الرئيسية تقارير مواضيعية شمال شرق سوريا: أجهزة حكومية تستقطع عشرات آلاف سلل المساعدات الأممية

شمال شرق سوريا: أجهزة حكومية تستقطع عشرات آلاف سلل المساعدات الأممية

يجب الضغط باتجاه إعادة فتح معبر اليعربية/تل كوجر وضمان منع استخدام المساعدات الإنسانية كأداة ضغط أو ابتزاز من قبل الحكومة السورية وضمان وصول وتسهيل المساعدات إلى جميع سكان شمال شرق سوريا بدون أي تمييز

بواسطة Communication
449 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع
  1. خلفية:

أدى قرار مجلس الأمن الدولي  رقم 2504، الخاص بإيصال المساعدات الأممية إلى سوريا، والصادر بتاريخ 11 كانون الثاني/يناير 2020، إلى إعطاء “الحكومة السورية” أداة سياسية إضافية للضغط على سكان شمال شرق سوريا والسلطات المحلّية الحاكمة. عبر منحها التحكم واحتكار المساعدات الأممية المخصصة للمنطقة.[1] حيث أصبحت “المساعدات الإنسانية” تأتي عبر مناطق سيطرة الحكومة السورية، وبتنسيق مع مكتب الأمم المتحدة في دمشق والمنظمات الإنسانية والجمعيات الشريكة لوكالات الأمم المتحدة، كما لم تسلم المشاريع التنموية والخدمية من تحكم الحكومة السورية هي الأخرى.

لاحقاً، تمّ تكريس هذا الضغط السياسي من خلال استمرار إغلاق معبر اليعربية/تل كوجر، وإغلاق معبر “باب السلامة” مع تركيا، بعد تبنّي مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2533 بتاريخ 11 تموز/يوليو 2020، والذي نصّ على تمديد تفويض الأمم المتحدة لإدخال المساعدات عبر الحدود إلى شمال غرب سوريا عبر معبر واحد (باب الهوى) وعبر خطوط النزاع (ما بين مناطق السيطرة السوريّة المختلفة).

  1. مقدمة:

وثقت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” عمليات الاستغلال والتحكم الجارية بالمساعدات الأممية منذ كانون الثاني/يناير 2020، وهو الشهر الذي تمّ إغلاق معبر اليعربية/تل كوجر فيه، وذلك من خلال مقابلات مركّزة أجرتها المنظمة عام 2022، مع مجموعة من عمّال/موظفي إغاثة، منهم ثلاثة موظفين/ات في وكالات تتبع للأمم المتحدة: أحدهم كان مشرفاً على توزيع المساعدات في شمال شرق سوريا، والثاني موظف في أحد مخازن تجميع المساعدات جنوب القامشلي، والثالث مشرف ميداني على فرق التوزيع المحلي. إضافة إلى ذلك/ تمّ إجراء مقابلات مع موظفين في منظمات محلية ودولية تنشط في شمال شرق البلاد، كان من بينهم موظفون وعمّال إغاثة في “الهلال الأحمر العربي السوري”، وجمعيات محلية مرخصة من قبل الحكومة السورية.

وكانت “سوريون” قد أعدّت في تموز/يوليو 2019 تقريراً سلطت الضوء فيه على حرمان “الهلال الأحمر السوري” العديد من المدنيين في محافظتي درعا والقنيطرة من المساعدات الأممية لأسباب شتى، منها نتيجة وجود “تقارير أمنية” بحق الشخص المستفيد من هذه السلل، أو بسبب الارتباط بالمعارضة السورية المسلّحة في وقت سابق، رغم خضوع المحافظتين لاتفاق “تسوية” منذ العام 2018، وبسط الحكومة السورية سيطرتها عليهما بدعم عسكري روسي. وهو ما يعني خرقاً لمبدأي الحيادية والاستقلالية اللذين ينصّان على عدم الانحياز لأي طرف وأن يكون عمل المنظمات الأممية مستقلاً عن الأهداف السياسية لأي طرف من الأطراف.

صورة رقم (1) – خارطة تُظهر مناطق السيطرة والمعابر التي كانت مفتوحة والتي أغلقت.

  1. شهادات توثق الاستغلال:

حصلت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” على معلومات تفيد بأن الحكومة وأجهزة أمنية مرتبطة بها في مدينتي الحسكة والقامشلي، تمنح قسماً من المساعدات الأممية لعناصر من الجيش السوري وأجهزة الأمن وأعضاء من “حزب البعث” الحاكم، وعائلاتهم أحياناً، مقابل حرمان النازحين في المخيمات والعائلات الأكثر حاجة في المدن والأرياف من المساعدات المخصصة لهم.

وفاقم هذا التحكم والاستغلال أمرين، الأول: اعتماد وكالات الأمم المتحدة في مسألة التوزيع على شركاء محليين مرتبطين بالحكومة السورية، بشكل رسمي أو شبه  رسمي. الثاني: إيصال هذه المساعدات إلى المنطقة يتم عبر مطار القامشلي أو طرق برية، وجميعها تخضع لسيطرة الحكومة السورية.

وفي ظل تضارب الأرقام حيال عدد السلات الغذائية التي تصل شهرياً لمحافظة الحسكة فضلاً عن المساعدات الطبية، خصوصاً فيما يتعلق بجائحة كورونا، فمن الصعب التأكد من الكميات والنسبة التي تستحوذ عليها  الجهات الحكومية وأفرع “حزب البعث” والجهات العسكرية والأمنية. إلاّ أن سوريون واستناداً إلى المعطيات التي حصلت عليها لغرض هذا التقرير، فإنّها تقدر عدد تلك السلال بـ”عشرات الآلاف”.

يشار إلى أن المصادر التي تحدثت معها “سوريون” أعربت عن قلقها من استخدام الحكومة السورية المساعدات الإغاثية والإمدادات الطبية، لا سيما لقاحات “كوفيد 19” كسلاح سياسي، في ظل عدم التوصل لحلول أو منافذ بديلة لإيصال المساعدات.

وبمقارنة زمن وصول أول دفعة من لقاح كورونا إلى مناطق سيطرة المعارضة السورية، التي تملك منفذاً لدخول المساعدات الأممية (باب الهوى)، ومناطق سيطرة الحكومة السورية، ومناطق “الإدارة الذاتية”، نجد أن وتيرة وصول وتوزيع اللقاحات لمناطق المعارضة والحكومة السورية) والمقدمة من منظمة الصحة العالمية، جرت بشكل أسرع مقارنة مع سرعة وصولها وتوزيعها إلى مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية” قادمة من دمشق عبر مطار القامشلي، لكن لم يعلن حينها عن عدد اللقاحات.

  1. الجمعيات المحلية وسيلة رئيسية في عملية الضغط والاحتكار:

وصفت بعض الشهادات التي حصلت عليها “سوريون” عملية اعتماد منظمات الأمم المتحدة على شركاء محليين (مرخصين من الحكومة) بمثابة دليل على مسألة التلاعب بالمساعدات ومحاولات استخدامها سياسياً.

إذ تعتمد منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المدعومة منها بشكل رئيسي في عملية التوزيع على فرع “الهلال الأحمر العربي السوري” بالحسكة، و”جمعية البر” في القامشلي، و”الجمعية الأرمنية” بإشراف لجنة الإغاثة الفرعية، وبعض الجمعيات المحلية المسجلة لدى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في الحكومة السورية. ويمول الجمعيات المحلية المسجلة لدى وزارة الشؤون الاجتماعية لوجستياً “الهلال الأحمر السوري”. وذلك بَعد تقسيم المحافظة جغرافياً وتخصيص كل جهة بالتوزيع ضمن نطاق جغرافي محدد.

لكن فرع “الهلال الأحمر” هو الجهة الأكثر توزيعاً للسلال، من حيث اتساع المناطق التي يشملها التوزيع أو من حيث عدد المستفيدين.

وكان مركز “الدراسات الاستراتيجية والدولية” (CSIS) الأمريكي قد كشف في تقرير له في شباط/فبراير 2022، عن تعاقد الأمم المتحدة مع رجال أعمال مقربين داعمين للرئيس السوري (محمد حمشو وسامر الفوز) إضافة إلى ميليشيات محلية (فيلق المدافعين عن حلب) لتنفيذ مشاريعها في مناطق سيطرة الحكومة السورية.

وكان المركز السوري للعدالة والمساءلة قد حصل على وثائق أظهرت دور أجهزة المخابرات السوريّة في توجيه المساعدات الإنسانية والتلاعب بتدفقها، لمعاقبة فئة السكان الذين تعتبرهم معادين لها، ومكافأة الموالين للحكومة. فيما كشفت هيومن رايتس وتش في تقرير لها كيف  استغلت الحكومة السورية المعونات الإنسانية ومساعدات إعادة الإعمار، وفي بعض الأحيان والأماكن تستخدمها لترسيخ السياسات القمعية.

  1. أرقام تظهر حجم التوزيع:

مشرف توزيع في “الهلال الأحمر” قال لـ”سوريون”،  إن نحو 70 ألف أسرة مسجلة لدى الهلال السوري في محافظة الحسكة، في حين يبلغ إجمالي السلال التي وصلت للمنظمة للعامين 2021 و2022 نحو 85 ألف سلة، مخصص لكلّ عام. تمّ توزيع نحو 44 ألف سلّة حتى نهاية العام الماضي، بينما تم توزيع  29 ألف سلة خلال الربع الأول من العام الحالي. وأضاف في شهادته قائلاً:

لم يوزّع ربع ماذُكر بسبب استحواذ بعض الجهات الأمنية على مجمل المساعدات في مركز المحافظة. فلكلّ جهة أمنية نافذة نصيب من المساعدات سواء كانت غذائية أو لوجستية، ومن المفترض أن تصل للأسر المتضررة في مركز المدينة ومراكز الإيواء”.

وبحسب المعلومات التي جمعتها “سوريون” عبر الرصد الميداني، تستحوذ “قيادة ميلشيات الدفاع الوطني” في محافظة الحسكة على أكثر من 40 % من إجمالي المساعدات. وتبيع تلك “الحصّة” في السوق السوداء، وتصرف عوائد البيع على دفع رواتب وأجور المتطوعين ضمن صفوفها.

وتطلب محافظة الحسكة التابعة للحكومة السورية شهرياً من جميع الدوائر الحكومية، التنسيق مع “الهلال الأحمر”، لإرسال سلات غذائية لموظفي الحكومة بشكل شهري. وتنسّق المحافظة مع “مكتب الشهداء” وفرع “حزب البعث” من أجل منح أُسر قتلى وجرحى جيش الحكومة السورية قسماً من المساعدات بشكل شبه دائم. مع حرص المحافظة على استمرار ملء مخازنها بالسلال. ويبلغ إجمالي السلال التي توزع على الأجهزة الأمنية شهرياً نحو 500 حصة.

كشف شهادات ميدانية أخرى حصلت عليها “سوريون” لغرض هذا التقرير، عن أسماء جهات محلية أخرى مسؤولة عن توزيع المساعدات، تعدّ قوائم بأسماء وهمية على أنها أسر محتاجة، لكن من غير المعروف عدد هذه الأسماء ولا حجم المساعدات التي يتم اقتطاعها.

ولا تتجاوز فعلياً نسبة التوزيع على العائلات 25 % من إجمالي المساعدات الواصلة إلى المحافظة، وذلك لمرة واحدة كل ثلاثة أشهر بمعدل 75 % في الريف، و25 % في مدينة الحسكة.

ويتركز التوزيع بحسب أرقام حصلت عليها “سوريون” في بلدة تل تمر وريفها بمعدل 1255 حصة، وريف مدينة الحسكة بمعدل 1600 حصة، وأكثر من 12 حي بمدينة الحسكة بمعدل 3100 حصة كل ثلاثة أشهر.

إضافة إلى ذلك يتم توزيع قسم من السلال على الوافدين/النازحين إلى محافظة الحسكة بمعدل 2000 حصة، بينما ينال المهجّرين من سري كانيه/رأس العين نحو 850 حصة، والشدادي (تشمل مركدة والعريشة والشدادي) بمعدل 5000 حصة. فيصبح مجموع معدل الحصص: 13805 حصة يوزعها الهلال الأحمر السوري فقط من أصل 70 ألف أسرة مسجلة لديه.

  1. صعوبات في تنفيذ المشاريع الخدمية وحصرها بمناطق محددة:

بحسب شهادات موظفين في وكالات الأمم المتحدة بمدينة القامشلي أدلت بها لـ”سوريون”، تجد الوكالات صعوبات تتعلق بسيطرة “الإدارة الذاتية” على معظم مناطق شمال شرقي سوريا، خصوصاً حيال الموافقات الرسمية اللازمة لتنفيذ مشاريع الأمم المتحدة. إضافة إلى صعوبة في تقييم الاحتياجات في المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية وبالتالي الصعوبة في تقديم المساعدات في هذه المناطق.

وخلال مواسم الجفاف التي شهدتها مناطق شمال شرقي سوريا بين عامي 2005 و2010، تركزت معظم الأعمال الإغاثية التي كان ينفذها “الهلال الأحمر العربي السوري” بالشراكة مع منظمات إقليمية ودولية، كـ”المنظمة العربية للتنمية الزراعية” ومنظمات الأمم المتحدة، في المناطق ذات الغالبية العربية في الريف الجنوبي لكل من الحسكة والقامشلي وإهمال باقي المناطق ذات الغالبية الكردية، رغم وجود تقارير حول حجم الاحتياجات فيها.

وبعد عام 2011 بدأت برامج الأمم المتحدة بدراسة أوضاع المنطقة بهدف تلبية احتياجات الأسر الفقيرة في المنطقة ككل، باستثناء بعض برامج سبل العيش التي ينفذها البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة والتي تتركز في مناطق سيطرة النظام في الريف الجنوبي للقامشلي.

  1. أدوات التلاعب بالمساعدات:

إنّ اعتماد الحكومة السورية كجهة رئيسية لإيصال المساعدات والتنسيق معها من قبل الأمم المتحدة، تزامناً مع إغلاق معبر “اليعربية/تل كوجر” مع العراق، وسيطرة الحكومة السورية على الطرق البرية، سهل عليها عمليات التحكم والاحتكار والتلاعب في مصير المساعدات واستخدامها كأداة ضغط لكسب السكان إلى جانبها.

وتجري عمليات التحكم والاحتكار والتلاعب عبر عدة أدوات، بحسب الشهادات التي حصلت عليها “سوريون”، وهي:

1- ممارسة الضغط على مكاتب الأمم المتحدة في دمشق لدعم تجار معينين بالمناقصات المتعلقة بالمواد العينية.

2- تحويل كافة المبالغ النقدية للشركاء المنفذين عن طريق البنوك الرسمية بالاعتماد على سعر الصرف الرسمي والذي يقل عن السعر الحقيقي. ففي الوقت الذي يبلغ فيه سعر صرف الليرة السورية في السوق السوداء 3955 ليرة مقابل دولار واحد للشراء و3990 للمبيع، يبلغ سعر الصرف الذي يحدده المصرف المركزي السوري 2814 ليرة مقابل دولار واحد (التاريخ 2 نيسان/أبريل 2022).

3- حصر برامج الأمم المتحدة بجمعيات محددة لها صلات مع الوزارات المختصة وتسهيل منحها الموافقات الرسمية المتعلقة بذلك.

4 – تعديل القوانين بما يخدم سياسة الحكومة بدعم بعض الجمعيات (ذات الصلة بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل حصراً) والمثال على ذلك الجمعيات الكنسية لم تكن بحاجة موافقة وزارة الشؤون للدخول في شراكات مع الأمم المتحدة، لكن لاحقاً تم إلزامها بهذه الموافقات وحجبها عنها في نفس الوقت.

5 – تملك الفروع الأمنية سلطة مطلقة على مكاتب الأمم المتحدة في القامشلي، ويتم استفزازها بوسائل مختلفة، منها استهداف مناطق معينة بالمساعدات و تلقي الرشوة من الجمعيات التي تنفذ المشاريع.

6 – تفرض الفروع الأمنية توظيف أشخاص معينين في برامج الأمم المتحدة لأهداف أمنية أو مكاسب شخصية.

  1. برامج وخدمات منظمات الأمم المتحدة وأماكن تنفيذها:

تتبع وكالات الأمم المتحدة عدة وسائل لتوزيع المساعدات سواء العينية التي تشكل نسبتها أكثر من 90 % من حجم المساعدات الكلي، أو برامج تحويل نقدية أو قسائم إلكترونية. حيث يتم شراء قسم من المساعدات العينية من الأسواق المحلية في دمشق عن طريق نظام المناقصات، بينما يتم استيراد القسم الباقي من أقسام التمويل التابعة للوكالات الموجودة في عدد من الدول الأوروبية منها إيطاليا وسويسرا والدنمارك.

وتعمل العديد من الوكالات والمنظمات المرتبطة في الأمم المتحدة بمناطق سيطرة “الإدارة الذاتية”، وتقدم مختلف أنواع الخدمات.

  • المفوضية السامية لشؤون اللاجئين: UNHCR تقدم برامج تدعم بشكل أساسي العائلات العراقية الموجودة في شمال شرقي سوريا، والبالغ عددها 900 عائلة، بالاضافة إلى تقديم خدمات المأوى والحماية في المخيمات التي تأوي أيضاً لاجئين و نازحين داخلياً.
  • برنامج الغذاء العالمي: WFP قدم برامج تدعم النساء الحوامل والمرضعات في محافظة الحسكة عن طريق برنامج مساعدات نقدي، بالإضافة إلى تقديم سلات غذائية للعائلات الفقيرة التي تعيش في المخيمات وخارجها عن طريق شراكات مع عدد من الجمعيات الخيرية ومنها “جمعية المودّة”.
  • منظمة الأمم المتحدة للطفولة: UNICEF تقدم دعم مياه في كامل محافظة الحسكة، وتدعم البنية التحتية المتعلقة بشبكة المياه والصرف الصحي في المحافظة عن طريق شراكة مع الدوائر والوزارات المختصة. بالإضافة إلى تقديم سلات نظافة للعائلات المقيمة في المخيمات بشكل شهري عن طريق شراكات مع جمعيات محلية ومنها “جمعية اليمامة”.
  • وتدعم اليونيسف قطاع التعليم في مناطق الحكومة السورية أيضاً وتقدم خدمات الحماية للأطفال في المخيمات.
  • برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: UNDP ينفّذ مشاريع لتحسين سبل العيش للعائلات الفقيرة في شمال شرقي سوريا، خاصة في مناطق سيطرة القوات الحكومية في ريف القامشلي الجنوبي. ويدعم البرنامج المستفيدين لبدء مشاريعهم الخاصة، بعد إجراء التدريب اللازم لهم.
  • منظمة الصحة العالمية: World Health Organization تدعم القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحكومة السورية، وتدعم و تشرف على تنفيذ برامج اللقاح في شمال شرقي سوريا بالتعاون مع “الإدارة الذاتية”. كما تدعم المستشفيات الحكومية بالأدوية والمعدات الطبية اللازمة.
  1. مسؤولية الحكومة السورية من منظور الدستور السوري النافذ:

إن تقديم الخدمات العامة للمواطنين هي مسؤولية الدولة الأساسية وهي جوهر العقد الاجتماعي، وتتمحور تلك الخدمات على الحاجات الضرورية للإنسان التي تحفظ حياته وكرامته، وقد نص الدستور السوري لعام 2012 في المادة الثالثة عشر منه على إن “السياسة الاقتصادية للدولة تهدف إلى تلبية الحاجات الأساسية للمجتمع والأفراد..”، ولا تُعفى الحكومة السورية من هذه المسؤولية بحجة إن البلاد في حالة استثنائية أو ما شابه، لأن الدولة “تكفل كل مواطن وأسرته في حالات الطوارئ والمرض والعجز واليُتم والشيخوخة”، وفقا للمادة الثانية والعشرين من الدستور، ومسؤولية الدولة في توفير الحاجات الأساسية للمجتمع والأفراد يحتِّم عليها عدم التلاعب أوالتحكم بمصير المساعدات الانسانية واستخدامها كأداة ضغط لكسب السكان إلى جانبها، وفقا لما ورد في التقرير.

وإذا كانت الدولة عاجزة عن تقديم الخدمات الأساسية لأي سبب كان، فهذا لا يمنحها الحق بالتمييز بين مواطنيها على أساس الولاء السياسي أو أي أساس آخر، وذلك بخصوص المساعدات الانسانية التي تقدم لمواطني هذه الدولة من قبل هيئات أممية أو دول اخرى، وقيام الحكومة السوريةــ وفقا لما ورد في التقريرــ بمنح قسم من المساعدات الأممية لعناصر الجيش السوري وأجهزة الأمن وأعضاء حزب البعث وعائلاتهم، مقابل حرمان النازحين في المخيمات والعائلات الأكثر حاجةً من تلك المساعدات يتنافى مع مبدأ المساواة المنصوص عليه في الدستور السوري نفسه الذي أكد في المادة الثالثة والثلاثون بأن “المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة”.

كما إن قيام الحكومة السورية بتوزيع اللقاحات المقدمة من منظمة الصحة العالمية لمواجهة جائحة كورونا في مناطق سيطرتها بوتيرة أسرع من توزيعها في مناطق أخرى، ولا سيما مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، يتناقض مع مفهوم التنمية المتوازنة بين جميع المناطق في سوريا، الذي تم التأكيد عليه في المادة الخامسة والعشرين من الدستور، والتي نصت على إن “التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية أركان أساسية لبناء المجتمع، وتعمل الدولة على تحقيق التنمية المتوازنة بين جميع مناطق الجمهورية العربية السورية”، كما ويتناقض مع نص الفقرة الثانية من المادة الثانية والعشرين التي أكدت على إن الدولة تحمي صحة المواطنين وتوفر لهم وسائل الوقاية والمعالجة والتداوي.

  1. مسؤولية السلطات السورية من منظور القانون الدولي:

تتحمل “الدولة” وفقاً للقانون الدولي المسؤولية الرئيسية لضمان الحاجات الأساسية للسكان المدنيين في نطاق سيطرتها، حيث ” تتحمل الدولة المسؤولية أولاً وقبل كل شيء لرعاية ضحايا الكوارث الطبيعية وحالات الطوارئ الأخرى التي تحدث على أراضيها. ومن ثمّ، فإن الدولة المتضررة لها الدور الأساسي في بدء وتنظيم وتنسيق وتنفيذ المساعدة الإنسانية داخل أراضيها”.[2] وبناءً على هذه المسؤولية الرئيسية تُعتبر مسؤولية المجتمع الدولي في توفير المساعدة الإنسانية لسكان دولة ما مسؤولية ثانوية يتم تفعيلها عندما تكون الدولة غير قادرة على الالتزام بهذه المسؤولية الرئيسية.[3]

وعلى الرغم من أن المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف الأربعة النافذة على أوضاع النزاع المسلح غير الدولي في سياق هذا التقرير لا تتناول صراحة موضوع المساعدات الإنسانية، إلا أنها تتضمن مبدأ عاماً يفرض المعاملة الإنسانية للأشخاص الذين لا يشاركون بشكل فعال في الأعمال العدائية دون أي تمييز. وهذا يفرض على جميع الأطراف – والدولة كمسؤول رئيسي قبل الأطراف الأخرى – مُلزمون بعدم تعريض السكان المدنيين لأوضاع تهدد كرامتهم الإنسانية من خلال نقص الإمدادات الأساسية والتي قد ينتج عنها معاناة نفسية أو جسدية.[4]

وعليه، فإن السلطات السورية مُلزَمة بتوفير – أو السماح وتيسير إن لم تكن قادرة – الإغاثة والمساعدات الإنسانية للسكان المدنيين على أساس مبدَئي الإنسانية وعدم الانحياز وعلى أساس أن تتم أعمال الإغاثة دون أي تمييز، وهذا الإلزام القانوني نافذ في كل الأحوال باعتباره انعكاساً للقانون الدولي الإنساني العرفي.[5] وحيث أن السلطات السورية قد وافقت على قيام فاعلين خارجيين بأعمال الإغاثة الإنسانية، يقع عليها واجب تأمين حرية الحركة اللازمة لقيام هؤلاء الفاعلين بوظائفهم.[6] وتأمين حرية الحركة مرتبط بكون هذه المساعدات إنسانية وغير منحازة وعلى أساس أن يقوم الفاعلون الإنسانيون بتوزيعها دون تمييز من أي نوع.

إن قيام السلطات السورية بالتلاعب بالمساعدات الإنسانية وفق ما ورد في التقرير يعتبر انتهاكاً لالتزاماتها القانونية المنبثقة أساساً من الحفاظ على مبدأ سيادة الدولة الذي يتجلى في الحصول على موافقة السلطات السورية وتنسيق هيئات الأمم المتحدة معها كفاعل خارجي يقوم بتقديم المساعدات الإنسانية غير المنحازة.

إن قيام السلطات السورية بمصادرة أو احتكار أو فرض مسارات لتوزيع المساعدات الإنسانية لا يعتبر فقط تلاعباً بتلك المساعدات وتحويلاً لاستخدامها بما يخالف أحكام القانون الدولي،[7] إنما التفافاً على القانون الدولي خاصة قاعدة تأمين حرية حركة الفاعلين الإنسانيين.

ويرتبط هذا الأمر أيضاً بالإساءة المتعمدة لتفسير وتطبيق استثناء الضرورة العسكرية الملّحة للحد من أوجه نشاط العاملين على الغوث أو تقييد تحركاتهم بصفة مؤقتة.[8] إن ادعاءات الضرورة العسكرية الملحة يجب أن تكون على أساس ضمان عدم تداخل عمليات الغوث مع العمليات العسكرية بهدف حماية الفاعلين الإنسانيين، وليس على أساس تعسفي خاصة وأن جميع المناطق المستهدفة بهذه العمليات الإنسانية كما ورد في التقرير خاضعة بذاتها أو الطرق المؤدية لها للسلطات السورية. وبالتالي، فإن منع وصول هذه المساعدات لمناطق محددة بذريعة الضرورة العسكرية يعتبر فارغ المضمون والحجة القانونية وما هو إلا استغلال للقواعد القانونية لممارسة التمييز المجحف بحق فئات سكانية خاضعة لولاية السلطات السورية، بما قد يرقى لفرض تدابير العقاب الجماعي بحقهم، وهو أمر محظور كأحد قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي.[9]

وقد ترقى ممارسات السلطات السورية في التلاعب والاستحواذ وتحويل استخدام هذه المساعدات ومن خلال ذلك حرمان فئات متعددة من السكان المدنيين من حقهم في الوصول للمساعدات الإنسانية إلى كونها معاملة لاإنسانية بالمعنى الوارد في المادة 16 من اتفاقية مناهضة التعذيب. ويمكن التأكيد على أن نقص الغذاء والإمدادات الأخرى الضرورية لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة يمكن أن يسبب معاناة جسدية وعقلية شديدة ترقى لأن تكون أحد أشكال المعاملة اللاإنسانية كما قررت ذلك لجنة حقوق الإنسان في العديد من أحكامها.[10] كما أن هذه الممارسات تعتبر انتهاكاً واضحاً لموجبات السلطات السورية تجاه حق الأفراد والجماعات في نطاق ولايتها في الغذاء. فواجب الدولة في احترام هذا الحق يلزمها ألا تقوم بأية إجراءات من شأنها أن تمنع الوصول للغذاء، وواجبها في الحماية يلزمها أن تمنع قيام أي جهة من حرمان المدنيين من هذا الوصول، وواجبها في إعمال هذا الحق يلزمها أن تنخرط بشكل فعال في تدابير وأنشطة تعزز من وصول السكان لحاجاتهم الأساسية وفي مقدمتها الغذاء. بناءً على ما ورد في هذا التقرير، وعلاوة على الانتهاكات المحتملة للقانون الدولي الإنساني، فإن السلطات السورية على اختلاف الأفرع أو الجهات المتورطة في عمليات التلاعب والاستحواذ والتحويل والحرمان تعتبر وكيلة عن الدولة وبالتالي فإن أفعالها تفعّل مسؤولية الدولة السورية عن هذه الأفعال الخاطئة.

  1. توصيات:

إنّ استمرار سيطرة حكومة دمشق على ملف المساعدات الإنسانية وحصر دخول المساعدات عبر مناطق سيطرة الحكومة يعني استمرار الفساد وتحكم الحكومة بكامل أعمال وكالات الأمم المتحدة. لذا تدعو “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” إلى ما يلي:

  • الضغط من أجل عودة دخول المساعدات الأممية عبر “معبر اليعربية/تل كوجر”، والاعتماد على منظمات محلية موثوقة لا تتبع لأي جهة سياسية، وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها دون أي تمييز.
  • ينبغي على الأمم المتحدة تقريب وجهات النظر بين الحكومة السورية والسلطات المحلية وتحييد الملف الإنساني والمساعدات الإنسانية من التجاذبات السياسية.
  • يجب إدارة المشاريع الخدمية والتنموية من قبل منظمات وجمعيات مستقلة وإخضاعها لمراقبة أممية وتشديد تلك الرقابة، لإنّ ذلك سوف يحدّ من حجم الفساد خلال تنفيذ هذه المشاريع، ويزيد من أعدادها في مختلف مناطق المحافظة وليس في مناطق محددة منها، خاصة فيما يتعلق بالقطاع الصحي والتعليمي.
  • الضغط بشكل حقيقي لإعادة فتح معبر “اليعربية” لدخول المساعدات الأممية والعمل مع منظمات مستقلّة وإبعاد تسلط الحكومة السورية والمنظمات التابعة لها. وذلك للحد من عمليات الابتزاز السياسي، وتسهيل إيصال المساعدات الأممية المخصصة للسوريين إلى مستحقيها بغض النظر عن توجههم السياسي.
  • على المنظمات والهيئات الدولية الحاصلة على موافقة السلطات السورية في إدخال وإيصال المساعدات الإنسانية مباشرة أو عبر آليات تنسيقية معها أن تقوم بمراجعة موضوعية وشفافة لآليات عملها وانعكاس الانتهاكات المحتملة من قبل السلطات السورية على تحمل تلك المنظمات والهيئات المسؤولية القانونية عن تلك الانتهاكات وذلك وفقاً لأحكام مسؤولية المنظمات الدولية.

 

________

[1] القرار “رقم 2504” نص على تمديد آلية إيصال المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى سوريا عبر معبرين فقط من تركيا وهما “باب الهوى” و”باب السلامة” (في تموز يوليو 2021 حصر المساعدات بباب الهوى فقط) لمدة ستة أشهر، وإغلاق معبر “اليعربية” في العراق و”الرمثا” في الأردن (لم تنجح محاولات إعادة إدخال المساعدات عبرهما).

[2] UN General Assembly Resolution 46/182 (1991, Annex, para. 4; see also UNGA Res. 43/131 (1988); UNGA Res. 45/100 (1990); UNSC Res. 1706 (2006), para. 12; UNSC Res. 1814 (2008), para. 17; UNSC Res. 1894 (2009), preambular para. 5 and 6; UNSC Res. 1906 (2009), para. 3; UNSC Res. 1910 (2010), preambular para. 16; UNSC Res. 1923 (2010), para. 2 and UNSC Res. 1970 (2011), preambular para. 9.

[3] UN Secretary-General, Report on the protection of civilians in armed conflict, UN Doc. S/1999/957 (1999), para. 51, as reiterated a decade later in the Secretary-General’s report on the same topic of 2009, S/2009/277 (2009), para. 7; see also S/2001/331, para. 51 and S/2004/431, para. 24.

[4] ICTY, the Proescutor v. Zejnil Delalic et al., Case No IT-96-21-T, Judgment, 16 November 1998, para. 543: “In sum, the Trial Chamber finds that inhuman treatment is an intentional act or omission, that is an act which, judged objectively, is deliberate and not accidental, which causes serious mental or physical suffering or injury or constitutes a serious attack on human dignity”.

[5] قاعدة بيانات اللجنة الدولية للصليب الأحمر لقواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، القاعدة رقم ٥٥.

[6] قاعدة بيانات اللجنة الدولية للصليب الأحمر لقواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، القاعدة رقم ٥٦.

[7] وفقاً للمادة ٧٠(٣)(ج) من البروتوكول الإضافي الأول والمضمنة في قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، القاعدتان ٥٥ و٥٦.

[8] وفقاً للمادة ٧١(٣) من البروتوكول الإضافي الأول والتي تعتبر انعكاساً للقانون الدولي الإنساني العرفي وفق القاعدة ٥٦ من قاعدة بيانات اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

[9] قاعدة بيانات اللجنة الدولية للصليب الأحمر لقواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، القاعدة رقم ١٠٣.

[10] See e.g., Tshisekedi v. Zaire, No. 242/1987, para. 13 b; Mika Miha v. Equatorial Guinea, No. 414/1990, para. 6.4; Mukong v. Cameroon, No. 458/1991, para. 9.4.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

2 تعليقان

A human rights organization reveals the Assad regime's manipulation of UN aid - GattoPress يونيو 29, 2022 - 7:19 م

[…] said “Syrians for Truth and Justice“It obtained information and testimonies that reveal that the Assad government and security […]

رد
منظمة حقوقية تكشف تلاعب نظام الأسد بالمساعدات الأممية - ندى برس عربية يونيو 29, 2022 - 7:25 م

[…] منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” إنها حصلت على معلومات وشهادات تكشف بأن حكومة الأسد […]

رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد