الرئيسية تقارير مواضيعية آلية تشكيل وعمل اللجنة الدستورية السورية

آلية تشكيل وعمل اللجنة الدستورية السورية


أصوات سورية لدستور شامل - ورقة رقم 1

بواسطة z.ujayli
221 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

يشكّل الدستور أساس النظام السياسي لأي دولة، ويتضمن المبادئ والقيم الناظمة للمجتمع، ويحدد صلاحيات وحدود السلطة السياسية الحاكمة، وعلاقات السلطات الثلاث ببعضها البعض (القضائية والتشريعية والتننفيذية). ويحدد نموذج آلية المساءلة فيها كما أنَّه ينطوي على سلطة رمزية بإمكانها توحيد أي بلد حتى وإن كان شديد التنوع كسوريا.

وعلاوة على ذلك فإنَّ الدستور هو الذي يضمن حقوق المواطنين ويساندهم في كل دول العالم، بيدَ أنَّ سوء استخدامه يعوق هذا الأمر.

وفي المناطق التي تشهد نزاعات كسوريا، فإنَّ أي تغيير يمكن أن يطرأ على الدستور (كتعديله أو صياغة واحد جديد كلياً)، سيرسم خارطة الطريق للبلاد لعقود من الزمن، فان كان هذا التغيير شكلياً سيستمر حكم الاستبداد والظلم على البلاد، وإن كان التغيير جوهرياً وجاداً سيساهم بشكل كبير في الوصول بالبلاد إلى بر الديمقراطية والسلام.

واعترافاً بالدور التأسيسي الذي يلعبه الدستور وبأهمية بناء دستور عادل، تم تشكيل اللجنة الدستورية السورية برعاية أممية، مؤلفة من حكومة الجمهورية العربية السورية ولجنة المفاوضات السورية المعارضة، إلى جانب المجتمع المدني. وذلك من خلال عملية يسَّرتها الأمم المتحدة التي أقرت بتأسيس اللجنة بموجب القرار 2254، ونظَّمت اجتماعها الأول في عام 2019، الذي أعلن خلاله المجلس التأسيسي عن بداية السعي نحو إجراء تعديلات على الدستور الحالي أو صياغة دستور جديد ليكون ذلك جزء من الطريق نحو السلام والاستقرار الوطنيين.[1]

بينما وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش المساعي الدستورية بأنها جزء من عملية سلام يملكها ويقودها السوريون، كان هناك جدل كبير دائر حول فئات الشعب السورية الممثلة في اللجنة الدستورية والدور الذي لعبته القوى الأجنبية في اختيارهم. فقد حدث أن تدخلت كل من تركيا وروسيا في عملية اختيار الأعضاء المشاركة في اللجنة الدستورية، الأمر الذي يجعل من الواضح أنَّ تأثير القوى الأجنبية لم يتوقف عند الصراع السوري فحسب بل امتد إلى عملية بناء السلام في سوريا.

لكن، في الوقت الذي نرى فيه أنَّ تدخل القوى الأجنبية هذا غير متناسب مع العملية الدستورية التي من المفترض أن تكون سورية بحتة، يجد العديد من السوريين أنفسهم مستبعدين من هذه العملية. فعلى سبيل المثال، وبحسب معهد الشرق الأوسط[2]، فإنَّ اللجنة الدستورية متحيزة وبشدة ضدَّ الأكراد الذين يمثلون 4% فقط من مجموع أعضائها، وهذه النسبة تمثل أقل من نصف عددهم بالنسبة للتعداد السكاني في سوريا ككل.

ووفقاً للمعطيات الحالية واستناداً إلى ميثاق حقوق الإنسان واحتياجات المواطن السوري فإنَّ سوريا اليوم بأمس الحاجة إلى دستور عادل ومنصف، وذلك للنهوض بالبلاد التي وبحسب الإحصائيات يعاني 9.3 مليون من أبنائها من انعدام الأمن الغذائي– وهو أعلى رقم تمَّ تسجيله في العالم على الإطلاق–[3] وذلك نتيجة لاستمرار الصراع في البلاد وانتشار وباء كوفيد -19 مؤخراً.

هذا بالإضافة إلى استمرار ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان على نطاق واسع من قبل جميع الجهات الفاعلة في مع استمرار تَعذُّر الوصول إلى وسائل المحاسبة أو بالأحرى غيابها تماماً. وهذا التدهور يؤكد الحاجة الملحة لبناء دستور جديد ليكون خطوة نحو الحل السياسي وإنقاذ البلاد.

 إنَّ هياكل/أنظمة المساءلة، ومعايير الشمولية وآليات العدالة الانتقالية المتضمنة في الدستور لا تمثل فقط المبادئ التي تلتزم فيها الدولة بل إنها تجعل من الدستور حجة قانونية لحماية حقوق إنسان المواطنين السوريين ومن بينهم الأقليات، ولضمان نظام قضائي حر وعادل ومستقل.

تجدر الإشارة إلى أنَّ عملية بناء الدستور هذه قد تعطي الفرصة للمواطنين السوريين المحرومين من حقهم في إبداء الرأي بأن يشاركوا أولوياتهم في الدولة التي يريدون العيش في كنفها بعد سنوات من الصراع، في حالم تمّ اتخاذ خطوات جديّة توسع نسبة تمثيل جميع المناطق السورية من أجل أن تشمل هذه اللجنة فئات سورية أخرى تمّ إقصاؤها.

وفي حال فشلت الأطراف المحلية والدولية بجعل اللجنة أكثر شمولية، وفشلت في جعل عملية بناء الدستور في أن تكون شاملة ومراعية لمصالح جميع مكونات الشعب في سوريا وبالتالي في كسب ثقة الناس في شرعيتها، فإنَّ ذلك سيقوض عملية بناء السلام في سوريا بدلاً من النهوض بها. وفي هذا المناسبة، تغتنم سوريون من أجل الحقيقة والعدالة الفرصة وتدعو الجهات الفاعلة الحكومية منها وغير الحكومية مرة أخرى، إلى إعادة النظر بتمثيل المناطق والمجتمعات السورية، وجعلها أكثر شمولية، وضمان بناء دستور سوري من خلال عملية تضمين قائمة على أساس توافق آراء وطني يضم أصوات جميع فئات الشعب السوري.

ولكن في الوقت نفسه ترى سوريون من أجل الحقيقة والعدالة أنَّ صياغة دستور جديد بشكل عاجل وفرضه بشكل دائم على مجتمع لايزال يلملم جراح الحرب سوف لن يكون حلاً سحرياً لحل الصراع، إذ لا بدَّ من الانخراط في عملية صياغة ذات رؤية نقدية متعددة الجوانب تضع في الاعتبار اختلاف آراء المجتمعات التي سيحكمها الدستور.[4] ومن هنا جاءت فكرة مشروع “أصوات سورية لدستور شامل” الذي باشرت به “سوريون” العام الماضي، ونظَّمت في سياقه وعلى مدار العام (9) جلسات تشاورية، استقت من خلالها وجهات نظر ممثلين عن المجتمع المدني السوري وناشطين حول مواضيع تتعلق بعملية بناء الدستور في سوريا. ولخصت نتائج هذه الاجتماعات في خمسة تقارير تضمنت مقارنات مع نقاشات نقدية تاريخية ومعاصرة وقدَّمت توصيات حول كيفية تحسين درجة الشمول في عملية بناء الدستور السوري الجديد. هذا بالإضافة إلى تقديم لمحة تاريخية عن دساتير سوريا السابقة والتعريف باللجنة الدستورية السورية وسيكشف التقرير الحالي عن تصوّر المواطنين السوريين الذين تحدثنا إليهم عن المحاولة القائمة لكتابة أو تعديل دستور سوري جديد.

  1. دستور الجمهورية العربية السورية لعام 2012

بدأ العمل على الدستور السوري الحالي في النصف الثاني من عام 2011، استجابة للانتفاضة السورية التي اندلعت في آذار/مارس 2011، والتي خرجت إثرها احتجاجات في معظم أنحاء البلاد. تزامن ذلك مع وعود من الرئيس السوري بشار الأسد بإجراء مجموعة من الإصلاحات وألمح إلى إجراء إعادة صياغة للدستور، أو على الأقل إدخال تعديلات مهمة على أحكامه.

وبالفعل، وفي تاريخ 15 تشرين الأول/أكتوبر عام 2011، أصدر الرئيس السوري، بشار الأسد، المرسوم الجمهوري رقم 33 القاضي بتأليف لجنة إعادة كتابة الدستور، المكونة من 29 عضوًا. وفي 27 شباط/فبراير 2012، صدر المرسوم التشريعي رقم 94 الذي أقرَّ بالمصادقة على دستور “الجمهورية العربية السورية” لعام 2012، بعد إجراء استفتاء بتاريخ 15 شباط/فبراير 2012. لكن ذلك لم يستطع أن يهدئ ثورة الجماهير الغاضبة بل على العكس فقد قوبل بانتقادات لاذعة، وذلك لأنه حافظ على غالبية أحكام ومواد الدستور السابق مادفع النقاد للقول بأنه مجرد دستور معدَّل وليس بجديد.

يوضح الدستور المعتمد الخطوط العريضة لنظام الحكم الجمهوري مؤكداً على الحفاظ على حدود البلاد بقوله: “اﻟﺠﻤﻬﻮرﻳﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ اﻟﺴﻮرﻳﺔ دوﻟﺔ دﻳﻤﻘﺮاﻃﻴﺔ ذا ﺳﻴﺎد ﺗﺎﻣﺔ، ﻏﻴﺮ ﻗﺎﺑﻠﺔ ﻟﻠﺘﺠﺰﺋﺔ، وﻻ ﻳﺠﻮ اﻟﺘﻨﺎز ﻋﻦ أ ﺟﺰ ﻣﻦ أراﺿﻴﻬﺎ.” كما أكد الدستور على ماورد بسابقه بأنَّ “دين رئيس الجمهورية الإسلام، والفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع“.

وتفاوتت ردود الأفعال الدولية تجاه الدستور بين راضٍ كروسيا وممتعض كفرنسا التي وصفت، إلى جانب دول غربية أخرى، عملية الاستفتاء على الدستور بـ “المهزلة” في ظل استمرار العمليات العسكرية في البلاد.[5]

وكانت الفجوة واضحة جداً بين الأحكام النظرية الواردة في دستور عام 2012، حول أهمية حماية حقوق الإنسان وحماية الأقليات وتطبيقها في الواقع الحياتي للمواطنين السوريين ما أدى إلى فقدانهم الثقة بهذا الدستور واعتبار أحكامه مجرد وعود وردية وهمية لتهدئة غضب الشارع وقوَّض إيمانهم بقدرته على أن يكون الوثيقة القانونية التي يمكن أن تقود المرحلة انتقالية. نحن نؤمن بأنَّه يجب على الدستور الجديد أن يكون شاملاً ومستوفياً لآراء جميع مكونات الشعب السوري كي ينجح في توحيد سوريا.

  1. اللجنة الدستورية السورية

أُنشئت اللجنة الدستورية السورية بموجب القرار رقم 2254، الصادر عن الأمم المتحدة،[6] وتمَّ الإعلان عنها رسمياً بعد “مؤتمر الحوار الوطني” الذي انعقد في سوتشي/روسيا عام 2018، (بعد توافق روسي/تركي/إيراني)، كجزء من استراتيجية دولية لحل النزاع السوري صيغت على شكل أربع سلال (أربع ملفات) وهي إنشاء حكومة انتقالية غير طائفية ذات مصداقية، ووضع جدول زمني لمسودة دستور جديد، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة بعد وضع دستور، وذلك خلال 18 شهرا، تحت إشراف الأمم المتحدة، وخوض حرب موحدة ضد الإرهاب. وعلى الرغم من أنَّ السلال الأربع هي على ذات القدر من الأهمية ترى اللجنة أنَّ عملية كتابة الدستور أوتنقيحه لا بدَّ منها لتحديد الخطوات اللازمة لتنفيذ السلال الأخرى.

تضم اللجنة 150 عضواً خمسون اختارهم النظام وخمسون اختارتهم المعارضة وخمسون اختارهم المبعوث الخاص للأمم المتحدة من خلفيات دينية وإثنية وجغرافية متنوعة بهدف الأخذ في الاعتبار آراء خبراء وممثلين للمجتمع المدني يؤلفون مجتمعين ما أطلق عليه اللجنة الموسعة بينما هناك اللجنة المصغرة وهي نسخة مختصرة تضم 15 عضواً تمت تسميتهم من قبل الأطراف الثلاثة. تقوم اللجنة المصغرة بإعداد وصياغة وتقديم المقترحات لللجنة الموسعة للموافقة عليها.[7]

  1. المنهجية  

قام مشروع “أصوات سورية لدستور شامل” بتنظيم ما عدده تسع جلسات تشاورية حضرها أكثر من 80 مشاركاً/ة من أصحاب الاختصاص و نشطاء من المجتمع المدني وقادة المجتمع ومواطنين سوريين، تمَّ اطلاعهم خلال هذه الجلسات على التقدّم الذي أحرزته اللجنة نحو كتابة دستور جديد لسوريا أو تعديل الدستور الحالي. وكانوا يشاركون تساؤلاتهم حول الموضوع مع أحد أعضاء اللجنة السورية للدستور حيث كان يحضر الإجتماعات أعضاء من مجموعة المعارضة أو من مجموعة المجتمع المدني. وكانت النقاشات تدور حول مواضيع عدة منها ما يتعلَّق بأهداف وغايات اللجنة الدستورية ومحتوى الدستور  ووظيفته في المرحلة الانتقالية وأخرى مثل الحوكمة والنظام القضائي. وبعد انتهاء جلسات النقاش وُزّع على المشاركين استبيان مفصل مكوّن من 40 سؤالاً متعلقاً بمختلف نواحي عملية بناء الدستور. وكان من ضمن المواضيع الرئيسية التي استوفاها:

  • اللجنة الدستورية.
  • الشمولية والتمثيل في الدستور.
  • العدالة الانتقالية وعملية بناء الدستور.
  • الحوكمة والأنظمة القضائية.
  • العدالة البيئية والاجتماعية.

ستنشر وجهات نظر المشاركين التي أدلوا بها سواء بجلسات النقاش أو بالاستبيان مقسمة على الخمسة تقارير التي أعدتها وتعتزم نشرها سوريون من أجل الحقيقة والعدالة.

نجحت سوريون من أجل الحقيقة والعدالة في جمع 83 مواطناً سورياً من خلفيات دينية وإثنية وجغرافية متنوعة للعمل معها على دراستها. وبما أنَّ عينة هذه الدراسة صغيرة نسبياً ركزت المنظمة بشكل خاص على الاستماع لوجهات نظر الأقليات في الشمال السوري كما أوردت آراء المشاركين الذين يقطنون في مناطق تشهد أوضاع غير مستقرة ويصعب على نشطاء المجتمع المدني الوصول إليها حيث أنَّ 92.7 % من المشاركين يعيشون داخل سوريا حالياً وهم يمثلون مجتمعات وأقليات تقع في مناطق الشمال والشمال الغربي والشمال الشرقي من البلاد. 38.6% من المشاركين هم من النساء و 55.4% تحت سن 35.

 

لقراءة التقرير كاملاً وبصيغة ملف PDF يُرجى الضغط هنا.

 

_______

[1] عشية إطلاق اللجنة الدستورية السورية، الأمين العام يرحب بهذه “الفرصة الفريدة” كخطوة أولى على طريق الخروج من مأساة الصراع السوري. موقع الأمم المتحدة. 29 تشرين الأول/أكتوبر 2019. آخر زيارة للموقع 6 أيار/مايو 2021. https://news.un.org/ar/story/2019/10/1042711

[2]  Shaar, Karam, and Ayman Dasouki. “Syria’s Constitutional Committee: The Devil in the Detail.” The Middle East Institute, 6 January 2021,https://www.mei.edu/publications/syrias-constitutional-committee-devil-detail.

[3]  الحكومة السورية تقر قيوداً على توزيع الخبز المدعم مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد، صحيفة الغارديان، 2020، https://www.theguardian.com/world/2020/oct/05/syria-introduces-limits-on-subsidised-bread-as-economic-crisis-bites (آخر زيارة للرابط: 20 كانون الثاني/يناير 2021).

[4] البدائل الدستورية لسوريا: الحوكمة، والتحول الديمقراطي وبناء المؤسسات، برنامج الأجندة الوطنية لمستقبل سوريا (NAFS)، تشرين الثاني/نوفمبر 2017، https://www.unescwa.org/sites/www.unescwa.org/files/events/files/nafs_constitutional_options_for_syria_-_position_paper.pdf (آخر زيارة للرابط: 20 كانون الثاني/بناير 2021).

[5] الغرب يعتبر ان الاستفتاء على الدستور السوري الجديد “خدعة وتزييف”، موقع قناة المنار، 27 شباط/فبراير 2012، http://archive.almanar.com.lb/article.php?id=191199 (آخر زيارة للرابط: 20 كانون الثاني/يناير 2021).

[6] مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ، قرار مجلس الأمن رقم 2254، (2015)، 15-22539.

[7] زكي محشي: حوار حول اللجنة الدستورية السورية مع المحامي كمال سلمان، تشاتام هاوس، 2019. (آخر زيارة للرابط: 20 كانون الثاني/يناير 2021). https://syria.chathamhouse.org/research/syrian-constitutional-committee.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد