استلام الراتب وتأمين معيشة الأطفال وتربيتهم، وعند حدوث خلاف بين القائد والمقاتل يتم تهديد المقاتل بحرمان عائلته من الراتب.”

وتلجأ القيادات كذلك إلى مصادرة هواتف المقاتلين وسجنهم من دون إخبار أهاليهم، بحسب المصدر ذاته، تاركين بذلك عوائل المقاتلين الذين يبحثون عن أي وسيلة لمعرفة مصير أبنائهم في حالة من الرعب والقلق.

هذا وتبقى “الإجازات” التفصيل الأكثر غموضاً في غياب العقود؛ فيما تعطى الألولوية للقادة، لا يعلم أغلب العناصر متى سيحل دورهم لمغادرة ليبيا. في هذا الصدد، قال المصدر الأول:

  “ليس للإجازات وقت محدد. يجب على العنصر أن يقيم في معسكر مدة عامٍ على الأقل قبل أن يدرج اسمه ضمن قائمة تبديل. مضى على إقامة بعض العناصر أكثر من سنتين، لكنهم لا يعرفون موعد مغادرتهم المعسكر حتى الآن.”

وأضاف:

“في شهر شباط/فبراير 2023، بعد الزلزال الذي حصل في تركيا، جاءت طائرة تسمى طائرة منكوبين مع فريق تركي. قام الفريق بزيارة جميع المعسكرات لمعرفة عدد المقاتلين الذين تضررت عائلاتهم خلال الزلزال وتسجيل أسمائهم لنقلهم إلى سوريا؛ لكن لم يغادر أي منهم حتى الآن.”

توسع المصدر الثاني في حديثه عن دور “الواسطة/المحسوبيات”، وأثرها على الإجازات:

“منذ ثلاثة أشهر والحديث جارٍ عن قدوم طائرة تركية، لم تأتي حتى الآن. يجري الاتفاق مع العنصر في سوريا على مدة 6 أشهر؛ وعند وصوله إلى ليبيا يحول موضوع الإجازات إلى قائد الفصيل هناك، ويصبح قيد مزاجه والواسطات. ليس هناك وقت محدد لقدوم الطائرة التي تنقل المقاتلين إلى تركيا. وعند قدومها، يحق لكل قاعدة إرسال 30 عنصراً—5 من القيادات، 20 مقربين من القيادات، و5 عناصر عشوائيون.”

أضاف المصدر:

“بعض المقاتلين مضى على وجودهم سنتين وشهر، ولم يحصلوا على إجازة حتى الآن. كانت هناك دفعة مؤلفة من 60 عنصر، حصل 45 منهم على إجازات بسبب الواسطات، وبقي 15 ليس لهم أحد. هذا ويحصل الضباط على إجازات كل ستة أشهر. يوم الجمعة، 31 آذار 2023، ستأتي طائرة إلى مطار معتيقة لنقل مقاتلين إلى سوريا.”  

ونوه المصدر إلى أن أي محاولة من قبل غير القياديين للحصول على إجازة بالواسطة تستدعي العقوبة، مضيفاً:

“في حال تواصل عنصر مع واسطة في الجيش الوطني في سوريا من أجل الذهاب إلى سوريا، يتم كسر جهازه وسجنه ومنعه من المغادرة.”

  1. ميزات لأبناء القادة:

بحسب المعلومات التي حصلت عليها “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، يوجد في صفوف المرتزقة السوريين في ليبيا ما يقارب من 600 طفل مجند، جميعهم دون سن الـ18، من بينهم طفلان وصلا إلى ليبيا منتصف كانون الأول/ديسمبر عام 2022، تحدثت إليهما “سوريون” لغرض هذا التقرير.

غادر الطفلان منطقة عفرين قبل 12 كانون الأول/ديسمبر إلى مدينة غازي عنتاب التركية. وانتقلا من هناك على متن طائرة شحن عسكرية إلى مطار اسطنبول؛ ومنه إلى مطار طرابلس في ليبيا عن طريق خطوط النقل المدنية.

يقف العامل المادي وراء انضمام الأطفال إلى صفوف المرتزقة، فبعضهم يجد بالارتزاق مصدراً للدخل بعد أن فقد المعيل، فيما يذهب بعضهم الآخر إلى ليبيا مع آبائهم “لزيادة العدد والاستفادة المالية” بحسب المصدر الأول، الذي أكد تواجد ما يقارب 10 أطفال على الأقل في معسكر “سوق الخميس”. أضاف المصدر أن هؤلاء الأطفال:

” أغلبهم مقربين من القيادة. لا أحد يستطيع التقرب منهم أو الحديث معهم، وأعمارهم لاتتجاوز 17 عام. متواجدون في مبنى القيادة، وهم معفيون من كامل المهام، والتفقد الصباحي والتدريبات. رواتبهم 500 دولار.”

حيث تقسم المحسوبية الأطفال المجندين إلى فريقين، الأول من أبناء القادة، والثاني من الأطفال الذين جاءوا بحثاً عن مصدر دخل، ولكلٍ منهما مهام وروتين يومي مختلف.

من الفريق الأول، تحدثت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” مع مصدر تبيّن أنّه كان طفلاً (مصدر رقم 3)، عمره 16 عاماً أثناء تجنيده، وهو ابن لقيادي من الصف الأول في “فرقة السلطان محمد الفاتح”، جرى فرزه إلى معسكر “الدبلوماسي” مع بقية عناصر الفصيل الذين وصلوا إلى ليبيا مؤخراً. بالحديث عن المهام الموكلة إليه، روى الطفل:

“بعد هدوء الحرب، وقلة الرواتب الكبيرة، زاد كثيراً عدد صغار السن من الشباب ممن ذهبوا إلى ليبيا. نحن أبناء القيادات، لا مهام لدينا؛ نلعب الببجي أغلب الوقت وكرة القدم. أكثر وقتنا تسلية لا أكثر. يمنع علينا الخروج من المعسكر، لكنني وأصدقائي نغادر مع آبائنا عندما يخرجون، نحضر اجتماعاتٍ تركية أو ليبية على سبيل المثال؛ أو نخرج في جولات إلى السوق لتغيير الجو، ولكن لا نخرج وحدنا، وإنما مع آبائنا حصراً، فبشكلٍ عام، أغلب الشباب هنا هم مع آبائهم.”

وأشار المصدر، أن بعض الأطفال الآخرين الذين رافقوه، من أبناء لواسطات أو “الشهداء”، توكل إليهم مهام “إدارية، سخرة من طبخ وجلي وتنظيف وغسيل.”

إلا أن السخرة هي جزء بسيط من المهام اليومية التي ينجزها طفل مجند ثاني (مصدر رقم 4)، عمره 15 عاماً وابن لقيادي قتل في ليبيا، وجرى فرزه إلى معسكر “سوق الخميس”. حيث تحدث الطفل ل”سوريون” عن أسباب انضمامه إلى “فرقة صقور الشمال” وطبيعة المهام الموكلة إليه:

 “بعد أن استشهد والدي، لم يبقى للعائلة معيل. تواصلت أمي مع قياديين بصقور الشمال، لأعمل معهم ويمنحوني راتباً. قالوا لها: إذا اخذناه سنة زمان على ليبيا بكون راتبه أحسن، وأموركم المعيشية أحسن، وحالياً مافي لا حرب ولا شي، فإن شاء الله أمان حتى أكثر من سوريا. وافقت أمي لهذا السبب، وذهبت أنا إلى ليبيا.”

هذا وقدّر عدد الأطفال المتواجدين في المعسكر بـ30، كلهم تحت دون 18عام، مضيفاً:

“لدينا مهام يومية، مثل تدريبات لياقة باستخدام السلاح، حيث يجري تدريبنا على أغلب أنواع الأسلحة ( مسدس، كلانشكوف، وبيكسي، دوشكا، ومضادات :  14.5، 23). ولدينا مهام مسائية مثل حماية المعسكر وحراستة، بالإضافة إلى أعمال السخرة، من تنظيف معسكر و طبخ وجلي .. . والشاب الذي يخالف الأوامر، يستهين بالحراسة، أو يُضبط فيما يلعب بهاتفه أو يلتقط صوراً لنفسه، تتم حلاقة شعره على الصفر، ويسجن من ثلاثة أيام لأسبوعين.”

  1. إهانة وتعذيب في “الجحيم”:

لا تتوقف أشكال التعذيب التي يستخدمها القادة لإخضاع المرتزقة السوريين في ليبيا على محاصرتهم بنظام محسوبية معقد لا فكاك منه، يجعل مصير الإجازات والرواتب معلقاً بمزاجية القائد، بل ينسحب التعذيب كذلك على مختلف جوانب حياة المقاتلين داخل المعسكرات.

فعلى صعيد الطعام تصلهم حصّة إطعام رديئة النوعية لمرة واحدة في الأسبوع لا تكفي لبضعة أيام، ما يجبرهم على إنفاق حصتهم من الراتب لشراء الطعام. بحسب المصدر الأول الذي قال:

“تأتي إلى المعسكر كل يوم خميس حصة إطعام من خضار ومواد غذائية لاتكفي لثلاثة أيام وأغلب الطعام غير صالح للتناول، يجبر العنصر على الشراء من سوبر ماركت (الندوة) بأسعار مضاعفة وصرف كامل راتبه هناك.”

وتتفق هذه الشهادة مع إفادة المصدر الثاني حول نوعية الطعام وقلّة كمياته، موضحاً كذلك كيف تستغل القيادة هذا الوضع للتربح من المقاتلين:

“بالنسبة للطعام يوجد مطبخ عام يقوم بالطبخ لجميع العناصر؛ أغلب الوجبات هي مادة البرغل وأحيانا فروج مجمّد غير صالح للتناول. قبل سنة من الآن مرّ عليهم ثلاثة أشهر قلّ الدعم خلالها وأصبحوا بحاجة رغيف الخبز، حتى باتوا يأكلون خبزاً عفن. يوجد داخل القاعدة سوبر ماركت تابعة للقيادة يتم فيها استغلال العناصر بأسعار أغلى بـ 5 أضعاف عن السعر خارج القاعدة، والعناصر مجبرين على الشراء منها بسبب سوء الطعام.”

ويضطر المقاتلون لشراء الطعام من “الندوة” حصراً لأنهم ممنوعين من الحركة خارج المخيم، فضلاً عن التضييق الأمني الشديد عليهم داخله، إذ يقول المصدر الأول عن الوضع داخل مخيم “سوق الخميس”:

” في شهر أيار/مايو عام 2022 جاءت أوامر من الأتراك للتجهيز والاستعداد لمعركة قادمة، وترافقت الأوامر مع تشديد أمني كبير وزرع أعداد كبيرة من كاميرات المراقبة في المعسكر، بالإضافة إلى وجود فريق مراقبة متخصص على مدار 24 ساعة، فضلاً عن سحب جميع الأسلحة الفردية للعناصر.”

ولا يختلف الوضع كثيراً عمّا عليه الحال في معسكر “الدبلوماسي”، إذ يقول المصدر الثاني:

“يوجد حصار تام داخل القاعدة، إذ يُمنع أي عنصر من الدخول أو الاقتراب من مبنى القيادة، أو حتى التحدث مع حرس المبنى ومرافقة القائد. لا يسمح لأي عنصر بالمغادرة إلا لحالة إسعافية، حيث يأخذ إلى مشفى عسكري تركي تحت حراسة مشددة لمنع أي عنصر من الهروب.”

وعن الرعاية الطبية داخل المعسكر يقول:

” يوجد داخل القاعدة نقطة طبية ليس عندها دواء غير المسكن لأي مرض يصيب العناصر.”

ويتم إسعاف العناصر إلى المشفى العسكري التركي بعد تعذيبهم بشكل خاص، إذ يوجد في كل مخيم سجن لتعذيب العناصر، وأحد أبرز أساليب التعذيب هي إطلاق الرصاص على قدمي العنصر، وعن ذلك يقول المصدر الثاني:

“يوجد عدة أساليب تعذيب وإهانة في السجن، مثل حلاقة الشعر، ووضع العنصر في الدولاب، وصعقه بالكهرباء، وحتى إطلاق النار على قدميه. بالنسبة لإطلاق الرصاص على قدمي العنصر، يتم إسعافه بعدها إلى المشفى التركي، حيث يُكتب في الضبط أن طلقة خرجت بالخطأ خلال تنظيفه للسلاح.”

وتفرض القيادة عقوبة السجن والتعذيب على العناصر للعديد من الأسباب، أبرزها إخراج الهاتف من المهجع، أو وجود خلاف بين العناصر أنفسهم، وفي حال انتقد أحدهم معاملة القيادة، وعن ذلك يقول المصدر الثاني:

“في أحد المرات، قال المدرب “يالله يا بني آدمين”، فردّ عليه عنصر “ما ضل غير تقول يالله يا حيوانات” فسجنوه 4 أيام، وحلقوا شعره، وعذبوه في الدولاب.”

ونقل المصدر عن العنصر الذي خضع للتعذيب وصفه للوضع في المخيم بـ”الجحيم، حيث لا يوجد كرامة لأي عنصر، وحيث بات معظم المقاتلون يطالبون بتعاطي المخدرات والحشيش لتحمّل الظروف التي يعيشونها.”

  1. انتهاكات مستمرة:

سبق أن وثقت “سوريون” تورط مقاتلون من “الجيش الوطني السوري/المعارض” بتجارة المخدرات بين سوريا وليبيا، لتؤكد شهادة حديثة حصلت عليها “سوريون” من قيادي  في “فرقة السلطان سليمان شاه/العمشات” (مصدر رقم 5)، استمرار عمليات التهريب باستخدام جعب المقاتلين وأسلحهتم في عمليات النقل. حيث أفاد المصدر:

” قسم من المخدرات  “كبتاغون” و”الاتش بوز” و”الحشيش” و”الكوكايين”، المستوردة من جنوب لبنان وتعتبر من النوعيات الممتازة جداً، يتم تهريبها من سوريا إلى تركيا وأخيراً إلى ليبيا. تباع هذه المخدرات في سوق ليبيا بضعف سعر باقي الأصناف التي تدخل إلى البلاد بسبب نوعيتها.”

وعن أسلوب التهريب، أضاف المصدر أن عمليات التفتيش التركية تفشل بالكشف عن المخدرات المهربة لأنها تركز على ملابس المقاتلين وليس أسلحتهم، فالتفتيش “يدوي، وليس باستخدام كلاب بوليسية أو أجهزة”، حيث:

“تهرب المخدرات داخل أخمص الروسية والذخيرة أو في الجعبة العسكرية. مثلاً، تفك خياطة الجعبة ويتم تعبئتها بأكثر من 4000 حبة كبتاغون تقريباً؛ فيما يتم حشو أخمص الروسية  بكف من الحشيش معجونة، وتعبئة الأتش البوز في رصاصات البارودة بدلاً عن البارود.”

هذا ولا تقتصر ممارسات التهريب على المخدرات، حيث أفاد المصدر ذاته بتورط قادة بعض الفصائل بعمليات تهريب بشر. قال المصدر في شهادته:

 “بالرغم من صعوبة عملية التهريب من خلال شواطئ طرابلس، حيث تنشط فصائل “الجيش الوطني السوري”، بالمقارنة مع مناطق بنغازي، التي تنتشر فيها قوات حفتر ومرتزقة مجندين من مناطق النظام السوري، إلا أن بعض قادات الفصائل من الصف الثاني يعملون سماسرة. حيث يقتصر دورهم على تأمين “ركاب”، من الجنسية السورية غالباً وبعض الجنسيات الأخرى؛ ووصلهم بمهربي البشر في طرابلس أو حتى بنغازي.”

وعن الجانب المادي لعمليات تهريب البشر، قال المصدر:

يتقاضى المهرب مبلغاً مالياً عن كل شخص يتم إيصاله إلى شواطيء ليبيا وتنجح عملية تهريبه. وهناك حصة مالية للقيادي كوسيط، وكذلك كضامن بين المهرب والشخص. وهي عملية ناجحة جداً، لأن قيادي الفصيل لن يتقاضى أجره حتى يصل الراكب إلى شواطئ إيطاليا، ولذلك يحرص على إتمام العملية على أكمل وجه والضغط على المهرب أن يكون حريصاً أيضاً.”

بدوره، قال قيادي من “فرقة الحمزة/الحمزات” (مصدر رقم 6) أن عدداً من فصائل “الجيش الوطني السوري” المتواجدة في ليبيا متورطة بتهريب أشخاص ملاحقين أمنياً لتهم عديدة، من سوريا إلى ليبيا. وقال المصدر في إفادته ما يلي:

“في الفترة الأخيرة، وخاصةً ضمن المنافسة بين الفصائل والإقتتالات الأخيرة، أصبحت الفصائل تستخدم الملفات الأمنية ضد بعضها البعض، وتسلمها إلى الاستخبارات التركية والشرطة العسكرية. هذه الملفات الأمنية باتت مصدر قلق للفصائل بسبب ضغوط الأتراك لتسليم المطلوبين.”

وعن آلية التهريب والاشخاص الذين تنقلهم الفصائل إلى ليبيا، أضاف المصدر:

“باتوا يستخرجون لتجار المخدرات المطلوبين، وكذلك عناصر من تنظيم داعش المطلوبين لمحاكمات وهم تحت حماية الفصائل، هويات جديدة بأسماء جديدة من المجالس المحلية وتسفيرهم إلى ليبيا، وذلك حتى ينسى هذا (الشخص المطلوب) من قبل الفصائل الأخرى. لا يستثنى من هذه العملية أي فصيل. وأيضاً أعداد المطلوبين الذين تم نقلهم إلى ليبيا كان جيداً جداً، ضمن فرقة الحمزة والسلطان مراد على وجهه الخصوص.”

 وأضاف القيادي أن الفصائل في ليبيا نشطة بتجارة السلاح أيضاً، حيث يبيع القادة الأسلحة والذخائر التي يستولون عليها “كغنائم” بعد المعارك إما لقوات أو لمدنيين ليبيين. في هذا الصدد، قال المصدر:

“ضمن المعارك الأخيرة، تم اغتنام كمية كبيرة من السلاح  من قوات حفتر الليبية و من قوات فاغنر الروسية. وبما أنه لم تحدث معارك أبداً، بقيت لدينا كميات جيدة من السلاح الخفيف “روسيات” و”مسدسات” و”آربيجي” و”بيكسي”، مع كميات كبيرة من ذخيرة هذه الأسلحة، تسمى ” ذخيرة ناعمة.”  كان سبب (الفائض) هو أن القوات الليبية الموالية للأتراك اشترت منا السلاح الثقيل والسيارات التي اغتنمناها، وكان في ذلك دعم ممتاز للفصيل. فيما رفضت شراء هذه الذخيرة وقالت لنا أن نضعها في مستودعاتنا للاستخدام الطارئ والتدريب العسكري؛ وهذا ما اعتبرناه ظلم كبير لنا حيث كان عليها شراؤها، بالأخص وأنه يتم تذخيرنا واستكمال السلاح الناقص قبل كل معركة.”

وأضاف:

“هناك طلب على هذا السلاح في السوق المدني؛ فلدى أغلب الأهالي رغبة متزايدة بإقتناء عدة قطع سلاح خفيفة في بيوتهم، لذلك هناك عرض وطلب على هذه القطع. دفع هذا أكثر القادات إلى إخراج جزء من هذا السلاح وبيعه للمدنيين. وأما أموال هذه الأسلحة فلم يتم توزيعها على المقاتلين؛ كانت فقط للقادة المشرفين وتم تقاسمها فيما بينهم. و المقاتلين الذين اعترضوا كان لهم نصيب بالسجن وحرمان من الرواتب. هذا ويتم البيع  للمدنيين عن طريق وسطاء ليبيين، هم تجار سلاح.”

  1. معسكرات المرتزقة السوريين في ليبيا:

تمكنت “سوريون” من تحديد والتثبت من المواقع الجغرافية لخمسة أماكن أتخذتها فصائل “الجيش الوطني السوري/المعارض” في ليبيا معسكراتٍ لمقاتليها.

 

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد