الرئيسية صحافة حقوق الإنسان ملاحقات واعتقالات في الشمال السوري بتهم “المساس بالشعور الديني” و”الإساءة لتركيا”

ملاحقات واعتقالات في الشمال السوري بتهم “المساس بالشعور الديني” و”الإساءة لتركيا”

إن تدابير الاعتقال ولوائح الاتهام وغيرها من الممارسات بحق السوريين في مناطق النفوذ التركي لا تسعى لضمان مصالح وحماية السكان الأصليين إنما كانت بشكل أساسي متناسبة وتخدم مصالح وتوجهات دولة الاحتلال

بواسطة communication
140 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

شهد شهر آب/أغسطس وتموز/يوليو 2022، احتجاجات شعبية غير مسبوقة ضدّ السياسات والتصريحات التركية وممارسات القوى العسكرية والمدنية المسيطرة على الشمال السوري، وخاصة تلك المناطق التي تخضع للنفوذ التركي بشكل مباشر.

دفعت تلك الاضطرابات الأجهزة الأمنية المسيطرة على المنطقة، إلى ملاحقة واعتقال عشرات الطلاب والنشطاء والمتظاهرين الذين شاركوا أيضاً، إلى جانب آلاف السكان المحتجّين، بمظاهرات منددة بالتصريحات والسياسات التركية تجاه الملف السوري بشكل عام وطريقة إدارة المناطق المحتلّة بشكل خاص.

بموازاة ذلك، استمر الضغط الشعبي والحكومي على اللاجئين السوريين في تركيا، وشهد شهر أيلول/سبتمبر آب/أغسطس وتموز/يوليو وحزيران/يونيو 2022، وقوع (12971) عملية ترحيل قسرية بالمجمل، حيث شهد معبر باب السلامة (3206) عملية ترحيل خلال شهر أيلول/سبتمبر، و(1878) عملية ترحيل خلال شهر آب/أغسطس، و(1147) خلال شهر تموز/يوليو 2022.[1] بينما شهد معبر باب الهوى (2086) عملية ترحيل قسرية خلال شهر أيلول/سبتمبر، و (2712) عملية خلال شهر آب/أغسطس، و (1942) خلال شهر تموز/يوليو.

فيما شهدت المعابر الأخرى عمليات ترحيل مشابهة، كان أبرزها عملية ترحيل المحامي السوري “صلاح الدين الدباغ” إلى سوريا بشكل تعسفي بعد اتهامة بالإساءة إلى الشعب التركي وتحقيره، وهو ما نفاه المحامي جملة وتفصيلاً.

وكان من اللافت أن معظم عمليات الملاحقة والاعتقال في الشمال السوري، استندت إلى تهم فضفاضة، منها “تهمة  الإساءة لتركيا” و”المساس بالشعور الديني” و”تحقير الجيش الوطني” و”الإساءة إلى دولة صديقة” و”التحريض على التظاهر” و”إضعاف الشعور الوطني”.

  1. اعتقالات على خلفية الاحتجاجات المناهضة لتصريحات وزير الخارجية التركي:

بتاريخ 11 آب/أغسطس 2022، كشف وزير الخارجية التركي “مولود جاويش أوغلو” وفي ختام اجتماعات المؤتمر الـ13 للسفراء الأتراك المنعقد بالعاصمة التركية أنقرة، عن محادثة قصيرة مع وزير الخارجية السوري “فيصل المقداد”، وذلك على هامش مؤتمر “دول عدم الإنحياز” في العاصمة الصربية بلغراد خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وأفاد الوزير بوجوب تحقيق “مصالحة” ما بين النظام والمعارضة في سوريا، وبأنّ تركيا تدعم مثل هكذا خطوة.[1]

تبعت تلك التصريحات احتجاجات عارمة شهدتها المناطق الشمالية السوري، وخاصة تلك الخاضعة للاحتلال التركي المباشر، فخرجت احتجاجات ومظاهرات سلمية في العديد من المدن والبلدت منها: جرابلس وإعزاز ومارع و الراعي والباب في ريف حلب الشمالي (منطق درع الفرات)، إضافة إلى بلدتي سلوك وتل أبيض شمالي الرقة (مناطق نبع السلام). بينما دعا نشطاء في إدلب السكان إلى التظاهر عقب صلاة الجمعة في اليوم التالي (12 آب/أغسطس 2022).

ردد المتظاهرون خلال تلك التظاهرات، شعارات مناهضة لتركيا وللوجود التركي في الشمال السوري، وكانت من قبيل (سوريا حرة حرة.. تركيا تطلع برا – لن نصالح).

[1] بعد موجة الاحتجات التي اجتاحت المناطق الشمالية السورية، قامت وسائل الإعلام التركية بتعديل مصطلح “مصالحة” إلى “اتفاق”.

” وفي ختام اجتماعات المؤتمر الـ13 للسفراء الأتراك المنعقد بالعاصمة التركية أنقرة، عن محادثة قصيرة مع وزير الخارجية السوري “فيصل المقداد”، وذلك على هامش مؤتمر “دول عدم الإنحياز” في العاصمة الصربية بلغراد خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وأفاد الوزير بوجوب تحقيق “مصالحة” ما بين النظام والمعارضة في سوريا، وبأنّ تركيا تدعم مثل هكذا خطوة.[2]

تبعت تلك التصريحات احتجاجات عارمة شهدتها المناطق الشمالية السوري، وخاصة تلك الخاضعة للاحتلال التركي المباشر، فخرجت احتجاجات ومظاهرات سلمية في العديد من المدن والبلدت منها: جرابلس وإعزاز ومارع و الراعي والباب في ريف حلب الشمالي (منطق درع الفرات)، إضافة إلى بلدتي سلوك وتل أبيض شمالي الرقة (مناطق نبع السلام). بينما دعا نشطاء في إدلب السكان إلى التظاهر عقب صلاة الجمعة في اليوم التالي (12 آب/أغسطس 2022).

ردد المتظاهرون خلال تلك التظاهرات، شعارات مناهضة لتركيا وللوجود التركي في الشمال السوري، وكانت من قبيل (سوريا حرة حرة.. تركيا تطلع برا – لن نصالح).

إلى ذلك، شهدت بعض تلك الاحتجاجات إطلاق رصاص حيّ من جانب الجيش التركي، لردع المتظاهرين ودفعهم إلى الرجوع، وهو ما حدث في تظاهرات جرابلس يوم 12 آب/أغسطس 2022، عندما تظاهر آلاف المحتجين أمام المعبر الحدودي الذي يربط بين الأراضي السورية والتركية.

وفي حين قالت الشهادات التي حصلت عليها “سوريون” بأنّ القوات التركية المتمركزة في المعبر، هي من قامت بإطلاق النار، غرّد والي ولاية عنتاب التركية (Davut GÜL) واتهم قوات “الجيش الوطني السوري/المعارض” بإطلاق الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين.

صورة رقم (1) – تغريدة والي ولاية “غازي عنتاب” التي اتهم فيها عناصر من “الجيش الوطني السوري/المعارض” بإطلاق الرصاص الحي أثناء التظاهرة، مع اقتراب المحتجين من مكان “قيادتهم”.

 

وفي يوم السبت 13 آب/أغسطس 2022، قام جهاز “الشرطة المدنية” و”الشرطة العسكرية” باعتقال أكثر من 10 أشخاص في مدينة جرابلس، على خلفية تظاهرات يوم الجمعة المناهضة لتصريحات وزير الخارجية التركية، قبل أن يقوم بإطلاق سراحهم في اليوم التالي.

أحد المتظاهرين الذي تواجدوا في تظاهرة جرابلس يوم 12 آب/أغسطس 2022، والذي تمّ اعتقاله لاحقاً على يدّ جهاز “الشرطة المدنية” في مدينة جرابلس، قال في شهادته لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة ما يلي:

“عملية إطلاق النار آنذاك وقعت من قبل الجيش التركي بعد اقتراب المتظاهرين منهم في معبر جرابلس (قراميش)، وكان الهدف من عملية إطلاق النار هو تخويف المتظاهرين وحثّهم على التراجع، فقد كان إطلاق الرصاص فوق رؤوس المتظاهرين وليس نحوهم مباشرة.”

أكّد المصدر بأنّه استدل بثياب الجيش التركي، وعرف أنّ مطلقي الرصاص ليسوا من عناصر “الجيش الوطني السوري” بحسب تغريدات والي عنتاب، وتابع شهادته قائلاً:

“كان عدد المتظاهرين كبيراً، وهو أثار خوفاً ورعباً لدى الجيش التركي، رغم وجود عشرات من عناصر الجيش الوطني السوري ضمن صفوف المتظاهرين لغرض ضبط المتظاهرين.”

في اليوم التالي للتظاهرة، أي بتاريخ 13 آب/أغسطس 2022، قام عناصر من جهاز “الشرطة المدنية” باعتقال المصدر بتهمة “التحريض على التظاهر”، قبل أن يتم الإفراج عنه في اليوم التالي، بعد أن وقّع على “ورقة تعهّد” بعدم تكرار “التحريض على التظاهر” أو “الإساءة لدولة تركيا” من خلال الشعارات.

دفعت الاحتجاجات التي عمّت مناطق الشمال السوري يوم الجمعة 12 آب/أغسطس 2022، وزير الخارجية التركي للإدلاء بتصريحات جديدة، قال فيها بأنّ “المعارضة السورية تثق بتركيا وأنهم لم يخذلوها أبدا، وأنّ التفاهم شرط لإحلال السلام والاستقرار الدائمين في سوريا.”

  1. اعتقالات تركية بحق عدد من المواطنين السوريين على خلفية حرق العلم التركي:

شهدّت عدة احتجاجات وقعت في الشمال السوري مساء يوم 11 آب/أغسطس 2022، حرقاً للإعلام التركية من قبل المتظاهرين الغاضبين من السياسات التركية، وقد أظهرت مقاطع فيديو منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي قيام شخصين بإحراق علم تركيا في مدينة إعزاز بريف حلب الشمالي.

وكان “سيف أبو بكر” قائد فرقة الحمزة/الحمزات التابعة للجيش الوطني السوري/المعارض، قد قال في تغريدة بتاريخ 12 آب/أغسطس 2022، ورداً على عمليات حرق العلم التركي، بأنّ “العلم التركي مقدس”، وأنّهم سوف يصلون إلى كل من قام بالإساءة للعلم وسوف يقومون بمحاسبته.

صورة رقم (2) – تغريدة “أبو بكر سيف” التي توعد بها بملاحقة حارقي العلم التركي في شمال سوريا.

قال أحد ضباط جهاز “الشرطة المدنية” في مدينة إعزاز، في شهادة حصرية لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة حول قضية حرق العلم التركي واعتقال “المتورطين” ما يلي:

“طلب منّا ضابط الارتباط التركي في يوم الخميس 11 آب/أغسطس 2022، استنفاراً كاملاً من أجل جمع أسماء المتورطين بحرق العلم التركي من أجل اعتقالهم. وأنّ أوامر الاعتقال صدرت من الاستخبارات التركية ووزارة الداخلية تمهيداً لمحاسبتهم.”

وأضاف المصدر بأنّ النقيب في جهاز الشرطة المدينة “م.نداف” في إعزاز، نفذ الأوامر التركية وقام لاحقاً باعتقال شابين قاموا بحرق العلم التركي وهم (أ.ه – م.ه). وقال:

“بعد اعتقال الشخصين من قبلنا، تم تسليمهم لجهاز مكافحة الإرهاب التركي، والمتواجد على الأراضي السورية، وذلك بتهمة الإساءة إلى دولة صديقة.”

توقع المصدر بأنّ يتم نقل المحتجزين إلى الأراضي التركية، وبرر ذلك بأنّ الأتراك كان همّهم الأول اعتقال أي شخص وتحميله مسؤولية حرق العلم ونشر الخبر على وسائل الإعلام.[3]

وختم المصدر بأنّ العشرات من منتسبي فصائل المعارضة السورية تظاهرت مع المحتجين، ومنهم بشكل أساسي المنتسبين للجبهة الشامية، إلاّ أنّ الأجهزة الأمنية غضت الطرف عن هذه الحقيقة واكتفت بملاحقة المدنيين.

وقد علمت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” من مصدر موثوق بأنّ أحد المعتقلين هو طفل قاصر، ولم يتجاوز سن الثامنة عشر.

وكان وزير الداخلية التركي (سليمان صويلو) قد اعترف بمساعدة جهاز “الشرطة العسكرية” في الشمال السوري باعتقال سوريين متهمين بحرق العلم التركي، وذلك من خلا تغريدة نشرها بتاريخ 13 آب/أغسطس 2022. وأضاف بأنّ “كشف واعتقال المشتبهين بهم الآخرين ما زال مستمراً.”

صورة رقم (3) – تغريدة وزير الداخلية التركي حول اعتقال مواطن سوري على خلفية حرقه للعلم التركي داخلي الأراضي السورية.

 

لاحقاً وبتاريخ 2 آب/أغسطس 2022، شهدت بعض المناطق في شمال سوريا مظاهرات طالب فيها المتظاهرون بإخراج الموقوفين الذين تم احتجازهم عقب الاحتجاجات الأخيرة في المدينة.

في أواسط شهر تشرين الأول/أكتوبر 2022، أجرت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” مقابلة مع أحد المقربين من المعتقل (م. ه/ح)، والذي أفاد في شهادته قائلاً:

“تم اعتقال الشخصين المتهمين بإحراق العلم التركي، من قبل لواء عاصفة الشمال وجهاز الاستخبارات التركية الـMIT. وتمّ التحقق معهم وتصويرهم.. وبعد عدّة أيام تمّ إجبارهم على توقيع تعهّد يضمن عدم مشاركتهم بأي احتجاجات قادمة ضد تركيا، وتمّ الإفراج عنهم بعد ذلك.”

  1. “الإساءة لتركيا” تهمة قديمة جديدة:

بتاريخ 9 آب/أغسطس 2022، نشرت جريدة عنب بلدي خبراً حول تعميم صادر عن “قسم مكافحة الإرهاب” احتوى أسماء “ستة مطلوبين” سوريين بتهمة الإساءة لتركيا، وذلك بعد طمسهم عبارة “التآخي ليس له حدود” وإزالة العلم التركي من مبنى مديرية التربية والتعليم في مدينة إعزاز.

ونقل مراسل الجريدة بأنّ الطلاب الستة هم في المرحلة الثانوية العامة بمدينتي اعزاز ومارع، ويجري البحث عنهم. وجاء التعميم بعد مظاهرات شهدتها المنطقة خلال الأيام الماضية لعشرات من طلاب الثانوية العامة، احتجاجًا على نتائج امتحان الثانوية، وارتفاع معدلات الرسوب.

تحدثت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” مع أحد المطلعين المباشرين على الحادثة، والأسباب التي أدّت إلى إصدار “مذكرات توقيف” بحق الطلبة، حيث قال المصدر في شهادة (عبر الانترنت) أواسط شهر آب/أغسطس 2022، ما يلي:

“لقد شعر طلّاب المرحلة الثانوية من المتقدمين للحصول على الشهادة عبر المجالس المحلّية، بظلم وإجحاف كبير، بعد أن بلغت نسبة الرسوب أكثر من 90 بالمئة من مجموع عدد المتقدمين/ات للشهادة الثانوية. لذا قام عدد من الطلاب بالتظاهر احتجاجاً على تلك النسبة أمام مديرية التربية في إعزاز، حيث قام عدد منهم بمحو الكتابة الموجودة على جدار المديرية من مثل (التآخي ليس له حدود ..)، إلى جانب طمس جزء من العلم التركي على مديرية التربية المتواجدة أصلاً داخل الأراضي السورية!”.

وأضاف المصدر:

“كتب عدد من الطلاب شعارات مناهضة للمجالس المحلية المرتبطة بتركيا مثل (تسقط المجالس المحلية) وأيضاً شعارات مناهضة لمديرية التربية. وهو ما أدّى بالنهاية إلى ملاحقتهم أمنيّاً من قبل “جهاز مكافحة الإرهاب.”

وحول تبعية الجهاز المذكور قال المصدر ما يلي:

“إلى جانب جهاز مكافحة الإرهاب، هنالك جهاز الاستخبارات، والاستخبارات العسكرية والمباحث والأمن الجنائي، وكلها تابعة لقوات الشرطة والأمن العام، وهي مرتبطة مباشرة مع الولاة الأتراك المشرفين على هذه المناطق السورية الخاضعة للنفوذ التركي.”

وحول اختصاص “جهاز مكافحة الإرهاب” قال المصدر بأنّه يتعاطى عموماً مع قضايا الأشخاص المتهمين بالتورط بالمفخخات في المنطقة، والمتهمين بالعمالة للحكومة السورية والإدارة الذاتية أو تنظيم الدولة الإسلامية (الخلايات السرية بحسب وصف الجهاز)، إضافة إلى ملاحقة الأشخاص المتورطين بعمليات تظاهر وعصيان مدني.

لاحقاً، وبعد حوالي عشرة أيام، توسط لواء “عاصفة الشمال” لدى جهاز المخابرات التركية، وقام بجلب الطلّاب المطلوبين مع أولياء أمورهم، من أجل التوقيع على “تعهّد بعدم الكتابة” مرة أخرى.

  1. “تحقير الجيش الوطني” و”المساس بالشعور الديني” تهم جديدة في الشمال السوري:

بتاريخ 20 آب/أغسطس 2022، نشر الناشط السوري “محمود الدمشقي” منشوراً عبر صفحته الخاصة على موقع الفيس بوك، وأرفق المنشور بصورة قال بأنّها “مذكرة تبليغ حكم جزائي بتهم لم أرتكبها”، وأفاد بأنّ المدّعين هم عناصر من الجيش الوطني السوري المعارض.

“سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” راجعت المذكرة المرفقة بمنشور “الدمشقي”، حيث تبيّن أنها صادرة من “دائرة القاضي الفرد العسكري بعفرين” وهي صادرة بتاريخ 24 تموز/يوليو 2022، وكتب على المذكرة أنّها صدرت عملاً بالمواد 561 و568 و462 بدلالة المادة 208 (قانون عقوبات عام) و المادة 123 (قانون عقوبات عسكرية). وكانت التهم الموجه للناشط هي كالتالي:

“الذم والتهديد مشافهة بالقتل – المساس بالشعور الديني – تحقير الجيش الوطني”.

وذكرت المذكرة أنّها قضت بحبس المتهم 11 شهراً وبغرامة 2000 ليرة تركية.

صورة رقم (4) – صورة مأخوذة من منشور الناشط محمود الدمشقي توضح تفاصيل التهم الموجهة إليه والحكم الصادر بحقه (قابل للاعتراض خلال خمسة أيام من تاريخ إبلاغه).

 

“سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” أجرت لقاءاً مع أحد أقرباء “محمود الدمشقي” عبر الانترنت أواسط شهر آب/أغسطس 2022، حول التهم الموجهة إلى الناشط الدمشقي، وخلفية تلك الاتهامات، وأفاد بالمعلومات التالية:

“كان السبب الأساسي لهذه الاتهامات هو نشر محمود شريط فيديو ومجموعات من المنشورات على “فيس بوك” حول عناصر من قوات النظام السوري قاموا بارتكاب جرائم في الجنوب السوري (بحسب مزاعم محمود)، ثم قدموا في مناطق المعارضة السورية وأقاموا فيها. لذا قام محمود بالنشر عن هؤلاء الشخصين واتهم عناصر من الجيش الوطني (وتحديداً من جيش الإسلام) بالتستر على هؤلاء المتهمين.”

وأضاف المصدر:

“هذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها محمود الدمشقي لمضايقات بذات التهمة، فقد سبق أنّ تمّت مداهمة بيته واعتقاله بطريقة مهينة جداً واتهامه بإضعاف الشعور الوطني آنذاك، قبل أنّ يقرر أحد القضاء بالإفراج عنه وتركه. تفاجئنا في بداية شهر آب/أغسطس بأنّ ملف القضية فُتح مرة أخرى ولكن بتهم جديدة هذه المرة.”

صورة رقم (5) – صورة المنشور الذي اتهم فيهم الناشط “محمود الدمشقي” جيش الإسلام بحماية أشخاص متهمين بارتكاب جرائم في الجنوب السوري.

  1. خاتمة ورأي قانوني:

لطالما أصرّت الحكومة التركية على النفي المطلق لكافة المواقف والمعطيات السياقية والقانونية حول قيامها باحتلال مناطق واسعة في شمال وشمال غرب سوريا. على سبيل المثال، في ردها على مراسلة مشتركة من عدد من الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان عام 2020، نفت الحكومة التركية بشكل قاطع ممارستها السيطرة الفعالة على الأراضي السورية خاصة من خلال سيطرتها الفعالة على فصائل الجيش الوطني وعلى الحكومة المؤقتة. لقد جادلت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” مراراً بانطباق حالة الاحتلال على المناطق السورية الخاضعة للسيطرة الفعالة لتركيا. يستند هذا الموقف بشكل رئيسي إلى ما توصلت إليه عدة هيئات أممية أهمها لجنة التحقيق الدولية والمفوضة السامية لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى إثبات واقع الاحتلال التركي بشكل مباشر أو من خلال السيطرة الفعالة على المنطقة أو على الفصائل العسكرية المنتشرة هناك.

إن عدم انطباق حالة الاحتلال على المناطق ذات الصلة في التقرير تحتّم عدم انطباق القوانين أو الإجراءات التركية عليها. واستناداً إلى الجدلية التركية بعدم سيطرتها الفعالة وبالتالي إنكارها لحالة الاحتلال، يُفترض ألا يُعتبر حرق العلم التركي في تلك المناطق جريمة أو جنحة وفقاً لأية قوانين تركية قد يحق لدولة الاحتلال فرضها لضمان النظام العام والأمن في المناطق المحتلة وفقاً للمادة 43 من لائحة لاهاي لعام 1907 المعززة بالمادة 47 من اتفاقية جنيف الرابعة. كما أن تركيا – وفقاً لادّعائها بعدم احتلالها لتلك المناطق – لا يمكنها التذرع بتفعيل مواد القانون الوطني القائم أصلاً في المناطق المحتلة، مع العلم أن المواد ذات الصلة تتطلب إجراءات إضافية – كما هو موضح أدناه.

إن تفعيل القوانين التركية وتطبيقها على المواطنين السوريين، متزامناً مع التصريحات والمواقف الرسمة التركية بهذا الخصوص، تشكّل اعترافاً عملياً وتثبيتاً من الحكومة التركية لحالة احتلالها لكافة المناطق التي تتواجد فيها قواتها العسكرية وأية أجهزة أخرى، و/أو تلك الخاضعة لسيطرة الفصائل المسلحة الأخرى المسيطر عليها من قبل تركيا.

ويبدو إن القضاء العسكري المتواجد في مناطق السيطرة التركية، وبهدف إرضاء الحكومة التركية، سيما وإن رواتب القضاة تدفعها تركيا،[4]، قام بتوجيه التهم المذكورة للمتهمين بدلاً من تهمة تحقير علم دولة أجنبية، وهي التهمة التي تنطبق على الفعل المسند للمتهمين، لأن القضاة يعلمون بأن تهمة تحقير دولة أجنبية أو جيشها أو علمها أو شعارها الوطني علانية، الواردة في المادة 282 من قانون العقوبات العام السوري،[5] لا يمكن تحريك الدعوى العامة فيها إذا لم تقترن بشكوى الفريق المتضرر (الحكومة التركية)، ويبدو أن الأخيرة لن تقوم بتقديم الشكوى، ولا تقبل بأن تضع نفسها بهذا الموقف الضعيف، لأنها تعلم بأن تقديم هكذا شكوى يحتاج إلى قنوات رسمية بين وزارتي الخارجية والعدل للبلدين (تركيا وسوريا)، وهذا الأمر غير متاح حالياً، كما إن قوات الجيش الوطني والمجالس المحلية هي هياكل أمر واقع وغير معترف بها رسمياً، حتى من قبل الدولة التركية نفسها.

ولاحظت “سوريون” أيضاً بأن تهمة “تحقير الجيش الوطني” هي تهمة جديدة وغير موجودة في القوانين السورية، وإذا كان القضاء العسكري قد استند على المادة 123 من قانون العقوبات العسكري، كما ورد في سند التبليغ، فإن المادة المذكورة تتعلق بتهمة تحقير الجيش والمس بكرامته أو سمعته أو معنوياته، ولمقصود هنا هو الجيش السوري التابع للحكومة السورية، وبالتالي لا ينطبق النص المذكور على مسألة تحقير الجيش الوطني، وقد نصت المادة الأولى من قانون العقوبات السوري بأنه “لا تفرض عقوبة ولا تدبير احترازي أو إصلاحي من أجل جرم لم يكن القانون قد نص عليه حين اقترافه”، كما نصت المادة 51 من الدستور السوري بأن ” العقوبة شخصية ولا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون”، كما إن قانون العقوبات السوري حدد الغرامات بالليرة السورية وبالتالي فإن تغريم المحكوم عليه بمبلغ ألفي ليرة تركية يخالف قانون العقوبات السوري، الذي يدعي القضاء في مناطق الشمال السوري بتطبيقه.

وهذا الكلام إن دلّ على شيء، فهو يؤكد على عدم استقلالية القضاء في مناطق الاحتلال التركي وتبعيته المطلقة للحكومة التركية.

وعلى افتراض أن السلطات التركية – من خلال الإجراءات المذكورة أعلاه – تفعّل ما تمليه المادة 43 من لائحة لاهاي لعام 1907 لجهة “اتخاذ جميع التدابير التي في وسعها لاستعادة، وضمان، قدر الإمكان، النظام العام والأمان في المنطقة المحتلة”، يجب ألا يُفهم من هذه المادة أن النظام العام والأمان يخصان مصالح دولة الاحتلال كأولوية على مصالح ومنفعة سكان المناطق المحتلة، حيث أن أية إجراءات ميدانية أو قانونية يجب ألا تؤدي إلى تفاقم معاناة أو سوء حالة السكان المحليين، وأية تغييرات أو تدابير من هذا النوع يجب أن تهدف إلى تعزيز تمتع السكان المحليين بالحماية الممنوحة لهم وفقاً لأحكام القانون الدولي.[6]

واستناداً إلى هذا التفسير المثبت بخصوص تقديم مصلحة السكان المحليين في المناطق المحتلة على مصالح دولة الاحتلال، يفرض القانون الدولي على دولة الاحتلال ضمان احترام أحكام القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان لحماية سكان المناطق المحتلة، وعدم التساهل في التصدي للانتهاكات بحقهم.[7] وبالنظر إلى الممارسات والإجراءات الواردة أعلاه، يمكن الجزم أن تدابير الاعتقال ولوائح الاتهام وغيرها من الممارسات المرافقة لم تكن تسعى لضمان مصالح وحماية السكان الأصليين، إنما كانت بشكل أساسي متناسبة وتخدم مصالح وتوجهات دولة الاحتلال.


[1] في تقرير سابق لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة صرّح أحد العاملين وفي شهادة حصرية لسوريون بأنّ المعبر يقوم بنشر تلك الإحصائيات تحت مسمّى “أشخاص عادوا بشكل طوعي”، وتميّز بينهم وبين الأشخاص الذين عادوا بعد “محاولة دخول تركيا بطريقة غير مشروعة”، بحسب وصف منابر المعبر. فيما يبدو أنّ القائمين على المعبر يتجنبون ذكر عمليات الإعادة القسرية صراحة، بسبب النفوذ التركي المتنامي في تلك المناطق، رغم أنّ الأشخاص العائدين بشكل طوعي، يتم تسليمهم من قبل السلطات التركية لسلطات المعبر. (أي أنّه تم اعتقالهم بشكل مسبق).

[2] بعد موجة الاحتجات التي اجتاحت المناطق الشمالية السورية، قامت وسائل الإعلام التركية بتعديل مصطلح “مصالحة” إلى “اتفاق”.

[3] لا تمتلك سوريون من أجل الحقيقة والعدالة معلومات مؤكّدة حول مكان الأشخاص الذين تمّ اعتقالهم وفيما إذا تمّ نقلهم إلى داخل الأراضي التركية أم لا.

[4] الفقرة 69 من تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية الصادر في الدورة 40 من جلسة مجلس حقوق الانسان لعام 2019 وكذلك الفقرة 65 من تقرير ذات اللحنة في الدورة 42 لمجلس حقوق الانسان لعام 2019.

[5] نصت المادة 282 عقوبات عام على أنه:

يعاقب بالعقوبات نفسها ( الحبس من ستة أشهر إلى سنتين وبغرامة لا تتجاوز المائتي ليرة )على شكوى الفريق المتضرر من أجل الجرائم التالية

تحقير دولة أجنبية أو جيشها أو علمها أو شعارها الوطني علانية

تحقير رئيس دولة أجنبية أو وزرائها أو ممثلها السياسي في سورية

القدح أو الذم الواقع علانية على رئيس دولة أجنبية أو وزرائها أو ممثلها السياسي في سورية

[6] ICRC (1958), Commentary on the Fourth Geneva Convention: Convention (VI) relative to the Protection of Civilian Persons in Time of War [hereinafter ICRC Commentary on GC 1958], p. 274.

[7] ICJ, Armed Activities on the Territory of the Congo (Democratic Republic of the Congo v. Uganda), Judgment, 19 December 2005, ICJ Reports 2005, para. 178.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد