الرئيسية مشاريع المنظمة العملية الدستورية في سوريا: كيف يمكن الاستفادة من تجربة البوسنة والهرسك؟

العملية الدستورية في سوريا: كيف يمكن الاستفادة من تجربة البوسنة والهرسك؟

الطريق نحو دستور سوري جديد: كيفية الاستفادة من تجارب الدول الأخرى (3)

بواسطة communication
153 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

مقدمة:

قامت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” وبدعم من “الصندوق الوطني للديمقراطية NED” بتنظيم وتيسير عدد من الجلسات الحوارية، تحت عنوان “الطريق نحو دستور سوري جديد: كيفية الاستفادة من تجارب الدول الأخرى”.

هدفت هذه الجلسات الحوارية إلى إطلاع مجموعة متنوعة من السوريين/ات على تجارب أربع دول مختلفة، منها بلدان يبدو أنّها نجحت إلى حدّ ما في التعامل مع قضيّة التنوع والتضمين/الشمولية وعدم التمييز أثناء عملية وضع الدستور، ودول يمكن اعتبار تجربتها كانت ناجحة جزئياً، ودول أخرى تمّ تقييم تجربتها على أنها تضمنت خطوات تمييزية وإقصائية ضدّ فئات معينة من مواطنيها.

جاءت فكرة هذه الحوارات، كاستكمال لفكرة لقاءات أخرى بدأت في العام 2020، تحت اسم “أصوات سورية لدستور يشمل الجميع”، والتي هدفت إلى تعزيز عملية صياغة دستور سوري أكثر شمولاً، بما يضمن تمثيل المجتمعات المهمشة والأقليات جنباً إلى جنب مع باقي السوريين/ات. وصدرت مجموعة من الأوراق تمحورت حول: (1) آلية تشكيل وعمل اللجنة الدستورية السورية؛ (2) قضية الشمولية/التضمين والتعددية؛ (3) العدالة الانتقالية والعملية الدستورية في سوريا؛ (4) الحوكمة والنظم القضائية؛ وأخيراً (5) العدالة الاجتماعية – الإيكولوجية والتجارب الشخصية.

لقد توزعت الفئات المستهدفة في جلسات المشروع الذي تمّ تنفيذه في العام 2021 في مناطق شمال شرق سوريا وغربها بشكل أساسي، مع مراعاة التنوع الجندري والاثني، فقد تم إشراك النساء إلى جانب الرجال، والكرد إلى جانب العرب والايزيديين والآشوريين والأرمن والسريان وغيرهم من المجموعات العرقية المختلفة. وتمّ التركيز بشكل خاص على الأفراد الذين لم يشاركوا/ن في أي اجتماعات مماثلة حول العملية الدستورية في سوريا.

وكجزء من المشروع، نُشرت ورقة تعالج التجربة الدستورية في العراق، وأخرى تعالج التجربة الدستورية في لبنان، وتركّز الورقة هذه على تجربة البوسنة والهرسك، على أنّ يتم نشر ورقة إضافية لمناقشة تجربة تركيا. تهدف أوراق المشروع إلى التعريف بهذه التجارب، ودراسة بعض جوانبها ذات الصلة بالسياق السوري وبالتالي الخروج بتوصيات أكثر صلة حول كيفية صياغة دستور سوري جديد أكثر توازناً وشمولاً، من خلال إدماج الأقليات وإشراك أوسع لهم في العملية الدستورية في سوريا.

تقدّم “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” هذه الورقة الخاصة بالتجربة الدستورية للبوسنة والهرسك والتي أُعدَّت بعد نقاشات عديدة بين المشاركين في الجلسات الحوارية وعدد من الأكاديميين والخبراء حول هذا الموضوع.

 الدستور كعقد اجتماعي:

بالنظر الى الواقع السياسي في الكثير من الدول وأهم الأحداث فيها، كالحروب والنزاعات الداخلية والثورات، التي تلت نشوء العديد من البلدان بعد سقوط ممالك وامبراطوريات أو استقلالها من الدول المستعمرة، بدا من الواضح أن الهويات الوطنية المصطنعة حديثاً في هذه الدول بحدودها السياسية الحالية لم تمثل كل فئات المجتمع بسبب تنوعها الشديد، ولم تتسق مع رغبات جميع شعوب المنطقة، بل عكست في معظم الأحيان الهوية القومية للغالبية الأقوى التي فرضت على باقي فئات المجتمع. وتزامن ذلك مع محاولة محو هوية باقي الأقليات والفئات الضعيفة الأخرى، وصهرهم في هوية قومية غير هويتهم الأصلية. وهو ما أدى إلى خلق صراعات على شكل حركات انفصالية، وحروب أهلية، لا زلنا نشهدها أو نشهد تبعاتها في معظم هذه الدول.

فخلال العقد الماضي، شهدنا عدد من الاستفتاءات التي دعت للتصويت على استقلال أقاليم ومناطق متعددة حول العالم للمطالبة بحقها في تقرير المصير كما في كتالونيا واسكوتلندا وإقليم كوردستان العراق، وقد أعقب ذلك تبعات سياسية واقتصادية قاسية على الشعوب التي نادت بتقرير مصيرها.

مواضيع عديدة أخرى كاحتكار الهوية الوطنية من قبل فئة معينة دون غيرها وفرض شكل محدد من الهوية على الآخر المختلف أو الاستحواذ والانفراد بالسلطة وغيرها من جذور المشاكل العالقة في معظم الدول التي ظهرت (بشكلها الحالي) في النصف الأول من القرن الماضي (من بينها سوريا والعراق وتركيا وإيران) كلها قضايا ذات أبعاد دستورية لا بد من فهمها قبل البحث عن أي حلول لها، وأي حلول مقترحة لتلك القضايا لابد لها أن تتضمن معالجة دستورية عميقة قبل كل شيء.

كيف استطاعت الديكتاتوريات في كل من سوريا والعراق وغيرها من البلدان من الحكم لعقود دون منافس حقيقي؟ هل هكذا سلطة تعتبر شرعية وكيف يمكننا قياس ذلك؟ أين تكمن شرعية السلطة، من أين تستمد ومتى تفقد؟ ما المقصود به من مفهوم “سيادة القانون” وكيف يمكن تحقيقه؟ ما المؤسسات المطلوبة؟ وما القوى والسلطات التي يمكن أن يتمتعوا بها؟ وما دور المواطن ومفهوم المواطنة في كل ذلك؟

تم طرح الأسئلة أعلاه، لتكون محوراً للنقاش والذي من خلاله كان السعي إلى خلق فهم أعمق لمفهومي “الدستور” و”شرعية السلطة”، وذلك قبل الخوض في رحاب التجربة الدستورية للبوسنة والهرسك لاستخلاص ما يمكن الاستفادة منه أو تلافيه في أي تجربة مستقبلية لصياغة دستور سوري يتناسب مع قيم القرن الواحد والعشرين ويحترم مبدأ سيادة القانون كأساس لشرعيتها.

قبل البدء بمقارنة التجارب الدستورية للدول والخوض في ما تتضمنها تلك الدساتير من مفاهيم ومعايير وحقوق أو حريات، كان من المفيد جداً العودة إلى النظريات والتيارات الفكرية التي تعتبر أصول الدساتير الحديثة. ولعل القرن السابع عشر للميلاد هي نقطة البداية الأنسب لخدمة الغاية المرجوة من هذا المشروع.

في النصف الثاني من القرن السابع عشر، ظهرت عدة  نظريات اجتماعية وسياسية، عرفت فيما بعد بـ”نظريات العقد الاجتماعي”، والتي مهّدت لنشوء تيارات فكرية ذات تأثير عميق على مفاهيم السلطة والمواطنة والشرعية كما نعرفها اليوم. ومن أهم تلك النظريات، هي نظريات الفلاسفة البريطانيين: أمثال توماس هوبز[1] وجون لوك[2] إضافة إلى آخرين منهم الكاتب والفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو،[3] والذين استندوا إلى فرضيات مختلفة عن الطبيعة البشرية والنموذج الأمثل لمجتمع يتم فيه تحديد العلاقة بين الأفراد والسلطة بما يعرف بـ”عقد اجتماعي”، تستمد السلطة شرعيتها من خلاله، وتحديداً من هؤلاء الأفراد، وذلك بما يصون مصالحهم كأفراد أو جماعات بأفضل شكل ممكن. بعض تلك النظريات أسست لتيارات فكرية ألهمت وساهمت في صياغة مبادئ الثورة الفرنسية عام 1789 وكذلك الثورة الامريكية عام 1765.

المفهوم الحديث للدستور:

الغالبية العظمى، إن لم يكن الكل، من دول العالم لديها ما يسمى بـ”الدستور”، والذي يعتبر القانون الأسمى في تلك البلدان، وعلى الرغم من التقارب الشديد بين هذه الدول من حيث  فكرة وماهية الدستور بشكل عام، لكنها قد تختلف في شكلها وما تتضمنها من دولة لأخرى.

تتشكل الدساتير بعد الأحداث الكبيرة ذات التأثير على الهوية الوطنية (واعتبار مجموعة ما شعباً)، وغالباً ما تصاغ الدساتير في لحظات حاسمة في تاريخ المجموعات البشرية معتبرةً بداية جديدة تُعرف باللحظة الدستورية. وأفضل الأمثلة على هذه الأحداث الكبرى قد تكون الحروب، كالحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، أو الثورات وحركات الحرية والاستقلال، كالثورة الفرنسية التي ألهمت فيما بعد تشكيل الدساتير في جميع أنحاء أوروبا، والثورة الأمريكية التي أدت إلى الاستقلال عن القوة الاستعمارية والتي كانت حينها المملكة المتحدة. ومن أقرب الأمثلة للسياق السوري قد يكون ما سمّي لاحقاً بـ”الربيع العربي”.

وبعكس ما هو شائع، فإنه ليس بالضرورة أن يكون الدستور مكتوباً أو مجمّعاً في مستند واحد، إذ قد يستند إلى ما تتضمنه اتفاقيات دولية أو إقليمية ملزمة وكذلك أعراف أو عادات غير مكتوبة بالضرورة. فعلى سبيل المثال المملكة المتحدة لم يتمّ جمع قوانينها الدستورية في وثيقة واحدة بعد.

أما غالبية الدول فهي بالفعل تمتلك دستوراً جمع كتابةً في مستند أو وثيقة واحدة. عموماً هكذا مستند يكون جامداً ويصعب تعديله، ويتصف بطبيعة عليا إلى حد ما، كما ويقوم بتحديد شكل الدولة ونظام الحكم فيها. يتضمن ذلك على مجموعة من القواعد التي تحكم صياغة القوانين، وهيكلية الحكومة ومؤسساتها وفصل السلطات وتعيينها داخل الدولة.  بالإضافة إلى ما سبق، فإن إحدى أهم وظائف الدستور هي تحديد الحريات والحقوق الأساسية للأفراد وحمايتهم. ولكنه من الضروري الإشارة هنا إلى انه حتى في تلك الدول التي تمتلك وثيقة واحدة تسمى بالدستور فإن ما تنص عليه تلك الدساتير قد تختلف تماماً عن مثيلاتها في دول أخرى من حيث توزيع السلطات والفصل فيما بينها وتعيين الحقوق والواجبات المترتبة على الأفراد والمؤسسات، بالإضافة إلى تحديد شكل الدولة ونظام الحكم فيها.

الدستور وشكل الدولة ونظام الحكم:

لمعرفة شكل الدولة أو نظام الحكم الذي تبنته، لا بد من النظر إلى دستور ذلك البلد والاطلاع على كيفية توزيع السلطات داخل هيكلية الدولة. إذ يتكون هذا التقييم من خطوتين أساسيتين، ألا وهما: أولاً: توزيع القوى والسلطات بشكل عمودي أو رأسي بين المركز والأطراف، محددة بذلك شكل الدولة سواء أكانت مركزية أو لا مركزية على اختلاف درجاتها، كسوريا التي تعتبر دولة شديدة المركزية، حيث نرى كافة القوى والسلطات متمركزة في العاصمة، على عكس جمهورية العراق التي تبنت النموذج الفدرالي/الاتحادي. ثانياً: التوزيع والفصل الأفقي بين المؤسسات الأساسية في هيكلية القوى في الدولة، كالسلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية، وتحديد حجم القوى الممنوحة لها على حساب الأخرى من تلك المؤسسات، الأمر الذي يميز نظام الحكم فيما إذا كان على سبيل المثال، رئاسياً كما في الولايات المتحدة الأمريكية، أو برلمانياً كما هو الحال في هولندا وكندا وبريطانيا.

بعض هذه الدساتير تولي أهمية أكبر لمفهوم الهوية الوطنية من غيرها، وعادة ما تظهر على شكل قصة سردية في ديباجتها، كالدستور الصيني، وفي معظم الأحيان تكون هذه القصة تجسيداً لفكر فئة معينة في موقع السلطة دون غيرها من باقي فئات المجتمع الواحد. أما البعض الآخر فقد لا يحتوي حتى على ديباجة بل ويدخل مباشرة وبشكل عملي في صلب المواد التي تنص على الحقوق الأساسية، كالدستور الهولندي.

حرصت بعض الدساتير على إدراج مواد وفقرات غير قابلة للتعديل لحمايتها من التغيير أثناء التقلبات السياسية كرد فعل طبيعي على تجاربها التاريخية، كما في الدستور الألماني. حيث ينصّ في البند الثالث من المادة 79 على عدم السماح لطرح أو قبول أي تعديل على بنود الدستور المتعلقة بفدرالية الدولة الألمانية كاتحاد أو حق مشاركة كافة الولايات في العملية التشريعية.

وعليه فقد يكون من الضروري في بعض الأحيان لهذه الدساتير من التحلي بالصلابة أو الجمود كشكل من أشكال الحماية لبعض المفاهيم والمبادئ الأساسية من التغيير بسهولة، ولكنها قد  تستعمل أيضاً في تكريس سلطة شخص أو فئة معينة أو مفاهيم عنصرية أو تمييزية ضد أقليات أو فئات وأفراد آخرين ضمن تلك المجتمعات، مما قد تكون حتى سبباً في نشوء النزاعات في المستقبل بسبب التغييرات الاجتماعية والفكرية والسياسية. وهنا تكمن أهمية إدراكنا لمدى حساسية وصعوبة صياغة أو تعديل وثيقة كدستور بلدٍ ما بحيث تضمن مفهوماً أشمل وأعدل للمواطنة المبنية على المساواة واحترام الآخر وتكون صالحة في الحاضر والمستقبل في ظل مبدأ سيادة القانون.

خلفية عن البوسنة والهرسك:

تقع دولة البوسنة والهرسك في جنوب شرق أوروبا، تحديداً في منتصف شبه جزيرة البلقان. تجاوز عدد سكان هذه الدولة الـ 3.2 مليون نسمة عام 2020،[4] ويتكون شعبها من ثلاث مجموعات عرقية رئيسية ألا وهي؛ البوشناق ويشكلون حوالي %50 من الشعب، والصرب حوالي %30، والكروات حوالي %15 إلى جانب وجود مجموعات عرقية إقليمية بأعداد قليلة مثل اليهود والغجر. يُشار إلى المجموعات العرقية الرئيسية في دستور البلاد باسم “الشعوب التأسيسية”.[5] وتقسَّم الديانات الرئيسية في البلاد على أسس عرقية، فالبوشناق هم ذو غالبية مسلمة، والصرب هم في الغالب مسيحيون أرثوذكس، أما الكروات فمعظمهم من المسيح الكاثوليك.

تعرَّضت المنطقة، التي يطلق عليها اليوم اسم البوسنة والهرسك، للاحتلال عدة مرات عبر تاريخها، حيث رزحت تحت حكم الإمبراطورية العثمانية من القرن الخامس عشر إلى أواخر القرن التاسع عشر، و خلال الحرب العالمية الأولى وقعت المنطقة تحت سيطرة الإمبراطورية النمساوية المجرية. وبعد انتهاء هذه الحرب اتحدت البوسنة والهرسك مع مناطق مجاورة لها وأسسوا مملكة يوغوسلافيا. شهدت المنطقة أعمال عنف متواصلة كان سببها الاختلاف العرقي، وقد أدَّت عمليات الإبادة الممنهجة ضد الصرب واليهود والغجر إبان الحرب العالمية الثانية، عندما كانت البوسنة والهرسك تحت الاحتلال النازي، إلى خلق ذاكرة جمعية لدى هذه الاثنيات ولا سيما لدى الصرب، وكان من شأن هذه التوترات إثارة النعرات العرقية في وقت لاحق من تاريخ البلاد، بيد أنَّ هذه النعرات خمدت إلى حد كبير خلال الحرب الباردة حيث كانت المجموعات العرقية متحدة معاً في ظل جمهورية يوغوسلافيا. لكن لم يكتب لهذا الخمود أن يستمرَّ إلا لبداية الثمانينيات حيث اشتعلت نيران الانقسامات العرقية مرة أخرى تزامناً مع سيطرة الزعماء القوميين على الحكم. وقد شهدت منطقة البلقان زخماً في الحركات الانفصالية أواخر الثمانينيات وكانت سلوفينيا وكرواتيا أول من نجح في الحصول على الاستقلال. ويذكر أنَّ التسامح بين الأعراق انهار مع انهيار يوغوسلافيا في تسعينيات القرن الماضي.

حرب البوسنة 1992-1995:

إنًّ البوشناق هم أكثر من قام بحركات انفصالية في البوسنة، حيث كانوا يناضلون للتخلص من التمييز العرقي المتزايد ضدهم في يوغوسلافيا آنذاك. بيد أنَّ الصرب في المنطقة عارضوا إنشاء دولة بوسنية مستقلة، وذلك خوفاً على أنفسهم من أن يصبحوا أقلية، وبالتالي يفقدون السلطة الواسعة التي كانوا يتمتعون بها في جمهورية يوغوسلافيا. وفي الوقت الذي كان فيه البوسنيون يناضلون من أجل الاستقلال سارع الصرب إلى إنشاء مناطق حكم ذاتي في البوسنة وحينها أدرك الكروات أنَّ أرضهم تتعرض للتقسيم. وقبل إعلان هذا التقسيم رسمياً، شهدت البلاد استفتاءً عليه و لكنه في الحقيقة لم يكن نزيهاً، حيث تمَّت عرقلة التصويت في المناطق التي تقطنها غالبية صربية. في 3 آذار/مارس 1992، تمَّ الإعلان عن حكومة البوسنة المستقلة عن يوغوسلافيا. ورداً على ذلك، شنَّ الجيش اليوغوسلافي حملة عسكرية لتأمين الأراضي الصربية في المنطقة. وأعقب ذلك سلسلة من الأحداث تنطوي على تدخل عسكري صربي في مناطق أخرى من البلقان في الدول المستقلة حديثاً وكانت نتائج هذه الحركات مختلفة لكن النتيجة في البوسنة والهرسك كانت نشوب الحرب الأكثر فظاعة في أوروبا منذ الحرب النازية.

قامت القوات الصربية في سياق مسعاها لتأمين منطقة حكم ذاتي لها، بمداهمة قرى للبوشناق والكروات وطرد سكانها بالقوة والعنف والقتل. لقد ارتكبت القوات الصربية فظائع بحق هؤلاء السكان وصلت إلى حد التطهير العرقي، حيث أنشأت معسكرات اعتقال، ومواقع للإعدام الجماعي، وقامت بعمليات اغتصاب إلى جانب انتهاكات جسيمة أخرى. ومع انتشار أخبار حرب البوسنة في أوساط المجتمع الدولي سارع حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى التدخل، وذلك من خلال إسقاط طائرات صربية انتهكت منطقة حظر الطيران التي فرضتها الأمم المتحدة فوق البلاد، وشنّ غارات جوية ضد أهداف تابعة للصرب. وفي ذلك الحين، أعلنت الأمم المتحدة عن “مناطق آمنة” للبوشناق في البلاد. وإلى ذلك، تمكنت الضربات الجوية المتزايدة للناتو وقوات التحالف البوسني الكرواتي من إحضار القوات الصربية إلى طاولة محادثات السلام.

 اتفاقيات دايتون ودستور عام 1995:

الصورة (1): توقيع رؤساء صربيا وكرواتيا والبوسنة على اتفاقيات دايتون بيتر تورنلي – مصدر الصورة: Getty Images

بعد فشل محادثات السلام، التي تكرر انعقادها على مدار سنوات، في إيجاد أي حلول لفضّ الصراع، اتفقت جميع الأطراف على مناقشة وضع مسار واضح للسلام في عام 1995، وترأست الولايات المتحدة المحادثات النهائية في هذا الصدد والتي عقدت في قاعدة دايتون الجوية. تمخَّضت هذه المحادثات عن توقيع اتفاقية سلام وصياغة دستور جديد كامل للبوسنة والهرسك، وقد لعبت الولايات المتحدة الدور الأكبر في دفع سير اجتماعات دايتون، وغالباً ما كانت تتدخل في عملية صياغة الدستور بعد استشارة فريق من الفاعلين الدوليين.

إنَّ تحقيق التوازن بين مطالب البوشناق والصرب والكروات وتحقيق رؤيتهم لتقاسم السلطة وتلبية كل من مطالبهم الذاتية والأهداف الدولية في الوقت ذاته لم يكن بالأمر السهل، وكان من شأنه أن يؤدي إلى إنشاء دستور فريد. وعلى عكس تجربة كوسوفو، لم تتضمن عملية صياغة دستور البوسنة والهرسك أي مشاركة شعبية.

الصورة (2): مناطق البوسنة والهرسك. مصدر الصورة: مكتبة جامعة تكساس

لقد عكست المسودة النهائية من الدستور التوترات العرقية، وكان انعدام الثقة الشديد بين الأعراق جلياً في الشكل الذي تمَّ فيه تقسيم السلطة،[6] حيث نصَّ دستور عام 1995 على تأسيس حكومة لا مركزية، وقد تألفت هذه الحكومة من كيانين مستقلين وهما اتحاد البوسنة والهرسك، وجمهورية صرب البوسنة (صربسكا) وتمَّ تقسيم الأراضي التابعة لهذه الكيانات على أساس عرقي بحت حيث كان أغلبية سكان الاتحاد من البوشناق، وغالبية سكان الجمهورية صرب. وتشكلت الحكومة المركزية للكيانين من مجلس وزراء يتناوب على رئاسته في كل دورة شخص من عرق مختلف. إنَّ المنظور الذي تمَّ من خلاله تقسيم مناطق البوسنة والهرسك، وتشكيل الهيكل الحكومي لها، والمشاركة المدنية في سياسة البلاد يعكس وعي عرقي كبير، والذي كان نتيجة مباشرة لسياق الأحداث آنذاك في فترة ما بعد حرب البوسنة التي اندلعت لأسباب عرقية. بيد أنه، ومع هدوء التوترات العرقية في البلاد، ظهرت تساؤلات حول مدى إمكانية تطبيق مثل هذا الدستور المعزز للانقسام العرقي في البلاد.

محاولات فاشلة عديدة لإصلاح الدستور وتعديل واحد طفيف جداً:

أدركت البوسنة والهرسك أنَّ دستورها يحتاج إلى إصلاح عندما حال دون اندماجها في مؤسسات الاتحاد الأوروبي. لقد شكَّل ضعف الحكومة المركزية والثغرات في عمليات المشاركة التشريعية والمدنية عائقاً أمام البوسنة والهرسك في محاولاتها لإرساء “الشرعية الديمقراطية”.[7] وبالتالي أصبح انضمام البوسنة والهرسك إلى الاتحاد الأوروبي مرهوناً بصياغة دستور محدث يتماشى مع معاهدات وآليات حقوق الإنسان الإقليمية، و بإلغاء الكيانات وإنشاء دولة أكثر اتساماً بالطابع المركزي، والابتعاد عن المؤسسات القائمة على الانقسام العرقي. بيد أنَّ الخلافات بين الكيانين أجهضت جميع محاولات تعديل الدستور التي هدفت إلى جعله متوائماً مع دساتير الدول الأوروبية الأخرى ومع متطلبات العضوية الإقليمية. ومن الجدير ذكره أنه كثيراً ما يدعو النقاد إلى إلغاء حالة الكيانين أو إصلاحها إصلاحاً جذرياً لإنشاء دولة مركزية متماسكة قادرة على التعامل مع المجتمع الدولي بعيداً عن بيروقراطية الكيانين المرهقة والهشة.

باءت محادثات الإصلاح الدستوري التي كانت تقودها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عام 2009 بالفشل، في الوقت الذي قضت فيه المحكمة الأوروبية بأنَّ الدستور البوسني ينتهك الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وأنَّ هذا الانتهاك يظهر جلياً باستبعاد الدستور لأبناء الأقليات العرقية والأفراد المنتمون للكيانين من المناصب الحكومية العليا.[8] ورغم ذلك استمرت المحاولات الرامية لإصلاح الدستور بالفشل، ولم يتم تعديل أي من الأحكام الرئيسية الخاصة بالحكم، وبالتالي لم تتم تلبية متطلبات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

ولعدم إغفال أي تفصيل في هذه الصدد، يُذكر أنه قد تمَّ إجراء تعديل صغير واحد للدستور في عام 2009 وهو إدراج مقاطعة برتشكو – وهي منطقة صغيرة تقع شمال شرقي البلاد تتبع نظرياً لكلا الكيانين بيد أنها عملياً تتمتع بحكم مستقل – ضمن المناطق التي يغطيها الدستور وذلك لتمكين المقاطعة من اللجوء إلى المحكمة الدستورية، أعلى محكمة في البوسنة والهرسك.[9]

العدالة الدولية: المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (ICTY):

تشير الإحصائيات إلى أنَّ حرب البوسنة خلَّفت حوالي 100,000قتيلاً، %80 منهم من البوشناق الذين تمت تصفيتهم على يد الصرب،[10] وتسببت بنزوح أكثر من مليوني شخص. بدأ الصراع في البوسنة على شكل حرب أهلية بين ثلاثة أطراف؛ الصرب والبوشناق والكروات. وأفادت التقارير الأولية للحرب، التي استمرت قرابة الأربع سنوات، بأنَّ الصرب كانوا هم المرتكبون الرئيسيون لأعمال العنف، وأنَّ أكبر ضحايا هذه الأعمال كانوا من البوشناق، أما الكروات فقد انقسموا بين جناة وضحايا. بيد أنَّ الأدلة التي جمعت بعد انتهاء الحرب جزمت بارتكاب جميع الأطراف لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

الصورة (3): ميرسادا مالاجيتش، شاهد في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، بشأن مذابح سربرنيتسا. مصدر الصورة: المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة

اضطلع المجتمع الدولي بدور رئيسي في تحقيق العدالة بعد انتهاء الصراع في البوسنة والهرسك تماماً كدوره في صياغة الدستور. ففي عام 1993، أنشأت الأمم المتحدة المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة رداً على الفظائع الجماعية المرتكبة، حيث كان الهدف من إنشاء هذه المحكمة هو محاكمة المسؤولين عن أعمال الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية في البلقان. وكانت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة أول محكمة دولية في أوروبا تحاكم الجناة على الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي. ومن أبرز الشخصيات التي تمت محاكمتها؛ الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوشيفيتش، والرئيس السابق لجمهورية صربسكا رادوفان كاراديتش، والقائد السابق لجيش صرب البوسنة راتكو ملاديتش. وعلى الرغم من أنَّ أبرز القضايا كانت ضد شخصيات صربية، إلا أنَّ المحكمة أدانت وحاكمت جناةً من جميع أطراف النزاع.

وبما أنَّ اتفاق دايتون جاء بعد إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، فقد تمَّ تنفيذ الأحكام الدستورية المتعلقة بالمحكمة، حيث تطلب الدستور البوسني تعاون السلطات مع المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة،[11] وتنص المادة التاسعة منه على أنه لا يجوز لأي شخص متهم لم يمثل أمام المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة أو يقضي حالياً عقوبة تفرضها عليه المحكمة أن يترشح أو يشغل أي منصب عام في البوسنة والهرسك.[12]

لقد أصبحت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة اليوم أنموذجاً تحتذي به آليات العدالة الانتقالية على مستوى العالم، بيد أنَّه لا يزال هناك جدل قائم في البوسنة والهرسك حول إرث المحكمة وتأثيره على السلام والعدالة المحليين.

كيفية استفادة السوريين من تجربة البوسنة والهرسك:

رأى المشاركون والمشاركات في الجلسة الحوارية المنعقدة في إطار مشروع “الطريق نحو دستور سوري جديد: كيفية الاستفادة من تجارب الدول الأخرى”، حول تجربة البوسنة والهرسك، أنّه ورغم التشابه بين هذه التجربة والتجربة السورية، إلا أن الأخيرة تختلف في عدة جوانب يجب أخذها بعين الاعتبار.

بدايةً، اتفق الحضور على أن نوع وفداحة الجرائم المرتكبة في البوسنة والهرسك يشبه إلى حد بعيد ما يرتكب في سوريا. لكن، وبحسب المشاركين والمشاركات، افتقر المجتمع البوسني للثقة بين المجموعات السكانية، وهو ما يجب تجنبه والانتباه منه في سوريا، حيث من المهم جداً قبول فكرة التعايش المشترك.

كذلك أشار الحضور إلى عدة اختلافات أخرى، منها أن سكان البوسنة والهرسك يتحدثون لغة واحدة مشتركة قد تختلف من مكان لآخر اختلافات طفيفة فقط. كذلك، لا تعاني البوسنة والهرسك من مشكلة توزيع الثروات الوطنية (خاصة النفط) كما هو الحال في سوريا. أما من الناحية العسكرية، فقد تخلت البوسنة والهرسك عن النظام العسكري المركزي، وأصبحت قوات الأمن والشرطة على المستوى المحلي.

هذا وقد رأى المشاركون والمشاركات أن سوريا تنظر لنفسها كأمة واحدة، أما البوسنة والهرسك فهي دولة مكونة من عدة مجتمعات، أي أنها دولة متعددة الشعوب. كذلك، فإن موقع البوسنة والهرسك الأقرب إلى دول الغرب أدى إلى تدخل أكبر من هذه الدول أثناء الحرب. أخيراً، في البوسنة والهرسك لا يوجد نظام شمولي كما هو الحال في سوريا.

وعن أهمية المرحلة الانتقالية للوصول لحل مستدام في سوريا، أجمع المشاركون والمشاركات على أنها مرحلة لا بد منها وعنصر ضروري للغاية في مسار العدالة حيث لا يمكن الوصول للسلام المستدام دون محاسبة.

وفي الحديث عن اتفاق دايتون، رأى الحضور أن التركيز في هذا الاتفاق كان على الحقوق السياسية وعلى حماية المجموعات العرقية الثلاث التي وقّعت الاتفاق (والتي أعطاها حق الفيتو، مما تسبب بتعطيل الحياة السياسية لاحقاً).

خلال الجلسة، ناقش الحضور أن الدساتير تأتي عادةً استجابة للظروف والاحتياجات الداخلية، أما دستور عام 1995 فقد كان ملحقاً لعملية السلام، حيث أتى بعد عدد من خطط السلام التي تمّ العمل عليها من قبل المجتمع الدولي. لكن هذه العملية لم تكن نتاج مشاركة الأحزاب والسياسيين البوسنيين، إنما شارك فيها بعض النخب البوسنية، والدول المجاورة، ولكن قبل كل شيء كان للتدخل الغربي الدور الرئيسي فيها.

بحسب النقاشات التي دارت خلال الجلسة، لم يهدف هذا الدستور لبناء دولة تحقق العدالة والمساواة للمواطنين، بل اكتفى بالمحافظة على الوضع كما كان. إضافة إلى ذلك، خلق الدستور تعارض بين حقوق الأفراد وحقوق الاثنيات وسبب توتراً كبيراً بين الاثنيات المختلفة لعدم مراعاتها عند تقسيم المناطق بين المجتمعات المحلية.

أكد الحضور على ضرورة إيجاد توازن بين دور المجتمع الدولي وسيادة الدولة، حيث رأى بعضهم أن الواقع السياسي السوري يفرض وجود أطراف دولية لأن العديد من هذه الأطراف هو جزء من المشكلة ذاتها، وبالتالي، كما في التجربة البوسنية، يمكن أن يكون لهم دور أساسي في إنجاح العملية السياسية، ولكن دون أن يكون ذلك على حساب السيادة الوطنية.

توصيات من المشاركين/ات:

  • ضمان عدم إعطاء الأولوية للوضع الفردي للمجموعات السكانية على حساب الهوية الوطنية.
  • أن يعتمد الدستور السوري على التنوع والتعدد، وألا يتقيد بالقومية أو الإيديولوجية.
  • إشراك الجميع في العملية السياسية السورية وكتابة الدستور، والحرص على عدم تجاهل الديمقراطية.
  • تطوير المستوى الثقافي والمعرفي لكل المكونات السكانية في سوريا.

[1] Thomas Hobbes, https://plato.stanford.edu/entries/hobbes/

[2] John Locke, https://plato.stanford.edu/entries/locke/

[3] Jean Jacques Rousseau, https://plato.stanford.edu/entries/rousseau/

[4] البنك الدولي، البيانات السكانية لعام 2020.

[5] تعداد عام 2013 للسكان والأسر والمساكن في البوسنة والهرسك.

[6] Framing the State in Times of Transition, Miller, Laurel E. and Aucoin, Louis, 2010, United States Institute of Peace Press

[7] لجنة البندقية ، الرأي حول الوضع الدستوري في البوسنة والهرسك وسلطات الممثل السامي، CDL-AD (2005) 004، 11 آذار/مارس 2005، الفقرة 64.

[8] سيديتش وفينشي ضد البوسنة والهرسك، المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، الحكم، 27996/06 و 34836/06، 22 كانون الأول/ديسمبر 2009.

[9] دستور البوسنة والهرسك 1995 (مراجعة 2009) ، المادة السادسة، الفقرة 4.

[10] متحف ذكرى الهولوكوست بالولايات المتحدة، “البوسنة والهرسك 1992-1995” و “القوات الصربية تستهدف المدنيين”، https://www.ushmm.org/genocide-prevention/countries/bosnia-herzegovina/case-study/background/1992-1995.

[11]   دستور البوسنة والهرسك لعام 1995 (المراجع في 2009)، المادة الثانية، الفقرة 8.

[12] رؤية للبلقان، “المشتبه بهم في جرائم الحرب في البلقان يحتفظون بنفوذهم السياسي”، 7 كانون الأول/ديسمبر 2016، https://balkaninsight.com/2016/12/07/balkan-war-crime-suspects-maintain-political-influence-12-02-2016/

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد