الرئيسية تعليقات ورأي “العلاقة بين المؤسسات التجارية وحقوق الإنسان”

“العلاقة بين المؤسسات التجارية وحقوق الإنسان”


ورقة مشتركة ما بين منظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" و "البرنامج السوري للتطوير القانوني"

بواسطة wael.m
49 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية

خلفية: تحاول سوريون من أجل الحقيقة والعدالة جمباً إلى جنب مع البرنامج السوري للتطوير القانوني من خلال هذه الورقة المشتركة على إلقاء الضوء على  العلاقة ما بين “الشركات التجارية” و “حقوق الإنسان” وتحديداً في السياق السوري، وخاصة بعد كثرة الحديث عن موضوع “إعادة إعمار سوريا” رغم عدم وجود أي تسوية نهائية للأزمة السورية، وعدم البدء بأي إجراءات “عدالة انتقالية” حقيقة قد تجنّب البلاد ويلات حروب ونزاعات أخرى، فعلى مدار سنوات النزاع الفائتة قامت العديد من المنظمات السورية والدولية واللجان الأممية بإصدار مئات التقارير الحقوقية حول جملة مختلفة من الانتهاكات الواقعة على الأرض السورية دون حصول أي تحرّك حقيقي على مستوى البدء بإجراءات المساءلة والمحاسبة أو إظهار الحقيقة لا على المستوى الوطني أو الإقليمي أو الدولي.

وتأتي هذه الورقة كجزء من نهج تشبيك أوسع تتبعه سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، وخاصة في علاقتها مع المنظمات السورية المحلية الأخرى، فخلال الأشهر المنصرمة أصدرت المنظمة سلسلة من التقارير والأوراق المشتركة، منها (تقرير خاص حول الهجوم الكيميائي الذي تعرّضت له مدينة خان شيخون في محافظة إدلب بتاريخ 4 نيسان/أبريل 2017) وذلك بالإشتراك مع منظمة العدالة من أجل الحياة، وتمّ إصدار تقرير مشترك آخر حول “ثمان هجمات” استهدفت المرافق الطبّية في محافظة إدلب خلال شهر نيسان/أبريل 2017، وكان التقرير مشتركاً ما بين (سوريون من أجل الحقيقة والعدالة والأرشيف السوري ومنظمة العدالة من أجل الحياة)، وجاء التقرير تحت عنوان (مرافق طبّية تحت النار). وكإستجابة للرد على بعض المفاهيم الخاطئة المتعلّقة حول الآلية الدولية المستقلة حول سوريا والتي أقرتها الجمعية العمومية في كانون الأول/ديسمبر 2016، قامت سوريون من أجل الحقيقة والعدالة والمركز السوري للعدالة والمساءلة ومركز توثيق الانتهاكات في سوريا بإصدار ورقة مشتركة بعنوان (توضيح بعض المفاهيم الخاطئة المتعلقة بالآلية الدولية المحايدة والمستقلة التابعة للأمم المتحدة) محاولين الإجابة على بعض الاستفسارات التي رافقت الآلية.

مقدمة:

منذ اندلاع النزاع السوري وحتى يومنا هذا ارتكبت كافة أطراف النزاع المسلح في سوريا -وخاصة القوات الحكومية السورية والقوات الروسية حليفتها- جرائم حرب وانتهاكات خطيرة أخرى للقانون الدولي الإنساني وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.[1] فقد ذكر تقرير منظمة العفو الدولية لعام 2016/2017 أن القوات الحكومية والروسية الحليفة كانت قد شنت” هجمات عشوائية، وهجمات مباشرة على المدنيين والأعيان المدنية، مستخدمة القصف الجوي والمدفعي، و متسببة بآلاف الإصابات في صفوف المدنيين.”[2] و أنه قد وردت تقارير” تفيد بأن القوات الحكومية استخدمت مواد كيميائية أيضا.”[3] و أن القوات الحكومية “قامت بعمليات حصار طويلة عانى منها المدنيون، وحالت دون حصولهم على السلع ً والخدمات الأساسية. وقبضت السلطات تعسفاً على آلاف الأشخاص و اعتقلتهم، و أخضعت عديدين منهم للاختفاء القسري والاعتقال المطول وللمحاكمات الجائرة، وواصلت على نحو منهجي إخضاع المعتقلين للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، متسببة بوفيات في الحجز. كما قامت بأعمال قتل غير مشروع، من بينها الإعدام خارج نطاق القضاء.” [4]

و في ظل كل هذه الانتهاكات الجسيمة بدأت الحكومة السورية وحليفتها الروسية بالحديث عن مخططات إعادة بناء و إعمار سوريا على الرغم من استمرار الحرب. فقد صرح وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو خلال مؤتمر صحفي له أنه حان الوقت للحديث عن إعادة الإعمار في سوريا وقال إن روسيا تعتقد أنه قد “حان الوقت لبدء الحديث عن إعادة إعمار المنشآت في سوريا في مرحلة ما بعد النزاع المسلح، وعن مشاركة تحالف دولي واسع في هذه الجهود.”[5]

و في مطلع هذا العام قامت عدد من الصحف العالمية بإبداء اهتمام كبير بالحديث عن إعادة إعمار سوريا ونشرت فاينانشال تايمز مقالة بعنوان “روسيا تطلب من القوى الدولية إعادة إعمار سوريا.”[6] وورد في المقالة  “أن الدول الغربية ودول الخليج، التي أغضبها التدخل الروسي في سوريا الذي حول دفة القتال الدائر هناك لصالح الرئيس السوري بشار الأسد، لن تساهم في إعادة الإعمار إلا إذا ضمنت روسيا تسوية للنزاع تضمن انتقال السلطة.”

وكشف تقرير للبنك الدولي نشر مؤخرا أن إجمالي خسائر الاقتصاد السوري تقدر بنحو 226 مليار دولار، وقال التقرير إن التجمعات السكنية تدمرت أو تضررت جزئيا بفعل الحرب بنحو 27%.[7]  وبدأت دول وشركات كثيرة تفكر بمرحلة إعادة الإعمار والمشاريع الضخمة التي ستقام في سوريا، على الرغم من استمرار الحرب. وكان بشار الأسد قد وعد الشركات الروسية بالمشاركة في إعادة الإعمار في سوريا، مؤكدًا أن “الحصة الكبرى ستكون من نصيبها”[8] ونشرت مجلة فورين بوليسي الأسبوع الماضي تقريرا بعنوان “روسيا تتطلع إلى الأمم المتحدة لمساعدتها على الربح من النزاعات في سوريا -يشكك النقاد في أن الكرملين يتطلع إلى الغرب لدفع ثمن تأمين مدينة تدمر لجعلها مكاناً آمنًا للأعمال التجارية الروسية.”[9]

و أشار التقرير أن روسيا قد تبنَّت حملة تهدف إلى دفع الأمم المتحدة إلى إزالة الألغام من المواقع الأثرية الرومانية في تدمر، ولكن بعض الدبلوماسيين الغربيين يظنون أن الكرملين يسعى إلى جعل الدول الأخرى تساعد روسيا على استغلال موارد المدينة الطبيعية الغنية .ونقلت مجلة فورين بوليسي عن دبلوماسيين قولهم إن هذه الخطوة تتزامن مع ما أعلنته الحكومة الروسية من محاولة لحماية أطلال سوريا القديمة؛ لإقناع شركات الأمن الخاصة بتأمين الأراضي حول تدمر من مقاتلي “الدولة الإسلامية” (داعش) مقابل الحصول على عقود لحقول الغاز وعقود للتعدين.[10]

وكشفت وكالة بلومبرغ الاقتصادية في الأول من أغسطس/آب 2017 أن الأمم المتحدة قامت بدفع  لا يقل عن 18 مليون دولار، العام الماضي، لشركات يديرها أفراد من عائلة الرئيس السوري بشار الأسد ومقربين منه[11] وفقاً للتقرير السنوي لمشتريات الأمم المتحدة لعام 2016 المنشور فى يونيو/حزيران من هذا العام.[12] وأشار التقرير إلى أن المنظمة الدولية منحت عقودا للاتصالات وشركات الأمن لمقربين من النظام، وفي مقدمتهم رامي مخلوف، ابن خال الرئيس السوري، بشار الأسد.[13] ويمتلك معظم هذه الشركات مسؤولين سوريين مدرجين على قائمات سوداء في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.[14]ولدى الأمم المتحدة قائمة سوداء عالمية خاصة بها، وليست ملزمة بالعقوبات التي تفرضها الدول الأعضاء أو التكتلات الإقليمية مثل الاتحاد الأوروبي.[15] وبحسب التقرير، فقد دفعت الأمم المتحدة أيضا أكثر من تسعة ملايين دولار لفندق “فور سيزنس” بدمشق، و الذي تشارك وزارة السياحة السورية في ملكيته.[16] وكشف التقرير أيضا أن الأمم المتحدة ساهمت في تمويل حملات لمؤسسة خيرية أنشأتها زوجة الرئيس السوري أسماء الأسد.[17] وتبرر الأمم المتحدة التعامل مع مقربين من نظام الأسد بأنه من الصعب العمل بعيدا عن إطار السلطات المحلية التي يمتلك ممثلوها أو مقربون منها كل شيء في البلاد.[18] ولكن وفقا لتقرير سكاي نيوز العربية فإن تبريرات الأمم المتحدة “لا تقنع هيئات الإغاثة الإنسانية والتي ترى في التعامل مع رموز من نظام الأسد رسالة خاطئة بل وشكلاً من أشكال الانحياز لطرف على آخر، في صراع راح ضحيته نحو 400 ألف شخص، يُحمّل النظام السوري مسؤولية السواد الأعظم منها.”[19]

إعادة الإعمار ودور المجتمع المدني السوري:

في ظل هذه الخلفية، يكون السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كيف يمكن التأكد من أن المؤسسات التجارية لن تقوم بإستغلال  انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب في سوريا من أجل تحقيق أرباح مادية؟ و ما هو الدور الذي بإمكان المنظمات غير الحكومية السورية أن تلعبه للتأكد من أن  المؤسسات التجارية لن تقوم باستغلال النزاع الحالي في سوريا أو المشاركة في تدمير سوريا من أجل تحقيق أرباح ومكاسب شخصية؟ وما هى وسائل القانونية والاقتصادية المتاحة  للأفراد والمنظمات غير الحكومية  للضغط على  الحكومات وداعميها من المؤسسات التجارية وحثهم على الالتزام بقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني؟  للإجابة على  هذه التساؤلات سيتم  النظر إلى الإطار القانوني الموجود اليوم، المتمثل في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي وآليات الأمم المتحدة الطوعية،  لمحاولة رسم إطار العلاقة بين القانون الدولي وبين  المؤسسات التجارية وتحديد دور هذه المؤسسات ومسؤولياتها فيما يتعلق بحقوق الإنسان. وهنا لابد من التنبيه أنه سيتم التركيز فقط على انتهاكات الحكومة السورية وداعميه ولن يتم التركيز على انتهاكات  أطراف النزاع السوري الأخرى لسببين. أولاً: لأن هذه الورقة تأتي كرد على دعوة “إعادة إعمار سوريا”  والتي قام بالدعوة إليها الحكومة السورية وحليفه الحكومة الرسوية ولم تقم أطراف النزاع الأخرى بالدعوة إليها علناً. وثانياً: لأن عملية إعادة الإعمار في المطلق  تدخل فى صميم اختصاصات الدولة والحكومات وبالتالي فمن المنطقي أن يكون تركيز الورقة الأساسي عليهم.

الأعمال التجارية وحقوق الإنسان من وجهة نظر القانون الدولي:

إنّ موضوع العلاقة بين الأعمال التجارية وحقوق الإنسان لا يزال موضوعاً ناشئاً في القانون الدولي، وقد بدأت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان فى السنوات الأخيرة بتسليط الضوء على هذا الموضوع وقامت مؤخرا بإنشاء آليات
طوعية لرسم حدود العلاقة بين الأعمال التجارية وحقوق الإنسان وتوعية الشركات عبر الوطنية وغيرها من مؤسسات الأعمال التجارية عن دورهم ومسؤوليتهم عن احترام حقوق الإنسان.[20]  نتيجة لهذا، يوجد اليوم مزيد من الوضوح
بخصوص أدوار ومسؤوليات كل من الحكومات وقطاع الأعمال التجارية فيما يتعلق بحماية حقوق الإنسان واحترامها. و يعد هذا الأمر في غاية الأهمية بالنسبة للملف السوري، حيث أن هنالك شركات تدعم الدول التي تقوم بانتهاك قوانين الحرب و قوانين حقوق الإنسان كالنظام السوري و روسيا، خاصة في سياق إعادة الإعمار.

 

أهم آليات مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بشأن مسألة الأعمال التجارية وحقوق الإنسان:

  • القرار 2005/69 الذي اعتمدته لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في عام 2005 والذي طلبت فيه إلى “الأمين العام أن يعين ممثلاً خاصاً يعنى بمسألة حقوق الإنسان والشركات ” عبر الوطنية” وغيرها من مؤسسات الأعمال التجارية”[21]
  • إطار الأمم المتحدة المعنون “الحماية والاحترام والانتصاف” المتعلق بحقوق الإنسان والأعمال التجارية، الذي أعده الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المعني بمسألة حقوق الإنسان والشركات عبر الوطنية وغيرها من مؤسسات الأعمال التجارية. ففي 18 حزيران/يونيه 2008، رحب مجلس حقوق الإنسان بالإجماع بإطار “الحماية والاحترام والانتصاف” الذي اقترحه الممثل الخاص في تقريره النهائي.[22] ويتضمن هذا الإطار السياساتي ثلاثة مبادئ جوهرية: واجب الدولة في الحماية من انتهاكات الأطراف الثالثة، بما فيها مؤسسات الأعمال التجارية، لحقوق الإنسان من خلال سياسات وأنظمة وأحكام قضائية ملائمة؛ ومسؤولية الشركات عن احترام حقوق الإنسان، مما يعني أن عليها أن تتصرف بالعناية الواجبة لتجنب انتهاك حقوق الآخرين؛ والحاجة إلى زيادة وصول الضحايا إلى سبل الانتصاف الفعالة، القضائية وغير القضائية. [23]
  •  المبادئ التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان لتنفيذ إطار الأمم المتحدة المعنون “الحماية والاحترام والانتصاف” والتى أقرها مجلس حقوق الإنسان وفي 16 حزيران/يونيه 2011 (تقدم هذه المبادئ التوجيهية – لأول مرة – معياراً عالمياً لمنع ومعالجة خطر تعرض حقوق الإنسان لآثار ضارة مرتبطة بنشاط تجاري).[24]

المبدأ رقم 7 من هذه المبادئ  يقول: “بما أن خطر الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان يتضاعف في المناطق المتأثرة بالنزاع، ينبغي للدول أن تساعد في كفالة ألا تشارك في هذه الانتهاكات المؤسـسات التجاريـة العاملة في تلك السياقات، وذلك بوسائل منها: (أ) المشاركة مع المؤسسات التجارية في مرحلـة مبكـرة قـدر الإمكـان لمساعدتها في تحديد ومنع وتخفيف ما تنطوي عليه أنشطتها وعلاقاتها التجارية من مخـاطر متصلة بحقوق الإنسان؛ (ب) تقديم المساعدة الكافية إلى المؤسسات التجارية لتقييم ومعالجة مخـاطر الانتهاكات المضاعفة، وإيلاء اهتمام خاص للعنف القائم على نوع الجنس والعنف الجنسي على السواء؛ (ج) حرمان المؤسسات التي تشارك في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وترفض التعاون في معالجة الوضع من الحصول على الدعم والخدمات العامة؛ (د) كفالة فعالية سياساتها وتشريعاتها وأنظمتها وتدابير إنفاذها الحالية في معالجة خطر مشاركة الأعمال التجارية في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.”[25]

  • القرار 17/4، و الذي أقره مجلس حقوق الإنسان في دورته السابعة عشرة (6 تموز/يوليو 2011)، بإنشاء فريق عامل معني بمسألة حقوق الإنسان والشركات عبر الوطنية وغيرها من مؤسسات الأعمال التجارية[26]. حيث قرر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بموجب الفقرة 12 من قراره 17/4، إنشاء منتدى معني بالأعمال التجارية وحقوق الإنسان بتوجيه من الفريق العامل المعني بمسألة حقوق الإنسان والشركات عبر الوطنية وغيرها من مؤسسات الأعمال التجارية.[27]
  •  القرار 26/9 و الذى اعتمده مجلس حقوق الإنسان في دورته السادسة والعشرين، في 26 حزيران/يونيه 2014، و الذي قرر بموجبه “إنشاء فريق عامل حكومي دولي مفتوح العضوية معني بالشركات عبر الوطنية وغيرها من مؤسسات الأعمال التجارية فيما يتعلق بحقوق الإنسان، يكلَّف بولاية إعداد صك دولي ملزم قانوناً ينظم، في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان، أنشطة الشركات عبر الوطنية وغيرها من مؤسسات الأعمال التجارية.” [28]
     

ما هى وسائل القانونية و الاقتصادية المتاحة  للأفراد والمنظمات غير الحكومية  للضغط على  الحكومات و داعميها من المؤسسات التجارية وحثهم على الالتزام بقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني ؟

يجب أولا التنويه أنه حتى الآن لا يوجد أي صك دولي شامل يتناول مساءلة المؤسسات التجارية مما يؤدى إلى وجود فراغ قانوني وإلى احتمال وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان. وعلاوة على ذلك لا يمكن مقارنة الآليات الطوعية التي وضعتها مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بالقواعد الملزمة قانوناً. فالمؤسسات التجارية وخاصة الشركات عبر الوطنية، لا تخضع إلا للمحاكم والقوانين الوطنية في البلد الذي يوجد فيه مقر الشركة أو في البلدان المضيفة التي تستثمر فيها الشركة، رغم أن هذا الواقع فى طريقه إلى التغيير تدريجيا وخاصة فى السنوات الأخيرة. وقد تُثار أسئلة تتعلق بالتواطؤ عندما تسهم مؤسسة تجارية في آثـار ضـارة بحقـوق الإنسان، أو ينظر إليها على أنها تسهم في تلك الآثار التي تسببها أطراف أخرى.

وللتواطؤ معنيان: قانوني وغير قانوني .[29] بالمعنى القانوني، تحظر معظم الولايات القضائية الوطنية، إلى جانب القانون الدولي الإنساني، [30] من التواطؤ في ارتكاب الجرائم ، ويتيح عدد منها تحميل المؤسسة التجارية المسؤولية الجنائية في مثل هذه الحالات.[31] ويمكـن في العادة أيضاً أن تستند الدعاوى المدنية إلى اشتراك مزعوم للمؤسسة التجارية، في إلحاق ضرر ما، ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﺃﻥ ﺣﻘﻮﻕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻗﺪ ﻻ ﺗﺸﻜﻞ ﺇﻃﺎﺭ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﻋﺎﻭﻯ.[32] فإذا ثبت أن مؤسسة تجارية قدمت المساعدة العملية في ارتكاب جريمة أو التشجيع المؤثر تأثيراً كبيراً على ارتكابها[33] فمن الممكن أن تقوم المنظمات غير الحكومية  أو الأفراد برفع دعوى مدنية على المؤسسة المتواطئة.[34]

 و بالمعنى غير القانوني، فقد يُنظر إلى المؤسسة على أنها “متواطئة” في تصرفات طرف آخر، عندما ينظر إليها، على سبيل المثال، على أنها تستفيد من الانتهاكات التي يرتكبها ذلك الطرف.[35]و إذا ثبت أن المؤسسة التجارية متواطئة بهذا المعنى فعندها يمكن أن تلجأ المنظمات غير الحكومية  إلى وسائل ضغط مثل: نشر معلومات عن انتهاكات حقوق الإنسان التي تقوم بها هذه المؤسسات التجارية لتوعية العامة والمجتمع الدولي بهذه الانتهاكات ، أو القيام بحملات مقاطعة ، أو التظاهر سلميا، أو التواصل مع حملة الأسهم مباشرة أو شراء أسهم فى المؤسسة التجارية للتأثير على قرارات أصحاب الأسهم.[36] و لا يتم استخدام هذه الوسائل فقط  لفضح و الضغط على أطراف النزاع المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان بل أيضا يتم استخدامها “لجذب انتباه” المجتمع الدولي. (وأبرز و أشهر مثال لاستخدام هذه الوسائل فى الشرق الأوسط هو حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها[37] .(BDS و تهدف هذه الحملة إلي الضغط على إسرائيل لإجبارها على الالتزام بقواعد القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان الدولي. و قد نجحت هذه الحركة في عزل النظام الإسرائيلي أكاديمياً وثقافياً وسياسياً، وإلى درجة ما اقتصادياً كذلك، حتى بات هذا النظام يعتبر الحركة اليوم من أكبر “الأخطار الاستراتيجية” المحدقة به. [38]
 

كيف يمكن استخدام هذه  الوسائل وغيرها للضغط على  النظام السوري و داعميه وحثه على الالتزام بقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون  الإنساني الدولي ؟

 

من كل وسائل الضغط الاقتصادية المذكورة أعلاه تم فقط فرض العقوبات على الحكومة السورية من قبل الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي. تشمل العقوبات المفروضة على سوريا حظراً على النفط وقيودا على بعض الاستثمارات وتجميد أصول البنك المركزي السوري في الإتحاد  الأوروبي وقيودا على تصدير تجهيزات وتكنولوجيا [39] ولكن المشكلة هي أن هذه العقوبات “لا تضر فقط بمصالح الحكومة السورية” بل تضرّ أيضا بمصالح المدنيين السوريين الذين يعيشون فى المناطق التي يسيطر عليها الحكومة السورية [40]إلى جانب أن الحكومة السورية قد وجدت/خلقت طرقاً بديلة للحصول على التمويل والنفط الذي يحتاجه لمواصلة الحرب وارتكاب مزيد من الانتهاكات في سوريا، كما هو واضح مع مثال تمويل الأمم المتحدة لشركات يديرها أفراد من عائلة الرئيس بشار الأسد ومقربين منه المذكور أعلاه.

حتى اليوم لم يتم الدعوة على نطاق واسع لحملات مقاطعة  لشركات عبر الوطنية وغيرها من مؤسسات الأعمال التجارية التي ثبت تورطها فى دعم النظام السوري بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أو حملات مقاطعة للشركات الوطنية التابعة للدول  التي تدعم أو تمول أو تسلح النظام السوري مثل روسيا وإيران. أحد أهم مميزات المقاطعة الاقتصادية والاستهلاكية هي أن الأفراد و المنظمات غير الحكومية  هم الذين يقررون كل التفاصيل المتعلقة بالمقاطعة. بينما فى حالة العقوبات تقرر الحكومات جميع التفاصيل المتعلقة بالعقوبات،  فمثلاً تقرر الحكومات الإطار الزمني الذي سيتم فرضه، والشروط التي سيتم فرضها، وإمكانية الإلغاء، والشروط التي يمكن بموجبها رفع العقوبات وما إلى ذلك. وأيضا إحدى مميزات المقاطعة الاقتصادية والاستهلاكية هي أن المتضررين الرئيسيين من المقاطعة هم أصحاب الأموال وأصحاب الأسهم فى الشركات التى يتم مقاطعتها و هم الذين بأيديهم مباشرة إتخاذ القرارات لإنهاء المقاطعة فى حين أن المتضررين الرئسيين من العقوبات فى سوريا هم المدنيين وهم لا يمكنهم التأثير مباشرة على قرارات النظام السوري لرفع العقوبات.

 و لا يشترط أن تكون العلاقة بين المؤسسات التجارية وحقوق الإنسان مقتصرة على مقاطعة الشركات لإرغامهم على احترام حقوق الإنسان بل من الممكن تحفيزهم بطرق إيجابية. وبما أنه  تجرى الآن مناقشات لبدء مشاريع إعادة إعمار سوريا بمشاركة دولية واسعة فمن الممكن تحفيز الشركات عبر الوطنية وغيرها من مؤسسات الأعمال التجارية على المشاركة فى تمويل وإعادة ترميم وبناء سوريا عن طريق تشجيع العامة على الإقبال لشراء منتجات الشركات المشاركة فى هذه المشاريع و التي ثبت عدم تورطها في تشجيع أو استغلال انتهاكات حقوق الإنسان  في سوريا والدعاية الإيجابية للشركات التى تقوم بتعزيز وتشجيع احترام حقوق الإنسان فى سوريا.

 


[1] منظمة العفو الدولية، التقرير السنوي 2016/2017 الصفحة 200، للمزيد:

https://www.amnesty.org/en/countries/middle-east-and-north-africa/syria/report-syria/

[2] المرجع نفسه.

[3] المرجع نفسه.

[4] المرجع نفسه.

[10] المرجع نفسه..

[14] المرجع نفسه.

[15] المرجع نفسه.

 المرجع نفسه[19]

[21] انتهت ولاية الممثل الخاص في حزيران/يونيه 2011. http://www.ohchr.org/AR/Issues/Business/Pages/SRSGTransCorpIndex.aspx

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد