الرئيسية اختيارات المحرر المحكمة الدستورية العليا في سوريا: استقلالية شكلية وأداة بيد رئيس الجمهورية

المحكمة الدستورية العليا في سوريا: استقلالية شكلية وأداة بيد رئيس الجمهورية

تشكّل آلية تعيين أعضاء "المحكمة" خرقاً لمبدأ الفصل بين السلطات وتعدياً لا لبس فيه من قبل رأس السلطات التنفيذية (رئيس الجمهورية) على أعمال السلطة القضائية ما يشكّل انتهاكاً للدستور الحالي وخرقاَ لقانون "المحكمة الدستورية العليا" لعام 2014

بواسطة communication
192 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

مقدمة:

بتاريخ 16 أيار/مايو 2022، أصدر الرئيس السوري بشار الأسد المرسوم رقم 127 لعام 2022، والذي نصّ على تجديد تسمية/إعادة تعيين رئيس “المحكمة الدستورية العليا السورية”، وستة أعضاء آخرين من “الهيئة العامة” للمحكمة، بالإضافة إلى تسمية/تعيين أربعة أعضاء جدد لم يكونوا متواجدين سابقاً في تشكيل المحكمة السابقة.

وبهذا التعديل، أصبح عدد أعضاء “المحكمة الدستورية” الحالية 11 عضواً بعد المرسوم، علماً أن آخر مرسوم صدر بتعيين أعضاء “المحكمة الدستورية” العليا السابقة كان بتاريخ 8 أيار/مايو 2018، أي قبل أكثر من 4 سنوات، وهو المرسوم الذي حمل الرقم  165 لعام 2018.

ضمّت “المحكمة الدستورية العليا السورية” الحالية أسماء معروفة لدى بعض السوريين، كالمحامي[1] “محمد جهاد اللحام” الذي تمّ تعيينه رئيساً للمحكمة (بعد تجديد ولايته وإعادة تكليفه بالرئاسة)، بحسب “المادة 1” من المرسوم 127.

كما أُعيد تسمية/تعيين أعضاء آخرين بحسب “المادة 2” من المرسوم ذاته، وهم: القاضي رسلان علي طرابلسي والقاضي مالك كمال شرف، وعضوي “اللجنة الدستورية السورية” الحالية التي تعقد في جنيف كممثلين عن الحكومة السورية، وهما الدكتورة: جميلة مسلم الشربجي[2] والدكتور سعيد عبد الواحد نحيلي[3] والمحامييَن ماجد رشيد خضرة ومعتصم سكيكر.

ونصّت “المادة 3” من “المرسوم 127” على تعيين أعضاء جدد في “اللجنة الدستورية السورية العليا” وهم: القاضي فارس ملحم صطوف (رئيس محكمة النقض منذ العام 2020) والقاضي ديبو عبد السلام شحادة والقاضية ميساء أنور المحروس والقاضي وسام بديع يزبك.

ويبدو أن مرسوم تشكيل “المحكمة الدستورية العليا”، قد راعى تحقيق نوع من التوازن في النصاب بين عدد المحامين والقضاة المعينين، حيث يؤخذ في الحسبان عادةً تحقيق نوع من التوازن عند تشكيل لجان أو هيئات قانونية ممثلة للحكومة السورية، وذلك نظراً لوجود نوع من الحساسية الدائمة، والمناكفات المستمرة، ما بين نقابة المحامين ووزارة العدل. وتظهر هذه الحساسيات أثناء العمل في أروقة المحاكم السورية، وانعقاد المؤتمر السنوي العام للمحامين في سوريا، الذي يتم عادة بإشراف وحضور وزير العدل.

وبهذه التعديلات يكون قد بلغ عدد القضاة في “المحكمة الدستورية العليا” الحالية، ستة قضاة، إضافة إلى ثلاثة محامين (من بينهم رئيس المحكمة)، وعضوين من الوسط الأكاديمي والهيئة التدريسية في كليات الحقوق بالجامعات السورية.

استقلالية شكلية لـ”المحكمة الدستورية العليا”

من الناحية النظرية؛ تعتبر “المحكمة الدستورية العليا”، “هيئة قضائية مستقلة”، بحسب ما نصت عليه “المادة 140” من الدستور السوري النافذ (دستور عام 2012). وهو ذات الوثيقة التي وضعت حد أدنى لعدد أعضاء المحكمة الدستورية العليا وهو سبعة أعضاء،  ولم توضّح صراحة الحد الأعلى.

كما تمّ التأكيد لاحقاً على مفهوم استقلالية “المحكمة الدستورية” عن أي سلطة أخرى في “المادة 1” من  القانون رقم 7 لعام 2014، الصادر بتاريخ 16 نيسان/أبريل 2014، والمعروف باسم “قانون المحكمة الدستورية العليا”.  ونصّت “المادة 3 من القانون على أن العدد الكلي لـ “الهيئة العامة للمحكمة الدستورية العليا” هو أحد عشر عضواً، على أن يكون أحدهم رئيساً، ويتم تسميتهم من قبل رئيس الجمهورية، بمرسوم لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد (عدد مرات التجديد غير محددة)، حسب “الفقرة أ”، وهنا تتجلى أول إشكالية تتعلق باستقلال تلك المحكمة.

إذ سينفذ أعضاء “المحكمة الدستورية العليا” تعليمات الرئيس الذي عيّنهم، طمعاً في البقاء بهذا الموقع لأطول مدة ممكنة، ولن يقوموا بأي مخالفة لإرادة رئيس السلطة التنفيذية خوفاً من العزل أو الإقالة.

ومن ناحية أخرى، يؤدي رئيس “المحكمة الدستورية العليا” وأعضاؤها قبل توليهم لمهامهم القسم أمام رئيس الجمهورية،[1] بحضور رئيس مجلس الشعب، و في حال شغور/خلو منصب أحد الأعضاء بسبب الوفاة أو الإقالة أو الاستقالة، يسمي رئيس الجمهورية بديلاً عنه لمدة لا تتجاوز المدة الباقية لسلفه، بحسب “المادة 54” من القانون “رقم 7” التي تنص على:

 “يسمي رئيس الجمهورية بمرسوم رئيساً أو عضواً بدلاً من الرئيس أو العضو المقال أو المستقيل أو المتوفي لمدة لا تتجاوز المدة الباقية لسلفه.”

يمكن الاستنتاج مما سبق حول مدى استقلالية هذه المحكمة كما يلي:

أولاً: تشكّل آلية تعيين أعضاء “المحكمة الدستورية العليا السورية” خرقاً لمبدأ الفصل بين السلطات، وتعديّاً لا لبس فيه من قبل رأس السلطات التنفيذية (رئيس الجمهورية) على أعمال السلطة القضائية، ما يشكّل انتهاكاً للدستور الحالي (دستور عام 2012) بحسب “المادة 140” منه، التي تنص على أن “المحكمة الدستورية العليا  هيئة قضائية مستقلة”. وأيضاً، خرقاَ لقانون “المحكمة الدستورية العليا” لعام 2014 في مادته الأولى التي تنص أيضاً على أن “المحكمة الدستورية العليا هيئة قضائية مستقلة في الجمهورية العربية السورية مقرها مدينة دمشق.”

ثانياً: إنّ مَنْح رئيس السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية) سلطات مطلقة في تعيين واختيار أعضاء “المحكمة الدستورية العليا” بحسب “المادة 141″ من دستور 2012، و”الفقرة أ” في “المادة 3” من قانون “المحكمة الدستورية”، تجعل من أعضائها موظفين إداريين بحكم الواقع وليس (هيئة قضائية مستقلة)، كما تجعلهم تحت رحمة الاستبدال في أي وقت، دون وجود أي ضوابط ومعايير تضمن استقلالية قرارهم عن السلطة التي عينتهم.

ثالثاً: في حال شغور منصب أحد أعضاء “المحكمة الدستورية” بسبب الوفاة أو الإقالة أو الاستقالة، يسمي رئيس الجمهورية بديلاً عنه لمدة لا تتجاوز المدة الباقية لسلفه، بحسب “المادة 54” من القانون “رقم 7″، والتي تنص على:

“يسمي رئيس الجمهورية بمرسوم رئيساً أو عضواً بدلاً من الرئيس أو العضو المقال أو المستقيل أو المتوفي لمدة لا تتجاوز المدة الباقية لسلفه.”

وإذا كان القانون رقم 7 لعام 2014، قد حاول ذرَّ الرماد في العيون من خلال إعطاء غالبية الهيئة العامة للمحكمة سلطة إقالة أحد أعضائها (المادة 53)، فإن هذه الصلاحية ليست إلا صلاحية شكلية غير مجدية، لأنه وبكل بساطة يمكن لرئيس الجمهورية أو الأجهزة الأمنية أن توحي لباقي أعضاء المحكمة بإقالة العضو غير المرضي عنه، ولن يتردد باقي الأعضاء بإجابة الطلب كي يضمنوا تجديد الولاية القادمة. زِدْ على ذلك، أنّه من غير المتصوّر في سورية أن يقوم أحد الأعضاء بشق عصا الطاعة على رئيس الجمهورية، لأن الأخير لا يقوم أصلاً إلا بتسمية وتعيين الشخص المرضي عنه من قبل الأفرع الأَمنية الموالية للرئيس، والتي تعيش في سوريا خارج القانون بل فوقه.

لقراءة التقرير كاملاً وبصيغة ملف PDF يرجى الضغط هنا.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

1 تعليق

تقرير: المحكمة الدستورية العليا في سوريا استقلالية شكلية وأداة بيد رئيس الجمهورية | كورد أونلاين Kurd Online أغسطس 15, 2022 - 10:50 ص

[…] المنظمة في تقرير أنه بتاريخ 16 أيار/مايو 2022، أصدر الرئيس السوري بشار […]

رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد