الرئيسية تقارير مواضيعية إلى أن تصدح أجراس كنائسهم.. مسيحيو إدلب محرومون من حقوقهم

إلى أن تصدح أجراس كنائسهم.. مسيحيو إدلب محرومون من حقوقهم

شهادات توثق تقييد ممارسة طقوسهم الدينية ومصادرة ممتلكاتهم العقارية والانتفاع بكنائسهم

بواسطة bassamalahmed
396 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع
قس في كنيسة الروم الأرثوكس بجسر الشغور يحمل صورة لأتباع الكنيسة الذين غادر معظمهم خلال الحرب السورية، تموز 2020، المصدر: (عنب بلدي)

نينار خليفة

عقدٌ من الزمن مضى تمنى خلاله مسيحيو إدلب الاحتفال بأعياد الميلاد ورأس السنة كما يحتفل أقرانهم على بقية الجغرافية السورية وفي مختلف بقاع الأرض، وهو حق بسيط من ضمن جملة حقوق حرموا منها عقب سيطرة الفصائل الإسلامية المتشددة على المنطقة.

عمليات التضييق على مسيحيي إدلب شملت أيضاً منعهم من إظهار رموزهم الدينية، وممارسة طقوسهم وشعائرهم بشكل علني، باستثناء السماح بالصلوات داخل بهو الكنائس من دون قرع للأجراس أو رفع للصلبان، إلى جانب مصادرة ممتلكاتهم العقارية، وحرمانهم من المساعدات الإنسانية، فضلاً عن حوادث القتل والخطف بغرض الابتزاز المالي، ولم تسلم الكنائس والأديرة من عمليات الاستيلاء والانتفاع إذ استخدم بعضها كمقرات للفصائل العسكرية.

هذه الحوادث مجتمعة أسهمت في هجرة غالبية أهالي القرى والأحياء المسيحية بإدلب إلى خارج البلاد، أو نزوحهم إلى مناطق سورية أخرى، تاركين وراءهم كل ما يملكونه.

تشير تقارير إعلامية إلى أن قرابة 10 آلاف مسيحي كانوا يقطنون محافظة إدلب قبل عام 2010، يتوزعون في قرى اليعقوبية، والقنية، والجديدة، والغسانية وحلوز، إضافة إلى تواجد عدد منهم ضمن أحياء في مدينتي جسر الشغور وإدلب.

ويوضح غسان (اسم مستعار)، وهو أحد المسيحيين الذين لم يغادروا إدلب، أن موجات النزوح من المحافظة بلغت ذروتها نهاية عام 2013، مع فرض تنظيم داعش سيطرته على المنطقة، والذي أمر بمنع القداس وضرب الأجراس ورفع الصلبان، وكان آخرها بحلول عام 2014، والذي شهد سيطرة جبهة النصرة، إذ لم يتبقَّ سوى ما يقارب 210 مسيحيين فقط غالبيتهم العظمى من كبار السن.

ويلفت غسان إلى أن مدينة اللاذقية كانت وجهة عدد كبير من هؤلاء النازحين، قبل أن يختار بعضهم الهجرة إلى أوروبا بطرق مختلفة.

وقد صادرت هيئة تحرير الشام/جبهة النصرة سابقاً جميع أملاكهم وتم توزيعها على المهاجرين الأجانب، غالبيتهم من التركستان إلى جانب وجود شيشان وجزائريين وتونسيين، وفقاً لغسان.

تُقدّر الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن غالبية ممتلكات المدنيين من الديانة المسيحية في محافظة إدلب والتي يتواجد أصحابها خارج مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام قد تم الاستيلاء عليها من قبل الهيئة، أو منع أقربائهم من الإشراف عليها.

عقود انتفاع مجحفة:

الياس (اسم مستعار)، وهو مسيحي من إدلب مقيم في لبنان، يؤكد من جانبه استيلاء الفصائل المتشددة على أملاك مسيحي المحافظة الذين اضطروا لمغادرتها. ويقول بهذا الصدد إن “الأملاك التي تمت مصادرتها من قبل جبهة النصرة كانت تحت إدارة “مكتب أملاك النصارى”، الذي قام بإحصاء جميع بيوت ومزارع المسيحيين في إدلب، ومن ثم توزيعها على المقاتلين الأجانب، ورافق ذلك مصادرة أثاث البيوت، والمحلات، والسيارات المتبقية، وكل ماهو موجود في هذه القرى ويعود للمسيحيين، أما العدد القليل ممن تبقوا في إدلب من كبار السن بقيوا في منازلهم ولم تتم مصادرتها”.

ويضيف أنّ “الوضع  بقي على هذه الحال حتى عام 2018، إذ عملت هيئة تحرير الشام على بروباغندا ردّ ممتلكات المسيحيين إلى أصحابها، لكن في الواقع لم يعد شيء، ومن كان في إدلب وطالب بمزرعته تم إجباره على توقيع عقد انتفاع ينص على حصول هيئة تحرير الشام على 60 بالمائة من إنتاج المحصول، بينما يحصل المزارع على 40 بالمائة منه فقط، رغم أن عليه أن يتكفل وحيداً بجميع النفقات التي يحتاجها المحصول والاهتمام والتعب طوال العام”، موضحا أنها “معادلة خاسرة بالنسبة لمالك الأرض، لذلك معظم من طالب بحقه تراجع عنه وهم من الموجودين في إدلب، أما من هم خارجها فلم يُسمح لهم بالأساس المطالبة بحقهم، تحت ذريعة مقيم في أوروبا أو موالي للنظام أو…الخ”.

وثقت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” مصادرة ما لا يقل عن 750 منزلاً تعود ملكيتها لمسيحيين في قرى ريف جسر الشغور على يد هيئة تحرير الشام وتنظيم حراس الدين وعناصر من الحزب الإسلامي التركستاني، منذ مطلع عام 2018 وحتى أواخره، وذلك بحجة غياب أصحابها.

كما وثقت خلال الفترة الممتدة ما بين أواخر عام 2018 ومنتصف تشرين الأول من عام 2019، مصادرة ما لا يقل عن 550 منزلاً ومحلاً تجارياً في مدينة إدلب تعود ملكيتها لمسيحيين على يد هيئة تحرير الشام.

وقد عمدت الفصائل إلى تأجير هذه الأملاك من أجل الانتفاع منها، وإسكان عوائل عناصرها في عدد من المنازل المستولى عليها، وفق ما أفاد شهود عيان للمنظمة.

واستولت هيئة تحرير الشام، على ثلاثة أسواق بالكامل في مدينة إدلب، أواخر عام 2018، وهي خان غنوم، وكباد الحبوب، وفهدي لبيع الزيوت، والتي تضم مستودعات ومحال تعود ملكيتها لعدد من التجار المسيحيين، ولها أهمية رمزية كبيرة لدى أهالي مدينة إدلب.

وفي عام 2017، استولت الهيئة على الكنيسة المسيحية الوحيدة في مدينة إدلب، وتم تحويل قسم منها إلى معهد تعليمي بعد تأجيره إلى أحد الأشخاص من أجل الانتفاع منه.

ووفقاً لمصدر محلي، فقد تجاوزت عائدات هيئة تحرير الشام من إيجارات منازل المسيحيين في مدينة إدلب وحدها ما يزيد على 70 ألف دولار سنوياً.

شروط تعجيزية لرد الحقوق:

جولييت (اسم مستعار)، وهي مسيحية من إدلب مقيمة في اللاذقية، صودر منزلها وأرضها الزراعية على يد هيئة تحرير الشام عام 2018، ولم تنجح محاولاتها باستعادتهما أو الانتفاع بهما.

تسرد جولييت محاولاتها التي باءت بالفشل، ففي “مطلع عام 2022 حاولتُ عن طريق توكيل ابن عمي استعادة منزلي وأرضي، وذلك من خلال عمل كفالة نظامية مختومة من قبل حكومة الإنقاذ [العاملة في منطقة إدلب]، وتقديم الطلب للقضاء التابع لها”، وتردف أن “الهيئة الشرعية التابعة لتحرير الشام قضت بأن أملاكي من حقهم وليست من حقي كوني أعيش بمنطقة تابعة لسيطرة السلطات السورية وأعمل معلّمة بمدرسة حكومية وأتقاضى راتبي منها، كما حاولتُ بيع أثاث منزلي لكن أيضاً تم منعي ومصادرته”، مضيفة بأسى أن “هذه هي حال جميع مسيحيي إدلب”.

وتبيّن جولييت أن العائلات النازحة من غير المقاتلين التابعين لهيئة تحرير الشام، يدفعون إيجارات المنازل المستأجرة إلى الهيئة، ولا يتمكن أصحاب البيوت الأصليون ممن تركوا المنطقة الحصول على إيجاراتها، مشيرة إلى أن كل الإجراءات السابقة تتم بشكل شفهي وليس كتابياً.

بعد عام 2018 سمحت حكومة الإنقاذ لمسيحيي إدلب باسترداد عقاراتهم شرط الإقامة الدائمة في المنطقة، بعد أن حرم مسيحيو إدلب، الغائبون منهم والمقيمون، من التصرّف بأملاكهم سواء بالبيع أو الشراء أو التوريث، ولم يُسمح للغائبين منهم بإجراء وكالات لأقربائهم الموجودين في المنطقة تُمكنهم من إدارة أملاكهم والانتفاع منها، خاصة أن هيئة تحرير الشام، ولاحقاً حكومة الإنقاذ العاملة بمناطق سيطرتها عملتا على إلغاء جميع الوكالات القديمة واعتبارها باطلة.

حق الملكية مصانٌ قانونياً:

يؤكد القاضي السوري، رياض علي، أن حق الملكية يُعتبر من حقوق الإنسان الأساسية التي نصّت عليها العهود والمواثيق الدولية، وهو يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحق الإنسان في العيش الكريم والآمن، وليس مقبولاً بأيّ حال من الأحوال سلبه ملكه دون وجه حق.

ويلفت علي إلى التأكيد على هذا الحق في المادة (17) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، وكذلك في المبادئ التوجيهية بشأن التشريد الداخلي التي تنص على وجوب توفير الحماية، في جميع الظروف، لأموال وممتلكات المشردين داخلياً، وبخاصة ضد النهب، والاستيلاء التعسفي وغير القانوني، وأيضاً من شغلها أو استخدامها، ومن الاعتداءات المباشرة والعشوائية وأعمال العنف الأخرى، ويعتبر واجب احترام ممتلكات الأشخاص النازحين إحدى قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي الملزمة لجميع الأطراف بغض النظر عن وضعهم القانوني.

ويرى علي أن ما أقدمت عليه جبهة النصرة/هيئة تحرير الشام، من سلب للممتلكات العقارية والاستيلاء عليها وطرد أصحابها منها، أو إرغامهم على الرحيل، يشكّل مخالفة صريحة للنصوص والمواد الواردة في العهود والمواثيق الدولية الخاصة بحق الملكية المذكورة أعلاه، وقد ترقى إلى جريمة حرب بالمعنى الوارد في المادة (8.2.e.xii) من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2002.

ويشكّل تدمير الممتلكات والاستيلاء عليها دون وجود ضرورات عسكرية “جريمة حرب”، كما إن إبعاد السكان أو النقل القسري لهم إذا ما ارتكب على نطاق واسع وبشكل ممنهج يشكّل “جريمة ضد الإنسانية” سنداً للمادة السابعة من نظام روما المذكور.

ويعدّ الاستيلاء على أملاك الغير، المنقولة أو غير المنقولة، من قبل أي جهة كانت، مخالفة صريحة لنص المادة (15) من الدستور السوري النافذ، إذ تنص على أنه، “لا تُنزع الملكية الفردية إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل وفقاً للقانون، ولا تُفرض المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائي”. ويُعتبر هذا التصرف اعتداءً على حق المالكين بالتصرف في أملاكهم والاستفادة منها، المقرر في المادة (768) من القانون المدني والتي تنصّ على أنه، “لمالك الشيء وحده في حدود القانون حق استعماله واستغلاله والتصرف فيه”. كما أن هذا الاستيلاء على الأملاك والانتفاع بثمار العقار ومنتوجه دون رضا المالك يخالف نص المادة (770) آنف الذكر، والتي تنصّ على أن، “لمالك الشيء الحق في كل ثماره ومنتجاته وملحقاته ما لم يوجد نص أو اتفاق يخالف ذلك”. ولا يمكن التذرع بأن الاستيلاء أو المصادرة قد تمت لأن المالك موالٍ لطرف من أطراف النزاع، لأن حق الملكية مصانٌ قانونياً بغضّ النظر عن الموقف السياسي للمالك.

أكدت لجنة التحقيق الدولية المستقلة حول سوريا في تقريرها الأخير الصادر في 14 أيلول/سبتمبر 2022، أنها واصلت تلقيها تقارير عن مصادرة أعضاء هيئة تحرير الشام للممتلكات، وذلك خلال الفترة المشمولة بالتقرير الواقعة بين 1 كانون الثاني/يناير إلى 30 حزيران/يونيو الماضيين. وأشارت التقارير إلى أن الهيئة من خلال الإدارة العامة للإسكان المعروفة سابقاً بلجنة غنائم الحرب، خصّصت ممتلكات الأفراد الغائبين لمقاتليها أو أجّرتها للأسر النازحة، وأنها عيّنت عدة وكلاء في جميع أنحاء محافظة إدلب لجمع الإيجار وإدارة عقود الممتلكات وتحديد المنازل التي أُخليت حديثًا في المنطقة.

وقد صودرت بالأساس ممتلكات الأفراد النازحين الذين يُعتقد أنهم يدعمون الحكومة أو يعارضون الهيئة بمن فيهم المسيحيون، وفقاً للجنة.

وأكدت اللجنة أن “المصادرة الموصوفة للأملاك قد ترقى إلى جريمة الحرب المتمثلة في النهب، وأن حقوق ملكية النازحين محمية أيضاً بموجب القانون الدولي الإنساني العرفي ويجب أن تحترمها جميع الأطراف دون تمييز”.

حوادث خطف وقتل:

العديد من الممارسات التضييقية الأخرى تطال أيضاً مسيحيي إدلب، يروي جورج (اسم مستعار) الذي فضّل الهجرة إلى أوروبا، ما يشهده الأهالي من انتهاكات.

ويلفت إلى أن ممارسات بعض عناصر الفصائل تخيف الأهالي، خاصة أنهم باتوا اليوم أغلبية في القرى المسيحية، بينما يشكّل المسيحيون أقل من واحد بالمائة.

ويضيف بهذا السياق، “تبقى تصرفات بعض العناصر غير منضبطة، فمثلاً بات من الطبيعي أن يهاجم عنصر تركستاني مسناً مسيحياً في الشارع ويصفه بالكافر أو بعابد الصليب مع توجيه الإهانات والتهديدات له”.

وتحدّث جورج عن حوادث خطف بغية الابتزاز المالي، ومنها حادثة في منتصف عام 2020، إذ اضطرت عائلة مسيحية إلى دفع مبلغ يصل إلى 3000 دولار أمريكي لأحد عناصر الحزب الإسلامي التركستاني حتى لا ينفذ تهديداته المستمرة لهم، وبعدها غادر أبناؤها باتجاه مناطق سيطرة النظام، وبقي الأبوان المسنان لوحدهما.

ماري، (اسم مستعار)، وهي سيدة مسيحية مقيمة في إدلب، تشير من جهتها إلى أن الانتهاكات بحق المسيحيين تضاءلت مؤخراً، لكنها تعزو ذلك إلى مغادرة الغالبية العظمى من الشبان المنطقة، إذ لا يزيد عددهم حالياً عن عشرة، وقد اختاروا البقاء مع الآباء لرعايتهم، نافية أن تكون هيئة تحرير الشام قد غيرت سلوكها.

وتستذكر ماري قصة اختطاف وقتل سوزان دير كريكور من بلدة اليعقوبية بريف إدلب الغربي عام 2019، وهي مدرّسة لغة عربية كانت تبلغ من العمر ستين عاماً، تم خطفها واغتصابها وقتلها، وسرقة مصاغها الذهبي، وقد بدا على جسدها المجرّد من الملابس علامات التعذيب والاغتصاب.

وتضيف ماري أنه ورغم إعلان حكومة الإنقاذ بعد أيام من الحادثة القبض على الفاعلين وهم ثلاثة أشخاص، واعترافهم بما فعلوه من خطف واغتصاب وسرقة وإخفاء للجثة، إلا أننا لم نتعرّف على أسمائهم ولم نعرف من هم، بحسب تعبيرها.

في أحدث إحصائية لها، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان 11 حالة اعتقال استهدفت مدنيين من الديانة المسيحية في محافظة إدلب، من قبل عناصر هيئة تحرير الشام، بهدف الاستيلاء على أملاك تعود لأقربائهم أو ذوي أسرهم الموجودين خارج مناطق سيطرة الهيئة.

كما سجلت 16 حالة اختطاف لمسيحيين في محافظة إدلب من قبل عناصر مسلحة مجهولة لم تتمكن من تحديدها، كان معظمها بهدف ابتزاز ذويهم مادياً وتمّ إطلاق سراحهم مقابل دفع مبالغ مالية.

الحرية حق مقدس:

يبين القاضي رياض علي أن عملية الخطف وحجز الحرية بشكل تعسفي بهدف طلب مبلغ من المال (فدية) تشكّل جرماً جزائياً يُعاقب عليه قانون العقوبات السوري، إذ تنص المادتان (555) و(556) منه على الحبس من ستة أشهر إلى سنتين لكل من حرم آخر حريته الشخصية بأية وسيلة كانت، ويُعاقب المجرم بالأشغال الشاقة المؤقتة إذا جاوزت مدة حرمان الحرية الشهر، أو إذا ترافق ذلك مع تعذيب معنوي أو جسدي، أو إذا وقع الجرم على موظف أثناء قيامه بوظيفته أو في معرض قيامه بها.

وتنص المادة الأولى من المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 2013 على أنه، “كل من خطف شخصاً حارماً إياه من حريته بقصد تحقيق مأرب سياسي أو مادي أو بقصد الثأر أو الانتقام أو لأسباب طائفية أو بقصد طلب الفدية يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة”.

كما يحظر القانون الدولي الإنساني أخذ الرهائن وفق ما نصّت المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف لعام 1949 باعتبارها انعكاساً للقانون الدولي الإنساني العرفي. وقد يشكل هذا الفعل جريمة أخذ الرهائن المحظورة في القانون الدولي، إذ اعتبرت المادة الثامنة من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 أخذ الرهائن “جريمة حرب”. ويرد تعريف “أخذ الرهائن” في المادة الأولى من الاتفاقية الدولية لمناهضة أخذ الرهائن لعام 1979 على أنه، “أي شخص يقبض على شخص آخر (يشار إليه فيما يلي بكلمة الرهينة) أو يحتجزه ويهدد بقتله أو إيذائه أو استمرار احتجازه من أجل إكراه طرف ثالث، سواء كان دولة أو منظمة دولية حكومية، أو شخصاً طبيعياً أو اعتبارياً، أو مجموعة من الأشخاص، على القيام أو الامتناع عن القيام بفعل معين كشرط صريح أو ضمني للإفراج عن الرهينة، يرتكب جريمة أخذ الرهائن بالمعنى الوارد في هذه الاتفاقية”.

كما يعتبر الحرمان التعسفي من الحرية وإن لم يرقَ لاعتباره أخذاً للرهائن محظوراً وفقاً للقاعدة 99 من القانون الدولي الإنساني العرفي، وهو يعكس ما نصت عليه المادة (9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 على أن، “لكل فرد حق في الحرية وفي الأمان على شخصه. ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفاً. ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبق الإجراء المقرر فيه”.

انتهاكات بحق الكنائس:

تحتوي محافظة إدلب على كنائس وأبنية تاريخية مسيحية، وقد تعرّض العديد منها للقصف والتدمير الكامل أو الجزئي خلال سنوات الحرب على يد الحكومة السورية والفصائل المسيطرة، وغالبية الكنائس المنتشرة بالمحافظة هي اليوم مغلقة، أو تمارَس فيها الشعائر الدينية على نحو محدود، فضلاً عن انتفاع الفصائل من بعضها، وفق ما تفيد مصادر محلية.

وتشير ميراي (اسم مستعار)، وهي مسيحية من إدلب مقيمة في كندا، إلى أن كنيسة الروم الأرثوذوكس في قرية الغسانية تعرضت لدمار كبير نتيجة الغارات التي طالتها على يد النظام وروسيا، بعد أن اتخذها جيش الفتح مقراً له لاعتبارها محصنة بشكل جيد، لكن وبعد تدميرها تم هجرها وتركها على حالها.

كما حوّل الحزب الإسلامي التركستاني كنيسة مار يوحنا للروم الأرثوذكس في قرية الجديدة إلى مقر للطبخ والراحة، وتضيف ميراي بهذا الصدد، “لقد صادرت الفصائل بيوتنا ومزارعنا وسياراتنا ولن يردعها شيء عن مصادرة كنائسنا ومنع أهالينا من ممارسة شعائرهم الدينية على العلن”.

براغماتية الجولاني:

في 19 تموز/يوليو الماضي، زار قائد هيئة تحرير الشام، أبو محمد الجولاني، قرى القنية واليعقوبية والجديدة بريف جسر الشغور، والتقى عدداً من الأهالي، في محاولة لطمأنتهم وإيصال رسالة مفادها أنه منفتح على جميع الطوائف.

وفي 28 آب/أغسطس الماضي، أُعيد افتتاح كنيسة “القديسة آنّا” في اليعقوبية، والتي تتمتع بشهرة وأهمية تاريخية كبيرة، بعد إغلاقها وانقطاع إقامة الاحتفالات الدينية فيها لأكثر من عشرة أعوام، وذلك في احتفال علني حضره عشرات الأهالي وسط أجواء من الأهازيج والفرح، وبحماية قوة أمنية تابعة للهيئة.

ويرى محللون أن الجولاني أدرك خطأ تهجير المسيحيين والأقليات الأخرى من مناطق سيطرته، لأن وجودهم سيدفع الولايات المتحدة ودولاً غربية أخرى إلى محاولة منع أي عملية عسكرية محتملة من قبل النظام السوري وحليفتيه روسيا وإيران للسيطرة على المنطقة، بدعوى حماية الأقليات.

وتحدثت تقارير عن تقديم مساعدي الجولاني عروضاً للعائلات المسيحية المهجّرة من إدلب بالعودة مقابل إعادة أملاكها المصادرة، وعيشها بكل حرية.

وتزامن ذلك مع تعديلات أجرتها حكومة الإنقاذ في طريقة تعاطيها مع سكان المناطق التي تسيطر عليها، ومنها تعديل اسم “لجنة الغنائم” المسؤولة عن التصرف بممتلكات المسيحيين إلى “مؤسسة الإسكان”، في محاولة لنزع صبغة “التشدد الديني” عنها.

وللوقوف على استراتيجية تعاطي حكومة الإنقاذ مع مسيحيي إدلب، وجّهنا بعض الأسئلة إلى مسؤولها الإعلامي تتعلّق بدورها حيال حقوق المسيحيين، وكيفية استعادة ملكياتهم العقارية المصادرة، إلا إننا لم نتلقَّ أي ردّ حتى لحظة إعداد التقرير.

ووفق شهادات حصلت عليها منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، فإن الأمور المتعلقة بممارسة الحريات الدينية لم تتغير بعد زيارة الجولاني إلى المنطقة ووعوده بتحسين الأوضاع، فقد بقيت الصلوات ومراسم الأعياد محصورة ضمن نطاق الكنيسة دون السماح بقرع الأجراس أو رفع الصلبان، إلى جانب الزيارات العائلية داخل البيوت دون أي مظاهر للاحتفال في الشوارع.

القوانين تكفل الحريات الدينية:

لا يجوز قانوناً منع أي شخص من ممارسة الشعائر الدينية التي يؤمن بها، إذ تنص المادة (18) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه،”لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين. ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد و إقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة”، كما تم التأكيد على وجوب حماية الأقليات وهويتها الدينية، وحقهم بالمجاهرة بدينهم وممارسة شعائرهم في إعلان الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو عرقية أو دينية أو لغوية لعام 1992.

وتؤكد المادة (52) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1949، بأن الأعيان المدنية المشمولة بالحماية هي جميع الأعيان التي ليست أهدافاً عسكرية، وبالتالي لا يجوز تدمير دور العبادة أو اتخاذها مقاراً عسكرية، كي لا يُمنح الطرف المقابل أي حجة لقصفها وتدميرها.

وقد أصبح من الثابت في القانون الدولي بالنظرية والممارسة خضوع المجموعات المسلحة غير الحكومية لموجبات القانون الدولي لحقوق الإنسان وفقاً لطاقاتها.

ولأن هيئة تحرير الشام التي تم تناولها التقرير تمارس سلطة فعلية على الأرض والسكان في المناطق التي تسيطر عليها، لم يعد من المقبول تذرعها بصفتها القانونية – غير الحكومية – لتبرير عدم انطباق أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان عليها، وبالتالي ممارستها لأفعال وممارسات تنتهك هذه الأحكام، وفق ما يؤكد القاضي رياض علي.

كيف نحمي حقوق المسيحيين؟

ويتحدث الأكاديمي والباحث في مجال حقوق الإنسان نائل جرجس عن تاريخ وجود المسيحيين في إدلب وأبرز أسباب هجرتهم بعد عام 2011.

ويشير جرجس إلى أن الحقبة الزمنية لتواجد المسيحيين في إدلب قديمة جداً وقد ترجع للقرنين 12 أو 13 الميلاديين، ويدل عليها تواجد العديد من الآثار التي تعود إلى العهد البيزنطي في المنطقة.

ويرى جرجس أن أسباب هجرة المسيحيين من إدلب بعد عام 2011، هي نفسها التي دفعت بقية المواطنين الموجودين في المنطقة إلى مغادرتها بشكل عام وتتمثل بظروف أمنية واقتصادية واجتماعية، لكن يزيد عليها بالنسبة للمسيحيين موضوع التطرف الديني الذي ذهب ضحيته مسلمين ومسيحيين، لكن المسيحيين تأثروا بصورة أكبر باعتبار أنه فُرض عليهم لباس معين، كما ألزمتهم بعض الفصائل المتطرفة بدفع الجزية، والتي كانت تطبّق بعهد ذمي بعد الفتوحات الإسلامية على اليهود والمسيحيين، إذ كان يُفرض عليهم دفع الجزية مقابل الحصول على الحماية.

ويبيّن الأكاديمي والحقوقي السوري أن هجرة المسيحيين لم تبتدئ مع ظهور التطرف في سوريا بعد عام 2011، بل هي هجرة قديمة تعود إلى فترة حقبة الستينات عندما ساد نظام عسكري ديكتاتوري مارس التمييز وقمع المواطنين.

وقد تعرّض المسيحيون لأنواع كثيرة من التمييز، فعلى سبيل المثال حتى يومنا هذا ينص الدستور السوري في المادة الثالثة منه على أن “رئيس الدولة يجب أن يكون مسلماً”، وهو ما يولّد شعوراً لدى المسيحيين بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وينطبق ذلك أيضاً على قوانين الأحوال الشخصية، عندما تصدر قرارات محاكم تقول إن حضانة الطفل تذهب إلى أشرف الوالدين ديناً وهو الإسلام.

ويعتبر جرجس أن الإجراءات الواجب مراعاتها لضمان حقوق جميع السوريين دون استثناء تتمثل بتطبيق العدالة الانتقالية، والانتقال السياسي الذي يحقق دولة القانون والمواطنة التي تعامل جميع المواطنين على قدم المساواة بغض النظر عن انتماءاتهم.

ويجب أن يحصل المسيحيون بشكل خاص على الحق في الحرية الدينية، واحترام خصوصيتهم الثقافية، وألا يُفرض عليهم تربية دينية تعليمية معينة، أو قوانين أحوال شخصية لا يريدونها، وأن يحصلوا على نوع من المساواة أمام القانون والمحاكم وفي إطار الدستور، إلى جانب مراعاة أمور أخرى على الصعيد الاجتماعي كانوا يتعرضون من خلالها للتمييز مثل أيام العطل وغيرها.

وفيما يتعلّق بمسيحيي إدلب، يعرب جرجس عن اعتقاده أنه طالما بقي الوضع على ما هو عليه سيبقى وضعهم متأزماً، وستسمر هجرتهم رغم تقلّص أعدادهم إلى حد كبير.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد