الرئيسية أوراق قانونية سوريا: تدخل السلطة التنفيذية في السلطة القضائية وتأثيره على حماية وممارسة الديمقراطية

سوريا: تدخل السلطة التنفيذية في السلطة القضائية وتأثيره على حماية وممارسة الديمقراطية

إنّ الصلاحيات الدستورية الممنوحة للسلطة التنفيذية تنسف مبدأي سيادة القانون والفصل بين السلطات

بواسطة communication
391 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

أعدَّت سوريون من أجل الحقيقة والعدالة هذه الورقة استجابة لدعوة المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية باستقلال القضاة والمحامين للمساهمة في تقريرها حول حماية استقلال النظم القضائية في مواجهة التحديات المعاصرة للديمقراطية، والمقرر تقديمه إلى الدورة 56 لمجلس حقوق الإنسان في حزيران/يونيو 2024. حيث تقدّم “سوريون” في هذا الطرح إجابات عن بعض أسئلة المقررة الخاصة المتعلقة بالقضاة، وتتناول بشكل خاص غياب مبدأ الفصل بين السلطات في سوريا، وهيمنة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية وتأثير ذلك على استقلال القضاة والمحاكم ونتائج هذا على ضمان الديمقراطية.

1. القضاء والديمقراطية في سوريا:

مبدأ الفصل بين السلطات هو أحد المبادئ الأساسية التي تقوم عليها سيادة القانون والأنظمة الديمقراطية، وهو أمر بعيد عن الواقع في سوريا حيث لا يمكن للقضاة ممارسة أدوارهم كحراس للديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان، مما يحول دون الإعمال الفعال للحقوق والحريات باعتبارها ركائز الديمقراطية. إن تقويض أو إسكات السلطة القضائية يعني سحق ركيزة أساسية من ركائز الديمقراطية الفعالة من خلال تحييد المؤسسة التي تسعى لضمان الحقوق والحريات في دولة القانون والمؤسسات، والتي تعتبر شرطاً للمجتمع الديمقراطي، وهو ما تعاني منه الأجهزة القضائية في سوريا منذ عقود.

2. استقلال السلطة القضائية عن السلطات الأخرى (مبدأ فصل السلطات):

إنّ استقلالية القضاء ركن أساسي للعدالة، وشرط مسبق لسيادة القانون، وينبغي تمتع المحاكم والقضاة بالأمان وأن يكونوا أحراراً في اتخاذ القرار على نحو مستقل ومحايد، استناداً إلى الوقائع وطبقاً للقانون، دون أي تدخل أو قيود أو ضغوط أو تأثير غير مناسب من جانب أي جهة أو لأي سبب، خاصة أن القضاة مكلفون باتخاذ القرار الأخير بشأن حياة المواطنين وحرياتهم وحقوقهم وواجباتهم وممتلكاتهم.[1]

تستمد المحاكم استقلالها بشكل أساسي من مبدأ الفصل بين السلطات، حيث يجب أن تكون الهيئات القضائية مستقلة تماماً عن السلطتين التنفيذية والتشريعية عند تقريرها بخصوص الشؤون القضائية بطبيعتها، وذلك وفقاً لما أكدته لجنة حقوق الإنسان في التعليق العام رقم 32 على المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وبرغم وجوب التزام الدولة السورية بكفالة استقلال السلطة القضائية، فقد شهدت العقود التي تلت استيلاء حزب البعث العربي الاشتراكي على السلطة في سوريا، هيمنة طاغية للسلطة التنفيذية. وقد عمل قانون الطوارئ نحو نصف قرن على تركيز وتجميع السلطة في قبضة السلطة التنفيذية ممثلة برئيس الجمهورية والأجهزة الأمنية.[2]

ورغم أن الدستور السوري الصادر عام 2012 ينصّ على أن نظام الحكم في سوريا جمهوري ديمقراطي،[3] ويعتبر مبدأ “سيادة القانون أساس الحكم في الدولة[4]” ويحدد مهام وصلاحيات السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) بشكل يوحي بأنه أخذ بمبدأ الفصل بين السلطات، إلا إنّ الصلاحيات الممنوحة للسلطة التنفيذية وخاصة لرئيس الجمهورية تنسف هذا المبدأ، إضافة إلى الصلاحيات شبه المطلقة الممنوحة للأجهزة الأمنية، التي لم يرد لها ذكر أصلاً في الدستور، وما يرافقها من امتيازات عدم المساءلة القضائية.

وتعتبر التدخلات غير المشروعة من قبل السلطة التنفيذية في أعمال السلطة القضائية، مخالفة للمبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 1985، ومخالفة لمبادئ المحاكمة العادلة، التي تؤكد على أن الحق بالمثول أمام محكمة مستقلة ومحايدة ومختصة هو حقّ مطلق لا يخضع لأي استثناءات، ومبدأ عام من مبادئ القانون الدولي العرفي وملزم لجميع الدول، بما فيها تلك التي لم تصادق على المعاهدات الدولية، وفي جميع الأوقات حتى إبان حالات الطوارئ والنزاعات المسلحة.[5]

إن عدم تمتع الأشخاص بالحق في محاكمة عادلة بسبب تدخل ونفوذ السلطة التنفيذية على القضاء يقوّض بطبيعة الحال إطار الحماية القانونية الممنوح لهم وفقاً للدستور والقانون الدولي للتمتع بحقوقهم وحرياتهم الأساسية التي من خلالها تتشكل ديمقراطية المجتمع.

3. ضمان استقلال السلطة القضائية في الدستور:

تضمّن الدستور السوري عدة مواد تنص صراحة على استقلال السلطة القضائية والقضاة وعدم تبعيتهم لغير القانون، حيث نص على أن “السلطة القضائية مستقلة، ويضمن رئيس الجمهورية هذا الاستقلال، ويعاونه في ذلك مجلس القضاء الأعلى“،[6] والذي من أولى مهامه أن يكفل توفير الضمانات اللازمة لحماية استقلال القضاء.[7] كما نص على أن “القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون.[8] هذا بالإضافة لعدة مواد خاصة بالمحكمة الدستورية العليا والتي أفرد لها المشرع باباً خاصاً.

عملياً، لم تترجم هذه النصوص في الواقع، بل عاد الدستور نفسه في نصوص أخرى وسلب القضاء استقلاليته عندما نصّ على رئاسة رئيس الجمهورية لمجلس القضاء الأعلى،[9] جاعلاً رأس السلطة التنفيذية رأساً للسلطة القضائية أيضاً. هذا ولا بد من الإشارة إلى أن الدستور السوري أحال موضوع تعيين القضاة وترفيعهم ونقلهم وتأديبهم وعزلهم إلى القانون، من دون وجود أي ضمانات دستورية على ذلك. كما لم يتحدث الدستور عن حصانة القضاة في أي من مواده.

4. تعيين القضاة وإقالتهم:

بما أن استقلال القضاء حق ذو طبيعة مطلقة، ينبغي أن تكون الهيئة المسؤولة عن تعيين القضاة وترقيتهم وتأديبهم مستقلة عن السلطة التنفيذية سواء في تكوينها أم في طريقة عملها،[10] ولكن القانون السوري تضمن العديد من النصوص التي مكنت السلطة التنفيذية من فرض هيمنتها على باقي السلطات.

بحسب المرسوم رقم 98 لعام 1961 حول قانون السلطة القضائية وتعديلاته، مُنحت وزارة العدل (ممثلة للسلطة التنفيذية) صلاحيات واسعة تتعلق بالقضاة، تتضمن على سبيل المثال اقتراح تعيين قضاة الحكم والنيابة العامة وترفيعهم ونقلهم وتأديبهم وعزلهم وقبول استقالتهم وإحالتهم على التقاعد والاستيداع، وتعيين الكتاب بالعدل والمساعدين العدليين، والإشراف على تنظيم الدوائر القضائية، وتفتيش السجون، وغيرها من الأعمال التي تدخل في صلب العمل القضائي.[11]

ومن جهة أخرى، ورغم أن تحضير مشروعات القوانين والأنظمة والبلاغات القضائية هي من صلب أعمال مجلس القضاء الأعلى، إلا أن قانون السلطة القضائية المذكور آنفاً أوكل هذه المهمة لإدارة التشريع التابعة لوزارة العدل.[12]

لتوضيح مدى سيطرة السلطة التنفيذية على الأجهزة القضائية، نورد المثالين التاليين وهما ليسا على سبيل الحصر:

4.1. المحكمة الدستورية العليا في سوريا:

إن الإطار الناظم حالياً للمحكمة الدستورية العليا (والتي يتوجب عليها مراقبة دستورية القوانين وضمان سمو الدستور وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية المذكورة فيه)، تهيمن فيه السلطة التنفيذية المتمثلة بسلطة رئيس الجمهورية المباشرة وغير المباشرة على المحكمة، وهو ما يعتبر تعدياً واضحاً على استقلال ونزاهة القضاء.

كما أن هذه المخالفة المقننة لها تبعاتها السلبية على جملة من الحقوق الأخرى خاصة في ظل عدم ممارسة المحكمة الدستورية العليا صلاحياتها المفترضة بخصوص تعديل أو إلغاء أي تشريعات من شأنها أن تنتهك حقوق المواطنين/ات.

بحسب الدستور السوري، يسمي رئيس الجمهورية أعضاء المحكمة الدستورية العليا.[13] وهذا خرق لمبدأ الفصل بين السلطات، وتعدٍ من قبل رأس السلطة التنفيذية على أعمال السلطة القضائية، والتي يفترض بحسب الدستور والقانون أن تكون “هيئة قضائية مستقلة[14] حيث أن منح رئيس الجمهورية سلطات مطلقة في تعيين واختيار أعضاء المحكمة الدستورية العليا يجعل من أعضائها موظفين إداريين بحكم الواقع وليس هيئة قضائية مستقلة، كما تجعلهم تحت رحمة الاستبدال في أي وقت، دون وجود أي ضوابط ومعايير تضمن استقلالية قرارهم عن السلطة التي عينتهم.[15]

والنص على اختصاص المحكمة الدستورية العليا بالنظر في صحة انتخابات رئيس الجمهورية أو محاكمته في حالة الخيانة العظمى، ليس ذا جدوى، إذ من غير الممكن أن يقوم هؤلاء الأعضاء بمحاكمة من قام بتعيينهم، سيما إن أخذنا بعين الاعتبار بأن مدة ولاية أعضاء المحكمة هي أربع سنوات وهي أقصر من مدة ولاية رئيس الجمهورية البالغة سبع سنوات، وهذا ما ينزع عنهم ضمانات الاستقلالية والحياد. زد على ذلك فإن جريمة الخيانة العظمى غير معرفة في القوانين السورية ولم يتم تحديد أي عقوبة لها، ولا عقوبة ولا جريمة إلا بنص قانوني،[16] ولكن هذا النص غير موجود في القانون السوري.

4.2. مجلس القضاء الأعلى:

يعتبر مجلس القضاء الأعلى رأس الهرم في السلطة القضائية، ولكن بموجب الدستور السوري لعام 2012، وقانون السلطة القضائية لعام 1961، وصدور العديد من القوانين الخاصة، وإحداث المحاكم الاستثنائية، لم تعدّ لهذا المجلس الولاية الحصرية على عمل القضاة مما يفقده جزءً هاماً من استقلاله، فالقضاء العسكري يتبع لوزير الدفاع، والقضاء الإداري يتبع لمجلس الدولة والذي يتبع بدوره للسلطة التنفيذية ممثلة بمجلس الوزراء، والقضاء العقاري يتبع لوزير العدل والمدير العام للمصالح العقارية.

بحسب المرسوم رقم 98 لعام 1961 حول قانون السلطة القضائية وتعديلاته، يشغل وزير العدل منصب نائب رئيس مجلس القضاء الأعلى،[17] ويرأس نصف أعضاء مجلس القضاء الأعلى التابعين له؛ فمعاون وزير العدل موظف في وزارة العدل، ورئيس إدارة التفتيش القضائي أيضاً موظف تابع لوزير العدل. كما يترأس الأخير النيابة العامة، وبالتالي فهو يرأس النائب العام، وهو ما يزيد من هيمنته على أعضاء السلطة القضائية، ويسلب القضاء استقلاله، وينزع عن القضاة حصانتهم.

5. حصانة القضاة:

بحسب المرسوم رقم 98 لعام 1961 حول قانون السلطة القضائية وتعديلاته، لا تقام دعوى الحق العام في الجرائم التي ارتكبها القضاة أثناء قيامهم بالوظيفة أو خارجها، إلا من قبل النائب العام، وذلك إما بإذن من لجنة تؤلف من رئيس محكمة النقض واثنين من أقدم مستشاريها أو بناء على طلب من مجلس القضاء الأعلى عندما يتبين أثناء المحاكمة المسلكية وجود جرم.[18] وفي كلتا الحالتين يظل القاضي المدعى عليه بارتكاب جرم ما تحت رحمة رئيس مجلس القضاء الأعلى ونائبه من خلال الصلاحية المعطاة لهما بالإذن في تحريك دعوى الحق العام.

عملياً، يستطيع رئيس الجمهورية والأجهزة التنفيذية التابعة له الالتفاف حول القانون وتهديد القضاة عن طريق إصدار أوامر من قبل وزير العدل للنائب العام بتحريك دعوى ضد القاضي. فالنائب العام معين من قبل وزير العدل وتابع له إدارياً ووظيفياً، وبالتالي لا يتمتع القاضي بأي نوع من الحماية القانونية والحصانة القضائية. كذلك يمكن اتهام القاضي المخالف لتعليمات الأجهزة التنفيذية بالإساءة أو بمخالفة الأنظمة العامة، على اعتبار أن تلك التعليمات جزء من النظام العام،[19] علماً أن إجراءات محاكمة القاضي المتهم تجري بصورة سرية.[20]

وبسبب سيطرة السلطة التنفيذية المتمثلة برئيس الجمهورية ووزير العدل فإن محكمة النقض أيضاً لا تستطيع مخالفة أوامر السلطة التنفيذية في حال إحالة القاضي إليها بحسب ما ينص عليه قانون السلطة القضائية.[21]

كذلك فإن إدارة التفتيش القضائي المسؤولة عن التفتيش على أعمال قضاة الحكم والنيابة والدوائر القضائية[22] تتألف من قضاة مرتبطين بوزير العدل ورئيس مجلس القضاء الأعلى ومسؤولين أمامهما عن سير الأعمال.[23]

وللاستدلال على عدم استقلالية القضاء من هيمنة ونفوذ السلطة التنفيذية، نذكر على سبيل المثال المرسوم رقم 95 الذي أصدره الرئيس السوري عام 2005، والذي جاء مخالفاً لقانون السلطة القضائية وللأحكام القانونية النافذة، وتم بموجبه عزل 81 قاضياً من قبل رئاسة مجلس الوزراء وخلال مدة لم تتجاوز أربع وعشرون ساعة، ودون أن يكون هذا القرار قابلاً لأي طريق من طرق الطعن أو المراجعة،[24] وهذا يعني عدم احترام أصول محاكمة القضاة الواردة في قانون السلطة القضائية المذكورة أعلاه، على الرغم من علَّاتها.

إن هذا النفوذ الممنوح للسلطة التنفيذية يشكّل تهديداً دائماً للقضاة يجعلهم في وضعٍ يجبرهم على تقييم دورهم القضائي وإنفاذه على أساس “إرضاء” السلطة التنفيذية في المقام الأول وليس على أساس ضمان سيادة القانون. وبناءً على ذلك، تشكل سياسات السلطة التنفيذية، رغم أنها بحد ذاتها تقوّض الحقوق والحريات والممارسة الديمقراطية، مرجعاً ضمنياً للقضاة للاضطلاع بمهامهم.

6. المحاكم الاستثنائية:

من شروط استقلال القضاء تبعية المحاكم والأجهزة القضائية جميعها للسلطة القضائية، وألا يحاكم أي متهم إلا أمام هذه السلطة، وهو ما يخالف الواقع في سوريا. فوفق عدد من القوانين والإجراءات، تم إنشاء عدة محاكم استثنائية تحمل الصفة القضائية، ولكنها غير مستقلة، وغير تابعة لمجلس القضاء الأعلى.

منذ عدة عقود، بدأ تشكيل المحاكم الاستثنائية في سوريا، وذلك إثر إعلان العمل بحالة الطوارئ عام 1963،[25] ومنها المحاكم العسكرية الاستثنائية عام 1965، ومحاكم الميدان العسكرية عام 1968،[26] ومحكمة أمن الدولة العليا عام 1968،[27] ومحكمة قضايا الإرهاب عام 2012.

استُخدمت المحاكم الاستثنائية منذ تشكيلها كأداة لترهيب المجتمع السوري وتطويعه وقمعه، بما يخالف جوهر وظيفة القضاء في حماية الحقوق والحريات والديمقراطية. وتتشكل هذه المحاكم إما من ضباط جيش لا يشترط بالضرورة أن يكونوا مجازين في الحقوق (كمحاكم الميدان العسكرية)[28] أو من قضاة يسميهم رئيس الجمهورية (كمحكمة قضايا الإرهاب).

كذلك تخضع المحاكم الاستثنائية للسلطة التنفيذية مخالفة بذلك مبدأ فصل السلطات. على سبيل المثال، يتحكم رئيس الجمهورية ووزير الدفاع بشكل مطلق في عمل محاكم الميدان العسكرية، وذلك فيما يتعلق بتشكيل المحاكم وتصديق الأحكام الصادرة عنها ووقف تنفيذها والأمر بإعادة المحاكمة.[29] علماً أن هذه الصلاحيات كانت ممنوحة لرئيس الجمهورية فيما يتعلق بمحكمة أمن الدولة العليا.[30] كذلك تتم تسمية قضاة محكمة قضايا الإرهاب بمرسوم من رئيس الجمهورية،[31] والأحكام الصادرة عن المحكمة تقبل الطعن أمام دائرة خاصة في محكمة النقض تشكل بمرسوم رئاسي.[32] هذا بالإضافة إلى أن المحاكم الاستثنائية المذكورة معفاة من التقيد بالقواعد والأصول المنصوص عليها في التشريعات النافذة وذلك في جميع أدوار وإجراءات الملاحقة والمحاكمة.[33]

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن القضاء العسكري السوري ببنيته الحالية هو قضاء استثنائي أيضاً، كونه يتبع لوزارة الدفاع السورية ويخضع القضاة العسكريون للأنظمة العسكرية النافذة. ولا يقتصر اختصاصه على محاكمة العسكريين، بل يتعدى ذلك إلى محاكمة المدنيين في حالات كثيرة. كما أن القضاء العسكري هو صاحب القرار في تحديد ما إذا كانت القضية من صلاحياته أم لا، وهذا يشكل تعدياً على سلطات القضاء العادي. هذا ويجب على النيابة العامة العسكرية الحصول على أمر الملاحقة بحق المتهم قبل تحريك الدعوى العامة، ويصدر هذا الأمر بمرسوم أو بقرار من القائد العام للجيش والقوات المسلحة أو بأمر من رئيس الأركان العامة حسب الحال.[34]

نظراً إلى طبيعة المحاكم الاستثنائية، فإنها مجرد استخدام شكلي لمسمى السلطة القضائية من خلال تسميتها “محاكم”، لكنها في واقع الأمر إحلال عملي لممارسات تنفيذية بدلاً من تطبيق مبدأ سيادة القانون.

تشكل المخالفات المشمولة في اختصاص هذه المحاكم تعسفاً في استخدام القوانين بسبب غموض النصوص ذات الصلة وتعدد تفسيراتها، مما يمكّن السلطة التنفيذية، من خلال المحاكم الاستثنائية، من اعتبار أي ممارسة ديمقراطية للحقوق والحريات مخالفة قانونية.[35]

7. حصانة المؤسسات الأمنية والعسكرية من الملاحقة القضائية:

استثنى المشرع السوري بعض الأجهزة التي تمارس مهام الضابطة العدلية وعناصرها من رقابة القضاء حيث لا يمكن تحريك الدعوى العامة بحق عناصر الأمن والمخابرات إلا بموجب إذن يمنح من قبل مدير إدارة أمن الدولة. ينص مرسوم إحداث إدارة أمن الدولة رقم 14 لعام 1969 بأنه “لا يجوز ملاحقة أي من العاملين في الإدارة عن الجرائم التي يرتكبونها أثناء تنفيذ المهمات المحددة الموكولة إليهم أو في معرض قيامهم بها إلا بموجب أمر ملاحقة يصدر عن المدير[36]. صدر أيضاً في ذات العام المرسوم رقم 549 والذي ينص على عدم جواز ملاحقة أي من العاملين في إدارة أمن الدولة أو المنتدبين أو المعارين إليها أو المتعاقدين معها مباشرة أمام القضاء، في الجرائم الناشئة عن الوظيفة، أو في معرض قيامه بها قبل إحالته على مجلس التأديب في الإدارة واستصدار أمر ملاحقة من قبل المدير .[37]

وفي عام 2008 صدر المرسوم التشريعي رقم 64 وتم بموجبه تعديل المادة 47 من قانون العقوبات وأصول المحاكمات العسكرية رقم 60 لعام 1950 وذلك بإضافة “الجرائم المرتكبة من ضباط وصف وأفراد قوى الأمن الداخلي، وعناصر شعبة الأمن السياسي، وعناصر الضابطة الجمركية، بسبب تأدية المهام الموكلة إليهم، وتصدر أوامر الملاحقة بحقهم بقرار من القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة” ولم يقتصر الأمر على عناصر وضباط الأمن والشرطة والجمارك، بل إن عناصر وضباط الجيش السوري محصنون أيضاً من الملاحقة القضائية، إلا إذا حصلت النيابة العامة العسكرية على أمر الملاحقة بموجب قرار أو مرسوم يصدر من القائد العام للجيش والقوات المسلحة.

عطفاً على ما تم تفصيله حول المحاكم الاستثنائية، يشكل هذا الإفراط في منح الحصانة من الملاحقة القضائية للعاملين في الجهات العسكرية والأمنية انتهاكاً صارخاً لحقّي المساواة أمام القانون والمساواة أمام القضاء، وهو ما يساهم في ترسيخ الإفلات من العقاب ويحد القدرة على ممارسة الحقوق الأساسية.

وبناء على ما ذكر، فإن السلطة القضائية عاجزة عن القيام بالدور المنوط بها في تحقيق العدالة والمساواة بين المتقاضين، والوصول إلى الديمقراطية المبتغاة، خاصة وأنه من غير الممكن مقاضاة الكثير من العاملين في الأجهزة المنوط بها تنفيذ القانون. يؤدي هذا في كثير من الأحيان إلى تجاوز هؤلاء للصلاحيات الممنوحة لهم وانتهاك حقوق وحريات المواطنين/ات.

وأخيراً، لا يشعر القاضي بالأمان والاستقرار لأن مصيره المهني بيد السلطة التنفيذية، ومن الممكن أن يكون عرضة للعزل والتسريح في أي لحظة وفقاً لأهواء ورغبات هذه السلطة، دون أن تكون النصوص القانونية قادرة على تأمين الحماية له. فإن لم يكن القاضي قادراً على الدفاع عن حقوقه الأساسية فمن غير الممكن أن يكون قادراً على حماية حقوق المتقاضين/ات أمامه.


[1] مبادئ أساسية بشأن استقلال السلطة القضائية. الجمعية العامة للأمم المتحدة. 06 أيلول/سبتمبر 1985

[2] مبادئ أساسية بشأن استقلال السلطة القضائية. الجمعية العامة للأمم المتحدة. 06 أيلول/سبتمبر 1985

[3] المادة 1 من الدستور السوري لعام 2012

[4] المادة 50 من الدستور السوري لعام 2012

[5] دليل المحاكمة العادلة. منظمة العفو الدولية. 09 نيسان/أبريل 2014

[6] المادة 132 من الدستور السوري لعام 2012

[7] المادة 133(2) من الدستور السوري لعام 2012

[8] المادة 134 من الدستور السوري لعام 2012

[9] المادة 133(1) من الدستور السوري لعام 2012

[10] تقرير المقرر الخاص المعني باستقلال القضاة والمحامين بتاريخ 24 آذار/مارس 2009. A/HRC/11/41

[11] المادة 1 من المرسوم رقم 98 لعام 1961 حول قانون السلطة القضائية وتعديلاته.

[12] المادة 8 من المرسوم رقم 98 لعام 1961 حول قانون السلطة القضائية وتعديلاته.

[13] المادة 141 من الدستور السوري لعام 2012 والمادة 3 من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 7 لعام 2014

[14] المادة 140 من الدستور السوري لعام 2012 والمادة 1 من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 7 لعام 2014

[15] للمزيد من المعلومات عن المحكمة الدستورية العليا انظر تقرير منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة المحكمة الدستورية العليا في سوريا: استقلالية شكلية وأداة بيد رئيس الجمهورية، 15 آب/أغسطس 2022.

[16] المادة 51 من الدستور السوري لعام 2012

[17] المادة 65 من المرسوم رقم 98 لعام 1961 حول قانون السلطة القضائية وتعديلاته

[18] المادة 114 من المرسوم رقم 98 لعام 1961 حول قانون السلطة القضائية وتعديلاته

[19] للمزيد من المعلومات حول حصانة القضاة في سوريا انظر تقرير منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة سوريا: حصانة نظرية للقضاة في ظل ضغوط السلطات التنفيذية والأجهزة الأمنية، 28 تموز/يوليو 2022.

[20] المادة 111 من المرسوم رقم 98 لعام 1961 حول قانون السلطة القضائية وتعديلاته

[21] المادة 115 من المرسوم رقم 98 لعام 1961 حول قانون السلطة القضائية وتعديلاته

[22] المادة 11 من المرسوم رقم 98 لعام 1961 حول قانون السلطة القضائية وتعديلاته

[23] المادة 12 من المرسوم رقم 98 لعام 1961 حول قانون السلطة القضائية وتعديلاته

[24] ينص المرسوم رقم 95 لعام 2005 على أنه خلافاً للأحكام القانونية النافذة ولا سيما المادة 98 من قانون السلطة القضائية وتعديلاته، يجوز لمجلس الوزراء، ولمدة أربع وعشرون ساعة ولأسباب يعود تقديرها إليه، أن يقرر صرف القضاة من الخدمة، ولا يشترط في هذا القرار أن يكون معللاً أو أن يتضمن الأسباب التي دعت للصرف من الخدمة، ويسرح القاضي المقرر صرفه من الخدمة بمرسوم غير قابل لأي طريق من طرق المراجعة أو الطعن أمام أي مرجع إداري أو قضائي، وتصفى حقوق المُسرح وفقاً لأحكام القانون النافذ.

[25] تم إنهاء العمل بحالة الطوارئ بموجب المرسوم رقم 161 لعام 2011.

[26] تم الغاؤها مؤخراً بالمرسوم التشريعي رقم 32 لعام 2023.

[27] ألغيت بموجب المرسوم التشريعي رقم 53 لعام 2011.

[28] للمزيد من المعلومات حول محاكم الميدان العسكرية الاستثنائية انظر تقرير منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة محاكم الميدان العسكرية في سوريا: 55 عاماً من الأحكام التعسفية، 13 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

[29] المرسوم التشريعي رقم 109 لعام 1968 بشأن إحداث محاكم الميدان العسكرية

[30] المرسوم التشريعي رقم 47 لعام 1968 بشأن إحداث محكمة أمن الدولة العليا

[31] المادة 2 من القانون رقم 22 لعام 2012 بشأن إحداث محكمة للنظر في قضايا الإرهاب

[32] المادة 5 من القانون رقم 22 لعام 2012 بشأن إحداث محكمة للنظر في قضايا الإرهاب

[33] المادة 7 من القانون رقم 22 لعام 2012 بشأن إحداث محكمة للنظر في قضايا الإرهاب، والمادة 7 من المرسوم التشريعي رقم 47 لعام 1968 بشأن إحداث محكمة أمن الدولة العليا، والمادة 5 من المرسوم رقم 109 لعام 1968 بشأن إحداث محاكم الميدان العسكرية

[34] المواد 39 و50 و51 و53 من قانون العقوبات وأصول المحاكمات العسكرية رقم 61 لعام 1950.

[35] للمزيد من المعلومات عن اختصاصات هذه المحاكم أنظر إلى تقرير منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، سوريا: “إرث فايز النوريآلاف الأحكام الجائرة لكلمن يعارض أهداف الحزب، 17 آذار/مارس 2022

[36] المادة 16 من المرسوم التشريعي رقم 14 لعام 1969 بشأن إحداث إدارة أمن الدولة

[37] المادة 74 من المرسوم التشريعي رقم 594 لعام 1969 بشأن قانون التنظيمات الداخلية لإدارة أمن الدولة، وقواعد خدمة العاملين فيها

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد