الرئيسية تقارير مواضيعية سوريا/حماه: اللجنة الأمنية أداة استيلاء على أملاك النازحين واللاجئين

سوريا/حماه: اللجنة الأمنية أداة استيلاء على أملاك النازحين واللاجئين


إنّ الشروع في استكمال إجراءات "المزادات العلنية" الشكلية لاستثمار أراضي النازحين واللاجئين والمغتربين يعتبر إحدى معوقات عودتهم الآمنة الى بيوتهم وأراضيهم ومكان سكنهم الأصلي 

بواسطة z.ujayli
132 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

ملخص تنفيذي:

قامت الأمانة العامة لمحافظة حماه بالإعلان عن قبولها طلبات الاشتراكات بالمزاد العلني لاستثمار أراضي “السليخ/البعلية” في مناطق السلمية وناحية صوران وناحية الحمراء وتوابعها، وكذلك منطقة الغاب ومحردة والقسم الخارجي وناحية حربنفسه وتوابعهم. على أن يتم المزاد بتاريخ 12 و13 كانون الأول/ديسمبر 2021.

الإعلان عن هذه المزادات تم في أواخر العام 2021 وتحديداً في 7 كانون الأول/ديسمبر 2021.

استند الإعلان الموقع من قبل محافظ حماه “محمد طارق كريشاتي”، على أحكام القانون[1] رقم 51 لعام 2004، (على سبيل الاستئناس) الخاص بالتعاقد مع الحكومة، وكتابي وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي رقم (169/ق-ز) والرقم (588/م-و)، الخاص بخطة عمل ضمان (استثمار) الأراضي الشاغرة والمقرر إعلانها للموسم الزراعي 2021 و 2022.

نصّ إعلان المزايدة، على مجموعة شروط منها أن تكون مدّة الاستثمار لموسم زراعي واحد، قابل للتجديد بناء على رغبة الطرفين (الحكومة والمتعاقد)، وأنّ يتمّ دفع التأمينات الأولية وقدرها (5000 ليرة سورية) للأراضي المروية، و(10000 ليرة سورية) للأراضي البعل، كذلك اشترط الإعلان أنّ يكون المتقدم للمزايدة حاملاً لشهادة “لا حكم عليه” و”سند إقامة وتصريح”. (انظر الصورة رقم 1 في الملحقات).

وكانت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” قد أصدرت تقريرين سابقين حول عمليات الاستيلاء التي قامت بها الحكومة السورية بعد استعادتها لمناطق كانت تحت نفوذ مجموعات عسكرية مناهضة لها، حيث كشف التقرير الأول الصادر بتاريخ 10حزيران/يونيو 2021، النقاب عن استيلاء الحكومة على حوالي 60 ألف دونم (6000 هكتار) من الأراضي، متسببة في الإضرار بمئات المزارعين الذين أجبرتهم العمليات العسكرية على النزوح فيما سبق، إضافة إلى أشخاص آخرين تجاوزوا الحدود الدولية وأصبحوا في عداد اللاجئين.

أمّا التقرير الثاني، فقد صدر بتاريخ 27 أيلول/سبتمبر 2021، وكشف النقاب عن مجموعة جديدة من الأراضي الزراعية للمزاد العلني بغية “الاستثمار” في مناطق ريف حماه، تعود ملكيتها لنازحين قسراً ومغتربين.

صورة رقم (1) – خارطة تُظهر الأماكن الجديدة التي تمّ إعلان المزادات حولها.

خلفية:

بدأت عمليات الاستيلاء تحت مسمّى “الاستثمار” على أراضي النازحين واللاجئين والمغتربين في محافظتي حماه وإدلب من قبل الحكومة السورية والميليشيات المرتبطة بها، عقب إكمال السيطرة العسكرية على عدّة بلدات في ريف حماه الشمالي والغربي وريف إدلب الجنوبي في شهر شباط/فبراير 2020.

بعد عدّة أشهر من السيطرة، وتحديداً في منتصف العام 2020، بدء الإعلان عن سلسلة من المزادات العلنية لضمان واستثمار أراضٍ تعود لنازحين ولاجئين ومغتربين في عدة ّبلدات وقرى مثل (صوران وطيبة الإمام ومورك وعطشان وكوكب ومعان) وغيرها من البلدات، كما طالت بلدات وقرى (اللطامنة ولطمين وكفرزيتا والزكاة والجبين والحماميات وتل ملح والجلمة والاربعين والمغير وكرناز)، بالإضافة إلى بلدات وقرى (أم حارتين وتل العلباوي ودكي وجروح النعيمية وطوبية العياش ورسم قنبر والصلالية ورسم الخضيرة وجب السويد وجب الابيض وسوحا وحمادة عمر وابو دالي والعبايكة وعكش وحجلية وطوطح وابو الكسور)، كما شملت أيضاً بلدات وقرى منطقة الغاب، مثل (أراض من قسم القلعة وأراضٍ من قسم الجيد).

تلا ذلك عمليات مماثلة في محافظة إدلب، حيث أعلنت “رابطة فلاحي “إدلب” التابعة للحكومة السورية، في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2020، عن عدد من المزادات العلنية من أجل تأجير أراضٍ زراعية في عدّة مناطق منها قرى وبلدات (تل السلطان وتل الطوكان والبليصة وأبو الظهور ومزارعها وحرملة ومزارعها ورسم نباص ومزارعها و تل سلمو ومزارعها والحسبنبة ومزارعها) وغيرها من البلدات في منطقة “أبو الظهور”، بالإضافة إلى قرى وبلدات (كفريا ورملة والمريجب ونباز والجهمان والعوجة وتل حلاوة وتل الكرام والقاهرة ورجم المشرف والعامرية والنقير والقصابية واللويبدة والمشيرفة وام الصهاريج) وغيرها من البلدات في منطقة “معرة النعمان”، فضلاً عن بلدات وقرى (التمانعة وموقا والتح وتحتايا وخان شيخون وجرجناز وأم جلال والرفة وجبالا وكفرباسين والهبيط وكفرعين والشيخ دامس والحراكي وبابولين والمعيصرونة) في منطقة “خان شيخون”.

لاحقاً، وفي العام 2021، طرحت مؤسسات تابعة للحكومة السورية مجموعة جديدة من الأراضي الزراعية للمزاد العلني بغية “الاستثمار” في مناطق ريف حماه، وهي: صوران ومورك وكفرزيتا واللطامنة واللحايا بهدف استثمارها بعد حجزها ووضع اليد عليها بسبب عدم قدرة مالكيها الأصليين إلى الوصول إليها نتيجة عمليات التشريد والنزوح القسري، ولأنّ العديد منهم مطلوبين للأجهزة الأمنية السورية بقضايا “إرهابية” بحسب وصف الحكومة السورية، أو يقيمون في مناطق تصنّفها الحكومة على أنّها موالية للتنظيمات الإرهابية. أو أنّ جزء من مالكي تلك الأراضي هم من المغتربين.

صورة رقم (2) – خارطة تُظهر جميع المناطق التي حصلت فيها عمليات الاستيلاء والمزادات من قبل الحكومة السورية.

  1. دور “اللجنة الأمنية” في عملية المزادات العلنية:

لعبت “اللجنة الأمنية والعسكرية[2] المشكلة من قبل الحكومة السورية في محافظة حماه، دوراً جوهرياً في عمليات الاستيلاء على أراضي النازحين/المغتربين، وعرضها للاستثمار، تحت ذرائع مختلفة، منها أنّ أصحاب الأراضي الزراعية متواجدين في مناطق سيطرة فصائل معارضة (تعتبرها الحكومة السورية مجموعات إرهابية)، وكان السبب الآخر هو أنّ أصحاب تلك الأراضي مدينون للبنك الزراعي وبالتالي يمكن للبنك تحصيل ديونه من المقترضين عن طريق حجز ومصادرة تلك الأراضي وعرضها للمزاد العلني بغية الاستثمار/الضمان.

الباحث الميداني لدى “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” تحدث إلى أحد المحامين المطلعين على آليات عمل اللجنة الأمنية العسكرية، وطريقة تخطيطها لمصادرة الأراضي الزراعية، والذي أفاد بالتالي:

“بتاريخ 1 تموز/يوليو 2021، عقدت اللجنة الأمنية العسكرية في محافظة حماه، اجتماعاً، واتخذت قراراً بتشكيل (لجنة فرعية) أوكلت لها مهمّة جرد ومسح الأراضي المملوكة للنازحين/اللاجئين، بغية معرفة القدرة الإنتاجية لتلك الأراضي، مثل مزارع الفستق الحلبي، بهدف الاستيلاء على ثمارها ومنتجاتها لاحقاً.. وحددت اللجنة تاريخ 20 تموز/يوليو 2021، كتاريخ بدء موسم القطاف.. وبناء على ذلك، تمّ إصدار القوائم الأولية المتضمنة أسماء القرى والبلدات وأسماء أصحاب الأراضي والمساحات التي سوف يتم عرضها على المزادات العلنية بعد الاستيلاء عليها.”

وتابع المصدر حديثه بالقول:

“من الأهمية بمكان، الإشارة إلى أنّه وبتاريخ 21 آب/أغسطس 2021، أصدرت اللجنة الأمنية قراراً آخراً بالاستيلاء على محاصيل الأراضي المزروعة بالزيتون، إضافة إلى قرار بتأجير الأراضي الزراعية (السليخ/البعلية)، وذلك بعد ان أنجزت اللجان الفرعية القوائم الاسمية والمساحات التي سيتم تطبيق القرار عليها في أرجاء محافظة حماه.”

  • ما هي هيكلية اللجنة الأمنية في محافظة حماه ومن هم أعضاؤها؟

قال أحد المحامين المطلعين على هيكلية اللجنة الأمنية المشكلة في حماه، في شهادة خاصة لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة ما يلي:

“عادة ما تتكون اللجنة الأمنية في كل محافظة سوريّة، من أعلى رتبة عسكرية أو أمنية متواجدة في تلك المحافظة، ويتم تعينها مباشرة من قبل رئاسة الجمهورية كرئيس للجنة الأمنية المشكّلة. وغالباً ما يتم اختيار رئيس اللجنة الأمنية مع الأخذ بالاعتبار ردجة ولائه للنظام الحاكم في سوريا.”

وقال المصدر أنّ اللجان عادة تتكون من عضوية المحافظ وقائد الشرطة المدنية وقائد الشرطة العسكرية، ورئيس فرع الأمن العسكري (شعبة المخابرات العسكرية) ورئيس فرع المخابرات العامة (أمن الدولة) ورئيس فرع الأمن السياسي ورئيس فرع المخابرات الجوية وقائد ميليشيا الدفاع الوطني وقيادة الفرق والألوية العسكرية المتواجدة في المحافظة.

  • اللجنة الأمنية في حماه:

يرأس اللواء “إبراهيم خليفة” اللجنة الأمنية/العسكرية في محافظة حماه، وبعضوية: اللواء “رمضان رمضان” قائد الفيلق الرابع في الجيش النظامي السوري، و”موفق باشوري” أمين فرع حزب البعث العربي الاشتراكي في حماه، إضافة إلى عدد من أعضاء المكتب التنفيذي للحزب في المحافظة، وممثل عن الجبهة الوطنية التقدمية، وكذلك “محمد طارق كريشاتي” محافظ حماه، والقاضي “جهاد مراد” المحامي العام، والعميد “إبراهيم عباس” رئيس فرع الأمن العسكري بحماه، والعقيد “رضوان صقار” رئيس فرع المخابرات الجوية بحماه، واللواء “جاسم حمد” قائد شرطة محافظة حماه، والعميد رئيس فرع الشرطة العسكرية بحماه (لم يتمّ التعرف على اسمه)، والعميد “تيسير أمون” رئيس فرع المخابرات العامة بحماه، والعقيد “عامر هرمز” رئيس فرع الأمن السياسي بحماه، و”عدوان مصطفى” قائد ميلشيا الدفاع الوطني بحماه، و”هيثم جنيد” رئيس اتحاد الفلاحين وعدد من أعضاء المكتب التنفيذي للاتحاد.

علمت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” أنّ وزير الزراعة في الحكومة السورية “حسان قطنا” قد شارك في إحدى اجتماعات اللجنة في العام 2021.

  • ألية اتخاذ قرارات إعلان المزادات ومصادرة الأراضي داخل اللجنة الأمنية:

بحسب الباحث الميداني لدى “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، استناداً إلى الشهادات التي جمعها، فإنّه يتمّ اقتراح الأراضي المحددة، المراد مصادرتها والاستيلاء عليها من قبل الحكومة السورية، عن طريق آليتين؛ الأولى: يصدر فيها القرار مباشرة من القيادة السياسية العليا في البلاد (ممثلة برئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أو وزير الزراعة/السلطات التنفيذية)، حتى يتم تنفيذها من قبل اللجان الأمنية في كل محافظة، ومنها محافظة حماه.

أمّا الآلية الثانية، فيتم اقتراح تلك الأراضي والمساحات من قبل اللجان الأمنية نفسها في المحافظات، ومن ثم يتمّ إحالتها إلى القيادة السياسية العليا في البلاد ممثلة بالقيادة القطرية لحزب البعث العربي الإشتراكي ومكتب الأمن الوطني، قبل أن يتمّ البت في تلك الاقتراحات.

أحد المحامين المطلعين على تلك الآليات، روى لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة في شهادته ما يلي:

“في معظم الحالات، تُتخذ القرارات الأمنية بإحدى بطريقتين: الأولى؛ بأن يصدر القرار مباشرة من القيادة العليا للحكومة السورية دون وجود مقترحات من الأسفل، أو تصدر تلك القرارات عن القيادة السياسية، ولكن بناء على اقتراحات اللجان الأمنية في المحافظة. بعد ذلك، يتم إحالة القرارات من قِبل القيادة القطرية لحزب البعث (القيادة المركزية) إلى فروع الحزب في المحافظات وكذلك إلى “مكتب الأمن الوطني” الذي تتبع له جميع الأجهزة الأمنية، بحيث تقوم قيادات الفروع الحزبية بتعميم القرارات المذكورة إلى قيادات الشُعب والفرق الحزبية والدوائر الحكومية الرسمية. وأيضاً يقوم مكتب الأمن القومي بتعميم القرارات الأمنية على اللجان الأمنية في المحافظات مذيلة بحاشية “للتنفيذ الفوري” وعادة ما يتم التنويه إلى القرارات الهامة جداً بعبارة “سري للغاية” أو “سري جداً” أو “سري” حسب درجة أهمية وخطورة القرار”.

هنا ومن خلال الفقرتين السابقتين، المتعلقيتين بهيكلية اللجنة الأمنية وطريقة اتخاذها للقرارات، نلاحظ بأن حزب البعث العربي الاشتراكي لا يزال يلعب دوراً محوريا ومركزياً في اتخاذ القرارات الهامة في سوريا، وهذا يخالف دستور عام 2012، حيث تمّ بموجب هذا الدستور إلغاء المادة الثامنة التي كانت موجودة في دستور عام 1973، والتي كانت تنص بان حزب البعث هو الحزب القائد للدولة والمجتمع، وبالتالي فإن هذا الأمر يؤكد ما هو مؤكد وهو أن مجمل “الاصلاحات” التي إدعى بها النظام منذ بداية الحراك الشعبي في سوريا منذ ربيع 2011 وحتى الآن هي مجرد اصلاحات شكلية، لم تتعد حدود الاوراق التي كتبت عليها.

  1. قرارات إعلان المزايدات العلنية لشرعنة الاستيلاء على أراضي السكان باطلة قانونياً بطلاناً مطلقاً:

بعد أنّ كانت قرارات إعلان المزادات والاستيلاء تصدر من رئيس اللجنة الأمنية في محافظة حماه، عمدت الحكومة السورية إلى تغيير الجهة التي تصدر تلك القرارات وأحال الأمر في العام 2021 إلى محافظ حماه. علماً إن ذلك لا يغير من أنّ طبيعة تلك القرارات غير قانونية وفق القانون السوري، و علة ذلك  أنه تم اتخاذ قرار المزايدة على الأراضي وفق قانون العقود العامة وهو القانون رقم 51 لعام 2004، والذي يطبق بخصوص قرار المزايدات والمصادرات المتعلقة “بالأملاك العامة للدولة”، ولا يمكن بأي حال من الأحوال  أن يشمل الأملاك الخاصة المملوكة للناس، إلا في حال نقلت الدولة ملكية الأراضي الخاصة للناس إلى ملكيتها العامة وثم يتم إجراء المزادات وهذا لم يحدث طبعاً.

يروي قاضي سابق لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة حول عدم شرعية هذا النوع من القرارات المتعلقة بالمزادات ومصادرة الأراضي الخاصة للمزارعين النازحين، قائلاً:

“عمدت الحكومات السورية المتعاقبة على تعيين اللجان الأمنية في كل محافظة حيث كان سابقاً (قبل العام 2011) المحافظ هو رئيس اللجنة الأمنية ومن ثم يليه تراتبياً أعلى رتبة عسكرية موجودة في المحافظة ورؤساء الأفرع الأمنية إضافة لأمين فرع الحزب والشخصيات ذات النفوذ الأمني والعسكري في المحافظة. إلا أنه وبعد بداية النزاع في سوريا في2011، انتقلت رئاسة اللجنة الأمنية من المحافظ إلى أعلى رتبة عسكرية موجودة في المحافظة حيث يقوم بتسميتها رئيس الجمهورية على أن يكون المحافظ عضو فيها (اللجنة الأمنية). أما فيما يخص توقيع قرارات الإعلان عن المزادات العلني فقد أصبح المحافظ يمثل القيادة السياسية للجنة الأمنية في المحافظة وبالتالي يمثل رئيس الجمهورية سياسياً وتنفيذياً في المحافظة”.

وأكمل المصدر بالقول:

“لا يمتلك المحافظ أو حتى الأجهزة الأمنية أيّ سند قانوني لشرعنه الاستيلاء على الأراضي وذلك لأنه تم الاستناد بالإعلان عن المزادات للاستيلاء على الأراضي على (قانون العقود العامة)، علماً  أن هذا القانون يكون نافذاً على جميع الجهات العامة في الدولة سواء كانت من القطاع الإداري والاقتصادي أو الإنشائي  فيما  يخصّ الأملاك العامة للدولة فقط. ولا يشمل نفاذه الملكيات الخاصة العائدة للمواطنين، وبالتالي فإن كل الإجراءات المستندة عليها  قرارات المزايدة  والاستثمار تلك، تعتبر باطلة بطلان مطلق.”

  1. شهادات من مالكي الأراضي وتفاصيل حول إجراءات حضور المزادات العلنية:

استطاعت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” الحصول على شهادات العديد من السكان المتضررين، حيث أفادوا المنظمة بالحقائق التالية:

  • ابتزاز مالي للنازحين أو المفوضون من قبلهم مقابل السماح لهم بالمشاركة بالمزادات:

أحد سكان منطقة سهل الغاب، وهو مدرّس يبلغ من العمر 46 عاماً، (متزوج ولديه أولاد)، ومقيم في مدينة حماه، روى لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة في شهادته حول المصاعب التي واجته للمشاركة في “المزاد العلني” بالنيابة عن أحد أبناء قريته، ما يلي:

“بتاريخ 28 كانون الأول/ديسمبر 2021، توجهتُ نحو بناء محافظة حماه بهدف المشاركة في المزاد العلني، واستئجار أرض عائدة ملكيتها لأحد الأشخاص من قريتي كان قد أوكل لي مهمة زراعتها بالنيابة عنه. وعندما وصلت إلى مبنى المحافظة صعدت نحو الطابق الثاني حيث تتواجد قاعة المزايدات العلنية، إلاّ إنني فُوجئت من منعي مع تسعة أشخاص آخرين من الدخول الى قاعة المزايدة من قبل أحد العسكريين المتواجدين هناك.”

وأكمل الشاهد كلامه عن الابتزاز المالي الذي تعرّض له لقاء السماح له بحضور المزاد، بالقول:

“بعد منعنا من الدخول، تقدّم باتجاهنا شخص يحمل رتبة ضابط ملازم على باب قاعة المزايدة وأخبرنا “بأن لا يمكن لنا من الدخول إلى غرفة المزايدات حتى يدفع كل شخص منا مبلغ مالي وقدره 30 ألف ليرة سورية! فما كان مني إلا أن دفعت أنا وأربعة اشخاص آخرين ذلك المبلغ، لنتمكن من الدخول إلى القاعة، علماً أني رأيت تواجد أشخاص يحملون رُتب عسكرية وآخرون يرتدون بدلات عسكرية بدون رتب في تلك القاعة.”

  • لجنة صورية ومزايدات شكلية بغية إسباغ الصفة القانونية على عمليات الاستيلاء:

بالرغم من استكمال جميع “الشروط القانونية” الموضوعة في إعلان المزايدات من قبيل (دفع التأمينات الأولية) للاشتراك بالمزاد، إلاّ أنّ العديد من المواطنين اضطروا إلى دفع مبالغ كبيرة كرشوة لعدد من المتنفذين سواء كانوا ضباط أو موظفين إداريين، ليتمكنوا من الوصول إلى مرحلة تعبئة “طلب الاستئجار” والذي يتم الاطلاع عليه ومراجعته من قبل ضباط عسكريين يعملون في الأفرع الأمنية بغية بيان وضع المتقدم الأمني والأرض المراد استئجارها.

شاهد آخر، (43 عاماً)، وهو مصدر تمكّن من المشاركة في إحدى المزادات، وصف “لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة” مشاهداته التالية:

“كانت قاعة المزايدات تضم  ما يقارب 35 شخصاً، وقد شاهدت بعض العسكريين يوقعون على أوراق تارة وآخرون يجلسون مع اللجنة المسؤولة عن إجراءات المزايدات تارة أخرى، وبحكم أني من سكان منطقة سهل الغاب وأعرفها بشكل جيد، فقد كانت اللجنة المسؤولة عن إجراء المزايدات العلنية تضم مندوبين عن الفرق الحزبية عن منطقة سهل الغاب مثل “سليمان خليل سليمان” و”حسان ميخائيل الديب”  و”عماد محفوض نعمان” و” مهران يوسف عيسى” و”شمس الدين علي ياسين” و “ناهل رشيد سليمان” و”محمد صالح محمود و”بشرى سمير مخول”، بالإضافة إلى وجود  ممثل عن الرابطة الفلاحية وهو “ياسين المحمود”، ومختار قلعة المضيق “محمد حسين سلوم مختار”، ورئيس مجلس مدينة قلعة المضيق “إبراهيم إبراهيم “. كما تواجد أيضاً عدة أشخاص لم أكن أعرفهم وقد كانوا يضعون الختم النهائي على طلب المزايدة. كما قمت بتقديم الطلب مع عدة أشخاص يرتدون الزي العسكري لاستئجار الأرض وحددت ضمن الطلب مساحة الارض وموقعها”.

استكمل الشاهد إفادته بالقول:

“عند تسليم الطلب للجنة المسؤولة عن المزايدة، تقدم أحد العسكريين وسألني: إن كان لدي أقارب متواجدين في منطقة إدلب وعن مكان إقامتي الحالية وماهي مهنتي ولماذا أريد الدخول في هذه المزايدة الأرض بالذات، فأجبته: بأن تلك الأرض متاخمة من حدود أرضي، وبدون سابق إنذار رد عليّ شخص آخر بالقول: إن الأرض قد تم تأجيرها وأن ملكيتها عائدة لمالك يسكن في مناطق يقطنها الإرهابيين.”

  • إجراءات تمييزية بحق مالكي الأرض الأصليين مقابل تمكين المليشيات التابعة للحكومة السورية من وضع يدها على الأراضي:

 يعمل قادة الميليشيات الموالية للحكومة على فرض سطوتهم الأمنية في المزادات العلنية بغية الحصول على مساحات زراعية كبيرة تابعة للمزارعين المهجرين قسراً بسبب الأعمال العسكرية، وخلال الأعوام الماضية كان للمدعو “نابل العبد الله” قائد ميليشيا الدفاع الوطني في السقيلبية و”باسم محمد” قائد ميليشيات الدفاع الوطني في سهل الغاب حصة كبيرة في الأراضي المصادرة حيث عمل “باسم محمد” كتاجر للحبوب بين عامي 2020-2021 بحسب شهادة أحد أهالي بلدته في سهل الغاب.

أحد المزارعين من سكان حماه، (متزوج ولديه خمسة أولاد)، ويعيش حالياً مع أسرته في مخيمات دير حسان في محافظة إدلب، قال “لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة” في شهادته ما يلي:

“أملك أرض زراعية تبلغ مساحتها 67 دونماً، وتقع في ناحية قلعة المضيق، وكنت أقوم بزراعتها بالخضروات مما كان يحقق لنا اكتفاء ذاتي وعيش كريم. وفي فترة الربيع من عام 2019، بدأت القوات الحكومية السورية عمليات عسكرية في منطقة قلعة المضيق، مما أجبرنا على النزوح إلى مخيمات دير حسان في محافظة إدلب وترك أرضنا خلفنا خوفاً على حياة وسلامة أبنائي، وحالياً أصبحنا بالكاد نعيل أنفسنا ولم نعد نقدر على شراء حاجاتنا اليومية خاصة أنني لم أستطع أن أجد عمل يناسبني، علماً بأن أرضي كانت مزروعة بالقمح والبرسيم والباذنجان والطماطم”.

وأضاف في شهادته:

“كانت الأرض الزراعية مقسمة بيني وبين أخي، علماً أن كل شخص يمتلك قرابة 67 دونم مسجلة لدى المصالح العقارية، وفي شهر آذار 2020، وبعد أن هدأت العمليات العسكرية وتمكنت القوات الحكومية والميليشيات التابعة من السيطرة على المنطقة حاول أخي جاهداً أن يزرع أرضي وأرضه، مع العلم بأن أخي مقيم في مدينة حماه إلا أنه لم يحالفه الحظ من زراعة الأرض بسبب استحواذ المدعو “باسم المحمد” (قائد مليشيا الدفاع الوطني) على أكثر من 2000 دونم في المنطقة العقارية التي تقع فيها أرضي وأرض أخي”.

  • تعقيد إجراءات الدخول للمزادات للراغبين في المشاركة بالمزاد (وكالة قانونية عن الغائب والمفقود في سياق النزوح)

بتاريخ 16 أيلول/سبتمبر 2021، عممت وزارة العدل لدى الحكومة السورية تعميماً حمل الرقم (30) ونصّ على ضرورة الحصول على “الموافقات الأمنية اللازمة” كشرط جوهري ومسبق للبدء بإجراءات استصدار وكالات عن “الغائب أو المفقود”، أسوة بمعظم أنواع الوكالات العامة والخاصة. وقد ساهم هذا الاجراء في زيادة حالات الاستيلاء على أراضي المهجرين والذين ينطبق عليهم حالة الغائب أو المفقود وفق القانون السوري، سيما أن القرار المذكور يشترط الحصول على موافقات أمنية من الأفرع العسكرية والأمنية لإتمام الوكالة اللازمة بين الوكيل والموكل اليه هذا من ناحية، كما أن الحكومة السورية تسوق لفكرة بأن المزارعين المهجرين يوالون المسلحين وبالتالي فمن غير الممكن الحصول على موافقات أمنية لتنظيم وكالات خاصة بهم وتوكيل أقاربهم للدخول في المزايدة بالنيابة عنهم.

أحد المزارعين، روى لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة الصعوبات التي واجهها بسبب عدم قدرته على إعطاء توكيل قانوني لشقيقه، بحكم تواجد المزارع في مناطق خارجة عن سيطرة الحكومة السورية، وبالتالي يستحيل حصول شقيقه على الموافقة الأمنية لاستحصال التوكيل. يقول المصدر:

“في عام 2021، أكّد لي أخي بأنه عازم على المشاركة في المزاد العلني لاستئجار أرضي وأرضه من أجل زراعتها، وفي شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2021، تمكّن أخي من المشاركة في المزاد العلني، وذلك بعد أن دفع حوالي 50 ألف ليرة سورية، كرشاوي لصالح أحد المتنفذين. وبالرغم من ذلك، فإنه لم يستطع استئجار الارض أو منع غيره من الاستحواذ عليها بحجة عدم وجود توكيل قانوني منّي لصالح أخي يسمح له بالتصرف في الأرض واستغلالها وعليه فقد تم استجار الأرض (الاستيلاء عليها) من قبل المدعو ” باسم محمد” متزعم ميليشيات الدفاع الوطني بالمنطقة.

وأضاف الشاهد في إفادته، بالقول:

“بالنسبة إلى إمكانية ذهابي إلى مناطق سيطرة الحكومية السورية للقيام بإجراءات التوكيل لصالح أخي فإنها غير ممكنة وغير أمنة بالنسبة لي، حيث أن أحد شروط التوكيل هي حضور طرفي التوكيل أمام الكاتب بالعدل بالذات، سيما أن الحكومة السورية توسم أصحاب الأراضي من النازحين في إدلب بالمسلحين وموالين للجماعات المسلحة.”

  • الاستثمار غير المشروع للاراضي الزراعية الخاصة بسبب التهجير ووضع المعوقات للوصول الى الاراضي قد تهدد بخسارة الممتلكات بشكل نهائي:

يقدّر عدد النازحين داخليا في شمال غرب سوريا بـ 2.8 مليون شخص. ويوجد حوالي 1.7 مليون من النازحين في 1,400 موقع للنزوح، من بينهم 80 في المائة نساء وأطفال، وتقريبا 46,000 لديهم احتياجات خاصة.  وبحسب الباحث الميداني” لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة” فإن السواد الأعظم للنازحين هم من محافظة حماه وريف ادلب الجنوبي التي شهدت عمليات عسكرية موسعة في عامي 2019 و 2020 والتي أجبرت سكان البلدات والقرى والمدن على الفرار باتجاه الحدود السورية التركية تاركين ورائهم أسباب معيشتهم وحياتهم.

أحد سكان (كفرزيتا/52 عام، متزوج ولديه 7 أولاد)، ومقيم حالياً في مخيمات حارم، تحدث لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة حول المصاعب التي تهدد خسارته لأملاكه في المزادات العلنية، بالقول:

“أملك أنا وأخوتي الثلاثة أرض زراعية على تخوم مدينة كفرزينا تقدر مساحتها بحوالي 96 دونم، اعتدنا على زراعتها بمحصول البطاطا وكانت تدر علينا ألاف الدولارات ومكنتنا من العيش في حياة رغيدة، وفي عام 2016 قمنا بحفر بئرين ارتوازيين في تلك الأرض الزراعية بغية توفير مصدر دائم للمياه لسقاية مزروعات الأرض. لكن، وفي شهر نيسان عام 2019، نزح اثنان من أخوتي باتجاه مدينة حارم برفقة عائلاتهم وكانوا حوالي 23 شخص، وذلك بسبب اشتداد القصف الجوي من قبل القوات الحكومية والطائرات الروسية، ورغم ذلك بقيت أنا وأحد أشقائي الآخرين في أرضنا وذلك لرعاية المحصول ظناً منا بأننا سنتمكن من جني ثمار المحصول في موعده. لاحقاً وفي شهر حزيران 2019، اضطررت أنا وأخي للخروج من أرضنا بشكل نهائي بسبب تقدم القوات الحكومية السورية حيث تم استعادت سيطرتها لمدينة كفرزيتا والأراضي المحيطة بها. وبعد نزوحنا لاحقاً كلفنا أحد أقربائنا الذي كان مازال يسكن في بلدة صوران للذهاب إلى أرضنا الزراعية في كفر زيتا ليتفقد ما الذي حل بمحصول الأرض، ثم عاد ليخبرنا بأن الأرض ومحصولها لعام 2019/ 2020 قد استولت عليها مليشيا عسكرية تابعة للحكومة السورية”. 

وأكمل الشاهد حديثه بالقول:

“في الموسم الزراعي التالي عام 2020/2021، علمت بمحض الصدفة أن محافظة حماه أعلنت إجراء مزاد علني لتأجير أراضي النازحين الزراعية وقد كانت أرضي مشمولة في المزاد العلني، وعلى الفور ورغم المخاطر التي تتهدد سلامة شقيقي قررنا إرسال أحد أخوتي الى المزايدة مع العلم أنه دفع مبالغ مالية كرشاوى وصلت لحوالي 300 دولار أمريكي، كي يتمكن من حضور المزاد العلني في محاولة منا كي يرسوا علينا المزاد ولا يذهب المزاد لشخص آخر. وعندما وصل أخي إلى قاعة المزاد في محافظة حماه لم يتمكن من الدخول إلا بعد دفع مبلغ وقدره 35 ألف ليرة سورية كرشاوى لأحد المتنفذين في المزاد. ثم قام أخي بتقديم هويته الشخصية للمسؤولين عن المزاد طالباً منهم استثناء أرضه من المزاد من تأجير الأرض كونه أحد المالكين الاصلين للأرض الزراعية”.

أضاف المصدر:

“طلبت اللجنة المشرفة من أخي أن يراجعها في اليوم التالي، و بالفعل تمت المراجعة  إلا أن اللجنة أخبرت أخي بأن الأرض ليست مسجلة باسمه وإنما ماتزال على قيود والدي المتوفي، وأخبروني بأنّه لا يحق لأحد الاستحواذ على الأرض بدون وجود ورقة (حصر إرث شرعي) أو وكالة قانونية مصدقة من قبل الكاتب بالعدل أصولاً، وتكون صادرة من والدي حتى تتيح لأخي التصرف بالأرض. علماً بأن أخي أخبر اللجنة أن والدي توفي منذ عام 2016، ولم نتمكن من تاريخ الوفاة من إجراء حصر إرث شرعي و توزيع الملكية بين الورثة القانونيين بسبب ظروف الحرب ولكن اللجنة أصرت على قرارها بتشميل أرضنا في المزاد العلني. وفي وقت لاحق تمّ التوسط له مع اللجنة المكلفة بإدارة المزاد العلني مقابل مبلغ مالي بغية رسو المزاد عليه كونه هو أحد المالكين.”

وختم قائلاً:

“بالفعل رسا عليه المزاد في ذلك الوقت، واليوم يعمل أخي بجزء من الأرض الزراعية التابعة لنا كمستأجر ويشهد أمام عيناه كيف أن أحد المتنفذين بالمنطقة وضع يده على بقية الأرض ويتنعم بثمار المحصول. علماً أنه لم يتمكن من زراعة محصول البطاطا كما كنا معتادين على ذلك بسبب سرقة المليشيات التابعة للحكومة السورية المعدات الزراعية وتجهيزات الآبار التي تحتاج كلفة كبيرة لتامين مستلزمات الزراعة واكتفى بزراعة الأرض بالقمح، وحاليا نعيش أنا وأخوتي الباقين مع أسرهم في مخيمات حارم بإدلب على مساعدات سلة المعونة الشهرية والتي لا تغني عن ذرة تراب واحدة من أرضنا”.

  1. رأي قانوني:

تعد عمليات الاستيلاء على الأراضي من خلال إعلان المزادات العلنية لاستثمار واستجار أراضي النازحين في محافظة حماه وإدلب حلقة من عدة حلقات تهدف لنزع ملكيات السوريون/ات المنقولة وغير المنقولة. وهذه الاجراءات التي اتبعتها الحكومة السورية لانتزاع وسلب العقارات الخاصة ليست بالجديدة وهي سابقة لسنوات النزاع، إلا إن الحرب الدائرة في سوريا ومحاولات الحكومة السورية بالانتقام من المعارضين بوسائل شتى ومنها مصادرة الممتلكات والاستيلاء عليها، جعلت هذه المسألة أكثر ظهوراً على السطح، ولا سيما قيامها بإصدار عدة قوانين ومراسيم تحقق لها هذا الهدف، وكان أكثر تلك القوانين تعدياً على الملكيات العقارية الخاصة هو المرسوم 66 لعام 2012، والمعدّل بالقانون رقم 10 لعام 2018، وكذلك القانون رقم 23 لعام 2015، وغيرها من القوانين والمراسيم والتعاميم التي تهدف إلى الاستيلاء على أملاك قسم من السوريين، ولاسيما المعارضين للحكومة السورية.

من الأهمية بمكان الإشارة إلى أنّ قانون مكافحة الإرهاب ذو رقم 19 عام 2012، ساهم هو الآخر بتعزيز سياسة الاستيلاء على ممتلكات السوريين/ات، مما يوحي بنية الحكومة في توسيع  سياسات مصادرة الممتلكات الخاصة لتطال فئات وشرائح سوريّة عديدة.

وتعتبر تلك الإجراءات المتعلقة بالمزادات الحكومية لاستثمار أراض زراعية يملكها نازحون ومغتربون مخالفة دستورية لنص المادة 15 من الدستور السوري النافذ 2012 التي نصت على أنه:

 “لا تنزع الملكية الفردية الا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل وفقا للقانون، ولا تفرض المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائي.

 وبالتالي فإن جميع الإجراءات ابتداء من إعلان المزايدة على الأراضي وانتهاء بمنح حق الاستثمار/الاستئجار لتلك الأراضي لبعض الأشخاص يعتبر باطل من الناحية الدستورية.

من ناحية أخرى، يعتبر هذا التصرف اعتداء على حق المالكين بالتصرف في هذه الملكيات المقرر في المادة   768 من القانون مدني التي تنص على:

“أنه لمالك الشيء وحده في حدود القانون حق استعماله واستغلاله والتصرف فيه. علاوة على ذلك، تعتبر ايضاً هذه الإجراءات سرقة ونهباً لثمار هذه الملكيات التي قرها القانون المدني على أنها من حق الملك حصراً حسب ما ورد في المادة ” 770 “منه على أن لمالك الشيء الحق في كل ثماره ومنتجاته وملحقاته ما لم يوجد نص أو اتفاق يخالف ذلك”.

كما إن القرار الصادر عن محافظ حماه بخصوص الإعلان عن قبول طلبات الاشتراك بالمزاد العلني لاستثمار الأراضي قد صدر استئناساً بأحكام القانون رقم 51 لعام 2004، وهو قانون يتعلق بتأمين المشتريات (مواد أو خدمات عمل) لصالح الجهات العامة،  ويستند أساساً على مبدأ المناقصات، ولا يوجد في هذا القانون ما يشير إلى عملية المزادات العلنية على الأراضي والممتلكات الخاصّة، وبالتالي فإن إصدار هذا القرار استنادا للقانون المذكور لا أساس له من الصحة وغير قانوني.

خاتمة:

يعتبر حق الملكية من حقوق الإنسان الأساسية التي نصت عليها العهود والمواثيق الدولية، وهذا الحق يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحقه في العيش الكريم والآمن، ولايجوز بالتالي حرمان أي شخص من حق التملك، وليس مقبولاً بأيّ حال من الأحوال سلبه ملكه بدون وجه حق، وقد تمّ التأكيد على هذا الحق في المادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948، كما تمّ التأكيد في المبادئ التوجيهية بشأن التشريد الداخلي على وجوب توفير الحماية، في جميع الظروف، لأموال وممتلكات المشردين داخلياً، وبخاصة ضد النهب، والاستيلاء التعسفي وغير القانوني، وأيضاً من شغلها أو استخدامها، والاعتداءات المباشرة والعشوائية وأعمال العنف الأخرى.

ولا شكّ أنّ عمليات الاستيلاء على عقارات النازحين واللاجئين السوريين من قبل الحكومة السورية والميليشيات المتعاونة معها، ستشكل حجر عثرة أمام عودتهم الطوعية والآمنة، فإن رغبوا في العودة يوماً ما، فإن أول ما سيتبادر إلى أذهانهم هو العودة للسكن في بيوتهم أو الاستثمار في أراضيهم، وفي حال عدم وجود ما ذكر، فلن يكون لعودتهم أي معنى، وبالتالي فإن تصرفات الحكومة السورية المتمثلة بمصادرة ممتلكات المهجرين والاستيلاء عليها، تؤكد عدم صدق دعواتها لهؤلاء بالعودة إلى ديارهم وأماكن سكناهم، وعدم التزامها بالقرارات الاممية الصادرة بخصوص سوريا ولا سيما القرار 2254 لعام 2015، والذي أكد على “الحاجة الماسة إلى تهيئة الظروف المواتية للعودة الآمنة والطوعية للاجئين والنازحين داخليا إلى مناطقهم الأصلية وإعادة تأهيل المناطق المتضررة، وفقا للقانون الدولي”.

ملحقات:

صورة رقم (3) – نسخة عن إعلان المزايدة الصادر عن محافظ حماه “محمد طارق كريشاتي”.

 

____

[1] إنّ الاستئناس المذكور في غير محلّه القانوني، كون القانون رقم 51 لعام 2004، يتعلّق بالمناقصات وتأمين والمشتريات أو الخدمات للجهات العامّة وليس بتأجير أو استثمار الممتلكات الخاصّة.

[2] اللجنة الأمنية والعسكرية: هي أعلى سلطة سياسية وعسكرية وأمنية في المحافظة، وكانت قد تشكّلت عقب اندلاع النزاع السوري عام 2011، وتتألف اللجان الأمنية في كل محافظة من: رئيس اللجنة الأمنية وهو أعلى رتبة فيها ثمّ المحافظ ثمّ أمين فرع حزب البعث في المحافظ وممثل الجبهة الوطنية التقدمية في المحافظة بالإضافة للمحامي العام في المحافظة وقائد شرطة المحافظة، ثمّ قائد الشرطة العسكرية في المحافظة ورئيس فرع الآمن العسكري في المحافظة ورئيس فرع المخابرات العامة في المحافظة، ورئيس فرع الأمن السياسي في المحافظة ورئيس فرع المخابرات الجوية في المحافظة وقائد الدفاع الوطني في المحافظة وقيادة الفرق والألوية العسكرية في المحافظة.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد