الرئيسية تقارير مواضيعية لم يتبق لي من منزلي سوى المفاتيح!

لم يتبق لي من منزلي سوى المفاتيح!


تل أبيض/ رأس العين (سري كانيه): انتهاكات حقوق الملكية أثناء وبعد عملية "نبع السلام" التركية

بواسطة z.ujayli
318 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية

أولاً: ملخص تنفيذي:

يجلس “سعدون سلمان” (52 عاماً) بجانب قبر عمه في إحدى المقابر بريف مدينة الحسكة، التي نزح إليها عقب عملية “نبع السلام”، مُتحسراً على عدم قدرة العائلة على تنفيذ وصية الفقيد بدفنه في مسقط رأسه بقرية “الداودية” بريف ناحية أبو راسين/زركان، والتي حولها الجيش التركي إلى قاعدة عسكرية، بعد أن قام بتجريف غالبية منازل القرويين فيها.

حاولت عائلة “سلمان” جاهدة تنفيذ وصية فقيدها، لكن القوات التركية المتمركزة في القرية رفضت طلبها ومنعتها من العودة إلى القرية مجدداً، فاضطر أقرباء الفقيد، لدفنه في إحدى القرى القريبة من الحسكة، حيث نزحت العائلة.

يضيف “سعدون” لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، مستذكراً تلك الحادثة المؤلمة قائلاً:

“بعد وفاة عمي، تواصلنا مع جيراننا في القرى المجاورة لقريتنا، وأخبرناهم بأننا نريد أن نحقق وصيته بدفنه في مسقط رأسه “الداودية” كما هو الحال عندما يموت أحد من أفراد عائلتنا، وقد أبدى الجيران استعدادهم للمساعدة في مراسيم الدفن، وأخبرونا بأنهم سيستأذنون القوات التركية التي تتمركز في القرية حتى تسمح لنا بدفن الجثة، لكن بعد مضي ساعة أبلغونا أن المسؤول التركي قد رفض مطلبنا، وقال لهم: “لا يسمح لأحد بالاقتراب من القرية، سواء أكان حيّاً أو ميت، هذه قاعدة عسكرية تركية لا يسمح بالاقتراب منها”.

قصة “سعدون سلمان” واحدة من آلاف القصص التي خلفتها عملية “نبع السلام” في تلك المنطقة، فهو أحد المهجرين قسراً، إلى جانب أكثر من 175 ألف نازح آخراً اضطروا لمغادرة منازلهم خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر 2019، بسبب الغزو التركي، بمن فيهم نحو 80 ألف طفل.[1]

 لم تنتظر مجموعات “الجيش الوطني/المعارض” الممولة من قبل الحكومة التركية والعاملة تحت إمرتها، طويلاً حتى بدأت بارتكاب أنماط منظمة من الانتهاكات بحق الأهالي والسكان المدنيين، وكان من جملة تلك الانتهاكات؛ سلب الممتلكات العقارية والاستيلاء عليها بدون وجه حق، وطرد ساكنيها الأصليين منها وخاصة من الكرد، ودفعهم إلى مغادرة المنطقة.

بدأت عمليات النهب والاستيلاء على العقارات في الأيام الأولى للغزو تحديداً، حين تمّت كتابة عبارات على جدران العشرات من المنازل تحمل أسماء فصائل من المعارضة السورية أحياناً وأسماء قادة في تلك الفصائل في أحيان أخرى، كدلالة على مصادرة تلك الممتلكات. وكانت الحجة الأساسية هي الادعاء زوراً بارتباط هؤلاء المدنيين  بالإدارة الذاتية و/أو قوات سوريا الديمقراطية، المدعومة من التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

بالإضافة إلى الحجّة المذكورة، قامت المجموعات المسلّحة باستخدام حجج أخرى للاستيلاء على ممتلكات سكان المنطقة منها: أن شاغل العقار لا يملك الأوراق التي تثبت ملكيته للعقار الذي كان يشغله، على الرغم من أنّ الكثير من عمليات البيع والشراء والتملك في سوريا، ولا سيما في تلك المناطق، كانت تتم (استناداً لعقود شفهية) بناء على عامل الثقة (كما جرت الأعراف) بين الأهالي. إضافة إلى اتباع أساليب أخرى؛ مثل الترهيب والابتزاز بشكل أساسي.

واستنادًا إلى المادة 42 من اللائحة المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية في اتفاقية لاهاي لعام 1907،[2]واتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949،[3]يعتبر وجود تركيا في سوريا وسيطرتها الشاملة على أجزاء من الأراضي السورية، سواء بشكل مباشر أو من خلال الميليشيات التابعة لها، احتلالًا. وبصفتها طرفًا متعاقدًا في اتفاقيات جنيف الأربع وكقوة احتلال، فإن تركيا ملزمة باحترام اتفاقيات جنيف، والتي تلزم قوة الاحتلال بمسؤولية أمن وسلامة المدنيين في الأراضي المحتلة.[4]وبناءً على ذلك، فإن الانتهاكات المشار إليها في هذا التقرير والمرتكبة ضد المدنيين وممتلكاتهم داخل هذه الأراضي المحتلة، تشكل انتهاكات واضحة للقوانين الدولية، وخاصة القانون الدولي الإنساني، وفي معظم الحالات انتهاكات جسيمة لاتفاقيات جنيف والتي تعد أيضًا جرائم حرب،[5] والتي تستوجب، بالإضافة لمسؤولية الدولة، أيضاً المسؤولية الجنائية الفردية لمرتكبي هذه الجرائم.[6]

ثانياً: المقدمة ومنهجية الورقة:

لا شك أن لمسألة العقارات، سواء كانت مخصصة للسكن أو للاستثمار الزراعي أو/والتجاري، أهمية كبيرة في حياة الناس، كون حق التملك يعتبر من الحقوق الأساسية للإنسان، وحرمانه من هذا الحق يعني حرمانه من الاستقرار والحياة الكريمة والآمنة.

منذ احتلال القوات التركية[7] وقوات الجيش الوطني السوري[8] المدعوم منها، للمناطق الواقعة شمال سوريا كعفرين خلال عمليتي “غصن الزيتون”، والمنطقة الممتدة بين رأس العين/سري كانيه وتل أبيض، خلال “نبع السلام”، لم تتوان عن ارتكاب أنماط عديدة من الانتهاكات الممنهجة والواسعة النطاق ضد المدنيين، من ضمنها أعمال النهب والاستيلاء على الممتلكات المدنية بشكل متكرر، إضافة إلى تهجير السكان قسراً، وأغلبهم من أصل كردي، وإجبارهم على ترك منازلهم من خلال التهديد والابتزاز والقتل والاختطاف والتعذيب والاحتجاز.[9]

ومع حلول الذكرى الثالثة لاحتلال عفرين، ومرور أكثر من عام على احتلال تل أبيض ورأس العين/سري كانيه، قامت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” بالاستماع إلى شهادات حديثة لمواطنين سوريين (كرد وعرب) كانوا ضحايا عمليات الاستيلاء على ممتلكاتهم ومقيمين في محافظتي الحسكة والرقة بشكل أساسي. وقد بلغ عددهم 12 شخصاً، بينهم 7 أشخاص عملوا على متابعة أمورهم القانونية فيما يتعلق بتثبيت حقوقهم العقارية في تلك المناطق المحتلة، من أجل محاولة الحصول على وثائق صادرة من الحكومة السورية تثبت أحياناً عمليات الاستيلاء تلك. إضافة إلى ذلك قام الخبير القانوني بمراجعة الوثائق التي تمّ تزويد المنظمة بها وتنوعت ما بين:

  1. سند تمليك عقاري (المعروفة محلياً بـ: طابو أخضر).
  2. إخراجات قيود عقارية.
  3. مخطط مساحي.
  4. قرارات قضائية صادرة عن محاكم سورية تثبت الملكية.
  5. عقود بيع قطعية غير رسمية.

وقد تمّ التحفظ على أسماء الشهود في الحالات التي رغب الأشخاص فيها بعدم الكشف عن هويتهم، وبعد ذلك قامت المنظمة بدراسة تلك الحالات وبيان مدى مخالفتها للقوانين السورية، وكذلك للعهود والمواثيق الدولية، وكذلك متابعة الإجراءات التي تمت لدى الجهات الرسمية في محافظة الحسكة، وبيان مدى توافق تلك الإجراءات والقرارات مع القوانين السورية، وخلصت الورقة بالنتيجة إلى بعض التوصيات التي قد تساعد في الحفاظ على حقوقهم العقارية.

ثالثاً: التوصيات:

بعد استماع “سوريون” لشهادات ضحايا الغزو التركي لشمال شرق سوريا، وخاصة المدنيين الذين أُخرِجوا قسراً من عقاراتهم وهُجِّروا بعد دخول القوات التركية وقوات الجيش الوطني واحتلالها لتلك المناطق، تبين إن تلك القوات قد أقدمت على تدمير بعض العقارات المدنية والاستيلاء على الكثير الآخر منها بالقوة وتحت تهديد السلاح، كما قامت بسرقة محتويات الكثير منها، وحولت بعض العقارات إلى مقار عسكرية دون إذن مالكيها. وبعد التوثيق والتحليل، خلصت “سوريون” إلى التوصيات التالية:

  1. يجب النص في الدستور السوري الجديد المزمع كتابته على سمو العهود والمواثيق الدولية على القوانين الداخلية، ولا سيما تلك الاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان ومنها حق التملك، والتي صادقت عليها سوريا، وإتاحة الفرصة للقضاء الوطني بتطبيق نصوص تلك المواثيق في حال تعارض القوانين الداخلية معها.
  2. يجب على هيئة الحكم الانتقالي في حال تشكلها بإصدار قانون أو قرار يقضي باعتبار كل عمليات نقل الملكيات العقارية في المناطق التي تمّ احتلالها غير قانونية، بما في ذلك قرارات المحاكم والمجالس المحلية الموجودة في تلك المناطق، ويقع عبء إثبات العكس، على من يدعي خلاف ذلك.
  3. ممارسة أقصى الضغوط على “الدولة التركية” و”الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية” و”الحكومة السورية المؤقتة” لتوجيه فصائل “الجيش الوطني” بالتوقف عن عمليات النهب والاستيلاء على الممتلكات العقارية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وإعادة العقارات المغتصبة لأصحابها، وضرورة محاسبة كل من ارتكب تلك الانتهاكات، وذلك كون الجهات المذكورة تتحكم بقرار ما يسمى بـ”الجيش الوطني”.
  4. القيام بحملات توعية وتثقيف للضحايا بضرورة توثيق الانتهاكات التي وقعت على عقاراتهم، واللجوء الى المحاكم والدوائر العقارية للحصول على الوثائق المؤيدة لملكيتهم، وتنظيم الضبوط اللازمة لدى أقسام الشرطة بواقع الحال، كي تشكل حماية مستقبلية لأي محاولة تزوير، وخاصة للضحايا الذين تم توقيعهم على أوراق وعقود تفيد بتنازلهم عن ممتلكاتهم، لصالح من استولى عليها بطرق غير مشروعة.
  5. ينبغي على تركيا، كقوة احتلال، أن تتحمل كامل مسؤولياتها في حماية المدنيين وممتلكاتهم من دون أي تمييز، واحترام كرامة وكافة حقوقه هؤلاء المدنيين بما في ذلك حقوق الملكية الفردية وحقهم في العودة الآمنة لبيوتهم واستعادة كامل ممتلكاتهم بالإضافة إلى تعويضهم عن كافة الانتهاكات المرتكبة بحقهم من قبل قواتها أو عناصر المليشيات التابعة لها في الأراضي التي قامت باحتلالها.
  6. ضمان الحيادية والشمولية في عمليات توثيق انتهاكات حقوق الإنسان في جميع المناطق السوريّة، وخاصة تلك المتعلقة بانتهاكات حقوق الملكية، ومنع أي نوع من أنواع التسييس التي قد تؤدي إلى تفضيل ضحايا على ضحايا آخرين بسبب انتمائهم الإثني أو القومي.

رابعاً: الصعوبات والتحديات:

سرد الأشخاص الذين تمّ الاستماع إليهم مجموعة من التحديات التي واجهوها، بعد مبادرتهم إلى العمل على متابعة وضعهم القانوني في محافظة الحسكة، قبل وخلال فترة كتابة هذه الورقة، وكانت كالآتي:

أ. الصعوبات المتعلقة بالوضع العام وتتمثل بما يلي:

التوتر الأمني والاشتباكات العسكرية التي كانت تتم في منطقة شمال شرق سوريا بشكل خاص بين الحين والآخر، سواء بين قوات الإدارة الذاتية والقوات الحكومية، أو بين قوات الإدارة الذاتية وقوات الدفاع الوطني الموالية للحكومة السورية، وتقييد الحركة الذي تم فرضه من قبل قوات الإدارة الذاتية على المربعين الأمنيين في القامشلي والحسكة (واللذان يحتويان على أغلب المؤسسات التابعة للحكومة السورية ومنها دوائر السجل المدني)، لأكثر من أسبوعين خلال شهر كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 2021، كرد على الحصار الذي فرضته القوات الحكومية على منطقة الشهباء شمالي حلب (الذي يتواجد فيه عشرات الآلاف من مهجري عفرين)، وحيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب (ذو الأغلبية الكردية)، وما رافق ذلك من منع للموظفين (في أمانات السجل المدني والمحاكم) من الذهاب إلى أماكن عملهم، وكذلك حالات الحجر الصحي  التي فرضت على المنطقة بين الحين و الآخر بسبب جائحة كورونا، وما نتج عن ذلك من تقييد حركة التنقل، فيما يخص مراجعة الدوائر الرسمية.

ب ــ المعوقات المتعلقة بطريقة تعاطي الدوائر الرسمية مع هذه الملفات:

بحسب الشهود، والوثائق التي اطلعت عليها “سوريون” اتضح امتناع بعض المحاكم الحكومية السورية عن تسجيل الدعاوى المتعلقة بالعقارات الموجودة في تلك المناطق التي تغطيها الورقة، بحجة خروج هذه المناطق عن سيطرة القوات الحكومية السورية، ذلك لتخوفهم من أن يسبب ذلك ضرراً لهم، إذ من الممكن أن تتم مسائلتهم من قبل الجهات الأعلى، كما تحججت بعض المحاكم بأنه سيكون من المتعذر مطابقة الواقع مع الوثائق المبرزة في الملف لأن العقار موضوع الدعوى يقع خارج سيطرة الحكومة السورية، وبالتالي لا يمكن للقاضي والخبير العقاري الوصول إلى تلك المناطق المحتلة من قبل تركيا والجيش الوطني السوري.

خامساً: خلفية الانتهاكات العقارية في المناطق المستهدفة:

بتاريخ 9 تشرين الأول/أكتوبر 2019، وعقب الانسحاب المفاجئ للقوات الأمريكية من المناطق الحدودية السورية/التركية، أطلق الجيش التركي والفصائل العسكرية الخاضعة لها والمنضوية تحت ما يسمى “بالجيش الوطني/المعارض” عملية “نبع السلام” داخل الأراضي السورية وبالتحديد في منطقتي تل أبيض ورأس العين/سري كانيه، وبتاريخ 22 تشرين الأول/أكتوبر 2019، بسطت القوات التركية والفصائل المسلحة المدعومة تركياً سيطرتها الكاملة على المنطقتين المذكورتين.

وقد أدى إطلاق عملية “نبع السلام” إلى موجات نزوح جماعية، وكان أكثر من 100 ألف شخص قد فّروا بحلول 11 تشرين الأول/أكتوبر 2019. وارتفع هذا العدد إلى أكثر من 175 ألف بحلول 22 تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، بمن فيهم نحو 80 ألف طفل. [10]

وبعد أن تمكنت مجموعات “الجيش الوطني” بدعم وتمويل من الحكومة التركية من بسط سيطرتها على المناطق المذكورة لم تنتظر طويلاً لارتكاب أنماط ممنهجة وواسعة النطاق من الانتهاكات بحق الأهالي والسكان المدنيين، ومن جملة تلك الانتهاكات سلب الممتلكات العقارية والاستيلاء عليها بدون وجه حق، وطرد ساكنيها وخاصة الكرد منهم، ودفعهم إلى مغادرة المنطقة قسراً، وقد تعددت صور الاستيلاء على تلك العقارات وبحجج وأساليب مختلفة، إضافة إلى تدمير بعض العقارات في تلك المناطق.

  • اتهام مالك العقار بارتباط مزعوم مع الإدارة الذاتية أو من الموالين لها:

بدأت عمليات النهب والاستيلاء على العقارات في الأيام الأولى للغزو، حيث تمّت كتابة عبارات على جدران العشرات من المنازل تحمل أسماء فصائل من المعارضة السورية أحياناً وأسماء قادة في تلك الفصائل في أحيان أخرى، كدلالة على مصادرة تلك الممتلكات. وكانت الحجة الأساسية هي الارتباط بالإدارة الذاتية و/أو قوات سوريا الديمقراطية، المدعومة من التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

أحد الشهود/المتضررين (عربي)، من الذين التقت بهم “سوريون” لغرض هذه الورقة، أكدّ سيطرة فصيل الجبهة الشامية على منزله، في منطقة تل أبيض عقب “نبع السلام” مباشرة، حيث قال في هذا الصدد:

نزحت مع عائلتي إلى الرقة خشية من القصف التركي الذي طال المدينة مع بدء المعارك، وبعد مضي عدة أشهر، وتحديداً في شهر كانون الثاني/يناير 2020، حين هدأت الأوضاع نوعاً ما، قررت العودة للاطمئنان على ممتلكاتي، لكن احتمالات أن اتعرض للاعتقال أو الخطف كانت تقلقني، لذا رأيت من الأنسب أن أرسل زوجتي في البداية كي ترى وتتحرى الوضع هناك، وهو ما حصل.”

بحسب الشاهد، وبناء على مشاهدات زوجته، فقد قام عناصر من “الجبهة الشامية” بالاستيلاء على منزل العائلة والمكوث فيه، بعد سرقة كافة محتوياته، دون معرفة الجهة التي وقفت خلف علمية السرقة مباشرة، فضلاً عن وجود دمار طال أجزاء من المنزل، ودون معرفة السبب أو الدافع وراء ذلك. وأضاف الشاهد:

طلبت زوجتي منهم إخلاء المنزل حتى نعود إلى ديارنا، إلا أنهم قاموا بطردها وتوجيه شتائم وإهانات لها، حتى أنهم كادوا يعتقلونها بتهمة التخابر لصالح قوات سوريا الديمقراطية، لولا تدخل أحد الجيران من المكون العربي وكفالته لها، بعد ذلك، توجهت زوجتي إلى محكمة تل أبيض التي أنشأتها تركيا، وقدمت شكوى ضد فصيل الجبهة الشامية، وتحديداً ضد المجموعة التي استولت على منزلي، والتي يترأسها مسلح من إدلب واسمه “أحمد السعيد”، بعد أن نصحها بعض الأهالي بذلك، لكنهم قاموا بتوقيفها لديهم لمدة (24 ساعة) على ذمة التحقيق، مطالبين بحضوري للتحقيق معي بشأن الاتهامات التي وجهها لي الفصيل بالتعامل مع “قسد”، علماً أنني مدني أعمل في التجارة منذ سنوات، ولم انخرط في أي عمل سياسي أو عسكري “…

وفي السياق ذاته، ذكر الشاهد نفسه أنّ ذات التهمة وجِّهَت إلى أخيه أيضاً، الذي كان قد بقي في منزله خلال المعارك الدائرة، حيث أجبره الفصيل نفسه على التنازل عن منزله لهم بشكل قسري.

  • الاستيلاء بحجة عدم وجود أوراق ثبوتية:

كانت حجة مسلحي فصائل “الجيش الوطني السوري” للاستيلاء على عقارات أخرى هي  أن شاغل العقار لا يملك الأوراق التي تثبت ملكيته للعقار الذي كان يشغله، على الرغم من أن الكثير من عمليات البيع والشراء والتملك في سوريا، ولا سيما في تلك المناطق، كانت تتم استناداً لعقود شفهية بناءً على عامل الثقة كما جرت الأعراف بين الأهالي، إضافة إلى ما خلفه النزاع السوري من آثار مدمرة، ومنها ضياع وإتلاف واحتراق الكثير من وثائق السوريين، ومنها الوثائق والأوراق المؤيدة للملكية، ناهيك عن إنه ليس من مهام جماعات “الجيش الوطني السوري” التأكد من ملكية العقارات الموجودة في مناطق سيطرتها، طالما إنه لم يأت أحد لينازع الشاغل في ملكيته للعقار، وعلى فرض نشوء منازعة أو خصومة بخصوص ملكية أو حيازة عقار معين، فالقضاء هو صاحب الولاية بحل الخلاف والبت فيه وليست الفصائل المسلحة.

وذكر أحد الشهود الكرد الذين التقت بهم “سوريون” في كانون الثاني/يناير 2021، أن أحد مسؤولي فرقة “السلطان مراد” التابعة للجيش الوطني السوري في رأس العين/سري كانيه، ويكنى بـ “الشيخ أبو علي” قد وضع يده على منزله الذي يقع في الحي الشرقي من المدينة، بحجة عدم إبرازه الأوراق الثبوتية التي تثبت ملكيته للعقار. وسرد الشاهد قصته قائلاً:

في منتصف كانون الأول/ديسمبر 2019، عدت إلى رأس العين/سري كانيه، وقمت بمراجعة المجلس المحلي في المدينة، وقدمت طلباً للعودة إلى منزلي، لكن كسائر من سبقوني في العودة من أهالي المدينة، لم أصطحب معي أوراق ملكية المنزل وبقية ممتلكاتي، خشية أن يسلبوها، فأفقد الوثائق التي تثبت ملكيتي لها، وقد وافق المجلس على طلبي بعد التحقق من هويتي، وأخبرني أن بإمكاني العودة إلى منزلي، كما سلموني ورقة، هي عبارة عن طلب خطّي مصدق وموجه إلى الجهة العسكرية التي تقطن في منزلي حتى تخليه كي يتسنى لي العودة إليه“.

وعلى الرغم من حصول الشاهد/الضحية على ورقة من المجلس المحلي في رأس العين/سري كانيه، والتابع للحكومة السورية المؤقتة “المعارضة”، تفيد بحقه في استعادة منزله، إلا أن الفصيل العسكري المسيطر على المنزل، رفض اخلائه وتسليمه لمالكه، بحجة عدم إبرازه الأوراق التي تثبت ملكيته للعقار، حيث قال في هذا الصدد:

أخذت تلك الورقة التي حصلت عليها من المجلس المحلي، وقمت برفقة جار لي، وهو رجل مسنّ كان قد عاد مع زوجته إلى منزله الذي يقع في الشارع ذاته، بالذهاب سوياً إلى الجماعة التي استولت على منزلي، فخرج لنا المسؤول عن المجموعة، الملقب بـ “الشيخ أبو علي”، وقد كان رجلاً أربعينياً ذو لحية طويلة، فقدمت له الورقة التي بحوزتي وأخبرته برغبتي في العودة إلى منزلي، لكنه طلب مني أوراق ملكية المنزل حتى يتأكد من صدق كلامي، فأخبرته أنني لم أجلبها، كما شهد جاري ورجلين آخريّن من الحي أنني مالك المنزل، حيث أن مفاتيح المنزل معي، وصورتي مع زوجتي كانت لا تزال معلقة على أحد جدرانه الداخلية، لكن على الرغم من ذلك، رفض المسؤول إخلاء المنزل“.

عاد الشاهد أدراجه إلى مدينة الحسكة التي كان قد نزح إليها مع زوجته وأولاده عقب التوغل التركي في شمال شرق سوريا، وقام بجلب الأوراق الثبوتية المطلوبة، وتمكن بموجبها من استعادة منزله لبضعة أيام، قبل أن يُجبر على تركه قسراً على يد فرقة “السلطان مراد” نفسها، التي قامت باعتقاله وضربه، وذلك كرد فعل على محاولته استعادة المنزل منها، وقد تحدث حول ذلك قائلاً:

لم استطع البقاء في المنزل إلا لبضعة أيام، إذ كان المسلحون قد حقدوا عليّ لأنهم خرجوا من منزلي مُكرهين، وخلال الأيام الأخيرة من عام 2019، هاجم مسلحو الفرقة ذات مساء منزلي، وقاموا بضربي أمام جارٍ لي، كان زائراً لدي حينها، ثم اقتادوني إلى مقرٍ لهم في الحي ذاته، يديره المسؤول الذي كان قد استولى على منزلي، إذ بقيت أتعرض الضرب والتعذيب حتى الصباح، دون أن توجه لي أي تهمة، قبل أن يقوموا بتهديدي بالقتل ويطلبوا مني مغادرة المدينة، فأجبرت على فعل ذلك، وغادرت المدينة عائداً إلى الحسكة في اليوم التالي، خشية أن اقتل، لأن قتل الإنسان ليس بالأمر الصعب بالنسبة لأولئك المسلحين، ولن يحاسبهم أحد إن قتلوني، فهم دائماً يبررون انتهاكاتهم ضد المدنيين بذريعة تعاملهم مع الإدارة الذاتية أو قوات سوريا الديمقراطية“.

وأضاف الشاهد أنه لا يفكر بالعودة إلى رأس العين/سري كانيه في ظل سيطرة الجماعات الموالية لتركيا على المدينة، التي ترتكب انتهاكات كثيرة بحق المدنيين، وعلى مرأى من القوات التركية التي أولتها إدارة المنطقة.

  • الاستيلاء بالترهيب والابتزاز:

بالإضافة إلى استخدام المجموعات المسلّحة حجّة الارتباط المزعوم مع الإدارة الذاتية/قوات سوريا الديمقراطية، قامت بأساليب أخرى؛ منها الترهيب والابتزاز بشكل أساسي. وتجلّى ذلك من خلال عدّة ممارسات، منها عمليات اعتقال لأفراد وممارسة الابتزاز تجاه عوائلهم من أجل دفع مبالغ مالية إضافة إلى فرض إتاوات على عائدات العقارات بنسب مئوية متفاوتة.

شكّلت هذه الممارسات نمطاً آخراً من أساليب الضغط على من تبقى من الأهالي ودفعهم للنزوح والهجرة وبالتالي التخلي عن عقاراتهم وممتلكاتهم، كي يسهل الاستيلاء عليها بحجة عدم تواجد المالك لإدارة عقاره واستثماره.

يحيى الموسى/اسم مستعار لأحد سكان مدينة رأس العين/سري كانيه، من المكون العربي، وأحد الأشخاص الذين تعرّضوا لمثل تلك الممارسات، حيث قال في شهادته لـ”سوريون” في منتصف شهر كانون الثاني/يناير 2021، في هذا الصدد ما يلي:

مع بدء عملية “نبع السلام” في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2019، نزحت مع عائلتي كسائر سكان رأس العين/سري كانيه خوفاً من القصف الذي رافق المعارك، وبتاريخ 14 كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، وبعد سيطرة القوات التركية وفصائل الجيش الوطني السورية الموالية لها على المنطقة، قررت العودة إلى منزلي، وعند عودتي مع عائلتي إلى رأس العين/سري كانيه، كانت فرقة السلطان مراد تسيطر على الحي الذي يقع فيه منزلي (حي زرادشت/الحي الجنوبي)، وقد قام مسلحوها بالتحقيق معنا واتخاذ كافة الإجراءات الأمنية للتحقق من وضعنا، وهذا الإجراء، أي التحقيق كان يتم بحق كل شخص يعود إلى المدينة، إلا أنه لم يدم التحقيق مطولاً، وذلك نظراً لأننا من عشيرة “البو عساف” العربية“.

بعد مضي أقل من شهرين على عودة “الموسى” إلى منزله، وتحديداً بتاريخ 5 شباط/فبراير 2020، تفاجئ الشاهد باقتحام منزله من قبل قوات مسلحة تابعة لكتيبة “ميماتي باش” التي تتبع لفرقة “السلطان مراد” وقامت باعتقاله مع ابنه الطفل (عدي/16 عاماً) بشكل همجي بحسب وصف الشاهد الذي أردف قائلاً:

دون مراعاة حرمة المنزل، وفي منتصف الليل، اقتحم العناصر المدججون بالسلاح منزلي، وقاموا باقتيادنا إلى مقرّهم الكائن في مدرسة الصناعة قرب سوق الدجاج (والذي تمّ اتخاذه كمقر عسكري لهم)، وكان يديره شخصان، أحدهم يلّقب بـ”أبو الموت” والآخر باسم “أبو البراء” وهما قياديان في فرقة السلطان مراد في رأس العين/سري كانيه، ثم بدأوا بتعذيبي وتعذيب ابني أمامي كي نعترف بالعمالة لصالح قوات سوريا الديمقراطية وكلما أخبرناهم الحقيقة بأنه لا صلة لنا بـقسد، كلما أشتد التعذيب وتضاعف، لكن مع استمرار التعذيب بشدة، وخوفاً على حياة أبني، اعترفتُ، وتحت الضغط الشديد، بأنني كنت اتعامل مع قسد، ثم قال لي المحقق:

 “أيها العميل، سنقتلك أنت وابنك إذا لم تدفع لنا مبلغ 50 ألف دولار“.

 حينها تأكدت من السبب وراء اعتقالنا، أخبرتهم أنني لا أملك هكذا مبلغ، ومن الصعب تأمين نصف المبلغ حتى، فقالوا لي: “إذاً يجب أن تتنازل لنا عن أرضك ومنزلك ومحلك الصناعي، مقابل العفو عنك وعن أبنك، وإلا ستلقون حتفكم”. ولم يكن لدي مهرب، فوافقت على مطلبهم تحت الضغط والتهديد، وخوفاً على عائلتي، فذهبوا إلى منزلي وجلبوا أوراق ووثائق ملكية المنزل والأرض الزراعية والمحل الصناعي، وأجبروني على التوقيع على عقود بيع ووثائق أخرى لم أعرف فحواها، بعد ذلك أفرجوا عني وعن أبني وطلبوا منا إخلاء المنزل خلال أقل من 48 ساعة“.

في حالة أخرى، وثقت “سوريون” قيام فصيل “الجبهة الشامية”، وتحديداً المجموعة التي يقودها “أحمد السعيد” بالاستيلاء على منزل مواطن سوري آخر، من المكون العربي في مدينة تل أبيض، حيث كانت تبلغ مساحته 250 م²، بحسب شقيقه الذي تحدث لـ”سوريون”، قائلاً:

“بعد أشهر على انتهاء عملية “نبع السلام” قام مسلحو الفصيل المذكور باعتقال أخي لمدة شهر كامل، تعرض خلالها لتعذيب شديد، قبل أن يتم إجباره بالقوة في النهاية على التوقيع على عقد بيع تنازل بموجبه عن منزله لصالحهم، مقابل إخلاء سبيله، وبحسب ما قال أخي، فقد كان مذكوراً في العقد أنه باعهم المنزل مقابل مبلغ 11 ألف دولار أمريكي، بيد أنه لم يقبض شيئاً منه، وقد احتفظ الفصيل بالأوراق، فيما يبدو أنه لمحاولة شرعنة الاستيلاء على المنزل وتسجيله لدى بلدية تل أبيض التي أنشأتها تركيا.”

لقراءة التقرير كاملاً وبصيغة ملف PDF يُرجى الضغط هنا.

_____

[1] انظر الفقرات (45 حتى 59) من تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة حول سوريا، والذي نشر بتاريخ 7 تموز/يوليو 2020، في الدورة الثالثة والأربعون لمجلس حقوق الإنسان. (أخر زيارة للرابط: 5 آذار/مارس 2021). https://www.ohchr.org/AR/HRBodies/HRC/IICISyria/Pages/Documentation.aspx?fbclid=IwAR0eZ0192X0I4JizGbP57wFYq0RjBNFRi_BVp0N5C15if6wCoKOEYqO20wA

[2] Convention (IV) respecting the Laws and Customs of War on Land and its annex: Regulations concerning the Laws and Customs of War on Land. The Hague, 18 October 1907, Art 42.

https://ihl-databases.icrc.org/applic/ihl/ihl.nsf/Article.xsp?action=openDocument&documentId=01D426B0086089BEC12563CD00516887

[3] The Geneva Conventions of 1949.

https://www.icrc.org/en/doc/assets/files/publications/icrc-002-0173.pdf

[4] Ibid., Art. 49.

[5] Ibid., Art. 147.

[6] Ibid., Art. 146.

[7] في أول تقرير موسع لها، عقب عملية “غصن الزيتون”، وصفت منظمة العفو الدولية التواجد التركي في عفرين بـ”الاحتلال العسكري التركي” وذلك في معرض الحديث عن الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعات الموالية لتركيا والقوات التركية ذاتها. للمزيد: سوريا: يجب على تركيا وضع حد للانتهاكات التي ترتكبها الجماعات الموالية لها والقوات المسلحة التركية ذاتها في عفرين. منظمة العفو الدولية. 2 آب/أغسطس 2018. (آخر زيارة للرابط: 5 آذار/مارس 2021). https://www.amnesty.org/ar/latest/news/2018/08/syria-turkey-must-stop-serious-violations-by-allied-groups-and-its-own-forces-in-afrin/

وفي السياق ذاته، وفيما يخصّ عملية “نبع السلام” وصفت “هيومن رايتس وتش” مناطق رأس العين/سري كانيه وتل أبيض بأنّها “أراض محتلة”، وذلك في سياق الحديث عن عمليات نقل غير قانوني لسوريين إلى تركيا. للمزيد: نقل غير قانوني لسوريين إلى تركيا- اعتقال أكثر من 60 شخص ونقلهم قسرا من أراضٍ محتلة. هيومن رايتس وتش. 3 شباط/فبراير 2021. (آخر زيارة للرابط: 5 آذار/مارس 2021). https://www.hrw.org/ar/news/2021/02/03/377722

[8] يتبع مباشرة لهيئة الأركان/وزارة الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة/المعارضة، المنبثقة عن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية.

[9] للمزيد انظر الفقرات (46 و47 و48 و49 و50 و51) لتقرير لجنة التحقيق الدولية الخاصّة بسوريا. والصادر خلال الدورة الخامسة والأربعين لمجلس حقوق الإنسان. 15 أيلول/سبتمبر 2020. (أخر زيارة للرابط: 5 آذار/مارس 2021). https://www.ohchr.org/AR/HRBodies/HRC/IICISyria/Pages/Documentation.aspx?fbclid=IwAR0eZ0192X0I4JizGbP57wFYq0RjBNFRi_BVp0N5C15if6wCoKOEYqO20wA

[10] انظر الفقرات (45 حتى 59) من تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة حول سوريا، والذي نشر بتاريخ 7 تموز/يوليو 2020، في الدورة الثالثة والأربعون لمجلس حقوق الإنسان. (أخر زيارة للرابط: 5 آذار/مارس 2021). https://www.ohchr.org/AR/HRBodies/HRC/IICISyria/Pages/Documentation.aspx?fbclid=IwAR0eZ0192X0I4JizGbP57wFYq0RjBNFRi_BVp0N5C15if6wCoKOEYqO20wA

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد