Home صحافة حقوق الإنسان “الباب عطشى”: هل تستخدم الحكومة السورية قطع المياه كعقاب؟

“الباب عطشى”: هل تستخدم الحكومة السورية قطع المياه كعقاب؟

أدّى قطع مياه مضخة عين البيضا إلى تراجع كبير في المحاصيل المحلّية على حساب تدفق المنتوجات التركية إلى الشمال السوري

by communication
544 views تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع
مظاهرة في مدينة الباب بريف حلب للمطالبة بإيجاد حل لأزمة المياه - المصدر: وكالة الصحافة السورية

تشهد مدينة الباب، شمال حلب، أزمة مياه حادّة شبيهة بتلك التي تحدث في شمال شرق سوريا، فخلال شهر حزيران/يونيو2023، شهدت المدينة تظاهرة تحت شعار “الباب عطشى”، طالب فيها الأهالي بحلول سريعة لأزمة المياه، وناشدوا المجتمع الدولي بالضغط على الحكومة السورية لتعيد تفعيل ضخ مياه محطة عين البيضا باتجاه المدينة والتي تواصل قطعها منذ  بداية عام 2017.

رفع المتظاهرون لافتاتٍ حملت مطالبهم ونددت بالقطع، فكُتِب على إحداها: “من حقنا أن نحصل على مياه الشرب والري لأنها من أبسط حقوقنا”، وعلى أخرى: “قطع المياه عن مدينة الباب هو جريمة ضد الإنسانية ومخالفة للقانون الدولي”، فيما اعتلى عددٌ من المتظاهرين صهريج ماء، وهو رمز بات يشير إلى أزمة المياه في المدينة، وإلى انعدام أو فشل الحلول البديلة بتغطية احتياجات السكان، بعد جفاف عددٍ من الآبار الجوفية التي اعتُمِد عليها بتغذية المدينة بعد أن حُرِمت من إمدادات المحطة.

وكان المجلس المحلي لمدينة الباب، قد أصدر بياناً  بتاريخ 10 حزيران/يونيو 2023، حذّر فيه من “كارثة إنسانية تهدد حياة مئات الآلاف” بين مقيم ومهجر داخلياً، لاسيما “وإن خمسة آبار من أصل 13 بئراً استخرجت المياه منها خارج الخدمة، و 8 آبار فقط تعمل بمعدل تدفق 40 متراً مكعباً في الساعة، لذلك فإن الوضع المائي في المدينة غير منتظم ويتطلب تدخلاً عاجلاً لحماية المدينة من الجفاف ونقص المياه وتصحر الأراضي الزراعية والتي تبلغ مساحتها 4500 هكتار”.

وفي بيانٍ، نشر بتاريخ  23 حزيران/يونيو2023، تناول فريق “منسقو استجابة سورية” أزمة المياه الصالحة للشرب في مناطق ريف حلب الشمالي، وتحديداً في مناطق الباب وجرابلس وتادف والقرى المحيطة بها، التي يتجاوز عدد سكانها أكثر من نصف مليون نسمة. نوه الفريق إلى غياب الحلول الجذرية لمشكلة المياه وأثر ذلك على مختلف جوانب حياة السكان، خاصةً الاقتصادية، حيث: ” وصل سعر برميل المياه إلى 13 ليرة تركية في المنطقة، إضافةً إلى الاعتماد على مياه الآبار غير المعقمة. كما سبب الاعتماد على المياه الواردة من الآبار إلى جفاف معظمها وتلوث الآخر، إضافة إلى انخفاض واضح في منسوب المياه الجوفية في المنطقة، الأمر الذي يعرض المنطقة بشكل أكبر إلى خطر الجفاف”.

وحذر الفريق من أن استمرار أزمة المياه، وعدم حصول نسبة كبيرة من السكان على مياه شرب نظيفة بشكل منتظم، سيشكل “تهديداً فعلياً للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للسكان في أماكن وجودهم، أو ستجبرهم على النزوح إلى أماكن أخرى بحثاً عن الوصول المستدام إلى كميات كافية من المياه بجودة مقبولة”، مطالباً الجهات الإنسانية المعنية بالضغط على الحكومة السورية لإعادة ضخ المياه من محطة عين البيضا، كونها “الحل الوحيد” لإنهاء معاناة سكان المنطقة.

من الأهمية بمكان الإشارة إلى أنّ مجموعة من المنظمات المهتمة بقضايا المياه في سوريا، كانت قد أرسلت مراسلة مشتركة إلى الإجراءات الخاصة في الأمم المتحدة حول أزمة المياه في شمال شرق سوريا والباب، طالبت فيها باتخاذ التدابير اللازمة من أجل إيجاد حلّ عاجل ومستدام لأزمة المياه.

في هذا التقرير الموجز، تسلط “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” الضوء على أزمة المياه في مدينة الباب، وتداعياتها على حياة السكان المحليين والمهجرين داخلياً، من خلال ثلاث مقابلات أجراها الباحث الميداني عبر الانترنت مع مصادر من المدينة، أحدها مزارع بات غير قادر على زراعة أرضه بسبب شح المياه.

بالإضافة إلى تناوله تداعيات الأزمة، يتضمن التقرير صور أقمار اصطناعية تكشف عن الوضع الحالي لمحطة ضخ مياه عين البيضا، بريف كويرس، وحجم الدمار الذي تزعم الحكومة السورية أن المحطة قد تعرضت له خلال معارك السيطرة على المنطقة.

  1. التعطيش كعقاب؟

تشكل وقفة حزيران الاحتجاجية امتداداً لحملة “الباب عطشى” التي أطلقها ناشطون محليون بعد أن حُرِم سكان المدينة من الوصول إلى مخصصاتهم من المياه التي تضخها محطة عين البيضا قبل سنوات، مطالبين الأطراف المسؤولة بالتدخل وإيجاد حلول سريعة.

هذا وقد أكد بيان الحملة لعام 2021، على أن “حق الحصول على المياه هو من بديهيات حقوق الإنسان”، متهماً الحكومة السورية باتباع “سياسة العقاب الجماعي عبر التعطيش”، ومعلناً الباب “مدينة منكوبة”.

حتى أوائل عام 2017، اعتمد سكان مدينة الباب وبلدتي بزاعة وقباسين شمال حلب، على مياه محطة “عين البيضا” بشكل رئيسي، والتي كانت مصدراً لكل من مياه الشرب، والمياه المستخدمة لأغراض منزلية و ري لمساحاتٍ واسعة من الأراضي الزراعية.

  تبعد المحطة عن مدينة الباب نحو 16 كيلومتراً، وهي محطة تستجر مياهها عبر مجرى مائي ينقل حصتها من محطة الخفسة لمعالجة المياه الموجودة على نهر الفرات، والذي بات يشكو أساساً من انخفاض غير مسبوق بمستويات المياه، وسط اتهام منظمات دولية لتركيا بعدم ضمان التدفق الكافي لنهر الفرات إلى سوريا، وهو ما كان له أثر سلبي عميق على المجتمعات المستفيدة، خاصةً خلال انتشار وباء الكوليرا. هذا وتعد محطة الخفسة جزءاً من نظام إمداد المياه في حلب، والذي يصنف بدوره على أنه أحد أكبر شبكات مياه الشرب في سوريا.

خريطة تحدد مواقع محطتي عين البيضا (36.224362, 37.566329) والخفسة، المسؤولة عن تزويد مدينة الباب والبلدات المحيطة بها بمياه الشرب، إضافةً إلى مناطق توزع القوات المختلفة المسيطرة على المناطق حيث المحطتين.

خريطة تحدد مواقع محطتي عين البيضا (36.224362, 37.566329) والخفسة، المسؤولة عن تزويد مدينة الباب والبلدات المحيطة بها بمياه الشرب، إضافةً إلى مناطق توزع القوات المختلفة المسيطرة على المناطق حيث المحطتين.

سيطرت فصائل المعارضة المسلحة، التي أطلِق عليها تسمية “الجيش الحر” سابقاً، على المحطتين بعد أن دخلت الأحياء الشرقية لمحافظة حلب عام 2012، وتوسعت في ريفها، ومنه إلى نهر الفرات؛ لتخضع بعدها المنطقة، بما فيها المحطتين، لسيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) عام 2014.

استمرت المحطتان بضخ المياه نحو مدينة الباب، أحد معاقل التنظيم الرئيسية، حتى نهاية عام 2016، حيث شهد التنظيم عمليات عسكرية ضده، شُنَّت على محورين. شن الجيش التركي عملية “درع الفرات” ضد “الدولة الإسلامية” في ريف حلب، بما في ذلك مدينة الباب، بمساندة فصائل معارضة تدعمها أنقرة.

وبالتوازي مع العملية التركية، بدأت قوات المشاة التابعة للحكومة السورية عملية في الريف الشرقي لحلب، وتمكنت بدعم من الطيران الروسي والسوري، من السيطرة على بلدات وقرى عدة في المنطقة، منها قرية عين البيضا، بريف كويرس، متقدمةً على حساب التنظيم، حتى وصلت إلى نهر الفرات، لتسيطر بذلك على محطتي عين البيضا والخفسة، وتقطع المياه عن الباب “بحجّة تضرر المحطات”، وهو ما وصفته وسائل إعلامية سورية معارضة بـ”مزاعم كاذبة أطلقها النظام ليغطي على جريمته الانتقامية من أهالي المدينة.”

كما أشار موقع “فوكس حلب” إلى فشل مفاوضاتٍ مع الحكومة السورية بوساطة من منظمة “الهلال الأحمر السوري”، حيث رفضت الحكومة إعادة ضخ مياه المحطة، “بالرغم من جاهزية البنية التحتية وخطوط التمديد الواصلة بين المحطة ومنطقة الباب.”

يستمر قطع المياه عن الباب، على الرغم من أن الحكومة السورية كانت قد أعلنت في أواخر عام 2019 عن عودة محطة الخفسة إلى الخدمة، بعد إعادة تأهيلها من الأضرار التي لحقت بها خلال العمليات العسكرية في المنطقة.

وبتاريخ 8 آب/أغسطس 2022، أجرى وفد أوروبي-أممي مشترك جولة في حلب وحمص وحماه، زار خلالها محطة الخفسة، وفي تعليقاته على الزيارة أشاد الوفد بأهمية إعادة تأهيل المحطة ودورها في تغذية مساحات واسعة من المنطقة، دون التطرق إلى أزمة المياه في مدينة الباب والبلدات المحيطة بها.

معلناً الزيارة على حسابه في “تويتر”، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا-سوريا) أنه: “مع التزايد المتسارع للاحتياجات الإنسانية في سوريا، فإن الأزمة لم تنته بعد. من المهم التركيز على التعافي المبكر والاستثمارات الخاصة بتعزيز الصمود، لتجنب المزيد من التدهور”.

فيما أشار رئيس الوفد الأوروبي، دان ستوينيسكو، في تغريدة عبر حسابه في “تويتر”، أن إعادة تأهيل المحطة كان جزءاً من مشروع رعاه الاتحاد الأوروبي واللجنة الدولية للصليب الأحمر-سوريا، للاستثمار في البنية التحتية الضرورية للمياه في سوريا.

مضيفاً أن: “دعم استمرار الخدمات الأساسية أولوية إنسانية! كان من دواعي سروري أن أرى بنفسي كيف يقدم الاتحاد الأوروبي مثل هذا الدعم الأساسي لملايين السوريين في حلب! حان الوقت لكي يعرف السوريون المزيد عن كل الدعم الذي يقدمه الاتحاد الأوروبي في جميع أنحاء سوريا!”

 لقطة شاشة للتغريدة المذكورة أعلاه، تتضمن صوراً من محطة معالجة مياه الخفسة.

الجدير ذكره، أن قطع مياه مضخة عين البيضا عن مدينة الباب، ليست الحالة الوحيدة التي استخدمت فيها الحكومة السورية المياه كسلاح لتحصيل مكاسب سياسية، ففي عام 2017 أيضاً، تركت الحكومة السورية الملايين من سكان دمشق بلا ماء بسبب القصف العنيف على وادي بردى، حيث أفاد سكان محليون من الوادي بوجود قصف عنيف بدا وأنه يستهدف نبع وادي بردى وطبقة المياه الجوفية، وكلاهما مسؤول عن تغذية دمشق بالمياه.

هذا وقد وثقت “سوريون” عام 2016، سقوط عدّة براميل على منشأة نبع عين الفيجة، في وادي بردى والذي يعتبر شريان حياة العاصمة دمشق. أدى القصف إلى خروج جزء كبير من المنشأة عن الخدمة وتلوث مياه الشرب بمادة المازوت التي تسربت من المضخات ومادة الكلور التي اختلطت مع مياه الشرب الذاهبة إلى دمشق.

  1. فشل المفاوضات والحلول البديلة

تلا قطع الحكومة السورية لمياه مضخة عين البيضا، أزمة إنسانية متعددة الطبقات في الباب، لاسيما وأن المدينة كانت تعاني من أضرار جسيمة بسبب المعارك ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، فقد شهدت الباب دماراً كبيراً في البنية التحتية، من شبكات مياه وصرف صحي، وتراجعاً في الخدمات الأساسية، منها الكهرباء، قُدّر بأنه يحتاج “إلى إمكانات دولة من أجل النهوض بواقع المدينة.”

تظل الباب حبيسة هذا الواقع، خاصةً بعد فشل المفاوضات بين أطراف الصراع المسيطرة على المدينة وما حولها بالتوصل إلى اتفاق يخص مضخة عين البيضا، حيث أكد إعلامي من مدينة الباب، قابلته “سوريون” لغرض هذا التقرير، أن:

المفاوضات بين الجانب التركي والجانب الروسي فشلت لعدم وجود مقابل يأخذه الروس بدل المياه، فكان الرفض قطعياً، وهذا بحسب ما أخبرنا به الجانب التركي.”

أدى استمرار القطع إلى فجوة هائلة، فبحسب المصدر:

“كانت تستخدم مياه (المحطة) للشرب والاستخدامات المنزلية واحتياجات الزراعة، فقد ضخت حوالي 25 ألف م3 يومياً للمنازل و100 ألف م3 للأراضي الزراعية.”

دفعت هذه الفجوة أهالي المدينة للبحث عن حلول بديلة عن مياه المحطة، كان منها حفر الآبار الجوفية. بهذا الصدد، أضاف المصدر:

“بين العامين 2018 و2019، كان يتم العثور على الماء في الآبار الجوفية على عمق يتراوح بين 60 إلى 100م. بدأت تلك الآبار بالجفاف بعد عام 2019، فأخذ الأهالي بزيادة عمق الحفر إلى ما بين 250 إلى 400 م.”

غير أن آبار المدينة لم تجف فحسب، بل فشلت بتغطية حجم الاحتياج المتزايد، حيث شهدت المدينة زيادة سكانية كبيرة مع موجات النزوح التي قصدتها من مناطق الغوطة الشرقية والغربية والقلمون الشرقي وريف حمص الشمالي ودرعا عام 2018، بحسب المصدر.

استجابةً للاحتياجات المتنامية، اعتمد المجلس المحلي على آبار خارج مدينة الباب، تم حفرها في منطقتي سوسيان والراعي؛ تستجر المياه من هذه الآبار، وتعبأ في خزانين بناهما المجلس في المدينة، قبل بيعها للسكان وتوزيعها عن طريق صهاريج. وعن هذا، قال المصدر:

“أطلق المجلس المحلي لمدينة الباب مشروعاً لتغذية الأهالي بالمياه. اعتمد المشروع على 13 بئر جوفي وخزاني مياه سعة كل منهما 2000 برميل، استخدما لتخزين المياه قبل ضخها للأحياء. لكن طاقة المشروع كانت كافية لتغذية المدينة لمدة ساعتين كل أسبوع فقط، أي ما يقرب من 1م3 لكل عائلة أسبوعياً، وهذا المشروع لم يغطي كل أحياء المدينة. منذ فترة، بدأت هذه الآبار الجوفية بالجفاف، مما قلل من إمكانية التخديم التي يقدمها المجلس المحلي.

أكّد أحد أعضاء المجلس المحلي في مدينة الباب وجود فجوة بين الاحتياج المسجل وطاقة الآبار، مضيفاً في إفادته لـ”سوريون”:

“بموجب التعداد السكاني البالغ ما يقرب من 350 ألف نسمة، نحتاج إلى 25000م3 (يومياً). حالياً، تضخ الآبار حوالي 5000 م3 باليوم تقريباً، والضخ في تناقص مستمر بسبب انخفاض منسوب المياه الناجم عن الجفاف وقلة الأمطار، وهو ما يزداد سوءاً خلال فصل الصيف؛ هذا وانخفضت غزارة بعض الآبار وقلَّ عددها بعد الزلزال.”

بالإضافة إلى محدودية التغذية، أشار الإعلامي إلى معاناة السكان من آثار صحية بسبب اعتمادهم على مياه الآبار الجوفية والصهاريج:

“المياه التي تصل إلى مدينة الباب من سيارات النقل أو مجلس المدينة غير معالجة أو معقمة بمادة الكلور مما يؤدي لحالات تسمم يومية. وأيضاً هناك أمراض أخرى مثل حصى بالكلية ورمل بسبب الكلس العالي في المياه.”

وتوسع المصدر في حديثه عن الآثار الاقتصادية للأزمة، نظراً لارتفاع كلفة المياه البديلة بالمقارنة مع دخل سكان المدينة:

“حيث تتراوح تكلفة المتر المكعب الواحد ما بين 60 إلى 70 ليرة تركية، فيما يرتفع السعر إذا كانت المياه من خارج المدينة. ومع ارتفاع درجات الحرارة، يزداد الطلب على المياه وبالتالي ترتفع الأسعار وتطول فترة انتظار وصول صهريج المياه. أنا متزوج وعندي خمسة أطفال، ونحتاج إلى متر مكعب كل أربعة أيام، وبمعدل 70 ليرة للمتر، تكلفنا المياه 550 ليرة تركية تقريباً؛ أي أننا ننفق نصف الراتب تقريباً ثمناً للمياه، فيما يدفع صديقي بمنطقة ريف حلب الغربي 70 ليرة تركية مقابل 6 أمتار مكعبة. نحاول التقنين باستهلاك المياه جداً؛ مثلاً مياه غسيل الملابس، نستخدمها لتنظيف الأرضيات والدرج. هناك منظمة توزع المياه مجاناً، ولكنها تغطي نسبة محدودة فقط.” 

وعلى الجانب الاقتصادي أيضاً، نوه المصدر إلى أن قطع مياه مضخة عين البيضا كان سبباً في تراجع قطاع الزراعة في المدينة، مضيفاً:

“قطع المياه عن مدينة الباب كان سبباً بدمارها اقتصادياً، حيث كانت تلك المياه تستخدم في الزراعة أيضاً.  دُمِرت الزراعة في مدينة الباب وريفها، في بلدات مثل قباسين وبزاعة، لأن غالبية السكان يشتغلون بالزراعة وأصبح أغلبهم بلا مهنة، ومن يحاول منهم الاستمرار ويحفر بئر مياه، يواجه بالخسارة، بسبب التكاليف العالية لاستخراج المياه من حفر وأدوات الاستخراج، ومصاريف تشغيل البئر. كلفة حفر الآبار عالية جداً، مثلاً يكلف حفر المتر الواحد 8 دولار، هذا دون ثمن القميص المعدني الداخلي للبئر والغطاس ومولدة التشغيل والمازوت. عدا عن أن بعضهم يحفر بئراً ويتكلف، فلا يجد ماء أو يكون معرضاً لجفافها فوراً؛ حالياً الآبار المضمونة في الباب، تحتاج إلى عمليات حفر على عمق 700-750 متر تحت الأرض وهذا ذو تكلفة عالية جداً.”

وفي تقريرٍ مصور، رصدت قناة “حلب اليوم” المخاطر التي تهدد مدينة الباب أثر انحسار مستويات المياه الجوفية، لاسيما على مساحاتها المزروعة والتي تعتمد بشكل كلي على مياه الآبار، مقدرةً تراجع الزراعة والإنتاج بنسبة تزيد عن 75 بالمئة.

  1. تراجع حاد في قطاع الزراعة:

يتقاطع وصف الإعلامي لمعاناة المزارعين، مع إفادة مزارع من مدينة الباب، ورث المهنة عن والده وجده، واستمر في ممارستها إلى أن قُطِعت المياه عن الباب، قبل أربعة أشهر سيطرة الجيش التركي وفصائل المعارضة المسلحة عليها. بالإضافة إلى حجز مياه مضخة عين البيضا، قطعت الحكومة السورية مياه مشروع ري سهول تادف والباب، والذي صمم ونفذ خصيصاً للنهوض بواقع الزراعة في ريف محافظة حلب. قال المزارع لـ “سوريون”:

المشروع يبدأ من نهر الفرات، وهو عبارة عن ساقية فوق الأرض، تعرف بساقية “البابيرى” أو ساقية “دير حافر” وتذهب باتجاه السفيرة. توجد على الساقية مضخات لسحب المياه عبر أنابيب تحت الأرض ومن ثم إلى مدينة الباب. وهو مشروع مختلف عن مشروع عين البيضا، الذي يستخدم لمياه الشرب، والتي تُستَجر من نفس الساقية ولكنها تمر عبر محطة تنقية المياه في عين بيضا. تم تنفيذ المشروع بعام 2006 – 2007 من قبل شركة تركية. تم حفر هذه المساحات بآليات تركية ومن قبل عمال أتراك، وتم تمديد البواري أيضاً من قبل أتراك، أما المضخات هي إيرانية حسب علمي. واصل المشروع العمل وتخديمنا بالمياه ما إن انتهى تنفيذه، واستمر بذلك حتى في أثناء سيطرة الجيش الحر وبعدها سيطرة تنظيم داعش. ولكن قبل سيطرة الجيش الوطني وتركيا على مدينة الباب بأربعة أشهر تم قطع المياه عنا حتى هذه اللحظة.” 

هذا وكانت الحكومة السورية قد أعلنت عن تدشين المشروع عام 2007 والذي “هدف إلى استصلاح  6700  هكتار من أراضي المنطقة بطرق الري الحديث وذلك من خلال شبكات ري وصرف ضمن سرير نهر الذهب فى منطقة الباب بغية تطوير المنطقة زراعيا واقتصاديا واجتماعيا وبيئيا.”

صممت المشروع شركة “سوف انترفود” الروسية للهندسة المائية، ونفذته شركات “سوبرليت” التركية، و”شيمبار” الإيرانية والشركة العامة للكهرباء والاتصالات، لصالح المؤسسة العامة لاستصلاح الأراضي – مديرية التشغيل والصيانة بالفرات الأعلى، التابعة للحكومة السورية.

وكما في حالة مضخة عين البيضا، نوه المصدر إلى فشل المفاوضات بين أطراف الصراع المسيطرة على المنطقة، في إيجاد حل لأزمة قطع مياه مشروع الري:

“رفض النظام تزويدنا بالماء، وتركيا لم تجعل ملف مدينة الباب ضمن ملف التفاوض بمبادلة الكهرباء والماء في الحسكة وعلوك وتجاهلت الموضوع كلياً. وبرأيي تركيا مستفيدة من عدم وصول المياه إلينا، لأن بدل الخضروات والبقوليات التي نزرعها نحن، باتت تركيا تغطي هذا النقص، بإدخال كميات كبيرة من الخضروات والبقوليات إلى الشمال السوري. فتركيا تسوق لمنتجاتها من خضروات وبقوليات وقطن بدل انتاجنا السابق، وبما أن تركيا هي من نفذت هذا المشروع لصالح الحكومة (السورية)، هي أكثر جهة تعلم فائدة هذا المشروع للشمال السوري، بتشغيل عدد كبير من اليد العاملة وكذلك الإنتاج الكبير الذي سيخفض الأسعار في سوريا.” 

تحدث المصدر عن وضع الزراعة في الباب ما قبل قطع المياه، مضيفاً:

“كنا نزرع أرضاً مساحتها 150 دونم  (15 هكتار)، واستعنا بحوالي 120-130 عامل وعاملة، عملوا يومياً فيما عدا الأيام الماطرة. وحتى في فترات الليل، كنا نعمل لإنتاج الخضروات والبقوليات والقطن؛ وكنا قد قسمنا الأرض لقطاعات حتى نغطي جميع المنتجات. وكان لدينا سيارتان كبيرتان، نحمل فيها الخضروات وبقوليات، إلى سوق الباب طوال اليوم. كان لدينا إنتاج ضخم جداً، ويد عاملة كثيرة، فكنا نرسل الانتاج لجميع المحافظات، بالإضافة لخارج سوريا وخاصةً دول الخليج، بسبب الفائض بالإنتاج ولأن الدولة السورية سمحت لنا بالتصدير. الباب معروفة بكثرة السهول فيها وخصوبة أراضيها، والتي اعتمدت على مياه الأمطار أيضاً.”

ولكن قطع المياه غير كل ذلك، أضاف المصدر:

“بعد قطع المياه، جفت أرضي وأراضي الجميع وتحولت إلى أرض قاحلة جداً. أرضي تحولت إلى صحراء، وأنا أصبحت عاملاً لدى الناس. كان أكثر من 70% من سكان مدينة الباب يعملون في الزراعة، أصبحت النسبة الآن تحت 5%، انتهت بشكلٍ كامل؛ شعب الباب، صاحب مصلحة بالزراعة، وليس له مصلحة أخرى، لذلك يجد صعوبة كبيرة في العمل بالمجالات الأخرى. خلف هذا ارتفاعاً بأسعار الخضروات والبقوليات في عموم سوريا. هذا العام، كانت نسبة هطول (الأمطار) مقبولة، فاستطعنا الحصول على موسم مقبول من الحنطة فقط؛ أما في السنوات الماضية، خسرنا بذار الحنطة الذي زرعناه؛ لأنه زرع صيفي وهو يحتاج إلى الكثير من المياه وهذا غير متوفر حالياً.”

وبالإضافة إلى قلة الإنتاج، يعاني المزارعون من المنافسة في تصريف محصولهم، حيث قال المصدر:

“مثلاً، موسم البطاطا، عندما تدخل قوافل البطاطا التركية، ينضرب/يتأذى كل سوقنا ونخسر موسم زراعتنا، القليل جداً.” 

وعن تكاليف المياه البديلة، أضاف المصدر:

“بحثنا عن حلول ولكنها لم تكن مفيدة، مثل حفر الآبار الجوفية أكثر من 600 م تحت الأرض، وهي مياه كبريتية غير صالحة للشرب، وحتى للزراعة ليست مفيدة كثيراً ولكنها هي الموجود حالياً. حفرت بئر جوفي على عمق 60 م، استخدمه للمنزل، ولبضعة أشجار في المنزل أيضاً، لا أكثر. الآبار الجوفية، التي يزداد عمقها أكثر من 600 م مكلفة جداً، فمثلا تكلف حوالي 10 آلاف دولار، ما عدا البواري والغطاس الذي تكلفته حوالي 2200 دولار.” 

أدى شح المياه، والتكاليف العالية لمصادرالمياه البديلة أو انخفاض جودتها إلى انحسار الغطاء النباتي الذي وجد في المدينة قبل أزمة المياه، وعن هذا أفاد المصدر:

“مثلاً أشجار الرمان التي تشتهر بها المدينة، ذبل حوالي 80% منها، والمتبقية تشرب من مياه الصرف الصحي. جميع أشجار الباب التي ما زالت موجودة، تسقى من مياه الصرف الصحي.” 

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد