الرئيسية اختيارات المحرر الدعاوى الجزائية المتعلقة بالعقارات في القانون السوري

الدعاوى الجزائية المتعلقة بالعقارات في القانون السوري


توضيح مبسط لدعاوى التزوير واستعمال المزور وغصب العقار واغتصاب التوقيع وخرق حرمة منزل

بواسطة z.ujayli
1555 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع

كتبت هذه المقالة، كجزء من سلسلة تهدف إلى تقديم شرح مبسّط لأبرز المصطلحات القانونية الخاصة بالملكيات العقارية في سوريا.

بعد اندلاع الاحتجاجات المناهضة للحكومة السورية ربيع عام 2011، اتسعت مساحة الحرية لدى الشعب السوري، وهذه المساحة قادته إلى البحث في كافة السياسات والقوانين والممارسات التي انتهجتها الحكومات السورية المتعاقبة بحق السوريين على مدار العقود السابقة، والتي لعبت دوراً أساسياً في تلك الاحتجاجات والتظاهرات.

مالبث أنّ تحول الأمر في سوريا إلى نزاع مسلّحة دموي، دمّر الإنسان والعمران، وارتكبت على الأرض السورية خلال السنوات العشر الأولى التي مرت من عمر النزاع، مئات آلاف الجرائم، كالقتل خارج القضاء والإعدام بإجراءات موجزة، وعمليات التعذيب الممنهجة والاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري، وغيرها الكثير من الجرائم التي لا يمكن حصرها في هذه الورقة الموجزة، وبالإضافة إلى تلك الجرائم التي ارتكبت بحق الإنسان، ثمّة جرائم إرتكبت بحق الملكية العقارية، في الكثير من المناطق التي تحكمها الأطراف المتصارعة.

وبناء على ما ذكر سينتظر القضاء الجزائي السوري[1] الكثير من الدعاوى، وستكون من بينها بالتأكيد تلك المتعلقة بانتهاك الملكية العقارية، لذلك سنخصص هذه الورقة للتعريف بهذه الدعاوى بطريقة سلسة ومبسطة، يسهل على القارئ غير المتخصص قراءتها والاستفادة منها مستقبلاً، خاصة أنّ الكثير من غير المتخصصين قد يلتبس عليهم الأمر بخصوص التوصيف القانوني الصحيح للجرم المرتكب بحق ملكياتهم العقارية، وسنتناول في هذه الورقة دعاوى التزوير واستعمال المزور الخاص بالوثائق العقارية ودعاوي غصب العقار واغتصاب التوقيع وخرق حرمة منزل، كون هذه الدعاوى هي الأكثر تداولاً أمام القضاء الجزائي، وسنعرِّف بهذه الدعاوى على ضوء القوانين السورية الحالية، بانتظار ما سينجم عنه الاتفاق السياسي المرتقب من تعديل في هذه القوانين.

  1. دعوى التزوير واستعمال المزور:

لا شكّ إن القضاء الجزائي السوري تنتظره الكثير من دعاوى التزوير واستعمال المزور، وخصوصاً ما تعلق منها بالمسائل العقارية، وذلك بعد التوصل إلى البيئة الآمنة والمحايدة، وصياغة دستور جديد يؤمن العودة الطوعية والآمنة والكريمة للاجئين والنازحين السوريين إلى أماكن سكناهم الأصلية، كون الكثير من التقارير الحقوقية والأخبار المحلية والدولية، تشير إلى وقوع الكثير من حالات نقل الملكية للعقارات، ولا سيما تلك العائدة للمهجَّرين، من أسماء مالكيها الحقيقيين إلى أسماء أشخاص آخرين لا يملكون الحق في ذلك، واستندوا في عمليات نقل الملكية تلك على تزوير الوثائق والمستندات المؤيدة لادعاءاتهم الباطلة، وسنحاول هنا التعريف بهذا الجرم وبيان أركانه وشروطه وغير ذلك من التفاصيل التي قد تساعد كل سوري، حُرِمَ من عقاره بهذه الطريقة الملتوية، في مقاضاة كل من قام أو شارك أو تدخل بإرتكاب هذا الجرم.

 لقد عرَّفَ قانون العقوبات السوري في المادة 443 التزوير بأنه:

“تحريف مفتعل للحقيقة في الوقائع والبيانات التي يراد إثباتها بصك أو مخطوط يحتج بهما يمكن أن ينجم عنه ضرر مادي أو معنوي أو اجتماعي”.

    وبالنظر إلى هذا التعريف نلاحظ بأنه يشترط لوقوع الجرم هو أن يكون ثمّة تحريف مفتعل في الوقائع والبيانات الموجودة على الصك أو المخطوط (أي وثيقة كتابية)، كأن يتم التحريف أو التغيير في سند التمليك الدائم (الطابو الأخضر) أو في إخراج القيد العقاري أو في وكالة بيع العقار المنظمة لدى الكاتب بالعدل، أو في قرار المحكمة القاضي بتثبيت عقد البيع أو في عقد البيع نفسه، أو في غيرها من الوثائق والأوراق المؤيدة للملكية، كأن يلجأ الفاعل إلى تغيير رقم العقار أو اسم المالك أو توقيعه، في أي من الوثائق المذكورة آنفاً، ويستوي أن يقع التزوير في وثيقة أو ورقة موجودة أصلاً أو أن يلجأ الفاعل إلى إختلاق أو إنشاء أي من تلك الوثائق، ويشترط أن يكون الفعل بقصد تحريف الحقيقة وتغييرها، فإن كان التغيير بهدف تصحيح معلومة وردت خطأ في الوثيقة لايمكن القول بوجود التزوير، فمن يقوم بتصحيح اسم ورد خطأ في الوثيقة، لا يمكن الادعاء عليه بالتزوير، كأن يرد الاسم خطأ “حسن” مثلاً بدلاً من “حسان” ويقوم صاحب المصلحة بتصحيح الاسم وكتابة الاسم الصحيح. هنا لا يمكن هنا الادعاء عليه بالتزوير، وإن كان من الأفضل والأسلم قانونياً أن يتم اللجوء إلى الجهة مصدرة الوثيقة لتصحيح هذا الخطأ المادي.

 ويشترط أيضاً أن ينتج عن هذا التحريف ضرر مادي أو معنوي أو اجتماعي، أو أن يكون هناك احتمال لوقوع مثل هذا الضرر، فمن يلجأ إلى التحريف دون أن يكون هناك ضرر أو احتمال وقوع الضرر لا يمكن القول بوقوع التزوير، فمن يجتهد بإنشاء وثيقة أو سند أو عقد لإختبار قدرته على التصميم مثلاً، لا يكون مرتكباً جرم التزوير مادام إنه لانية لديه في إبراز هذه الوثيقة للحصول على مكسب أو للإضرار بالغير، حتى وإن قام بنقل المعلومات من وثيقة موجودة أصلاً، ومن اشترى عقاراً ودفع كامل الثمن المتفق عليه، وقام بعدها من تلقاء نفسه بتنظيم سند إقرار باسم البائع يفيد بأن الأخير قبض كامل الثمن، لا يكون مرتكباً لجرم التزوير طالما إنه لا يترتب على تنظيم هذا السند أي ضرر للبائع، وطالما أنه لم يغير شيئاً في الحقيقة.

    وإذا كان التزوير الذي ذكرناه باقتضاب يشكل التزوير المادي، فيوجد نوع أو شكل آخر من التزوير وهو التزوير المعنوي، أي لا يتم أي شطب أو حك أو تحوير أو تغيير أو إضافة على السند، لكن يتم التحريف بالمعلومات على غير الحقيقة، كأن يكتب الموظف الرسمي أن المالك حضر أمامه وأقر بصحة البيع بينما الحقيقة غير ذلك، أو أن يكتب الموظف معلومات غير تلك التي أدلى بها المالك، كأن يقر الأخير بأنه باع جزء من العقار ويدون الموظف بأنه أقر ببيع كامل العقار.

وقد اعتبر قانون العقوبات السوري “جرم التزوير” جنائياً ويعاقب الفاعل بالعقوبة الجنائية، إذا وقع التزوير بالوثائق الرسمية، كأن يقع التحريف في وكالة بيع العقار التي ينظمها الكاتب بالعدل، أو محضر الجلسة الذي تنظمه المحكمة أو في قرار المحكمة، أو في إخراج القيد العقاري أو سند الملكية الصادر عن مديرية المصالح العقارية، وغيرها من الوثائق الرسمية، ويكون التزوير جنحوي الوصف وتكون العقوبة جنحوية،[2] إن وقع التزوير على أوراق خاصة غير رسمية، كما هو الحال في عقد البيع الموقع بين الطرفين، أو إختلاق عقد بيع لا أساس له، أو تنظيم ورقة إقرار أو مخالصة مخالفة للحقيقة.

    وبالنسبة لجرم “استعمال المزور” هو جرم مستقل وقائم بذاته وقد اعتبره المشرع من حيث العقوبة بمثابة جرم التزوير نفسه، أي أن العقوبة المقررة لفعل التزوير هي ذاتها المقررة لاستعمال الوثيقة أو الورقة المزورة (المادة 444 من قانون العقوبات)، وقد يكون المُزَوِّر ومستعمِل الورقة المزورة شخصاً واحداً، كأن يقوم الفاعل بتزوير عقد بيع ويبرزه للمحكمة بغرض الحصول على حكم قضائي بتملكه للعقار موضوع العقد المزور، وقد يكون مَن ارتكب التزوير شخصاً ومن استعمل الورقة المزورة شخصاً غيره، كأن يقوم شخص بتزوير إخراج القيد العقاري ويسلمها لشخص آخر ويقوم الأخير باستعمالها أمام المحكمة أو أية جهة رسمية أخرى، ويترتب على ذلك أو ممكن أن يترتب ضرر لشخص آخر، أو حتى للمجتمع ويتمثل الضرر الإجتماعي بزعزعة الثقة بالوثائق الرسمية.

وليس بالضرورة أن يقع التزوير على الوثيقة أو الورقة التي تكون أساساً لإثبات الملكية، وقد ذكرنا أغلبها آنفاً، لكن يمكن أن يقع التزوير في وثيقة تكون ضرورية للسير في الاجراءات اللازمة لإتمام عملية نقل الملكية بدون وجه حق، ونذكر هنا مثالاً شائعاً في أروقة المحاكم، وهي ورقة تبليغ الدعوى للخصم، وتعتبر من الوثائق الضرورية والتي بدونها، في حال عدم حضور الخصم للجلسات، لن تكتمل الخصومة ولا يمكن الشروع (السير) في الدعوى، فقد يقوم محضر المحكمة (الشخص المكلف بالتبليغ) بالاتفاق مع صاحب المصلحة المدعي، بتحريف الحقيقة في ورقة التبليغ، كأن يكتب مثلاً بأنه قد بلّغ المدعى عليه (المالك) بالذات ولكن الأخير رفض التبلغ ورفض التوقيع، بينما الحقيقة هو أن المحضر لم يجده في المنزل أو لم يذهب اليه أصلاً، وهنا يمكن لصاحب المصلحة مستقبلاً الادعاء بتزوير مذكرة الدعوة (محضر التبليغ)، وإذا أثبت صحة دعواه وأثبت التزوير، كأن يثبت بأنه كان خارج سوريا كلها خلال فترة التبليغ، فهنا تبطل كل إجراءات المحاكمة ويكون الحكم الصادر لصالح المدعي باطلاً لأنه بني على باطل (مذكرة التبليغ المزورة).

  1. دعوى اغتصاب التوقيع:

أو كما يسمّيها البعض بدعوى غصب التوقيع، والمقصود بهذه العبارة هو إكراه المجني عليه (الضحية)، وهو في حالتنا هذه يكون المالك أو وكيله القانوني، على التوقيع أو البصم على وثيقة تتضمن تنازلاً عن ملكيته في العقار لصالح مرتكب الجرم أو لصالح غيره، وقد نصت المادة 635 من قانون العقوبات السوري على إنه “1ـ كل من أقدم لاجتلاب نفع غير مشروع له أو لغيره على اغتصاب توقيع، أو أية كتابة تتضمن تعهداً أو إبراءاً، وذلك بالتهديد أو الإكراه، أو أكره شخصاً على إجراء عمل أو الامتناع عن إجرائه إضراراً بثروته أو بثروة غيره، عوقب بالحبس مع الشغل من ثلاثة أشهر إلى سنتين وبالغرامة من مئة إلى خمسمئة ليرة. 2ـ وتفرض عقوبة الأشغال الشاقة إذا كان الفاعل حاملاً سلاحا هدد به المجني عليه.”

ويستفاد من نص هذه المادة بأنه من الممكن أن يكون الإكراه مادياً، كأن يتم إعتقال الشخص وتعذيبه وإجباره على التوقيع أو الإقرار، أو أن يتم إجباره تحت تهديد السلاح على ذلك، ويمكن أن يكون التهديد معنوياً، كأن يتم تهديد الشخص بقتله أو اعتقاله أو بقتل أو اعتقال شخص عزيز عليه، أو ابتزازه وتقديم الوعد له بالتدخل في الإفراج عن شخص معتقل يهتم المجني عليه لأمره إذا قام المجني عليه بالتوقيع على وثيقة تتضمن تنازلاً عن ملكيته العقارية لصالح الجاني، أو يجبره على الذهاب إلى المحكمة أو إلى المصالح العقارية والتنازل لصالح الفاعل، وصور الإكراه كثيرة ومتعددة ولا يمكن حصرها، لذلك ترك القانون موضوع وجود الإكراه من عدمه لتقدير القاضي الناظر بموضوع الدعوى، وذلك حسب ظروف كل دعوى وملابساتها.

ويشترط أيضاً لوقوع هذا الجرم أن يترتب على توقيع الشخص تحت تأثير الإكراه وقوع ضرر على المجني عليه، وكذلك تحقيق منفعة أو مغنم غير شرعي للجاني (مرتكب الفعل)، فمن يجبر غيره على توقيع ورقة تتضمن تنازلاً عن عقار غير موجود أصلاً أو إنه موجود ولكن ليس مملوكاً من قبل المجني عليه، لا يمكن القول بوقوع جرم غصب التوقيع، وإن كان فعل الجاني يشكل جرماً يعاقب عليه القانون، كجرم التهديد بالقتل أو الإيذاء وحجز حرية بدون وجه حق، وغير ذلك من التوصيفات القانونية التي يمكن أن تنطبق على الفعل الجرمي، وإذا كان الهدف من الإكراه على التوقيع هو تحقيق منفعة مشروعة، كأن يكون الفاعل قد اشترى العقار من المجني عليه والأخير يرفض التنازل له عن الملكية بعد قبض كامل الثمن، فلا يمكن هنا أيضاً القول بوقوع جرم غصب التوقيع، لكن يبقى فعل الجاني مجرماً قانوناً، ويشكل جرم إستيفاء الحق بالذات (المادة 419 من قانون العقوبات)، بالإضافة إلى الأوصاف الأخرى التي يمكن أن تنطبق على فعله حسب كل حالة على حده.

    وجوهر هذا الجرم (غصب التوقيع) يكمن في قيام المجني عليه بالتوقيع أو الإقرار لصالح الفاعل بدون توفر الإرادة الحرة لديه (المجني عليه)، أي إنه ماكان ليقوم بالتوقيع لو لم يكن مسلوب الإرادة، وكذلك في انصراف نية الفاعل على سلب التوقيع من المالك، وهذا الأخير مكره على ذلك لتجنب الضرر الأكبر (الروح والجسد) وتحمل الضرر الأقل (المال والعقار)، ونعتقد بأن الأمثلة التي ذكرناها آنفاً بخصوص أشكال الإكراه شائعة في سوريا وخاصة في سنوات النزاع الذي قارب العقد من الزمن، والتي هيأت الأجواء لفوضى السلاح المنتشرة على كامل التراب السوري، وما رافقها من إرتكاب جرائم فظيعة قد يكون من الصعب حصرها.

وبالنظر إلى نص المادة المذكورة أعلاه نلاحظ القصور الكبير في قانون العقوبات السوري بخصوص هذا الجرم، حيث تكون العقوبة جنحوية الوصف، تبدأ من الثلاثة أشهر حبس فقط إضافة إلى تفاهة مبلغ الغرامة المفروضة، ولا يمكن لمثل هذا العقوبة أن تحقق الردع العام في المجتمع، ومن المفترض أن تكون العقوبة بخصوص جريمة اغتصاب التوقيع تختلف حسب ظروف كل قضية وملابساتها، ولا سيما قيمة محل الوثيقة التي تم بخصوصها الجرم، وكذلك الطريقة التي استخدمت لسلب إرادة المجني عليه وحمله على التوقيع، واشترطت المادة المذكورة أن يحمل الفاعل سلاحاً ويهدد به المجني عليه، حتى يتم اعتبار الجرم جنائي الوصف، وهذا يعني عدم الأخذ بالحسبان حالات الإكراه الأخرى التي ذكرناها آنفاً، فقيام مجموعة أشخاص مثلاً بخطف المجني عليه وحجز حريته لإكراهه على التوقيع، أو حجز حرية أحد أحبابه لحمله على التوقيع، لا يعتبر جرماً جنائي الوصف طالما إن الفاعل أو الفاعلين لم يهددوا المجني عليه بالسلاح!!!.

وهذا القصور يقتضي إجراء التعديلات اللازمة على نص المادة المذكورة، بحيث تصبح العقوبة متناسبة مع فداحة هذا الجرم والنتائج الوخيمة المترتبة عليه، ولا سيما إن المادة الثامنة من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 اعتبرت تدمير الممتلكات والاستيلاء عليها دون أن تكون هناك ضرورة عسكرية جريمة حرب، وكلمة الممتلكات تنصرف بالطبع إلى الأموال المنقولة وغير المنقولة، وهذه التعديلات مطلوبة من اللجان المتخصصة التي ينبغي أن تشكل من قبل الحكومة المرتقبة التي ستتمخض عن الاتفاق السياسي المنتظر، هذا الاتفاق الذي نأمل منه أن يصل بسوريا إلى دولة القانون والمؤسسات.

  1. دعوى غصب (اغتصاب) عقار:

نصت المادة 723 من قانون العقوبات السوري على أنّ “1- من لا يحمل سنداً رسميا بالملكية أو التصرف واستولى على عقار أو قسم من عقار بيد غيره عوقب بالحبس حتى ستة أشهر. 2- وتكون العقوبة من شهرين إلى ستة إذا رافق الجرم تهديد أو جبر على الأشخاص أو الأشياء ومن ستة أشهر إلى ثلاث سنوات إذا ارتكبه جماعة من شخصين على الأقل مسلحين. 3- يتناول العقاب الشروع في الجريمة المذكورة في الفقرة الثانية. 4- يسقط الادعاء بمقتضى هذه المادة في المحلات التي لم يجر فيها التحديد والتحرير بعد سنة من وضع اليد.”

 ويستفاد من نص هذه المادة أنه يشترط لتحقق جرم اغتصاب العقار أو الاستيلاء عليه، أن لا يكون الفاعل حاملاً لأي سند بالملكية أو بالتصرف يبرر استيلائه على العقار موضوع الاغتصاب، فإن كان يحمل مثل هذا السند لا يمكن الحديث عن جريمة غصب العقار ومن الممكن أن يشكل فعله جرماً آخر كاستيفاء الحق بالذات مثلاً، ولا يتغير التوصيف القانوني للجرم ولا حتى العقوبة المفروضة على الفاعل (مرتكب الجرم)، سواء كان موضوع الغصب عقاراً كاملاً أو جزء منه، ولا فرق أيضاً بين العقار الملك والعقار الأميري، ولا بين العقار المبني والعقار غير المبني أو الزراعي، كون كلمة العقار وردت مطلقة، والمطلق يؤخذ على إطلاقه.

كما واشترطت المادة المذكورة أن يكون العقار بيد الغير وقت ارتكاب الجرم، أي في حيازة الغير، وليس بالضرورة أن يكون هذا الغير مالكاً للعقار، فقد يكون مالكاً أو مستأجراً أو منتفعاً أو غير ذلك من صور وضع اليد القانونية، كما ولا يهم الطريقة التي تم الاستيلاء أو الغصب بها، فليس بالضرورة أن يتم الاستيلاء باستخدام القوة، والدليل إن الفقرة الثانية من المادة اعتبرت إن استخدام القوة والتهديد باستخدام القوة ظرفاً مشدداً للعقوبة، ويكون التشديد أكبر إذا تم ارتكاب الفعل الجرمي من قبل شخصين أو أكثر ومسلحين، ولم يشترط القانون أن يتم استخدام السلاح، بل يكفي لتحقق ظرف التشديد أن يكون الفاعلين حاملين للسلاح أثناء ارتكاب الجرم.

ويمكن أن نفهم من نص المادة إنه لا يشترط أن يكون الغير الحائز للعقار موجودأ في العقار لحظة الاستيلاء عليه، فقد يكون في إجازة في بلدة أخرى بغرض السياحة والتنزه، فالعبرة في أن لا يكون العقار متروكاً بدون حائز، كما ولا يشترط أن يكون الفاعل على معرفة شخصية بالحائز، وهذا الكلام يتوافق مع المنطق، فالحائز لعقار زراعي مثلاً أو لأرض معدة للبناء لا يمكنه أن يبقى شاغلاً لعقاره آناء الليل وأطراف النهار، وكذلك الحال بالنسبة للعقار المعد للسكن، ووضع مثل هذا الشرط -وهذا ما لايقبله العقل ولا يألفه المنطق- يعني أننا حكمنا على المالك أو الحائز للعقار بالاعتقال المؤبد في منزله، ويكفي لتحقق الجرم في حال عدم وجود الحائز في عقاره أن تكون الظروف المحيطة تدل بشكل واضح على أن العقار موضوع الاستيلاء موجود بحيازة الغير، فالمنزل الموجود بمدينة مأهولة بالسكان أو العقار الزراعي المستثمر أو المجاور لعقارات زراعية مستثمرة، والأرض المعدة للبناء الموجودة داخل المخطط التنظيمي للبلدة، فأي مما ذكر يمكن أن يكون محلاً لجرم اغتصاب العقار موضوع هذه الأسطر، ولا يمكن التذرع بأن الحائز لم يكن متواجداً لحظة الاغتصاب أو لم يكن الفاعل على معرفة به.

وبناء على ماذكر فإن إستيلاء شخص على عقار تم تهجير قاطنيه منه نتيجة النزاع الدائر في سوريا، سواء كان التهجير من قبل الحكومة السورية أو من قبل المجموعات المسلحة المنتشرة هنا وهناك على التراب السوري، يكون الفاعل مرتكبا لجرم غصب العقار لأنه من السذاجة أن نقول بأن العقار كان بلا حائز لحظة الاستيلاء، لإن الفاعل يعرف تمام المعرفة إن الحائز أو المالك قد فرَّ أو هُجِّرَ هرباً من القتل أو الاعتقال من قبل الجهة المنفذة للهجوم، وعلى العكس تماماً نرى بأن الاستيلاء على العقارات في مثل هذه الحالة يشكل ظرفاً مشدداً للعقوبة، كونه تم من قبل مجموعة مسلحة وبل استخدمت السلاح، وبالتالي يمكن لكل حائز للعقار مقاضاة من استولى على عقاره والادعاء عليه بجرم غصب العقار المنصوص عليه في المادة 723.

ويؤخذ على هذه المادة ذات المآخذ التي ذكرناها بخصوص جريمة “اغتصاب التوقيع” المنصوص عليها في المادة 635 من قانون العقوبات، من حيث عدم تناسب العقوبة مع فداحة الجريمة، ولا سيما إن ارتكبت في زمن النزاعات المسلحة، إذ أنّ المشرع السوري اعتبر هذا الجرم جنحوي الوصف وبالتالي ستكون العقوبة جنحوية، لذلك نعتقد بأنه من الأفضل تعديل هذه المادة وخاصة تلك الفقرة المتعلقة بالعقوبة.

  وتنطبق هذه الملاحظات أيضاً على العقوبة التي أفردها قانون العقوبات السوري على مرتكب جريمة هدم أو تخريب أملاك الغير، إذ نصت المادة 718 من هذا القانون على أن: “كل من أقدم قصداً على هدم أية بناية كلها أو بعضها مع علمه أنها ملك غيره يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين وبالغرامة من مائة إلى مائتي ليرة، وإذا وقع الهدم ولو جزئياً على الأكواخ والجدر غير المطينة أو الحيطان المبنية بالدبش دون طين كانت عقوبة الحبس من شهر إلى ستة أشهر والغرامة مائة ليرة”.

  1. جريمة خرق حرمة منزل:

نصت المادة 557 من قانون العقوبات السوري على أنّه “1- من دخل منزل أو مسكن آخر أو ملحقات مسكنه أو منزله خلافاً لارادته، وكذلك من مكث في الأماكن المذكورة خلافاً لارادة من له الحق في اقصائه عنها، عوقب بالحبس مدة لا تتجاوز الستة أشهر. 2- ويقضى بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنين إذا وقع الفعل ليلاً أو بواسطة الكسر أو العنف على الأشخاص أو باستعمال السلاح أو ارتكبه عدة أشخاص مجتمعين. 3- لا تجري الملاحقة في الحالة المنصوص عليها في الفقرة الأولى إلا بناء على شكوى الفريق المتضرر.”

ويستفاد من نص هذه المادة بأن المشرع اعتبر إن دخول منزل أو مسكن شخص آخر أو ملحقات مسكنه دون إرادته جرماً جزائياً يعاقب عليه الفاعل، كما ويعتبر الفاعل مرتكباً للجرم إن دخل المنزل أو المسكن بإرادة المالك أو الحائز إلا إنه بقي فيه بدون إرادة الأخير، كأن يستضيف صاحب المنزل ضيفاً ويبقى الأخير في المنزل ويبدي نيته في عدم المغادرة رغماً عن إرادة صاحب العقار، وتشدد العقوبة بحق الفاعل إن وقع الفعل ليلاً أو بواسطة الكسر أو العنف أو باستعمال السلاح أو من قبل عدة أشخاص، ويكفي لتشديد العقوبة توفر أحد الشروط المذكورة، ولا يشترط توفرها جميعا، وتعامل ملحقات المسكن كالحديقة ومرآب السيارة معاملة المسكن فيما يتعلق بهذا الجرم، وتعتبر هذه الجريمة من الجرائم التي تتوقف فيها الملاحقة القضائية على شكوى الفريق المتضرر، وبدون توفر هذه الشكوى لا يمكن للقضاء التدخل من تلقاء ذاته لمحاسبة الفاعل.

ونلاحظ هنا إن الدخول أو المكوث في منزل أو مسكن الغير أو ملحقاتهما يكون لمدة قصيرة ومؤقتة، ولا تنصرف نية الفاعل إلى الاستيلاء على محل الجرم، بل تكون الغاية غالباً إقلاق راحة صاحبه، والتعدي على خصوصياته، كما ولا يقصد الفاعل هنا طرد صاحب المنزل أو المسكن والحلول محله، بل يمكن أن يرتكب هذا الفعل بوجود المالك أو الحائز وكذلك يمكن أن يرتكب في غيابهما، ولو انصرفت النية إلى البقاء في المنزل أو المسكن بشكل دائم وطرد صاحبه منه أو منعه من الدخول إليه، نكون هنا أمام جريمة أخرى، وهي جريمة “اغتصاب العقار” التي ذكرناها في الفقرة السابقة، كما لا يمكن تصور وقوع هذا الفعل علي عقار غير مبني كالأرض الزراعية أو الأرض المعدة للبناء، لأن مثل هذه العقارات غير مهيأة للسكن أصلاً، ويستوي أن يكون المسكن معداً للسكن الدائم أو المؤقت، فمن يدخل منزلاً مجهزاً في الريف من قبل مالكه لقضاء عطلة الصيف فيه، وبدون رضا المالك يكون مرتكباً للجرم، ومستحقاً للعقوبة المقررة وفقاً للتفاصيل المذكورة في نص المادة.

وتجدر الإشارة هنا إلى إن المشرع قد أفرد نصاً خاصاً بموظف الدولة الذي يرتكب هذا الجرم، فقد نصت المادة 398 من قانون العقوبات السوري بأن: “كل موظف يدخل بصفة كونه موظفاً منزل أحد الناس أو ملحقات المنزل في غير الحالات التي ينص عليها القانون ودون مراعاة الأصول التي يفرضها يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، ولا تنقص العقوبة عن ستة أشهر إذا رافق العمل تحري المكان أو أي عمل تحكمي آخر أتاه الفاعل.”

ونلاحظ هنا بأن المشرع لم يعامل الموظف معاملة الشخص العادي، وحسناً ما فعل، لأنه يفترض به (الموظف) أن يكون حريصاً على راحة الناس وأمانهم لا أن يكون مصدر قلق وإزعاج لهم، لذلك فقد نص المشرع على ذات العقوبة المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 557، عندما يرافق الفعل أحد الظروف المشددة، كارتكاب الجرم ليلاً أو بواسطة الكسر والعنف أو باستعمال السلاح أو من قبل عدة أشخاص، فإن كان المشرع قد إشترط توفر أحد هذه الظروف لتشديد العقوبة بخصوص الشخص العادي، فإنه لم يشترط توفرها بالنسبة للفاعل الموظف، فقط يكفي أن يكون موظفاً، وأن يكون الدخول في غير الحالات المنصوص عليها قانوناً، فالشرطي الذي يحمل إذناً بالدخول من قبل القضاء أو يدخل في حالة الجرم المشهود مثلاً لا يكون مرتكباً لجرم خرق حرمة المنزل، سواء كان الدخول برضا صاحب المنزل أم بدونها.

وبناء على ما ذكرناه يكون لكل سوري تعرض لمثل هذا الجرم خلال سنوات النزاع التي مرت بها سوريا، أن يقاضي من ارتكب هذا الجرم بحقه سواء كان موظفاً أم لا، وذلك في حال تعرفه على الفاعل، مع قناعتنا بصعوبة تحقق هذه الفرضية، بسبب حالة الفوضى العارمة التي تعيشها البلاد طوال هذه السنوات الدامية.

  1. مشتركات بين الجرائم المذكورة أعلاه:

رغبة منا في عدم التكراروالإطالة ولعدم إرهاق القارئ بهذا التكرار مع الشرح لكل جريمة، ارتأينا أن نتحدث عن هذه النقاط المشتركة في آخر الورقة كون هذه المشتركات تنطبق على جميع الجرائم المذكورة، والتي تتلخص في ما يلي:

  • إذا كان الجرم “جنائي الوصف” فتكون مدة التقادم لسقوط دعوى الحق العام ودعوى الحق الشخصي بمرور عشرة أعوام ميلادية على تاريخ ارتكاب الجرم، أو على تاريخ آخر إجراء في الدعوى التي أقيمت بهذا الشأن ولم يصدر فيها الحكم، وإذا كان الجرم “جنحوي الوصف” فتكون مدة التقادم لسقوط الدعوى ثلاث سنوات، وفق التفصيل المذكور بخصوص الجرم الجنائي الوصف (المواد 437 و438 من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري)، ونرى أن حالة الحرب الدائرة في سوريا تشكل مانعاً مادياً يوقف سريان مدة التقادم،[3] وبالتالي ستبدأ مدة التقادم بالسريان اعتباراً من تاريخ توقف النزاع المسلح في سوريا، وتحقق البيئة الآمنة والمحايدة، التي ستمكن المجني عليه من مقاضاة الجاني دون خوف أو وجل.
  • نرى أن يتم تعديل المواد المتعلقة بالجرائم المذكورة في هذه الورقة، ولا سيما تلك المتعلقة بضرورة التمييز من حيث العقوبة بين حالتي السلم والحرب، واعتبار حالات القلاقل والحروب ظرفاً مشددا للعقوبة.
  • عندما يكون توصيف[4] الجرم جنائياً تكون محكمة الجنايات هي المختصة بالنظر في الدعوى، وعندما يكون الجرم جنحوياً وتتراوح مدة الحبس بين السنة والثلاث سنوات، فتكون محكمة بداية الجزاء هي صاحبة الاختصاص، وعندما لا تتجاوز مدة الحبس السنة فتكون محكمة صلح الجزاء هي المختصة.[5]
  • عندما تحكم المحكمة الجزائية في الدعوى عليها ، إن ثبتت صحة الدعوى، إضافة إلى العقوبة الجزائية المقررة بحق الفاعل أن تحكم بالرد والعطل والضرر، ويقصد بالرد إعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل الجريمة (المادة 129 قانون العقوبات).

 

______

[1] يقصد بالقضاء الجزائي: القضاء المتخصص بالنظر في الجرائم (المخالفات – الجنح – الجنايات)، والمخالفات والجنح التي لا تزيد فيها العقوبة عن السنة حبس، وتختص بها محاكم صلح الجزاء، والجنح التي تتراوح فيها العقوبة بين السنة والثلاث سنوات حبس تختص بالنظر فيها محاكم بداية الجزاء، اما الجنايات والتي تزيد فيها عقوبة الاعتقال على الثلاث سنوات فتختص بها محاكم الجنايات، أما القضاء المدني (محاكم الصلح المدني والبداية المدنية) فينظر في الدعاوي التجارية والمدنية، كتثبيت البيع والقضايا الإيجارية والديون وغيرها من الدعاوي المدنية.

[2] العقوبات الجنائية العادية المحددة للجرائم الجنائية الوصف هي، الإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة والاعتقال المؤبد والأشغال الشاقة المؤقتة والاعتقال المؤقت والغرامة، والعقوبات الجنحوية العادية المحددة للجرائم الجنحوية الوصف هي، الحبس مع التشغيل والحبس البسيط والغرامة، ويكون الحد الأدنى للإعتقال المؤقت والأشغال الشاقة المؤقتة (في الجنايات) ثلاث سنوات والحد الأعلى خمسة عشر سنة، وتتراوح مدة الحبس (في الجنح) بين عشرة أيام وثلاث سنوات إلا إذا إنطوى القانون على نص خاص. (المواد 37 و 39 و 44 و51 من قانون العقوبات).

3ـ ويؤخذ على قانون أصول المحاكمات الجزائية السورية بأنه لم يأت على ذكر وقف التقادم بالنسبة لدعوى الحق العام، وهذا الأمر بالغ الخطورة، لأنه من غير المقبول أن نعتبر إن أي من الدعاوى المذكورة في هذه الورقة ساقطة بالتقادم لمجرد مرور المدة المحددة لإقامة الدعوى، وكلنا يعلم إن السوري المجني عليه، ليس بمقدوره في الوقت الحالي إقامة الدعوى العامة بحق الجاني، سواء خوفاً على حياته أو لعدم قدرته على الوصول إلى المحاكم السورية أصلاً، كونه إما نازح أو لاجئ. لذلك من الضرورة بمكان الإنتباه لهذه الناحية من قبل الحكومة القادمة، والنص على أسباب وقف التقادم في الجرائم الجزائية، وأن تكون حالة الحرب من ضمنها طبعاً.

[4] إنظر الهامش رقم 2.

[5] مع الاخذ بعين الاعتبار إن قانون العقوبات السوري حدد إختصاص النظر في بعض الجرائم لمحاكم صلح الجزاء أو بداية الجزاء بغض النظر عن مدة الحبس، وللمزيد من التفصيل يمكن مراجعة قانون العقوبات السوري.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد