الرئيسية قصص مكتوبة “في حضرة الموت”

“في حضرة الموت”


شهادة الناجي "نزار العبد الله" بعد خمسة أعوام من الاحتجاز في سجون الأجهزة الأمنية السوريّة

بواسطة bassamalahmed
381 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية
“في حضرة الموت”

مقدمة:

“كان الموت ماثلاً أمامنا في كل لحظة”، هكذا وصف الناجي “نزار العبد الله” فترة احتجازه في سجون الأجهزة الأمنية السوريّة، والتي دامت خمسة أعوام مريرة، حيث تمّ اقتياد “نزار” مع مجموعة من أصدقائه عندما كانوا مجرد طلابٍ جامعيين في مدينة حلب، وتحديداً في شهر كانون الثاني/يناير 2014، ليتنقلوا بعدها بين عدد من الأفرع الأمنية، كان أقساها وأكثرها صعوبة فرع المخابرات الجوية في مدينة حلب، حيث مازال “نزار” يذكر حتى هذه اللحظة، كيف تمّ احتجازه برفقة 130 محتجزاً آخرين في زنزانة صغيرة جداً في هذا الفرع، وتحديداً حينما أطلقت فصائل المعارضة المسلّحة عملية عسكرية للسيطرة على فرع المخابرات الجوية في مدينة حلب[1]. إذ تحدّث لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة في هذه الشهادة التي تمّت في شهر كانون الأول/ديسمبر 2018، حيث قال:

“تمّ إطلاق سراحي بعد دفعي مبلغاً مالياً يقدّر ب 20 مليون ليرة سورية لإدارة فرع المخابرات الجوية في منطقة المزة، حيث أجبرت عائلتي على بيع كل ما تملك من أجلي، وعلى الرغم من فرحي بالحرية، إلا أنّ ضياع مستقبلي وتركي لمقاعد الدراسة إضافة إلى الفقر الذي أصبح ملازماً لي ولأسرتي بعد دفع هذا المبلغ الكبير، هو ما يجعلني حزيناً للغاية.”

1.    من هو الناجي “نزار العبد الله”؟

“نزار العبد الله” من مواليد مدينة كفرنبل في ريف إدلب عام 1993، ينتمي لعائلة متواضعة وميسورة الحال، كان “نزار” يعيش مع والديه وشقيقيه الصغيرين، في غرفة واحدة بمدينة كفرنبل حينما كان صغيراً في السن، وعندما بلغ سن التاسعة، أخذ والده على عاتقه بناء منزل للعائلة، ويذكر “نزار” أنه عاش أسعد وأجمل لحظات في هذا المنزل على الرغم من أنه لم يكن مكتملاً، كان “نزار” يعاني من مشكلة في النظر، عندما جلس على مقاعد الدراسة، وهو ما تسبب في تراجعه الدراسي، ودفعه إلى ارتداء نظارة طبية.

مع اندلاع النزاع السوري في العام 2011، واجهت عائلة “نزار” العديد من المصاعب، حيث توقف عمل والده وتراجعت دراسته مرة أخرى، وحينما بدأت الاشتباكات ما بين القوات الحكومية السورية وفصائل المعارضة المسلّحة من أجل السيطرة على مدينة كفرنبل في العام 2012، كان “نزار” يتحضر في هذه الفترة للفحص الدراسي، حيث عايش أصعب اللحظات بسبب انقطاع الكهرباء وأصوات تلك الاشتباكات، لكنه على الرغم من ذلك، استطاع تجاوز هذه المرحلة، ونجح في الصف الثالث الثانوي بعلامات جيدة،  وأصرّ والده على إرساله إلى مدينة حلب لمتابعة تحصيله الجامعي.

أصبح “نزار” طالباً في كلية “الميكانيك” بمدينة حلب، وعمد إلى استئجار منزل بالقرب من جامعته برفقة مجموعة من أصدقائه، ولكنه لم يتمكن من أداء امتحاناته الجامعية، نتيجة اعتقاله من قبل الأجهزة الأمنية السورية في بدايات العام 2014، حيث تمّ اقتياده من المنزل مع جميع رفاقه، بتهمة المشاركة في الاحتجاجات التي خرجت في مدينة كفرنبل ضدّ القوات الحكومية السورية، وعلى الرغم من إبلاغهم للأجهزة الأمنية أن لديهم امتحانات بعد أيام قليلة،  إلا أن أحد العناصر قال لهم: “لا تقلقوا لن يفوتكم شيئاً فهو مجرد سؤال وجواب ثم تعودون.”، لكن مع الأسف فقد استغرق هذا السؤال 5 أعوام مريرة عاشها “نزار ” بكل تفاصيلها، حيث تحدّث لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة في هذا الصدد قائلاً:

“بتاريخ 26 كانون الثاني/يناير 2014، كنت على موعد مع اعتقالي، فقط لأنني من مدينة كفرنبل التي كانت قد شاركت بقوة في الحراك السلمي منذ بدايته، وبدأت قصتي عندما قام فرع المخابرات الجوية في مدينة حلب،  باعتقال أحد أصدقائي قبيل موعد اعتقالي بيومين، وكان سبب اعتقاله كان هو الهاتف الجوال الذي كان يحمله، فقد كان يحمل أناشيد ومظاهرات للاحتجاجات التي عمّت سوريا، وعند اعتقال صديقي من الجامعة،  كنت في إجازة عند أسرتي في مدينة كفرنبل، لأخذ قسط من الراحة قبيل بدء الامتحانات، وبعد التحقيق مع صديقي وضربه وتعذيبه استطاعوا أن يأخذوا منه معلومات عن عنوان المنزل الذي كنا نسكن فيه بالقرب من الجامعة، وبعد قضاء إجازتي عدت إلى جامعتي في مدينة حلب وبالتحديد إلى المنزل الخاص بي وبأصدقائي البالغ عددهم 10 أشخاص، وهم جميعهم من أبناء مدينة كفرنبل، وسلكت يومها طريق “خناصر” بسبب الأوضاع الغير آمنة والمعارك الدائرة بين فصائل المعارضة المسلّحة وقوات النظام السوري، واستغرق الطريق حوالي 8 ساعات، وصلت إلى المنزل وفور وصولي علمت من الأصدقاء بخبر اعتقال أحد الأصدقاء من الجامعة من قبل جهاز المخابرات الجوية، حزنت كثيراً عليه، وشعرت بالصدمة فلم أكن أتصور أن يصل الأمر إلى اعتقال الشباب من جامعاتهم بهذه الطريقة ودون أي سبب يذكر، وحاولت كثيراً تمالك نفسي ولكنني لم أستطع أن أحبس دموعي الذي ذرفتها في تلك الأثناء حزناً على هذا الحال الذي وصلنا إليه وأنا أتذكر ذلك الشاب الذي رافقني منذ طفولتي بالمدرسة ومراحلها الأولى، فرتّبت أغراضي في الغرفة وغيرت ملابسي وجلسنا أنا والأصدقاء نتناول طعام الغداء، وكلنا حزن على اعتقال أحد الأصدقاء، وبعد لحظات سمعنا صوت سيارة في الخارج وبدأ أحدهم بطرق الباب بقوة شديدة، فتفاجأنا بدخول عدد من عناصر فرع المخابرات الجوية، فشعرنا جميعاً بالذهول والخوف، وقال لنا أحد العناصر والذي يبدو أنه أعلاهم رتبة، ستأتون جميعاً إلى ضيافتنا في فرع المخابرات الجوية في حي الزهراء في حلب، لم أصدق ما سمعت حينها فبأي ذنب نعتقل وإلى أين سيأخذوننا وكيف سيكون مصيرنا، فتشجعت وكلي جرأة وقلت لهم بأنّ لدينا امتحانات بعد أيام قليلة ولا يمكننا ترك الجامعة الآن، وما إن انتهيت حتى أجابني وبطريقة تبدو ساخرة بعض الشيء، بأنه مجرد سؤال وجواب، ثم ستعودون إلى دراستكم، لكن لم تشفع لنا براءة قلوبنا وخلوها من كل شيء غير حب العلم والاستبشار بالمستقبل الذي ننتظر.”

2.    “عشرات الطلاب الجامعيين كانوا محتجزين برفقتي”:

تمّ وضع “نزار” ورفاقه العشرة في سيّارة عسكرية، حيث انطلق بهم العناصر إلى فرع المخابرات الجوية الكائن في حي الزهراء بمدينة حلب، ولدى وصولهم، تمّ احتجازهم في زنزانة صغيرة، حيث بدأ الخوف يتسرّب إلى نفوسهم، فلا شيء يدلّ على أنه سوف يتمّ احتجازهم لفترة قصيرة، وبعد مضي حوالي الساعتين، فتح أحدهم باب الزنزانة، وتمّ سحب أحد أصدقاء “نزار” إلى الخارج دون أن يتفوه بكلمة، وبدأ التحقيق معهم واحداً تلو الآخر، وبحسب ما روى “نزار” فقد كانت أقوالهم واحدة، فهم مجرد طلاب جامعيين يدرسون في كلية الميكانيك، ولا علاقة لهم بأي أحداث سياسية أو عسكرية، وبأنّ هدفهم هو الدراسة فقط ولا شيء غيرها، وأضاف “نزار” قائلاً:

“أشرف ضابط يدعى “ماهر محمود” على التحقيق معنا، وأذكر أنّ صوته كان جهوراً وملامح وجهه قاسية، وعندما تمّ اقتيادي إلى غرفة التحقيق بدأ يسألني عن علاقتي بالشاب الذي تمّ اعتقاله سابقاً، والذي كان بحوزته هاتف جوال يحوي بعض الأشياء التي يعتبرونها إرهاباً أو ما شابه ذلك، فكان جوابي بأنه زميلي في الكلية كما أنه من أبناء مدينتي ولا شيء آخر، كما أوضحت له أيضاً بأنني كنت في مدينتي حينما تمّ اعتقال الشاب، ولم أكن أعلم بشيء حينها، ثمّ بدأ يسألني عن علاقتي بما سمّاهم  الإرهابيين في مدينة كفرنبل، وأيضاً كان جوابي له أنني لم أكن مشاركاً في القتال ولا حتى في المظاهرات وأني مجرد طالب في الجامعة، فبدأ الصراخ يعلو في الغرفة وهو يتهمني بالكذب وبأنني على “علاقة مع الإرهابيين وبأنني أريد إسقاط الرئيس بشار الأسد”، فحاولت إخفاء معالم الخوف الذي تملّكني حتى أتمكن من الدفاع عن نفسي، وأخبرته أنّ بإمكانه أن يسأل الجميع عني، وإن كنت كاذباً فأنا على استعداد لتحمل النتيجة، فأشار إلى الحارس الذي يقف على الباب فقام بسبحي وإعادتي إلى الزنزانة، وتفاجأت في صبيحة اليوم التالي بقدوم عشرات الطلاب من مدينة كفرنبل معتقلين أيضاً من الجامعة ومعهم أيضاً طلاب من مناطق أخرى، وأصبح عددنا تقريباً 130 شخصاً موّزعين على عدة زنازين، واستمرّ وجودنا على هذا الحال لمدة 3 أشهر، وفي هذه الأثناء قد مضى الامتحان في الجامعة ولم نتمكن من الالتحاق به، وفي شهر نيسان/أبريل 2014، انطلقت عملية عسكرية خارج السجن من قبل فصائل المعارضة المسلّحة للسيطرة على فرع المخابرات الجوية، فقام عناصر الفرع بجمع السجناء والذي يبلغ عددهم 130 طالباً، وتمّ وضعنا في غرفة واحدة، كانت غرفة ضيقة جداً ولا يمكن لأحد الجلوس فيها بسبب ضيق المكان، فالجميع كان واقفاً على قدميه لمدة تجاوزت الـ 15 يوم.”

3.    “كنا نرى الموت ماثلاً أمامنا”:

أمضى “نزار” أصعب وأقسى أيام من حياته، خلال فترة احتجازه تلك، مع بقية أصدقائه، حيث كانوا مجرد طلاب جامعيين، ثمانية منهم يدرسون في كلية الطب بينما كان أحدهم طبيب جراحة تجميلية، وكانوا يرون الموت ماثلاً أمامهم مع كلّ لحظة تمضي عليهم داخل الزنزانة، فقد كانوا 130 شخصاً محتجزين في غرفة واحدة صغيرة ويقفون جميعاً على أقدامهم، بينما كانوا يتناوبون على النوم، ويحاولون الاقتراب من بعضهم حتى يفسحوا المجال لغيرهم كي ينام، وأضاف “نزار” قائلاً:

“كنا نسمع أصوات الاشتباكات الدائرة في الخارج والقذائف التي تنهال من كل حدب وصوب، لقد كانت أياماً لا أعتقد أنّ إنساناً يستطيع الصمود فيها إلا بشقّ النفس، لقد كانت بمثابة الهلاك المحتّم، فهواء الغرفة كاد أن ينفد، والغرفة يوجد فيها فتحة صغيرة، والأقسى من ذلك عندما كنا نحاول الاحتجاج على هذا الوضع، كان يتم تهديدنا بإغلاق هذه الفتحة ما يعني الموت لجميع الموجودين، وبعد هذه المعارك التي حدثت في محاولة لفصائل المعارضة المسلحة السيطرة على فرع المخابرات الجوية، كانت النتيجة أنها لم تفلح في ذلك، وانتهت المعركة وعادت أوضاعنا كما كانت عليه، ففي كل زنزانة كان هنالك حوالي 25 محتجزاً، و بتاريخ 1 أيار/مايو 2014، كان لنا موعد مع نقلنا عبر طائرة مروحية إلى فرع المخابرات الجوية في منطقة المزة بدمشق، حيث تمّ نقلي برفقة  25 معتقلاً آخراً غالبيتهم من مدينة كفرنبل ومن طلاب الجامعة، وقد وقعت تلك الحادثة ليلاً حيث تمّ إخراجنا من الزنزانة وتكبيل يدينا بقيود بلاستيكية بطريقة قاسية جداً، ومن ثمّ أخذونا إلى الساحة الخارجية شبه عراة، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها فرع المخابرات الجوية من الخارج قبيل أحداث الاشتباكات التي وقعت، لقد كان المنظر مخيفاً فالدمار قد حلّ في كل مكان، وعلى الفور قاموا بعصب أعيننا، وجعلونا نجلس جاثياً في الساحة وسط البرد القارس، وانتظرنا مدة تجاوزت الساعتين قبل أن تأتي الطائرة المروحية، في البداية قاموا بإدخال جثث كثيرة لعناصر وضبّاط قُتلوا خلال هذه المعركة، ومن ثم قاموا بإدخالنا مع الضرب والشتم، وطوال فترة الرحلة إلى فرع المخابرات الجوية لم يتوقفوا عن ضربنا وشتمنا بعد أن لاحظنا عدد الجثث الكبير من قتلاهم.”

–         صور مأخوذة بواسطة الأقمار الاصطناعية تُظهر فرع المخابرات الجوية في حلب خلال أعوام مختلفة:

4.    لا حدود للعذاب النفسي في فرع المخابرات الجوية في حي المزة:

ما إن وصل “نزار” وبقية أصدقائه إلى فرع المخابرات الجوية في منطقة المزة بمدينة دمشق، حتى تمّ استقبالهم بالضرب المبرح لمدة تجاوزت الساعة، ومن ثمّ تمّ احتجازهم في زنزانة صغيرة، لكنها كانت أكبر مقارنةً بالزنزانة التي كانوا محتجزين فيها سابقاً، حيث دامت فترة احتجازهم فيها حوالي 3 أشهر، كانوا يتعرضون خلالها إلى مختلف أنواع التعذيب، وحول ذلك أضاف “نزار” قائلاً:

“لا بدّ أن أشير هنا إلى أساليب التعذيب واختلافها من فرع لآخر، فعندما كنت مُحتجزاً في فرع المخابرات الجوية في حي الزهراء بحلب، كان التعذيب هناك قاسياً جداً وجسدياً أكثر مما هو نفسي، وقد كان التعذيب شبه يومي من شبح وصعق بالكهرباء وضرب بالعصي وأنابيب الصرف الصحي، وأذكر أنه في ذات يوم  قام أحد العناصر ويطلق عليه لقب “أبو دريد” بالدخول إلى الزنزانة وسحبي بقوة على الأرض ورميي خارجاً، وكانت هذه الحادثة قبل المعركة التي حاولت فيها فصائل المعارضة المسلحة السيطرة على الفرع، حيث بدأ بضربي مستخدماً أنبوباً حديدياً فارغاً من الداخل وقد ألبسه بأنبوب بلاستيكي آخر، واستمرّ بضربي دون رحمة أو توقف، وكأنّني قد ارتكبت جرماً ما، ناهيك عن الصعق بالكهرباء الذي كان يمارس علينا كل فترة، والشبح لمدة 3 أيام أحياناً، كما كان هنالك ما يسمّى ببساط الريح والشبح على الكرسي وغيرها الكثير من وسائل التعذيب الجسدية القاسية، وأذكر أنّ أحد المحتجزين الذين كانوا برفقتي، أصيب بمرض في الكلية نتيجة الضرب المبرح الذي تعرّض له، بينما شُجّ رأس معتقل أخر نتيجة الضرب الذي تعرَض له  بواسطة أداة حديدية، أما في فرع المخابرات الجوية في المزة فقد كان التعذيب أقرب إلى التعذيب النفسي، فعلى سبيل المثال كان أحدنا إذا أراد أن يقضي حاجة عليه أن ينتظر حتى يطلب ذلك 4 محتجزين آخرين، فيقوم أحد العناصر بأخذنا عراة إلى دورة المياه، ويمنحنا دقيقة واحدة فقط ريثما ينهي الجميع قضاء حاجتهم، وكنا نتقاسم حتى فترة قضاء الحاجة لكل واحد منا 10 ثوان، ولكي يضمن العنصر خروج المعتقل بفترة قصيرة من دورة المياه، كان يقوم بضرب وتعذيب الشخص التالي، فمن المؤكد أن المعتقل الذي في دورة المياه سيحاول الانتهاء بأقصى سرعة لأن صديقه يُضرب ويُعذب في الخارج، ومن وسائل التعذيب النفسية الأخرى في فرع الجوية في حي المزة، هي الحرمان من الماء والطعام حيث يتم حرمان المحتجزين أحياناً من شرب المياه وتناول الطعام لفترة طويلة.”

5.    “انطلقنا بلهفة كبيرة والفرحة تغمرنا”:

بتاريخ 27 تموز/يوليو 2014، تمّ نقل “نزار” و5 محتجزين آخرين إلى سجن عدرا  المركزي في ريف دمشق، أما باقي المحتجزين، فمنهم من تمّ تحويلهم إلى سجن صيدنايا، ومنهم من بقي محتجزاً في فرع المخابرات الجوية في حي المزة، وبحسب ما روى “نزار” فإنّ الوضع في سجن عدرا، كان أفضل مقارنة بالأفرع الأمنية، وقد بقي محتجزاً فيه فترة طويلة دامت حتى تاريخ 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، وبعد إمضائه هذه الفترة من الاحتجاز، جاء إليه أحد العناصر وأخبره بأنّ عليه الذهاب وصديقه “م.ق”، لمقابلة القاضي في محكمة الإرهاب، كي يخبرهما بموعد إطلاق سراحهما وتابع قائلاً:

 “أخذوني أنا وصديق لي أيضاً من مدينة كفرنبل، وكان يقيم معي في نفس المنزل الذي تمّ اعتقالنا منه، وعندما دخلنا إلى القاضي أبلغنا خبراً كاد أن يوقعنا من شدّة الفرحة، وقال لنا بلهجته: “حضرّوا حالكم، سوف يخلا سبيلكم.”، وحينها لم أكد أصدق ما قال، فاليوم سينكسر القيد وسينجلي الليل وسأرى العالم مرة أخرى، وسأعود إلى أهلي بعد كل ما حدث، فعدنا إلى الزنزانة فرحين نحزم أمتعتنا مستعدين للخروج في اليوم ذاته، وتمّ تجميع المفرج عنهم من جميع الزنازين في ذلك السجن، وكان عددنا  10 أشخاص تقريباً، أنا وصديقي  ومعنا أيضاً محتجزين آخرين من عدّة مناطق ومحافظات، فانتظرنا قليلاً حتى ترتبت الأمور، ومن ثم أطلق سراحنا وانطلقنا بلهفة كبيرة باتجاه البوابة الرئيسة للسجن والفرحة تغمرنا، ولكن مع الأسف الفرحة لم تكتمل، فعندما وصلنا إلى بوابة السجن تفاجأنا بوجود سيارة عسكرية، وسألونا من الذي أطلق سراحكم، فأجبناهم بأنه القاضي في محكمة الإرهاب، ثمّ وبدون أيّ كلمة اقتادونا جميعاً إلى السيارة وأعادونا إلى فرع المخابرات الجوية في المزة للمرة الثانية، فوضعونا في زنزانة منفردة بعد أن أخبرونا أننا سنبقى هنا كرهائن حرب حتى يأتي يوم وتقوم فصائل المعارضة المسلّحة بمبادلتنا بأسرى من القوات النظامية السورية لديها، فشعرت حينها بالصدمة وخيبة الأمل، وبقينا على هذا الحال لمدة سنة و 8 أشهر تقريباً.”

6.    “لم أتنفّس الحرية إلا بعد دفع 20 مليون ليرة سورية”:

في أواخر العام 2018، تمّ الإفراج عن “نزار” بعد عدّة وساطات، حيث دفع مبلغاً مالياً يقدّر ب 20 مليون ليرة سورية لإدارة فرع المخابرات الجوية في مدينة دمشق، لقاء إطلاق سراحه، وعلى الرغم من أنّ “نزار” كان ينتمي لعائلة متواضعة مادياً، إلا أنهم قاموا ببيع أرضهم ومحلهم التجاري كما قاموا باستدانة المال من الأقارب، من أجل تأمين المبلغ المطلوب وتسليمه إلى إدارة فرع المخابرات الجوية عبر أحد الوسطاء، بالإضافة لصديقه “م.ق” الذي قامت عائلته  بدفع ذات المبلغ، وأضاف “نزار” قائلاً:

“خرجنا ليلاً بعد إطلاق سراحنا وتوجهنا إلى الشمال السوري وبالتحديد إلى مدينتي  كفرنبل، وعلى الرغم من فرحنا بالحرية وخروجنا أحياءً بعد أن كنا في حضرة الموت، إلا أنّ ما جعلني أشعر بالأسى، هو ضياع مستقبلي بسبب ترك  مقاعد الجامعة إضافة إلى الفقر الذي أصبح ملازماً لي ولأسرتي بعد دفع هذا المبلغ الكبير، أما الآن فأنا أحاول التأقلم مع وضعي الجديد، ولا أدري إن كنت سأتابع الدراسة أم أبحث عن فرصة عمل، والتي  أصبحت هي الأخرى عملة نادرة في هذه المنطقة، وفي النهاية كلي أمل أن يخرج باقي الأصدقاء من السجن، فجميعهم لا ذنب لهم وتمّ اعتقالهم دون أي سبب يذكر.”

[1] في شهر نيسان/أبريل من العام 2014، أطلقت حركة أحرار الشام الإسلامية وهيئة تحرير الشام عملية عسكرية للسيطرة على فرع المخابرات الجوية في حي جمعية الزهراء في مدينة حلب، إلا أنّ هذه العملية باءت بالفشل.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد