Home صحافة حقوق الإنسان تذكروني: أنا مَلك خليل إيبو

تذكروني: أنا مَلك خليل إيبو

"كانت وصيتها الأخيرة أن يطاف بجثمانها في صحن دارها، المستولى عليه"

by communication
533 views تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع
صورة خاصة بسوريون من أجل الحقيقة والعدالة تُظهر السيدة الكردية مَلك خليل إيبو في حقول الزيتون في عفرين قبل وفاتها

بين مرارة النزوح إلى مخيمات نائية، بريف حلب الشمالي، وتجرّع الحسرة على ممتلكاتها المستولى عليها في قرية علي جارو/جاريه، التابعة لناحية بلبل بريف عفرين، قضت السيدة الكردية، مَلك إيبو، سنواتها الخمسة الأخيرة قهراً، قبل العودة إلى منزلها، ولكن، جثة مُحمَّلةً على الأكُف.

فمنذ سيطرة فصائل المعارضة السورية، التي تتحكم بها تركيا، على عفرين في آذار/مارس عام 2018، تشتت شمل عائلة “مَلك” كحال عشرات آلاف العائلات في منطقةٍ، كان الكُرّدُ يشكلون الغالبية الساحقة من سكانها، قبل ذلك.

ملك خليل إيبو (63 عام)، أرملة المرحوم عبد المنان إبراهيم؛ لديهما سبعة أولاد متزوجين، قضت ثلاثة أعوام نازحة بمنطقة الشهباء، وعادت صيف عام 2021 إلى قريتها، وكلها أملٌ باستعادة ممتلكات عائلتها، من فصيل صقور الشمال“، بهذه الكلمات لخّص كمال علي (اسم مستعار)، جزءاً من معاناة عائلةٍ تربطه بها قرابة، فضل عدم كشفها.

و”صقور الشمال” هي ميليشيا مسلّحة، مدعومة من تركيا،  وثقت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” في تقرير لها، استغلاله لمنازل نازحين كرد، كمصدر تمويل، بعد تأجيرها لنازحين سوريين من مناطق أخرى، تمّ تشجيعهم للقدوم إلى عفرين، قبل ذلك.

يقول “كمال” إن عائلة “ملك” كانت ميسورة الحال، قبل خسارة جميع ممتلكاتها جراء النزوح بسبب عملية “غصن الزيتون” العسكرية عام 2018، وقد دفع سوء حالتهم الاقتصادية، قريبته المسنة إلى المخاطرة والعودة إلى قريتها بمنطقة عفرين، حيث يسود فلتان أمني، منذ أن تقاسمت الفصائل الإسلامية المسلّحة النفوذ فيها، قبل خمس سنوات.

مشهد رحيل.. جانٍّ وضحية:

في السابع من تشرين الثاني/نوفمبر 2023، تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي تسجيلاً مصوراً، يُظهر مدنيين بريف عفرين، وهم يحملون جثماناً على أكتافهم، يصعدون به إلى شرفة منزل، حيث يسمع عويل نساء يبكين بحرقة، فيما تصرخ إحداهن بالغة كردية وهي تقول: “هذا منزلك يا خالتي، هذا منزلك، ويا لحسرتي، لم تدخليه إلا بعد وفاتك“.

مشهد الرحيل هذا، وانتشاره اللاحق عبر وسائل إعلام، كشف المأساة التي عاشتها ملك وعائلتها، “واختصر قصة عفرين مع فصائل، دخلتها قبل خمس سنوات، وما تزال تمارس بحق سكانها الكرد، كل صنوف الانتهاكات“، وفق ما يقول كمال.

ويضيف الشاب في شهادة حصرية لـ”سوريون” : “كانت وصيتها الأخيرة أن يطاف بجثمانها في صحن دارها، المستولى عليه، ذلك أنها لم تستطع دخوله، وهي على قيد الحياة“.

ويُوضح كمال أنّ المدعو “أسمر أبو العز” القيادي في فصيل صقور الشمال، الذي ظهر خلال التسجيل، واقفاً، مكتوف اليدين، هو من استولى على منزل عائلة ملك وجزءاً من أراضيهم، وإنه ما كان ليسمح أيضاً بإدخال جنازتها، لو لا تدخل وجهاء من القرية“.

وتبعاً لقناة روداو الناطقة باللغة الكردية، فإن “أبو العز”، يتحدر من منطقة الغاب بريف محافظة حماه، فيما يقول سكان من قرية “علي جارو” إنه استولى على منازل أخرى، فضلاً عن منزل عائلة “ملك”، وأنه الآمر الناهي والمتحكم بمصير القرية، ومن يسكنها من المدنيين.

مدنيون يطوفون بجثمان السيدة الكردية “مَلك خليل إيبو” في صحن دارها المستولى عليه، استجابة لوصيتها قبل وفاتها.

وبحسب كمال، فإن عدد عائلات قرية “علي جارو” الكردية، كان يبلغ 65 عائلة، قبل الهجوم التركي على منطقة عفرين، عاد منها 15 عائلة فقط، لكن غالبيتهم ليسوا سوى كبار في السن، عادوا دون ذويهم، كحال مَلك إيبو. ويشير كمال إلى أن قريبته دأبت على المطالبة بمنزلها، طوال عامين، لكن القيادي كان يرفض إعادته إليها، بذريعة أنها “امرأة من غير مَحرم“، ورغم أن منزل أخيها يقع قبالة منزلها، إلا أن “أبو العز” كان يشترط عودة أحد أبنائها، لإعادة المنزل إليه.

وبحسب لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسوريا في تقرير لها نُشر في منتصف العام 2023، فإن “أرملة مسنة أخرى من منطقة عفرين، أجبرت على البقاء ثلاث ليال في الشارع بعد أن طردها فصيل فيلق الشام من منزلها، كما وصفت إحدى النساء كيف أنها لم تتمكن من استعادة منزلها بعد أربع سنوات ولم تتلق أي تعويض. وعندما اتصلت بآلية التحكيم المحلية للمطالبة بمنزلها قيل لها: انت تعيشين وحدك، وأنتِ لست بحاجة إلى منزل لك وحدك“. وتذكر اللجنة الأممية المعنية بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا منذ العام 2011، إن امرأة أخرى في عفرين وصفت لها، “كيف قام أحد مقاتلي أحرار الشرقية بمصادرة منزلها، وكيف أنها ظلت غير قادرة على استعادة ممتلكاتها بعد عدة سنوات. وعندما شرحت لهذا المقاتل أنها هي نفسها صاحبة المنزل وليس زوجها، ذُهل هذا المقاتل من إمكانية أن يكون العقار مملوكاً لامرأة“.

رحيل دون وداع:

قبل أيام من وفاتها قصدت “ملك” مركز ناحية بلبل، لتقديم شكوى ضد قيادي “صقور الشمال”، ذلك أن “عناصره، كانوا قد اقتحموا بستانها ومنعوها والعمال المتواجدين معها، من استكمال قطاف الزيتون، وأخبروها أن الفصيل هو من سيقوم بقطاف الزيتون، ومن ثم سيقوم  بتوزيع المحصول على السكان“، بحسب كمال.

ورغم إصدار القيادتين العسكرية والمدنية، لفصائل المعارضة السورية، تعاميم تقضي بمنع تحصيل أيّ ضرائبَ من المزارعين خلال موسم الزيتون، إلا أن ذلك لم يمنع “أسمر أبو العز” من تقاسم الموسم مع سكان قرية علي جارو، حيث يؤكد كمال إن: “أسمر” يسمح للعائلات الكردية عادة، بجني محصولهم، “شريطة أن يشاركوه نصفه أو نسبة تفوق ذلك“.

عقب حادثة الهجوم على بستانها، أصيبت “ملك” بجلطة دماغية، أحالتها عدة أيام لإحدى مشافي عفرين، وتقول عائلتها: “إنها لم تكن تشكو من أية أمراض، وأن صحتها كانت على ما يرام، إلا أنها حدثتهم مؤخراً، عن قلق مصحوب بآرق أصاباها“.

وتقول ابنتها النازحة مع عائلتها بمنطقة الشهباء، أن والدتها أجرت اتصالاً معها صباح ذلك اليوم، واخبرتها أنها اقتربت من “تحويش” الزيتون، وستقوم ببيع الزيت في المعصرة فوراً، ذلك أنها لا تستطيع جلب محصولها إلى منزل أخيها حيث تقيم؛ خشية أن يتعرضوا لعملية سلب أو لتهديد ما من جانب الفصيل المسيطر.

باستثناء ابنتها المقيمة في عفرين، غاب جميع أبناء “ملك”، عن مراسم وداع والدتهم إلى مثواها الأخير، عن ذلك يعلق كمال: “لم يكن في مقدورهم المجازفة، وهم يعلمون أن مأساة أخرى، غير فقدان والدتهم، قد تكون هناك في انتظارهم، إن عادوا إلى عفرين“.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد