قصة غنى… حين تحوّل الهروب إلى وداع

في الثالث عشر من تموز 2025، خرجت فادية حامد مع ابنتها غنى وعائلتها من قرية خلخلة في ريف السويداء، هرباً من رصاص الغدر الذي كان يستهدف القرية من الجهتين الغربية والشمالية. وصلوا إلى مدينة شهبا عند الساعة الثالثة فجراً، ثم انتقلوا في اليوم التالي إلى مدينة السويداء، حيث تقاسمت ست عائلات شقةً واحدة.

صباح الثلاثاء الخامس عشر من تموز بدأ القصف. قيل للنساء إن عليهن البقاء في المجلس الديني لحمايتهن، فبقين طوال ذلك اليوم الصعب وليلته في الظلام التام خوفاً من القصف. صباح الأربعاء أحضر المشرفون سيارتي فان لنقل النساء. لم يكن هناك بنزين كافٍ ولا سيارات تكفي العدد، فقالوا لهن ألا يأخذن حقائبهن. قبل أن تصعد غنى إلى السيارة، أمسكت بيد أمها وقالت لها: “يا ماما، الموبايل بحقيبتي، فتحت قفل الهاتف وكبّرت لك الخط وحولته للعربية، ربما احتجتِه.” لا تعرف فادية حتى اليوم لماذا فعلت ابنتها ذلك.

جلست غنى في حضن أمها قرب السائق. سلكوا طريق السهوة القديم، وفي منتصف الطريق شاهدوا سيارة أجرة سوداء بداخلها مسلح. استدار السائق وغيّر الطريق، لكن القنص بدأ عليهم من جميع الجهات. أُصيبت غنى في رقبتها واستشهدت فوراً. أسندت رأسها على كتف أمها، ولفظت أنفاسها الأخيرة، وأغمضت عينيها وحدها.

حاولت فادية الاتصال بزوجها فعلمت أنه محاصر في المشفى. اتصلت بأخيها خالد وأخبرته بما جرى. قال لها: “سآتي ولو زحفاً.” فقالت له: “يا خالد لا تأتِ، لقد رحلت، ولا أريد خسارة ثانية.” بعد نحو ساعة استشهد خالد بطائرة مسيّرة وهو يحاول القدوم لحماية النساء.

لجأ نحو أربعين امرأة إلى بيت قريب من موقع الحادث. كانت الجثث على الطريق، وكان هناك تسعة شهداء وستة عشر مصاباً. رفضت فادية أن تترك غنى على الأرض وقالت: “لن أذهب، لن أتركها، حتى لو قُتلت.” لكن القنص تجدد فاضطروا للانبطاح. دخلوا البيت وهناك بدأت فادية بإسعاف الجرحى بحكم أنها ممرضة، يمزقون الأقمشة لإيقاف النزيف. تقول: “في تلك اللحظات نسيت كل شيء، وكل همّي كان إسعاف الجرحى.”

بعد أن انتهت، خرجت تحت القصف لتحمل غنى. تقول: “تمنيت أن أموت مع غنى.” نظّفت السيارة من الزجاج المكسور، وحملت غنى وأدخلتها إليها، وغسلت وجهها وصفّفت شعرها وغطّتها. بقوا حتى الساعة السابعة والنصف صباحاً حين وصلت الفصائل المحلية وأنقذتهم.

غنى مازن هلال، من مواليد الثامن من تموز 2011، كانت على أعتاب عيد ميلادها الرابع عشر حين رحلت. كانت ذكية، هادئة، عاقلة أكبر من عمرها. أدخلتها أمها الروضة وعمرها سنتان وخمسة أشهر. كانت تعزف البيانو وتتعلم الكمان والرسم والإنجليزية. كانت دائماً من المتفوقات، ومن المفترض أن تكون هذا العام في الصف التاسع. حين هربوا من القرية لم تأخذ أمها الكمان معها. وحين عادوا وجدوه مكسوراً، فقد حطّموه هم أيضاً.

دُفنت غنى يوم الخميس السابع عشر من تموز 2025 في قرية خلخلة، إلى جانب ابن عمها عامر، في القرية التي كانا يحبّانها كثيراً. وبعد انتهاء الدفن عادت العائلة لتجد بيوتاً محروقة وبيتهم مكسوراً مسروقاً. وبعد ساعة من مغادرتهم أحرقوا القرية كلها.

تقول فادية: “كلما تحدثت عما جرى أشعر أننا ما زلنا نعيش تلك اللحظات، ولم نستطع نسيانها بعد

تم الاستناد في سرد هذه القصة حصراً إلى شهادة السيدة فادية حامد، والدة غنى مازن هلال.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد