الرئيسية تعليقات ورأي الحرمان من اللغة الأم كأحد أشكال “الإبادة الثقافية” المستمرة في سوريا

الحرمان من اللغة الأم كأحد أشكال “الإبادة الثقافية” المستمرة في سوريا


يجب النصّ دستورياً على مسؤولية الدولة في توفير الدعم والمناخ الملائم للحفاظ على اللغات الموجودة في سوريا، وضمان إمكانية تدريس تلك اللغات للمتحدثين بها ومساعدتهم في الحفاظ على ثقافتهم وتراثهم

بواسطة bassamalahmed
213 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية

مقدمة:

تحظى اللغات بدور هام في حياة البشر بوصفها إحدى المقومات الجوهرية للهوية وركيزة أساسية في الاتصال والاندماج الاجتماعي والتعليم والتنمية، ومع ذلك، تتعرض العديد من هذه اللغات إلى تهديدات متزايدة أو إلى خطر الاندثار كلياً.[1] وحين تضمحل اللغات يخبو كذلك ألق التنوع الثقافي في المجتمعات الناطقة بها وتبهت ألوانه الزاهية، ويؤدي ذلك أيضاً إلى ضياع التقاليد والذاكرة والأنماط الفريدة في التفكير والتعبير، أي الموارد الثمينة لتأمين مستقبل أفضل،[2] ولتنبيه المجتمع الدولي لخطورة هذا الأمر فإن الأمم المتحدة ومنذ العام 2000، تحتفل سنوياً بـ”اليوم العالمي للغة الأم”، حيث خصصت يوم 21 شباط/فبراير، من كل عام يوماً لإحياء هذه المناسبة، وتذكيراً للعالم بأهمية اللغات الأم وضرورة الحفاظ عليها.

ولأن سوريا تعتبر من الدول المتعددة القوميات والإثنيات والأديان واللغات، ونظراً لأنّ هذا التنوع يشكّل المخزون الحضاري لسوريا، ولا سيما تنوع اللغات الذي يعكس تعدد الحضارات التي كونت إرثها الثقافي، ارتأينا دراسة قضية اللغة الأم وأهميتها، محاولين تسليط الضوء على المواثيق الدولية التي تكفل حمايتها، واستكشاف مدى اهتمام الدولة السورية بهذا التعدد والتنوع، ومدى حرصها على الحفاظ على لغات المكونات السوريّة الأخرى، خاصة غير العربية منها، وذلك من خلال استعراض النصوص القانونية المحلّية التي تناولت هذه المسألة، ومدى توافقها مع المواثيق والأعراف الدولية ذات الشأن، وكذلك الممارسات العملية للحكومات السورية بهذا الخصوص.

أيضاً، سنحاول استعراض وجهة نظر أجسام المعارضة السورية الرسمية بهذا الشأن، وأهم الممارسات العملية التي قامت بها في المناطق الخاضعة لسيطرتها فعلياً طوال السنوات السابقة، ومن ثم سنخلص إلى الحلول المتاحة للحفاظ على هذا الفسيفساء السوري الغني  والمتنوع ولا سيما في ميدان اللغات.

  1. اللغة الأم والإطار القانوني للإعتراف بها كحق من حقوق الإنسان:

يمكن القول بأن اللغة الأم هي اللغة التي يتحدث بها أبناء شعب معين، ولها مقوماتها الخاصة من حيث الأحرف والمفردات والقواعد وطريقة تركيب الجمل، وكذلك في موسيقاها السمعية، وقد تكون هذه اللغة مكتوبة، أو غير مكتوبة (شفهية) وتم توارثها من قبل أسلاف هذا الشعب، وليس بالضرورة أن يكون لأبناء كل لغة بذاتها دولة خاصة بهم، والدليل أن اللغة العربية يتحدث بها أبناء أكثر من عشرين دولة، وكذلك الحال بالنسبة للغة الإنكليزية والفرنسية والإسبانية وغيرها من اللغات، حيث تتعدد الدول التي تتحدث بلغة واحدة، وعلى العكس من ذلك، توجد الكثير من اللغات التي ليس لأبنائها دولة مستقلة بذاتها، حيث يتجاوز عدد اللغات المعترف بها عالميا الستة آلاف لغة،[3] بينما لا يتجاوز عدد مجموع دول العالم المئتي دولة، كما لا يشترط أن تكون اللغة الواحدة محصورة في بقعة جغرافية محددة متقاربة، فاللغة الإسبانية مثلاً، يتحدث بها البعض من أبناء القارة الأوربية، كإسبانيا، وكذلك تتحدث بها بعض الدول في أمريكا اللاتينية. مثلها اللغة البرتغالية، والتي ينطق بها سكان دول منتشرة في أوروبا وأمريكا الجنوبية (البرازيل) وإفريقيا (أنغولا وموزامبيق) بالإضافة الى عدة مناطق في آسيا.

وطالما أن اللغة هي أداة التواصل والتفاهم بين أبناء شريحة معينة تعيش على هذه الأرض، فمن غير المنطقي ومن غير المقبول حرمان أبناء هذه الشريحة من التواصل فيما بينهم بلغتهم الأم التي ورثوها عن أسلافهم وإلزامهم بالتحدث بلغة أخرى، لأن هذا يتنافى مع مبدأ المساواة في الحقوق، وقد يكون سبباً في ردات فعل تصل إلى العنف أحياناً، لشعورهم إن هذه اللغة تميزهم بهوية خاصة بهم، وتعتبر اللغة بالنسبة لهم عنصراً مركزياً وتعبيراً عن هويتهم وأداة للحفاظ عليها، وتواجه الأقليات اليوم مصاعب كبيرة في جميع المناطق التي تتكلم لغات الأقليات، وترغب في المحافظة على هذه اللغات في حياتها العامة والخاصة، وكثيراً ما تكون الأقليات اللغوية أيضاً أقليات قومية أو إثنية أو دينية، وبالتالي فإن المصاعب التي تواجهها تتفاقم بفعل التمييز لأسباب تتعلق بالأصل الإثني أو الدين أو الجنسية.[4]

 وانتبه المجتمع الدولي إلى هذا الأمر، خاصة عندما بدأ هذا المجتمع بتدوين قواعد تؤطر حقوق الإنسان وتنظم العلاقات بين الدول وغيرها من أشخاص القانون الدولي، وكذلك علاقة الدول مع الشعوب والأقليات التي تعيش في كنفها، فالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، ألزم في المادة 26 جميع الدول الموقعة عليها على مساواة جميع الناس أمام القانون والذي بدوره يجب يكفل لهم حماية فعالة وأن يحظر التمييز بينهم على أي أساس ومنها على أساس الأصل القومي واللغة، مؤكداً أيضاً في المادة 27 على هذا الحق كحق أساسي من حقوق الإنسان، وبالتالي لا يجوز حرمان أحد من التحدث بلغته الأم، بغضّ النظر فيما إذا كانت تلك اللغة هي اللغة الرسمية للبلاد أم لا.[5]

كما أنّ العديد من الوثائق الدولية الأخرى أكدت على هذا الأمر وفصَّلت فيه، مستلهمة قواعدها من المادة المذكورة آنفا، ونذكر منها على سبيل المثال؛ إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية أو إلى أقليات دينية ولغوية، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بالقرار رقم 47/135 لعام 1992،[6] وكذلك إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية الذي تم اعتماده بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 61/295 لعام 2007،[7] وكذلك الميثاق الأوربي للغات الإقليمية أو اللغات الأقلية لعام 1992.

ولعلّ كثرة المواثيق الدولية التي تناولت هذا الأمر يؤكد مدى ضرورة التزام الدول بتنفيذ واجباتها تجاه اللغات الموجودة على أراضيها، ولا سيما إنها مستوحاة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الملزم للدول التي صادقت عليه ومنها سوريا بطبيعة الحال.

ولا يكفي أن لا تمارس الدول (الحكومات) القمع تجاه أقلية أو شعب أو مكون معين لمنعها من ممارسة لغتها الأم وتطويرها، لنقول بأنها قد أوفت بالتزاماتها المنصوص عنها في المواثيق السابقة، بل عليها اتخاذ التدابير الكافية لتهيئة الظروف المواتية لتمكين الأشخاص المنتمين إلى أقليات من التعبير عن خصائصهم ومن تطوير ثقافتهم ولغتهم، وكذلك تمكينهم من الحصول على فرص كافية لتعلم لغتهم الأم، وعليها كذلك اتخاذ تدابير في مجال التعليم من أجل تشجيع المعرفة بتاريخ الأقليات الموجودة داخل أراضيها وبتقاليدها ولغاتها وثقافاتها،[8] وبالتالي فإن كان الحفاظ على لغات الأقليات والشعوب الأصيلة هو واجب الدول بمقتضى النصوص المذكورة آنفاً، فهذا يعني إن لجوء بعض الدول لمحاولات استئصال الأقليات عبر إدماجها القسري وصهرها وتذويبها في قومية ولغة واحدة، هي غالباً قومية ولغة الأغلبية الحاكمة في البلاد، هي سياسات مرفوضة البتة في القانون الدولي،[9] وقد تؤدي في أحيان كثيرة إلى إندلاع العنف والعنف المضاد، وسنرى في الفقرة التالية السياسات والممارسات التي انتهجتها الحكومات السورية بهذا الخصوص، ومدى التزامها بالمواثيق والترتيبات الدولية المذكورة آنفاً.

  1. الحرمان من اللغة الأم كنوع من أنواع “الإبادة الثقافية”:

ظهر مفهوم الإبادة الجماعية لأول مرة في أربعينيات القرن الماضي بالتزامن مع الحرب العالمية الثانية، عندما اعتبر المحامي البولندي “رافائيل لمكين” أنه من ليس من المعقول اختصار جرائم الإبادة الجماعية واعتبارها مجرد قتل جماعي، خاصةً بما تحملها من دوافع مبنية على اعتبارات عرقية أو قومية أو دينية تميزها عن بقية الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.[10] كما واعتبر “لمكين”  مفهوم “الإبادة الثقافية”، والذي يدل الى عمليات الاستهداف والهدم الممنهج للهوية الثقافية لمجموعة أو شعب ما بما في ذلك من قيم وعادات ولغة وغيرها من العناصر التي تميزها عن غيرها،[11] كأحد أهم أشكال الإبادة الجماعية،[12] ولأهمية هذا المفهوم وتمثيله لأحداث واقعية معاصرة، كجرائم الإبادة ضد اليهود (الهولوكوست)، فإنّ اللجنة المؤقتة المكلفة من قبل الأمم المتحدة لصياغة اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948 قد قامت فعلاً بإدراج مفهوم الإبادة الثقافية، متضمنة لعنصر الإبادة أو التطهير اللغوي، في مسودتها النهائية، قبل أن تعترض مجموعة من ممثلي ستة عشر دولة وتصويتهم على عدم إدراج ذلك البند، وتمّ بذلك حذف مفهوم الإبادة الثقافية من نص الاتفاقية.[13] وكان من بين تلك الدول الممتنعة عن الاعتراف قانونياً بمفهوم الإبادة الثقافية، دول ذات تاريخ استعماري مليء بالانتهاكات ضد الشعوب الأصلية في مستعمراتها مثل بريطانيا وهولندا وبلجيكا، أو تلك المعروفة باضطهادها للسكان الأصليين أو لشعوب أخرة ضمن حدودها مثل الولايات المتحدة الأمريكية واتحاد جنوب افريقيا وإيران وتركيا.[14]

وكان اللافت أثناء تلك النقاشات هو أن مبعوث الحكومة السورية آنذاك حينها كان قد أيّد فكرة إدماج مفهوم “الإبادة الثقافية” كأحد أشكال الإبادة الجماعية وأن سوريا متفقة مع إدراجها في نص الاتفاقية،[15] مؤكداً على أن “الدستور السوري يضمن احترام الحقوق الثقافية للأقليات المتواجدة على أراضيها، كما وتضمن حقهم في تعلم لغاتهم الأم في الدارس.”[16] والمشار إليه هنا هو الدستور السوري لعام 1930، والذي كان سارياً حتى 1950، أي تماماً بعد انقلاب 14 كانون الأول/ديسمبر 1949، الذي قام به أديب الشيشكلي، واستلام “هاشم الأتاسي” رئاسة الجمهورية، حيث تم تشكيل لجنة دستورية مؤلفة من ثلاثة وثلاثين عضواً بقيادة “ناظم القدسي”. وبالفعل قامت اللجنة بصياغة دستور جديد للبلاد وتمت المصادقة عليه في الخامس من أيلول/سبتبمر عام 1950.[17] لكّن الغريب في الأمر هو أن الدستور السوري الذي تمّ تبنيّه عام 1950، وعلى عكس الدستور السوري لعام 1930، قد تخلى تماماً عن الحقوق الدستورية للأقليات في المحافظة على هويتها وحريتها في التمتع بحقها في تعلم لغالتها الأم. إذ لم يكتفي دستور 1950 بحذف المادة السادسة من الدستور السابق والذي نص على أن “السوريون لدى القانون سواء وهم متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية وما عليهم من الواجبات والتكاليف ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الدين أو المذهب أو الأصل أو اللغة”[18] بل وأقر في مادته الأولى بأن الجمهورية السورية ذات هوية عربية وبأن “الشعب السوري جزء من الأمة العربية”[19] دون أي اعتبار لمكونات الشعب السوري الأخرى من الكرد والآشوريين السريان وغيرهم، مشيراً في المادة الرابعة إلى أن “اللغة العربية هي اللغة الرسمية”[20] الوحيدة في البلاد، أي تمّ إقصاء اللغة الكردية على سبيل المثال بشكل كامل من التداول، في تطبيق عملي لفكرة الإبادة الثقافية التي طرحها “لميكن”. كما أشار في مادته الثالثة إلى أن “الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع.”[21]

  1. سياسات الحكومات السورية بخصوص اللغة الأم للمكونات الغير عربية:

للتعرف على السياسات التي انتهجتها الحكومات السورية المتعاقبة، لا بدّ من النظر في الإطار القانوني (النظري) الذي يعكس تلك السياسات، أولاً، ومن ثمّ المارسات والأفعال التي ترجمت تلك النصوص وأفصحت عن تلك السياسات، هذا ثانياً.

    • الإطار القانوني لتلك السياسات:

للقول بأن دولة ما قد أوفت بالتزاماتها المتعلقة في منح الحق لأبناء الشعوب الأصلية والأقليات التي تعيش في الإقليم الذي يشكل الدولة، لابدّ من النظر بداية في قوانين تلك الدولة، والتي لابد أن تنصّ على حق تلك الفئات على ممارسة حقوقها المنصوص عليها في المواثيق والترتيبات الدولية، ومنها حق التحدث باللغة الأم والحق في الحفاظ على هذه اللغة وتطويرها، وجرت العادة في الدول ذات النهج الديمقراطي أن تنص دساتيرها على هذه المسألة،[22] كون الدستور هو “أبو القوانين” ويفترض بباقي القوانين أن تكون متسقة معه، طبقاً لمبدأ تدرج القوانين، وبهدف التعرف على مدى وفاء الدولة السورية لالتزاماتها بهذا الخصوص، سنلقي نظرة على الدستور السوري الحالي لعام 2012، والذي يعتبر نسخة شبه مستنسخة عن سابقه، دستور 1973.

نلاحظ بأن الدستور السوري لم يأت على ذكر حق مكونات الشعب السوري الغير عربية بالتحدث بلغاتها الأم، بل اعتبر إن “اللغة العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة في البلاد” (المادة الرابعة)، وهذه المادة كانت هي ذاتها رقماً وصياغةً في دستور 1973، وهذا يعني أن الدستور السوري لم يعترف بحق باقي المكونات بالتحدث بلغتها الأم، وبأحسن الأحوال لم تمنحها الحق بتدريس لغاتها للأجيال القادمة، وهذا يؤدي إلى خلق حالة من عدم المساواة بين مكونات الشعب السوري، وتفضيل الفئة التي تشكل الأغلبية على باقي المكونات في كثير من الأمور، ومنها مسألة حق التحدث باللغة الأم والحفاظ عليها وتطويرها، وبالتالي فإن هذا المادة تتناقض مع المادة الثالثة والثلاثين التي نصت في فقرتها الثالثة، بأن: “المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات”، إذ كيف يكونون متساوون وباقي المكونات الغير عربية لا يحق لها التعلم بلغتها الأم ولا تملك أدوات الحفاظ على لغاتها وتطويرها؟

وإمعاناً في هذا التمييز اعتبر الدستور السوري أن السوريين بكل مكوناتهم وقومياتهم “جزءاً لا يتجزأ من الأمة العربية مجسدة هذا الانتماء في مشروعها الوطني والقومي… وتعتز الجمهورية العربية السورية بانتمائها العربي” (الديباحة).

وكون الدساتير السورية المذكورة مستوحاة من دستور حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي نص في مادته الثامنة بأن “لغة الدولة الرسمية ولغة المواطنين المعترف بها في الكتابة والتعليم هي اللغة العربية”، هذا الحزب الذي قاد البلاد منذ انتزاعه للسلطة عام 1963، وفقاً لما نصت عليه المادة الثامنة من دستور 1973، حيث أكدت بأن حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع، وعلى الرغم من إلغاء هذه المادة من دستور 2012، إلا إن هذا الالغاء كان شكلياً، حيث بقي هذا الحزب متمتعاً بذات الصلاحيات التي كان يتمتع بها سابقاً، وقد كانت انتخابات مجلس الشعب السوري التي جرت عام 2020 خير شاهد على ذلك.[23]

وما نصت عليه المادة التاسعة من دستور 2012 بأن “يكفل الدستور حماية التنوع الثقافي للمجتمع السوري بجميع مكوناته وتعدد روافده، باعتباره تراثاً وطنياً يعزز الوحدة الوطنية في إطار وحدة أراضي الجمهورية العربية السورية”، ليس سوى نصاً تزيينياً، كونه فضفاض ويحتمل أكثر من تفسير أولاً، ولأنه ومنذ إقراره لم يُسمح للكرد مثلاً في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري بتدريس لغتهم الأم في المدارس الحكومية، أو بافتتاح مدارس خاصة باللغة الكردية ثانياً، وسنأتي على هذه الممارسات العملية التي ترجمت ما نص عليه الدستور في الفقرة التالية.

    • الممارسات العملية لتلك السياسات:

لا شكّ إن الممارسات التي قامت بها الحكومات السورية المتعاقبة، وخاصة بعد استئثار حزب البعث بالسلطة نتيجة انقلاب 8 آذار/مارس لعام 1963، تجاه اللغات الغير عربية في سوريا، تختصر في عبارات التهميش والإقصاء والاستئصال والصهر والتذويب، فعلى سبيل المثال كان نشر المواد باللغة الكردية ممنوعاً طوال العقود السابقة، وفي عام 1987 تحديداً، عمد وزير الثقافة إلى توسيع نطاق الحظر ليشمل الأشرطة السمعية والبصرية (الفيديو) للموسيقى الكردية استماعاً وتوزيعاً، وقد صدرت عدة قرارات تمنع على الكردي التحدث باللغة الكرية في الدوائر الرسمية، كما ومنعته من الاستماع إلى الأغاني الكردية في الأعراس والمناسبات الخاصة به.[24]

ووفقاً لبعض المصادر فقد أعيد التأكيد على حظر تدريس اللغة الكردية في المدارس والجامعات بموجب مرسوم سري صدر في العام 1989، بيد إنه في الممارسة العملية، سُمحَ بتوزيع عدد قليل من المواد باللغة الكردية، ففي عام 2004 سُمِحَ رسمياً بنشر قاموس عربي- كردي،[25] وبالمقابل في عام 2009، على سبيل المثال قامت السلطات السورية بالضغط على الكرد في مناطق تواجدهم لمحاولة منعهم من الاحتفال بعيد النوروز (العيد الوطني للكرد)، واعتقلت على خلفية التحضير لهذه الاحتفالات العديد من المواطنين الكرد، وحولتهم إلى القضاء العسكري،[26] ولم تتوان عن اعتقال ومحاكمة المحتفلين بعيد النوروز أو المهتمين باللغة والثقافة والفن الكردي،[27] وفي كتب الجغرافية المدرسية عام 1967، تم إسقاط أي ذكر للأقلية الكردية في سوريا، وبدأ مسؤولو السجل المدني يضغطون على الكرد كي لا يطلقوا أسماءً كردية على أبنائهم،[28] ويبدو إن بعض الإنفراجات كانت تتم أحياناً بخصوص التحدث باللغة الكردية أو إحياء المناسبات بهذه اللغة، حسب الوضع السياسي في البلاد، خاصة عندما كان الأمر يتعلق بضرورة إرضاء الكرد جزئياً لتجنب القلاقل والأحداث في البلاد، وقد كان لوفاة حافظ الأسد عام 2000 ومجيء إبنه ووريثه بشار الأسد إلى سدّة الحكم، دوراً مهما في هذا الأمر ولا سيما في السنوات الأولى من حكمه.[29]

ومن هنا نستخلص بأن الحكومات السورية المتعاقبة لم تكتف فقط بنكران هويات ولغات المكونات الأخرى للشعب السوري، بل عمدت بشتى السبل غير القانونية بمحاولة صهر وتذويب تلك اللغات، وخاصة اللغة الكردية، مع الإقرار بأن السياسة التي اتبعتها الحكومات السورية مع الأقليات غير العربية الأخرى، كانت أقل صرامةً عن تلك التي اتبعتها بحق الكرد، على سبيل المثال سُمِحَ للأرمن والآشوريين بانشاء مدارس خاصة وأندية وجمعيات ثقافية، يتم فيها تعليم لغتهم.[30]

  1. السياسة التي انتهجتها المعارضة السورية بخصوص اللغة الأم للمكونات غير العربية في سوريا:

في النصف الأول من شهر أيلول/سبتمبر 2016، كشفت “الهيئة العليا للمفاوضات” المعارضة للحكومة السورية، النقاب عن خطة[31] لإحداث انتقال سياسي في سوريا ولإنهاء الحرب الأهلية التي دامت خمس سنوات في البلاد. تضمنت هذه الخطة ثلاث مراحل رئيسية “تبدأ بستة أشهر من المفاوضات ووقف إطلاق النار؛ وتشكيل حكومة انتقالية مع تنحّي الرئيس بشار الأسد؛ وصياغة دستور جديد مع إجراء انتخابات تشرف عليها الأمم المتحدة بعد 18 شهراً من حكم حكومة انتقالية”. وعلى الرغم من استنادها على التزام بيان جنيف[32] لعام 2012 بتحقيق “تكافؤ الفرص” وعدم التمييز، إلا أن الخطة الانتقالية تضمّنت صياغة تتعارض مع إقامة هذا النوع من المجتمع الشامل. وعلى نحو أكثر تحديداً، فقد فشل أول مبدأ عام للهيئة العليا للمفاوضات في مواجهة الاختلالات السابقة في سوريا بشكل مناسب وفشل في وضع الأساس للإصلاح المؤسسي. وبدلاً من ذلك، ينصّ المبدأ الأول على ما يلي:

“سوريا جزء لا يتجزأ من الوطن العربي، واللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، وتمثل الثقافة العربية الإسلامية مَعيناً خصباً للإنتاج الفكري والعلاقات الاجتماعية بين السوريين على اختلاف انتماءاتهم الإثنية ومعتقداتهم الدينية حيث تنتمي أكثرية السوريين إلى العروبة وتدين بالإسلام ورسالته السمحاء التي تتميز بالوسطية والاعتدال”.

إن تبنّي “الهيئة العليا للمفاوضات” لهذا المبدأ العام يعني سعيها ضمناً إلى أسوء أشكال الاستبداد، في الصيغة التي وصفها “توكفيل” بـ”طغيان الأغلبية”. تلك التي “تنتزع الطاعة بالقوة وليس بالعدل. وقد اقترح “توكفيل” مبدأً حقوقياً مميزاً لدحض نزعة الطغيان باسم الشعب في القول:

“ثمة قانون عام يحمل صفة العدالة، وضع وتأّيد من قبل، لا بأغلبية هذا الشعب أو ذاك، ولكن بأغلبية بني الإنسان جميعاً. فحقوق كل شعب تقع إذن في دائرة ما هو عدل.”[33]

وبهذه الصياغة، فقد سعت “الهيئة العليا للمفاوضات/السورية المعارضة” لاستخدام نبرة الهيمنة لدولة المستقبل في سوريا — الدولة التي تعطي الأولوية لجماعات دينية وثقافية محددة على حساب جماعات أخرى — الأمر الذي لا يقوّض فقط خلق مجتمع شامل أصيل منفتح لجميع أشكال الهوية الاجتماعية، ولكنه يحاكي كذلك نوع البيئة السياسية التمييزية التي أنشأها الرئيس الأسد وتعزيز سلطته.[34]

ومنذ سيطرة فصائل المعارضة السورية على منطقة عفرين ذات الأغلبية الكردية الساحقة، عقب انتهاء عملية “غصن الزيتون” العسكرية بتاريخ 18 آذار/مارس 2018، واحتلال المنطقة عسكرياً بحسب وصف منظمة العفو الدولية، قامت المجالس المحلية التابعة لوزارة الإدارة المحلّية في “الحكومة السورية المؤقتة/الإئتلاف السوري المعارض” باستبدال المناهج التي كان يتمّ تدريسها باللغة الكردية، بمناهج أخرى، جعلت اللغة التركية لغة أساسية فيها إلى جانب اللغة العربية ابتداءاً من المرحلة الإعدادية، إلى جانب تخصيص ساعات لتدريس اللغة الكردية للطلاب الكرد، مع إنّ الكرد كانوا يشكّلون النسبة الساحقة من سكان منطقة عفرين قبل احتلالها، حيث عاني الطلاب الكرد في عفرين وريفها من صعوبة في فهم المنهاج الدراسي المعتمَد حاليًا من قبل “الحكومة المؤقتة”، خاصة من ليست لديهم أي معرفة مسبقة باللغة العربية ونطقها وكتابتها، بعد أن اعتادوا على الدراسة بالكردية كلغة وحيدة للمناهج. [35]

إضافة إلى ذلك فإن جميع البيانات والبلاغات والقرارات التي تصدر عن مؤسسات الحكومة المؤقتة في تلك المناطق، تصدر باللغتين العربية والتركية، دون أي اعتبار للغة السكان الأصليين، وهي الكردية، وكذلك تُكتب الشاخصات المرورية على الطرق العامة ويافطات تلك المؤسسات باللغتين المذكورتين، كما وأصدرت المجالس المحلية شهادات رخصة المركبات باللغتين العربية والتركية مع رمز الدولة السلجوقية (والسلاجقة هم من السلالة التركية ومؤسسها هو طغرل بك)، إضافة إلى قيام المجالس المحلّية التي تم تشكيلها من قبل تركيا بإصدار أوامر تمنع الاحتفال بعيد النورزو، ومنها القرار الإداري الذي أصدره المجلس المحلي لبلدة معبطلي التابعة إدارياً لمدينة عفرين، بتاريخ 20 آذار/مارس 2019، (أي قبل يوم واحد من عيد النوروز)، باللغتين العربية والتركية الذي تضمن منع الأهالي من الاحتفال بعيد النوروز.[36] وكل تلك الممارسات تؤكد على وجود سياسة ممنهجة لطمس معالم الهوية الكردية في تلك المنطقة خصوصاً، وفي سوريا عموماً.

صورة لقرار رئيس “المجلس المحلي لبلدة معبطلي” يمنع فيها احتفال الكرد السوريين في عفرين بالاحتفال بعيد النوروز. (المصدر: روداو عربي/صفحات سورية مستقلة).

  1. الحلول الممكنة للحفاظ على اللغات الأم في سوريا وتطويرها:

ذكرنا آنفا بأن اللغات المتعددة في سوريا تشكل فسيفساءً وإرثاً جميلاً، ينبغي الحفاظ عليها والمساهمة في تطويرها، ومن حق جميع المكونات أن تكون مختلفة وفي أن تعتبر نفسها مختلفة وأن تُحترم بصفتها هذه، وأن تتحدث بلغتها الأم وأن تحافظ عليها وتسعى لتطويرها، وينبغي القطع مع العقلية الإقصائية البعثية/العفلقية التي كانت تسعى إلى صهر جميع اللغات السورية في بوتقة اللغة العربية، ويمكن القول بأن مسألة الحفاظ على هذه اللغات وتطويرها ليست بقضية معقدة، ويمكن هنا الاعتماد على النصوص الواردة في المواثيق والترتيبات الدولية ذات الشأن، وإسقاط الالتزامات الواردة فيها على الحالة السورية.

وبناء عليه، يتوجب على الحكومة السورية القادمة تجنب القيام بأيّ فعل أو تصرف يؤدي إلى حرمان الشعوب الأصلية، والأقليات التي تعيش في سوريا، من التحدث بلغتها الأم، بل وضرورة الحفاظ عليها وتطويرها، كما يتوجب عليها القيام بالتدابير والإجراءات اللازمة لحماية الهوية الثقافية واللغوية لهم، وتهيئة الظروف الكفيلة بتعزيز تلك الهويات اللغوية المختلفة، وضمان حصول هؤلاء وأبنائهم على فرص كافية لتعلم لغتهم الأم وتلقي الدروس بها، كالنص على واجباتها تلك في الدستور القادم، والتعهد بتوفير الإمكانيات المتاحة لهم للوفاء بتلك الالتزامات، وتحقيق ذلك يتوافق مع ما ذكرته المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، وكذلك مع نص المادة الثانية من إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية لعام 1992.

كما ويتوجب على الحكومة القادمة منح الحق للشعوب الأصلية، كالكرد والسريان والآشوريين والأرمن وغيرهم، في إحياء واستخدام وتطوير تاريخها ولغاتها وتقاليدها الشفوية وفلسفاتها ونظمها الكتابية، وآدابها ونقلها إلى أجيالها المقبلة، وكذلك تسمية المجتمعات المحلية والأماكن والأشخاص بأسمائها الخاصة، وهذا يقتضي أيضاً إعادة الأسماء الأصلية للمناطق والبلدات التي تم تعريبها على أيدي حكومات البعث والسورية الأخرى المتعاقبة، ومنحها الحق في إقامة نظمها ومؤسساتها التعليمية وإدارتها وتوفير التعليم بلغاتها، واتخاذ تدابير فعالة لتحقيق هذه الالتزامات، وليس كافياً النص على حق هذه الشعوب بإحياء تراثها وثقافتها ولغتها، بل يفترض بالدولة المساعدة في ذلك، كون هذا الأمر لا يحتاج فقط إلى الرغبة والتمني، بل يحتاج إلى الدعم المادي والفني والتقني، الذي تمتلكه الدول عادة وليس الأفراد، وقيام الحكومة القادمة باتخاذ التدابير الفعالة تلك يتسق مع ما ورد في المادتين 13 و14 من إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية لعام 2007.

كما وينبغي النص على عقوبات جزائية لكل من يقوم بأفعال من شأنها حرمان الشعوب الأصلية والأقليات من التمتع بحقوقها اللغوية والثقافية، وإعتبار تلك الأفعال الرامية إلى صهر وتذويب القوميات واللغات الأخرى في بوتقةٍ قومية أو لغوية واحدة جرائم جزائية، وينبغي وضع معايير واضحة وفاصلة بين الإدماج المقبول والصهر والاستيعاب والاستئصال غير المقبول، وضمان ألا يصبح الإدماج إستيعاباً غير مرغوب فيه أو يقوض الهوية الجماعية للأشخاص الذين يعيشون في اقليم الدولة، حيث يختلف الإدماج عن الإستيعاب، إذ إن الإدماج (الإندماج) ينمي مجالاً مشتركاً تسوده المساواة في المعاملة وحكم القانون العام، كما يسمح بالتعددية، وهذه التدابير التشريعية نجد لها دعماً في التعليق على إعلان حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية أو إلى أقليات دينية ولغوية، والمقدم من رئيس الفريق العامل المعني بالأقليات التابع للجنة الفرعية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان، السيد إسبيورن إيدي.

كما إن إتخاذ التدابير السابقة للحفاظ على اللغات الموجودة على الأرض السورية، وحمايتها من الإندثار وتطويرها، يتوافق مع مبدأ المواطنة المتساوية، الذي تنادي به أغلبية الحكومات والمعارضات السورية، دون أن تتقدم أي منها بخطوات وخطط جدية في هذا المجال، بل ركزت على إستخدام هذا المصطلح في المؤتمرات والاجتماعات المحلية والدولية بغرض الاستهلاك الاعلامي لا أكثر، أو كما ذهب البعض إلى تسمية هذا التسويق الإعلامي “بعدة الشغل” اللازمة لتوفير الدعم من المجتمع الدولي، إضافة إلى غيرها من المصطلحات الرنانة، والتي لا مجال لمعالجتها في هذا السياق.

ويمكن الاستفادة في هذا المجال، بالإضافة إلى الوثائق الدولية المذكورة في هذه الورقة، من دساتير بعض الدول التي مرت بتجارب مماثلة للتجربة السورية، ونذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر، كالدستور العراقي الذي نص في مادته الرابعة بأن “اللغة العربية واللغة الكردية هما اللغتان الرسميتان في العراق، ويضمن حق العراقيين بتعليم أبنائهم باللغة الأم كالتركمانية والسريانية والأرمنية في المؤسسات التعليمية الحكومية وفقاً للضوابط التربوية، أو بأية لغة أخرى في المؤسسات التعليمية الخاصة”، وكذلك دستور جنوب أفريقيا الذي نص على إعتبار اللغات الرسمية للبلاد هي إحدى عشرة لغة، وعلاوة على ذلك ألزم الدستور الدولة “باتخاذ اجراءات عملية وايجابية لتحسين وضع هذه اللغات والنهوض باستخدامها”، وهذا يعتبر موقفاً متقدماً، حيث لم يكتف الدستور بمنح الحق للشعوب الأصلية والأقليات بالتحدث بلغتها الأم فقط، بل ألزمت الدولة بتحسين وضع تلك اللغات وتطويرها، كما إن الدستور الاسباني إعتبر إن اللغة الاسبانية الرسمية هي القشتالية، وإعتبر اللغات الاسبانية الأخرى لغات رسمية داخل مجتمعات الحكم الذاتي وفقاً لأنظمتها، أما دستور المملكة المغربية فبالإضافة إلى إعتبار اللغة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية، فقد نص على إحداث مجلس وطني للغات والثقافة المغربية، مهمته حماية وتنمية اللغتين العربية والأمازيغية.

  1. خاتمة وتوصيات:

بعد أن تعرفنا على (مفهوم) اللغات الأم ومدى أهميتها، وضرورة الحفاظ عليها وتطويرها، ولا سيما في سوريا التي تتميز بتعدد اللغات والثقافات المكونة لحضارتها، نرى بانه من الأهمية بمكان الحفاظ على تلك التعددية، وبل تطويرها وإتخاذ الاجراءات والتدابير اللازمة لذلك، والقطع مع عقلية النظام السوري طوال السنوات السابقة، والذي إستلهم سياساته من فكر البعث ومنطلقاته النظرية التي اقتصرت على الاعتزاز بالقومية واللغة العربية وحدها، وإلزام كل من يعيش في سوريا، وحتى من يعيشون فيما أسماه “بالوطن العربي” بضرورة الإعتزاز بذلك، وحرمان المكونات والشعوب المختلفة عن الشعب العربي من ممارسة حقوقها الثقافية واللغوية التي تميز هويتها الخاصة، سيما وإن إتخاذ التدابير المؤدية للحفاظ على هذه اللغات وتطويرها يتوافق مع ما ورد بهذا الخصوص في المواثيق والترتيبات الدولية ذات الشأن.

وكي لا يكون تهميش باقي اللغات والثقافات وعدم إحترام خصوصياتها، من مسببات عدم الاستقرار في سوريا التي نتمناها، نرى إنه من الواجب على الحكومة القادمة، وقبلها هيئة الحكم الانتقالي المنصوص عليها في القرار الأممي 2254، القيام بتدابير واجراءات لابد منها، بهدف الحفاظ على اللغات الموجودة في سوريا، وتوفير الاحترام اللازم لها، ويمكن تلخيصها بما يلي:

  1. النص دستورياً على اعتبار اللغات الأخرى الموجودة في سوريا لغات رسمية إلى جانب العربية، على الأقل في المناطق التي يشكل فيها المتحدثين بلغة ما من تلك اللغات نسبة معينة من السكان في تلك المناطق، وإلزام الحكومة بإتخاذ التدابير اللازمة لتحقيق ذلك.
  2. النص على مسؤولية الدولة في توفير المناخ الملائم والدعم اللازم، للحفاظ على اللغات الموجودة في سوريا، وضمان إمكانية تدريس تلك اللغات للمتحدثين بها ومساعدتهم في الحفاظ على ثقافتهم ولغتهم.
  3. تجريم محاولات صهر وتذويب اللغات والثقافات المتعددة في بوتقة لغوية أو قومية واحدة، وإدراج هكذا فعل في خانة جرائم التمييز العنصري، واعتبار التعدد اللغوي والثقافي مصدر غنى وقوة لسوريا القادمة.

 


[1] بحسب اليونسكو، فإن التنوع اللغوي يتعرّض بشكل متزايد إلى التهديد مع ازدياد اندثار اللغات. ووفق المعطيات، فإن 40% من سكان العالم لا يحصلون على التعليم بلغة يتحدثونها أو يفهمونها، رغم التقدم الملموس في إطار التعليم متعدد اللغات القائم على اللغة الأم. في اليوم الدولي للغة الأم..”لغات بلا حدود” موضوع هذا العام لنشر السلام والتنوع. موقع الأمم المتحدة. 21 شباط/فبراير 2020. آخر زيارة للرابط: 17 شباط/فبراير 2021. https://news.un.org/ar/story/2020/02/1049711

[2] حماية التنوع اللغوي. الأمم المتحدة، اليوم الدولي للغة الأم. (آخر زيارة للرابط: 9 شباط/فبراير 2021). https://www.un.org/ar/observances/mother-language-day

[3] الفقرة 18 من تقرير الخبيرة المستقلة المعنية بقضايا الأقليات، ريتا إسحاق. المعنون (تعزيز وحماية جميع حقوق الإنسان، المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما في ذلك الحق في التنمية). الدورة الثانية والعشرين لمجلس حقوق الإنسان المؤرخ في 31 كانون الثاني/يناير 2012.

[4] المرجع السابق.

[5] صادقت سوريا على هذا العهد بتاريخ 21 نيسان/أبريل 1969، انظر حالة التصديق: (آخر زيارة للرابط: 9 شباط/فبراير 2021). https://tbinternet.ohchr.org/_layouts/15/TreatyBodyExternal/Treaty.aspx?CountryID=170&Lang=AR

[6] إذ نصت المادة الرابعة من الاعلان المذكور بأنه “ينبغي للدول أن تتخذ تدابير ملائمة كي تضمن، حيث أمكن ذلك، حصول الأشخاص المنتمين إلى أقليات على فرص كافية لتعلم لغتهم الأم أو لتلقي دروس بلغتهم الأم”.

[7] نصت المادة 13 من هذا الاعلان بأنه “للشعوب الأصلية الحق في إحياء واستخدام وتطوير تاريخها ولغاتها وتقاليدها الشفوية وفلسفاتها ونظمها الكتابية وآدابها ونقلها إلى أجيالها المقبلة، وفي تسمية المجتمعات المحلية والأماكن والأشخاص بأسمائها الخاصة والاحتفاظ بها”.

[8] المادة 4 من إعلان الامم المتحدة بشأن حقوق الاشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية أو إلى أقليات دينية ولغوية لعام 1992.

[9] الفقرة 21 من التعليق على إعلان الامم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية واثنية أو إلى أقليات دينية ولغوية، والمقدم من رئيس الفريق العامل المعني بالاقليات التابع للجنة الفرعية لتعزيز وحماية حقوق الانسان، السيد أسبيورن إيدي، وكذلك المادة الثامنة من إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية لعام 2007.

[10] R. Lemkin, ‘Axis Rule in Occupied Europe: Laws of Occupation, Analysis of Government, Proposals for Redress’, (1944), pp. 79–95.

[11] “Cultural genocide is the systematic destruction of traditions, values, language, and other elements that make one group of people distinct from another” – Elisa Novic, The concept of cultural genocide: an international law perspective, (Oxford University Press, 2016) <http://hdl.handle.net/1814/43864>

[12] Leora Bilsky, Rachel Klagsbrun, The Return of Cultural Genocide?, European Journal of International Law, Volume 29, Issue 2, May 2018, Pages 373–396, https://doi.org/10.1093/ejil/chy025

[13] Official Records of 1st Part of the 3rd session the General Assembly, 6th Committee, Legal questions, summary record of meetings )21 Sept.-10 Dec. 1948) p. 206 <https://digitallibrary.un.org/record/604635?ln=en>

[14] Ibid.

[15] Ibid., p. 200.

[16] Ibid.

[17] Majid Khadduri, ‘Constitutional Development in Syria: With Emphasis on the Constitution of 1950’, Middle East Journal, vol. 5, no. 2 (1951), pp. 137–160. JSTOR www.jstor.org/stable/4322268

[18] The Syrian Constitution of 1930, Article 6.

[19] The Syrian Constitution of 1950, Article 1. “Constitution of the Republic of Syria: Preamble.” Middle East Journal 7, no. 4 (1953), p. 521 http://www.jstor.org/stable/4322546

[20]  Article 4, Ibid.

[21] Article 3, Ibid.

[22] ونذكر على سبيل المثال الدستور “الكونفدرالي السويسري” لعام 1999 والمعدل عام 2014 نص في مادته الرابعة بأن اللغات القومية هي الألمانية والفرنسية والايطالية والرومانشية، وكذلك الدستور البلجيكي الصادر عام 1831 وتعديلاته لغاية 2012، فقد نص بأن بلجيكا تتألف من أربع أقاليم لغوية: الإقليم الناطق بالهولندية، الإقليم الناطق بالفرنسية، إقليم العاصمة الثنائي اللغة والإقليم الناطق بالألمانية.

[23] وصفت بالمسرحية والمفبركة.. حزب البعث يكتسح الانتخابات التشريعية بسوريا. الجزيرة نت. 22 تموز/يوليو 2020. (آخر زيارة للرابط: 9 شباط/فبراير 2021). https://www.aljazeera.net/news/2020/7/22/%D9%88%D8%B5%D9%81%D8%AA-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%B1%D8%AD%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D8%A8%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B9%D8%AB

[24] نذكر على سبيل المثال قرار محافظ الحسكة رقم 1012 لعام 1986 الذي منع التحدث باللغة الكردية في أماكن العمل، والقرار رقم 1865 الذي أكد على القرار السابق ومنع أيضاً الغناء بغير اللغة العربية في الأعراس والأعياد.

[25] تقرير لمنظمة العفو الدولية مؤرخ في 24 شباط/فبراير 2005، بعنوان “الأكراد في الجمهورية العربية السوري بعد مرور عام على أحداث آذار 2005”.

[26] تقرير للمنظمة الكردية للدفاع عن حقوق الانسان والحريات العامة في سوريا (داد) بعنوان “التقرير السنوي لحال حقوق الانسان في سوريا لعام 2009”.

[27] التقرير السنوي التاسع لحالة حقوق الانسان في سوريا لعام 2009، الصادر عن اللجنة السورية لحقوق الإنسان بتاريخ 15 شباط/فبراير 2021. (آخر زيارة للرابط: 9 شباط/فبراير 2021). https://www.shrc.org/?p=9564

[28]  إنكار الوجود – قمع الحقوق السياسية والثقافية للأكراد في سوريا. هيومن رايتس وتش. 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2009. (آخر زيارة للرابط: 9 شباط/فبراير 2021). https://www.hrw.org/ar/report/2009/11/26/256004

[29] المرجع السابق.

[30] المرجع السابق.

[31] “المعارضة السورية تعلن خطة “انتقال سياسي” لإنهاء النزاع”. بي بي سي العربية. 7 أيلول/سبتمبر 2016. (آخر زيارة للرابط: 10 شباط/فبراير 2021). https://www.bbc.com/arabic/middleeast/2016/09/160907_syria_opposition_proposals

[32] ” أبرز نقاط خطة اجتماع جنيف حول سوريا”. الجزيرة نت. (آخر زيارة للرابط: 10 شباط/فبراير 2021). https://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2012/7/1/%D8%A3%D8%A8%D8%B1%D8%B2-%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%B7-%D8%AE%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9-%D8%AC%D9%86%D9%8A%D9%81-%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7

[33] دي توكفيل ألكسيس. الديموقراطيا في أمريكا. ترجمة: أمين مرسي قنديل. الجزء الأول والثاني. إصدارات عالم الكتب. الطبعة الأولى. القاهرة. تاريخ الطبع غير ظاهر. ص 228.

[34] “إشراك الجميع أمر جوهري لتحقيق عدالة انتقالية في سوريا”. المركز السوري للعدالة والمساءلة. 5 تشرين الأول/أكتوبر 2016. (آخر زيارة للرابط: 10 شباط/فبراير 2021). https://ar.syriaaccountability.org/2016/10/05/%d8%a5%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d9%8a%d8%b9-%d8%a3%d9%85%d8%b1-%d8%ac%d9%88%d9%87%d8%b1%d9%8a-%d9%84%d8%aa%d8%ad%d9%82%d9%8a%d9%82-%d8%b9%d8%af%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%86/

[35] التعليم في عفرين على المحك.. الطلاب الكرد يواجهون تحديات إضافية. جريدة عنب بلدي. 11 تشرين الأول/أكتوبر 2020. (آخر زيارة للرابط: 10 شباط/فبراير 2021). https://www.enabbaladi.net/archives/422180

[36]  الفصائل السورية المسلحة و”المجالس المحلية” تمنع الإحتفال بعيد نوروز في عفرين. موقع روادو عربية. 19 آذار/مارس 2019. (آخر زيارة للرابط: 10 شباط/فبراير 2021). https://www.rudaw.net/arabic/kurdistan/190320199

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد