قصة تالا الشوفي… كانوا لياسمينك حراس

وُلدت تالا حسام الشوفي في السابع من حزيران 2010 في مدينة السويداء. فراشة البيت والنسمة التي تملأه حناناً وحياة، هكذا يصفها والدها. كانت تقضي معظم وقتها ترسم وتعزف وتغني، لا لتحصل على اعتراف، بل لأنها تحب الفن ببساطة. تعلمت العزف على الكمان أكاديمياً منذ عام 2016، وعلّمت نفسها العزف على الغيتار من الإنترنت وجهدها وحده، دون أستاذ أو مدرس.
كانت طالبة متفوقة، وحققت معدل 309 من أصل 310 في امتحانات شهادة التعليم الأساسي لعام 2025. كانت تطمح أن تصبح طبيبة نفسية، تقول إنها في هذا الاختصاص ستكون أقرب من الناس وقادرة على مساعدتهم وإزالة حزنهم وهمومهم.
في عام 2023 فازت بجائزة صدى الجنوب للقصة القصيرة عن قصتها “شمس شاحبة” ضمن فئة الأطفال واليافعين، وكانت من مؤسسي فريق “بصمتنا خضراء” البيئي في العام ذاته. وفي بداية عام 2025 تطوعت مع فريق “لعيونك يا بلد” لدعم التعليم والتماسك المجتمعي. كانت عضوة في كورال أوركيديا المحلي، وكتبت أغنية “كانوا لـ ياسمينك حراس” ولحّنتها وغنّتها عام 2024 لشهداء الثورة السورية. رفضت في البداية نشرها وكانت تقول إنه سيخرج منها ما هو أفضل. لكن بعد رحيلها انتشرت الأغنية وأعاد أداءها مغنون كثيرون، وترجمها إلى الإنجليزية وغناها فنانون من خارج سوريا.
علاقتها مع رفيقاتها كانت مبنية على المحبة وتمني الخير، يتبادلون الروايات والكتب ويتناقشون فيها، ويشجعون بعضهم على العزف والغناء والرسم والقراءة، علاقة استمرت ثلاث سنوات كانت مع الأيام تزيد متانة. تكتب صديقتها كاترين لوالدتها: “كانت تالا كل شيء بحياتنا، ما رح ننساها أو ننسى أي تفصيل من تفاصيلها. ساندتنا وقوّتنا ووقفت معنا. مستحيل تصدقي التغيير الذي عملته تالا بحياتي من ثلاث سنين من يوم تعرفت عليها، غيّرت كل شيء فيّ وعلّمتني كثير أشياء.”
أما علاقتها مع أخيها غيث، الأكبر منها بأربع سنوات، فكانت حلوة جداً، كانت تثق به كثيراً وتأخذ رأيه بكل شيء تعمله من رسم أو عزف أو كتابة، وكان هو أيضاً يأخذ رأيها.

في الخامس عشر من تموز 2025، سمع والدها طبيب الأسنان حسام الشوفي أصوات إطلاق نار كثيف وقذائف في السويداء، فغادر المنزل مع عائلته باتجاه منطقة صلخد. لاحقاً قرر العودة إلى السويداء معتقداً أنها أكثر أماناً. لكن وعند عودته يوم السادس عشر من تموز تعرضت سيارتهم لإطلاق نار مباشر، أصابت أربع رصاصات السيارة، إحداها اخترقت رأس تالا بينما كانت مع والدها ووالدتها نسرين وأخيها. توجهوا فوراً إلى مشفى السويداء الوطني.
في المشفى امتلأت الأروقة بالجثث والمصابين. في الساعة الثانية عشرة ظهراً حاصرت دبابات المشفى. وفي حدود الساعة الرابعة اقتحمته قوات من الأمن العام وفصائل مسلحة، قتلوا أحد الممرضين، وقتلوا مهندساً يدعى وائل عزام لأنه رفض إعطاءهم كلمة سر كاميرات المراقبة، واستولوا على سجلات المشفى. بقيت عائلة تالة محاصرة مع الأخرين من المرضى والجرحى المصابين حتى اليوم التالي الساعة العاشرة صباحاً، حينها انسحبت الفصائل المسلحة ودخلت الفصائل الشعبية وقالت لهم: “أنتم بأمان الآن.”. بعد فك الحصار بدأ والد تالا البحث عن جسد ابنته بين الجثث المتناثرة، ولم يتمكن من العثور عليها إلا بعد بحث استمر ل يوم كامل تقريباً حتى الساعة الخامسة صباحاً.
في تشرين الأول 2025 أُطلقت في السويداء مبادرة باسم “جائزة تالا – حارسة الياسمين” تُمنح للمبادرات المجتمعية التي تنشر ثقافة اللاعنف وتعزز القيم الإنسانية.

رحلت تالا في السادس عشر من تموز 2025 وعمرها خمسة عشر عاماً، ولم تعرف أنها تفوّقت وحققت 309 من 310.

“تم الاستناد في سرد هذه القصة حصراً إلى شهادة والد تالا، د.حسام الشوفي”.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد