الرئيسية تقارير مواضيعية رؤيتان وروايتان حول التنوع في سوريا: هل يمكن الخروج بمقاربة شاملة؟

رؤيتان وروايتان حول التنوع في سوريا: هل يمكن الخروج بمقاربة شاملة؟


قراءة في بعض المشاريع الثقافية الغنائية كإحدى المستويات الأوليّة من التأثير المتبادل بين الثقافات المتجاورة ومحاولات "رتق الهوية السورية الممزّقة"

بواسطة z.ujayli
170 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

أعاد نشر مجموعة من الأغاني التراثية السورية في أغنية واحدة من قبل جهات سوريّة، النقاش مرة أخرى حول أهمية إعادة تعريف التنوع في السياق السوري، ففي الوقت الذي قام مشروع تناغم سوريّة وبدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP بإعداد كورال تحت اسم “وصلة تراث سورية” جمع فيها مجموعة من الأغاني التراثية التي تعبر عن مناطق جغرافية مختلفة في سوريا بلغة واحدة ولهجات سوريّة مختلفة، نشرت مؤسسة ولات للفنون (Hunergeha Welat) أغنية تراثية سورية أخرى تحت اسم “ألحان منسية” بلغات مختلفة تتحدث بها المجموعات الأهلية القاطنة في شمال شرق سوريا. حيث تمّ إنتاج الأخير بدعم من هيئة الثقافة والفن التابعة للإدارة الذاتية.

لقد شكّل العام 2011 وما تلاه من أحداث، فترة زمنية مفصلية في تاريخ الدولة السورية الحديثة، فقد ساهمت الاحتجاجات التي عمّت البلاد، كجزء من الموجة التي اجتاحت دول متعدّدة والتي اصطلح على تسميتها باسم “الربيع العربي”، بدورٍ مهمٍّ في بروز الثقافات التي تمّ تهميشها بالقوة، والتي طالما عملت الحكومات السورية المُتعاقبة على إنكارها، بل ودأبت منذ خمسينيات القرن الماضي إلى طمسها عبر مجموعة من السياسات التمييزية، عوضاً عن محاولة فتح نقاشات حقيقية متعلّقة بالهوية الوطنية الجامعة للسوريين، حيث اكتشف الكثير من السوريون/ات وخاصة في العام 2011، أنْ لا هويّة وطنية جامعة لهم، ولا معبّر عن هذه الهوية بمختلف تجليّاتها.

خطوات غير حقيقية باتجاه الشمولية والتضمين في سوريا:

لقد دفعت الانقسامات السياسيّة في المشهد السوري منذ العام 2011، معظم أطراف النزاع، إلى التباري في محاولات إبراز حضور ممثّلي الطوائف والإثنيات المختلفة في سوريا، وخاصة الأقليات الدينية والقومية، ضمن صفوف الوفود التي تمّ تشكيلها لتمثيل تلك التيارات السياسية. ورغم عدم فعالية الحضور وشكليّته في معظم الأحيان، إلاّ أنّ هذه المحاولات لم تقتصر على الجانب السياسي والعسكري، بل تسرّبت إلى مستويات أخرى ثقافية وفنّية أيضاً.

فقد بتنا نلحظ وللمرة الأولى أغانٍ كردية وسريانية على شاشات التلفزيون الرسمي الحكومي السوري وبعض الوسائل الإعلامية المعارضة، وحديثاً عن “عيد النوروز” الذي يحتفل به الكرد بشكل خاص في سوريا، و”عيد آكيتو” الذي يحتفل به السريان الآشوريين، إضافة إلى استعراض فرق فلكلورية ترقص تعبيراً عن هويّة مغايرة، لم يعتد عليها السوريون/ات ضمن لوحة ظلّت منقوصة في القسم الأطول من عمر الدولة السورية منذ إنشائها بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية.

لم تستطع الحكومات السورية المُتعاقبة، ولاحقاً أطراف سياسية معارضة، تقبّل فكرة التنوّع والاختلاف بما يعكس تمثيل ذلك التنوع في تركيبتها بشكل حقيقي، لذا لجأت إلى حالة من النكران حيالها أحياناً، والاستعاضة بعمليات تمثيل زائفة في أحيان أخرى.

لكن، وبعيداً عن الأطراف السياسية التي كانت ممارساتها في إبراز قيم التنوّع نابعة من قناعة غير مكتملة ومضلّلة في أحايين كثيرة، فإنّ بروز المشاريع الثقافية الخاصة وبروز أدوار ضمن المجتمع المدني السوري العام، كان له الدور الأبرز في منح التنوّع قيمة أكبر، وجعلها أحد القيم التي يمكن معها الحديث عن سوريا حقيقية معبّرة عن جميع السوريين/ات.

لقد ظهرت عشرات الإذاعات الخاصة وبلغات مختلفة عرضت وتعرض القيم الثقافية المختلفة لمختلف المكوّنات الإثنية الدينية والعرقية والثقافية، وتمّ إصدار المجلات والصحف والمواقع الإلكترونية ومشاريع تعكس قيما ثقافية متنوّعة، لكن وبسبب الفشل السياسي الذريع بين الأطراف المتصارعة في تكوين هويّة سوريّة جامعة، فقد انعكس ذلك أيضاً على مختلف المشاريع الثقافية المختلفة، عاكسة عدم الإيمان الكامل بأنّ التنوّع الثقافي هو طوق النجاة وسط جميع المحبطات في الحالة السياسية ومن خلفها العسكرية في المنطقة.[1]

نموذجان عن التنوّع الفلكوري السوري:

يُمكن التحدّث عن والوقوف على عشرات النماذج التي تعكس قيمة التنوّع الثقافي، وبالتالي تقييمها في ضوء تمثيلها الفعلي لثقافة متنوّعة ومعبّرة عن حالة الاختلاف والتنوّع التي تتشكّل منها سوريا بالفعل.

هنا سنتوقّف على مشروعين ثقافيين يُحاولان عرض ثقافات متنوّعة لمكوّنات إثنية مختلفة، في محاولة لعرض قيمة الاختلاف في تمثيل الهوية الجامعة، أحد هذه المشاريع هو كورال بعنوان “وصلة تراث سورية” ضمن مشروع “تناغم سورية” برعاية برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، والثانية أغنية بعنوان (ألحان منسية) من إنتاج مؤسسة ولات للفنون (Hunergeha Welat) بدعم من هيئة الثقافة والفن التابعة للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وتسعى الأغنيتان إلى إبراز الثقافات السورية المختلفة عن طريق الأغاني والتي تعبّر عن سوريا المتنوّعة.

لكن لنتوقّف على بعض النقاط التي تتناولها الأغنيات من خلال عرض بعض التفاصيل في المشروعين، وهما مشروعان ضخمان يهدفان إلى “تعزيز التماسك المجتمعي” والتعبير عن الثقافة الغنائية المتنوّعة لسوريا المتنوّعة.

أ. عمل “وصلة تراث سورية” ضمن مشروع “تناغم سورية”

هذه الأغنية تم إنتاجها برعاية برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP في اللاذقية، بالتعاون مع فرقة كورال (غاردينيا) تحت شعار (صوتي وصوتك مسموعين) بهدف دعم السلام والتماسك المجتمعي عن طريق الموسيقا والأغاني التراثية، كما صرّح القائمون على المشروع.

وبحسب القائمين أيضاً، فهو مشروع على مستوى سوريا، ويهدف لدعم التماسك الاجتماعي في سوريا، ونشر أفكار وقيم السلام والمحبة بين أفراد المجتمع السوري كافة.

بدأ المشروع على شكل ورشات تضم المحافظات السورية كلها، وانطلق من المنطقة الجنوبية (دمشق ودرعا والسويداء وريف دمشق والقنيطرة)، ثم انتقل إلى حمص وحماه، وهناك ورشة خاصة بمحافظات الشمال (الرقة ودير الزور والقامشلي والحسكة).

تشكّل المشروع بتنفيذ أغانٍ مختلفة في كلّ مرة، لتنتهي بحفل كبير في دمشق بدار الأوبرا، وأخيراً وكما يقول القائمون عليه (سورية قوس قزح وبلد التنوع، حيث الإنسان هو الأساس).

رأي “سوريون” في مشروع “وصلة سورية”:

إنّ الأغنية تتناول مختلف اللهجات المختلفة عبر أداء أغانٍ فلكلورية للمحافظات السورية، حيث تعكس إرث هذه المحافظات، وتتناول الأغاني في مشروع “وصلة سوريّة” مكون محدد من مناطق شمال شرق سوريا (محافظات دير الزور والرقة والحسكة) عبر مجموعة أغانٍ باللغة العربية هي (قوم درجني وامشي قدامي – رواح يمّا عالحليب رواحي – بين الرقة ودير الزور – ياردلي ياردلي سمرا قتلتيني).

وتعكس هذه الأغاني جزءاً مهمّا من تراث هذه المناطق وثقافة الفرات والخابور، إلا أنّها لم تتناول اللغات المختلفة الأخرى المتواجدة في المنطقة أو حتى في باقي سوريا، حيث لم يتمّ عرض أغانٍ تعبّر عن الفلكلور الكردي والسرياني ولا كذلك الأرمني والشركسي والتركماني.

إنّ المشروع ككلّ تناول الاختلاف الجغرافي في سوريا، لكن على مستوى اللهجات المختلفة لهذه المحافظات وبلغة واحدة، دون أن يتناول اللغات المختلفة للإثنيات العرقية المختلفة، التي تحمل تراثاً وفلكلوراً غنياً ومختلفاً بذات الوقت، لتأتي الصورة منقوصة، فمثلاً يعتبر القائمون على المشروع أنّ أغنية “ياردلي” تعبر عن الحسكة، في حين أنّها لا تعكس سوى عن جزء من فلكلور المنطقة، وهو فلكلور مهم لمكون مهم لا شكّ، لكنه غير معبّر عن محافظة بغنى الحسكة من حيث التنوّع، وكذلك أغنية “رواح يما” التي تعبر عن ثقافة الفرات بشكل كبير، لكنّها تغفل التراث الأرمني والشركسي والكردي.

فالمشروع تناول التنوّع الجغرافي عبر تنوّع اللهجات العربية، دون أن يكون هناك ما يمثل اللغات المختلفة للمكونات المتوزعة على عموم الجغرافية السورية، والتي هي بطبيعة الحال ثقافات مختلفة وتمثّل مع مجموع اللغات واللهجات الأخرى الهوية السورية الجامعة، وهو ما يجب الوقوف عنده في عموم المشاريع القادمة والتي تخصّ عموم سوريا وجميع السوريين/ات.

ب. أغنية بعنوان (ألحان منسية)، ضمن فيديو كليب:

هذه الأغنية هي من إنتاج مؤسسة ولات للفنون (Hunergeha Welat) وبدعم من هيئة الثقافة والفن في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وهو عمل بعنوان (ألحان منسيّة) يجمع بحسب القائمين بين “شعوب شمال وشرق سوريا” جميعها؛ وذلك بمشاركة ستِّ فرق شعبية تمثّل الفلكلور الخاص لكلّ منها، ويجمع اللغات الستة “الأرمنية، والكردية، والشركسية، والسريانية، والعربية، والتركمانية” وشملت الأغنية الشعبية ألحاناً متنوّعة، لأغانٍ تراثية للشعوب كافّة، إضافة للرقصات والدبكات الجماعية المتنوعة التي قدّمتها الفرق الشعبية المُشاركة.

ويهدف العمل بحسب القائمين إلى إضفاء الطابع الشخصي الذي يميّز كلّ شعب من خلال العادات والتقاليد والزي الشعبي والرقصات والدبكات المتنوعة، التي تقدمها هذه الفرق الشعبية لإحياء التراث الفلكلور الثقافي، الذي يجمع بين أصالة الشعوب، وتاريخ حضارة شعوب المنطقة، وكذلك التأكيد على تآخي الشعوب والوحدة في المصير المشترك، والتأكيد على مبدأ أخوة الشعوب.

رأي “سوريون” في أغنية “ألحان منسية”

إنّ المشروع يتناول أغاني فلكلورية مختلفة للمحافظات الثلاث (الحسكة ودير الزور والرقة)، حيث تعكس ست ثقافات مختلفة بست لغات مع أداء باللباس الفلكلوري لهذه الثقافات والإثنيات المختلفة، وفرق مختلفة هي (فرقة يرثوثا السريانية – وآلبروز الشركسية – وفرقة الرقة والطبقة للفنون الشعبية وكومينا كوفندا روج آفا وفرقة جياي كرمينج وفرقة سرحد، وفنانين تركمان وأرمن).

يعكس هذا المشروع جميع اللغات التي يتحدث بها الأهالي من مختلف الثقافات في شمال وشرق سوريا وبلغاتها الأصلية المختلفة. وهي تمثّل التنوّع اللغوي في المنطقة، والتنوع الثقافي في ذات الوقت. وهو لا يمثّل المناطق السورية جميعها بطبيعة الحال، حيث أنّه حاول تمثيل المجموعات الأهلية في منطقة واحدة (بحسب القائمين على المشروع) ونجح العمل إلى حدّ كبير. ولكنّه، وفي نفس الوقت لم يضمّ فرقة من دير الزور، رغم أنّ فرقة الرقة والطبقة تعبران عن ثقافة الفرات بشكل عام، إلا أنّ هنالك نوع من التمايز الغنائي بين المحافظتين التي تجعلان من اختلافهما غنى في اللوحة التي تعرض ثقافة المنطقة، وهو ما يمكن تفاديه في المشاريع المقبلة.

كيف لعبت الأحزاب السياسية السورية الدور الأكبر في طمس التنوّع:

برزت السياسة القومية في سوريا، مع ظهور الأحزاب ذات الطابع العرقي، وكان على رأس تلك الأحزاب، حزب البعث العربي الإشتراكي، ولعب تحرّكه في فضاء العاصمة دمشق أثراً في الوصول إلى مراكز القرار، التي أفضت بعد عدة انقلابات إلى تسلّم حزب البعث لزمام السلطة منذ مطلع ستينيات القرن الماضي، وكردّ فعل على تصاعد الحركة القومية العربية في سوريا كان هناك تصاعد قومي لدى المجموعات العرقية الأخرى مثل الكرد والسريان الآشوريين خاصة وبطبيعة الحال لدى القوميات الأقل حضوراً.

انعكست هذه السياسات في سوريا على تكوين هوية سورية ذات صبغة عربية فقط، تزامناً مع إنكار التمظهرات الثقافية للقوميات الأخرى غير العربية. وتجلّى ذلك أكثر بأكثر إبان تسلّم البعث لزمام الأمور، فتم منع تعليم اللغات الكردية على سبيل المثال، فضلاً عن أي أنشطة تبرز خصوصيات القوميات خارج العربية، فغابت عن وسائل الإعلام (الإذاعة – التلفزيون – الصحف – المجلات) المملوكة للحكومة أية مظاهر ثقافية دالة على الغنى الثقافي، كما تمّ طمس أية مؤشرات لسوريا متنوّعة، فبدأت المناهج الدراسية إلى تناول سوريا ذات وجه واحد هو وجه الثقافة المتسيّدة والتي عمدت لصالحها إلى إبادة ثقافية ممنهجة للثقافات المتنوّعة الموجودة.

لم تستطع الحكومات المتعاقبة في سوريا إدارة التنوّع، أو أنّها لم ترغب في إبراز المُنتج الثقافي كحالة تنوّع تُغني اللوحة التي تتكوّن منها سوريا، ولم تكن راغبة حتى في إبراز قيمة ثقافية خارج الإطار الذي رسمته في حدودها، فعدا عن قمعها لحالة التنوّع الثقافي فإنّها عمدت إلى تكريس مركزية في كلّ شيء، فاللغة العربية كانت مركزيّة الثقافة والتنوّع اللغوي، واللهجة الدمشقية مركزية التنوّع اللهجاتي في سوريا، فمع الأولى تم قمع الكردية كلغة ثقافية مغايرة وحصر السريانية كلغة كنسية وعدم منحها أدوارا ثقافية، ومع الثانية تم قمع لهجات كاللهجة البدوية (الشاوية) وغيرها من اللهجات السورية، ولم تبرز إلا لاحقا وبطريقة تدلّ على إقصاء وتهكّم في سياق حضورها الخجول.

فلم يحدث في تاريخ الإذاعة السورية الرسمية أن أذاعت أغنية كردية أو سريانية أو حتى تركمانية أو شركسية، وإن لجأت في حدود ضيقة إلى الحديث عن السريان مثلا فكان يتم الحديث عنهم كأقلية دينية مسيحية، لذلك لم يتم التركيز على كونهم مكوّنا مستقلا قادرا على إغناء اللوحة السورية، فسوريا إذن وخلال العقود السابقة، لم تفلح في إدارة التنوّع الثقافي، لا لأنّها لم تكن تملك مشاريع في هذا المجرى فقط، بل لعدم رغبتها في ذلك أصلاً.

خلفية تاريخية:

كان لرسم خريطة الدولة السورية وتموضعها على الخرائط الدولية كأحد نتائج تفتت الإمبراطورية العثمانية ولاحقاً لاتفاقية سايكس بيكو حظاً وافراً من التنوّع في كلّ شيء، فتعدّ سوريا ذات تنوّع جغرافي غني ففيها السواحل والجبال والأنهار والوديان والصحراء، وهي في الوقت نفسه ذات موارد غنية مختلفة، لكن الأهمّ، هو أنّها كانت ولا تزال غنيّة من حيث الإثنيات الدينية والقومية، ففيها العرب والكرد والسريان الآشوريين والأرمن والشركس والتركمان كقوميات وفيهم المسلمون والمسيحيون والإيزيديون واليهود كديانات، ومختلف الطوائف كالسنة والعلوية والشيعة والإسماعيلية والمرشدية والدرزية والكاثوليك والأرثوذوكس وغيرهم، لكن لم يُنظر إلى هذا التنوّع دوماً كقيمة جمالية إضافية للتنوّع الجغرافي وتنوّع الموارد، ولم تتم محاولة النظر في كيفية خلق هوية سوريّة تستطيع استيعاب الجميع كمواطنين سوريين أولاً.

لقد ترافق استقلال سوريا من الانتداب الفرنسي، مع صعود الفكر القومي المُغالي في العالم بشكل عام، ظهر أوجه في سيطرة النازية على ألمانيا النازية 1933 والفاشية على إيطاليا 1922. كما صعدت النزعة القومية التركية خلال فترة الكمالية 1923، والقومية الفارسية في ظلّ حكم الشاه الأب والابن بداية فترة العشرينيات من القرن الماضي، وهو ما ألقى بظلاله على النزعات القومية الأخرى في بلدان كسوريا والعراق وتحديداً القومية العربية، وبالتالي تحوّل هذا الحراك إلى محاولات صهر الأقليات العرقية في وعاء القومية المتسيّدة.

إنّ النتاج الثقافي الذي ولد بعد نشوء الدولة السورية الحديثة، لم يعكس جميع الثقافات الموجودة في سوريا، كنتيجة طبيعية لعدم الاعتراف بالإثنيات والأقلّيات السوريّة غير العربيّة منها على وجه الخصوص، فغابت الثقافة الكردية والسريانية الآشورية والأرمنية والشركسية والتركمانية من المسارح ودور السينما وشاشات التلفاز، بل اقتصرت على لون وثقافة واحدة، كإحدى أبرز الأدلة على الإبادة الثقافية ضدّ الثقافات التي تمّ تهميشها بالقوة في سوريا منذ خمسينيات القرن الماضي.

خاتمة:

إنّ التنوّع الثقافي وإدارة هذا التنوّع هو أحد الأدوات التي يمكن العمل عليها لتكون معبّرة بحق عن هويّة سورية جامعة، في ظلّ تنكّر لحقيقة أنّ هذا التنوّع من شأنه تحقيق هذا الموازي الثقافي لسوريا تعدّدية ديمقراطية يحتفظ فيها كل مكوّن على خصوصياته وقدرتها على إغناء الحالة الثقافية العامة، ومن شأنها تقريب الأطياف المختلفة للمجتمعات السورية، وذلك فيما إذا تمّ العمل على هذا التنوع بشكل حقيقي. لذا ينبغي العمل عليه من قبل جميع الأطراف لتحقيق هوية وطنية موازية للتنوّع الإثني في سوريا.

وتعدّ المشاريع الثقافية والغنائية إحدى المستويات الأوليّة من التأثير المتبادل بين الثقافات المتجاورة، وإشارة إيجابية إلى الرغبة في الانفتاح الذي سوف يعزز من ثقافة المواطنة المتساوية التي ترى فيها “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” البلاد والصورة التي التي يجب إظهارها للعالم المتحضّر.

[1] من الأهمّية بمكان الإشارة إلى أنّ معظم المبادرات التي تشكلت بعد العام 2011، وخاصة في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة السورية، خضعت لقوانين قوى السيطرة المختلفة، ولم تُنشأ نتيجة تعديلات في القوانين السورية الرسمية المعمول بها في مناطق سيطرة حكومة دمشق.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد