الرئيسية صحافة حقوق الإنسان سوريا: اللجان البديلة لفضّ النزاعات العقارية والأحوال الشخصية: استجابة لفراغ السلطة أم تهميش للقضاء؟

سوريا: اللجان البديلة لفضّ النزاعات العقارية والأحوال الشخصية: استجابة لفراغ السلطة أم تهميش للقضاء؟

توصي "سوريون" بضرورة الإسراع في تفعيل مؤسسة القضاء في سوريا مع ضمان استقلاليته وحياده حتى يتمكن من النظر في النزاعات التي قد تنشب مستقبلًا بين أطراف النزاع في حال عدم التقيّد بالاتفاقيات التي تتم بمساعدة اللجان

بواسطة s.hasan
41 مشاهدة تحميل كملف PDF هذا المنشور متوفر أيضاً باللغة: الإنجليزية حجم الخط ع ع ع
1.    ملّخص:

عقب أسابيع من سقوط نظام الأسد في 8 من كانون الأول/ ديسمبر 2024، رصدت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، انتهاكات جديدة لحقّ الملكية العقارية، وقد أدت بعض هذه الخروقات إلى إحياء نزاعات قديمة بين مواطنين سوريين، ما نتج عن إطلاق بعض وجهاء المناطق، عدّة مبادرات مجتمعية محلّية لتشكيل “لجان فض النزاعات العقارية” في العديد من المدن السورية، ويُشرف على هذه اللجان رجال دين ومحامين ووجهاء محليين، يتولون دراسة النزاعات العقارية القائمة بين الأطراف وتقديم حلول تسوية سريعة لها.

تأتي هذه المبادرات في تشكيل لجان لفضّ النزاعات العقارية، في فترة تواجه فيها سوريا، تحديات كبرى من أهمها: صعوبة إعادة الحقوق العقارية لأصحابها بشكل فوري، واستحالة تسوية النزاعات المتعلقة بالممتلكات بشكل مباشر، مثل عمليات البيع القسري، وتأجير العقارات تحت الإكراه. هذا عدا عن تأثيرات فقدان سجلات الملكية الرسمية وتدمير الممتلكات بعد تعرضها لأضرار جسيمة بسبب القصف على أحياء ومنشآت مدنية خلال النزاع المسلح. كما ترك بعض أصحاب المنازل ممتلكاتهم في سوريا بحوزة أشخاص لا يعرفونهم معرفة شخصية، وبعضهم سمحوا لأشخاص تربطهم بهم صلة قرابة بالإقامة، تعرض العديد منهم لمشكلات منها السطو على هذه الأملاك وغصب العقار من أصحابه، دون القدرة على إخراجهم.

لغرض هذا التقرير الموجز، تناولت “سوريون” خلال تواصلها مع مجموعة من الأفراد الذين ارتبطوا بتلك اللجان في قضايا نزاع عقارية، تجربة هؤلاء في السعي لحل خلافاتهم بهدف استقصاء السبل والآليات التي تتيح تسوية هذه النزاعات دون الحاجة إلى اللجوء للإجراءات القضائية أو التحكيم.

2.    خلفية:

بعد انطلاق الاحتجاجات في مئات المناطق السوريّة عام 2011، وتحولها من الطور السلمي إلى طور النزاع المسلح لاحقاً، فرض التهجير القسري واقعه على ملايين السوريين من مناطقهم الأصلية إلى مناطق أخرى داخل وخارج سوريا، وأفسدت 14 عامًا من النزاع المسلح في البلاد ما يقارب أربعة عقود من التقدم الاقتصادي والاجتماعي،[1] ما يؤكد أن الدمار شمل جزءًا كبيرًا من الممتلكات الحيوية في البلاد.

خلال هذه الفترة، جعلت الحكومة السورية السابقة، ملكية الأفراد لعقاراتهم رهن مصالحه، بالتزامن مع تغيير البنية القانونية التي سرعان ما تحوّلت إلى أداة لممارسة السلطة والسيطرة على الشعب لتقييد حرية التعبير، مثل القانون رقم 10 لعام 2018، في سبيل السعي لتعزيز مصالح نظام الأسد السابق، سواء كانت مصالح أمنية أم سياسية أم اقتصادية، مع عدم إمكانية اللجوء إلى حلول منصفة.

وخلال عهد الحكومة السابقة في سوريا، تآكلت ثقة المجتمع بالسلطة القضائية، التي هيمنت عليها السلطة التنفيذية، ذلك بنصّ الدستور السوري لعام 2012، بترأس مجلس القضاء الأعلى رئيس الجمهورية، وفي نفس الوقت، يكفل هذا المجلس توفير الضمانات اللازمة لحماية استقلال القضاء،[2] حيث لا معنى لكلمة استقلالية القضاء طالما أن رئيس السلطة التنفيذي هو المتحكم فيه.

يقدم هذا التقرير الموجز، الذي أعدته منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، رؤية تحليلية حول انتشار اللجان المحلية ودورها في تسوية النزاعات، يحلل التقرير آليات عمل هذه اللجان وتقييمها من الناحية القانونية، بهدف استقصاء مدى توافق ممارساتها مع المعايير القانونية السورية ومدى مشروعيتها في معالجة الخلافات العقارية. اعتمد الباحثون، معدو هذا التقرير، على قنوات المراسلات الإلكترونية الآمنة للتواصل مع أشخاص، حيث تم توثيق تجاربهم الشخصية، وجمع إفادات مفصلة تهدف إلى تسليط الضوء على الظروف والدوافع، التي دفعتهم إلى اللجوء إلى آليات تسوية النزاعات العقارية التي تُشرف عليها تلك اللجان.

3.    لجان غير قضائية لفض النزاع العقاري:

انتشرت في العاصمة دمشق وغيرها، خلال فترة ما بعد سقوط النظام، “لجان فضّ النزاعات المادية والعقارية”، بالإضافة إلى بعض القضايا الأخرى ضمن علاقات الناس داخل المجتمع السوري، مثل الزواج والطلاق، وتتخذ هذه اللجان الجوامع مقرًا لعملها، لمساعدة الناس في حل خلافاتها المتراكمة منذ زمن، من دون اللجوء إلى رفع الدعاوى أمام القضاء المختص.[3]

انتشرت هذه اللجان، في أحياء دمشق مثل، حي ركن الدين، وعرطوز، وكفر سوسة، كما أنشئت مدن وقرى في محافظات سورية أخرى مثل هذه اللجان للأسباب نفسها.[4]

بحسب مواقع إعلامية سوريّة، غالبًا ما تهدف تلك اللجان إلى توفير حل “سريع وودّي” للنزاعات التي يصعب اللجوء فيها إلى القضاء، بسبب عدم استقرار مؤسسات الدولة وعدم فاعليتها الحالية، ولا تفرض رسومًا تهدف إلى الربح، وإنما الهدف الأساسي منها هو خدمة المجتمع وإعادة الثقة بين الناس وحل النزاعات بطريقة تعزز السلم الأهلي، وليس تحقيق مكاسب مالية.[5]

تُعد هذه اللجان، بحسب إفادة أحد العاملين فيها، “آلية بديلة غير قضائية” لحل الخلافات المتعلقة بملكية واستخدام الأراضي والمباني، خاصة في المناطق التي تأثرت بالنزاع المسلح، حيث يواجه النظام القضائي تحديات كبيرة من حيث الوصول إليها، وسرعة الفصل في القضايا، إذ من أبرز مزايا لجوء الأهالي لتلك اللجان هي، توفير تكلفة توكيل المحامي ورفع الدعوى، والمواءمة مع العادات والتقاليد المحلية، ما يسهم في بعض الأحيان بقبولها وتأييدها من قبل أهالي الحي، ويُعزز الثقة بين الأطراف.

بحسب رصد الباحثين لدى “سوريون”، فإن آلية تشكيل هذه اللجان وعملها، لا يستند إلى أي قرار إداري رسمي أو نص قانوني، فهي تنشأ من قبل المجتمع المحلي، ولا تكون قرارات اللجان ملزمة قانونيًا، ضمن انعدام الصلاحيات التنفيذية، ما لم يتم اعتماد اتفاق الأطراف المتنازعة على أحكامها رسميًا ضمن إجراءات النظام القضائي المعتمدة أصولًا، وهو ما قد يؤدي إلى نزاعات لاحقة إذا لم يلتزم الطرفان بالقرار.

وفي بعض الحالات، قد تتعرض هذه اللجان لضغوط من قبل جهات محلية أو سياسية، ما قد يؤثر على حياديتها واستقلاليتها وجودة قراراتها، بالإضافة إلى الصعوبات التي تواجه تلك اللجان في الحصول على الخبرات المتخصصة أو الموارد اللازمة لإجراء تحقيقات دقيقة في القضايا العقارية، خصوصًا في ظل الظروف الأمنية والاقتصادية المتردية.

4.    نزاعات عقارية تطفو على السطح بعد انهيار النظام السابق:

في عام 2018، استهدف الجيش السوري/قوات الأسد السابق بالقصف المكثف مدن غوطة دمشق الشرقية، تسبب ذلك بمقتل أكثر من 200 قتيلًا من المدنيين،[6] في ذلك الحين، نزح أمجد[7] (اسم مستعار) وعائلته من مدينة عربين إلى الشمال السوري، واستقر في مدينة إدلب شمال غربي سوريا، تاركًا وراءه منزلًا ومعملًا لإنتاج المربى، بانتظار تحسن الظروف التي تتيح له العودة الآمنة والكريمة إلى مدينته الأصلية.

وفي عام 2019، صادرت الحكومة السورية السابقة أملاك أمجد ضمن حملة استهدفت أملاك المهجرين قسرًا، متهمة إياهم بـ”الإرهاب”، وبسبب اعتقال أمجد سابقًا عام 2012، من قبل فرع إدارة المخابرات الجوية في حرستا في ريف دمشق الشرقي، لمدة أربعة أشهر، لم يستطع أمجد العودة إلى مدينته عربين لحماية أملاكه العقارية، خوفًا من اعتقاله للمرة الثانية.

ولحماية ممتلكاته، استخرج أمجد وكالة عامة بتاريخ قديم عبر أحد السماسرة في دمشق، ونقل ملكيتها إلى اسم أخيه يوسف (اسم مستعار) لضمان عدم مصادرتها. إلا أن يوسف استغل هذه الوكالة وباع المنزل والمعمل دون علم أو موافقة أمجد. قال أمجد في هذا الصدد ما يلي:

“بعد مصادرة النظام لأملاك المهجرين واتهامهم بأنهم إرهابيين، ما كان منيّ إلا العمل على استخراج وكالة عامة، بتاريخ قديم عن طريق أحد السماسرة في دمشق، قام بتأمينه أخي، ونقلت جميع أملاكي إلى أخي، عن طريق السماسرة ودفع الرشاوي للموظفين الحكوميين آنذاك، وأصبحت جميع أملاكي العقارية باسم أخي، وكانت هذه الخطوات بوجود شهود من أبناء عمومتي في دمشق، وكان الاتفاق هو: في حال توفيت أو عدت إلى دمشق أو اضطررت لبيع شيء ما من أملاكي، فمن حقي التصرف الكامل بهذه الأملاك، ولا يحق لأخي التصرف بأي شيء، وتقتصر مهمته فقط لتيسير أمور معاملات البيع أو الشراء أو التأجير، ولحماية عقاراتي من المصادرة م قبل النظام”. 

أكمل أمجد حديثه لــ”سوريون” بالقول:

“طيلة هذه السنوات لم أحتاج لبيع أي شيء من العقارات الخاصة بي المسجلة باسم أخي، لأنه ولله الحمد، أكرمني الله بفتح معمل صغير، وبدأت بإنتاج المربيات وتصديرها داخليًا لعدة مناطق في سوريا، وكنت اسأل أخي كل فترة زمنية عن وضع العقارات والأراضي الخاصة بي، وكان يجيبني بأن الأمور بخير، ولا يوجد شيء يدعي للقلق، وبعد سنوات ظنّ أخي بأننا لن نعود إلى مدينة عربين، كون النظام قد سيطر بالكامل على مناطق ريف دمشق، والدول العربية بدأت تطبع مع النظام لإعادته من جديد”.

عند عودته إلى عربين مطلع عام 2025، تفاجأ أمجد بما فعله أخاه، ما أدى إلى مواجهة عنيفة بينه وبين أخيه انتهت باعتقالهما من قبل مفرزة أمنية في المنطقة. قال المصدر في هذا الصدد:

“بعد زيارة عدة أقارب، قررت الذهاب إلى منزلي لأتفقده، تفاجأت حين وصولت إلى المنزل بوجود أشخاص داخله لا أعرفهم أبدًا، يسكنون فيه منذ ثلاث سنوات، وعند التقائي بالرجل المسؤول عن العائلة التي تسكن المنزل، قال لي إنه اشترى المنزل من شقيق أمجد، وبمبلغ قدره 12 ألف دولار (أمريكي)، وقبض كامل ثمنه، بعد أن أفرغ (الشقيق)، أثاث ومحتويات المنزل بالكامل، وبيعهم في السوق المستعمل”. 

باع يوسف منزل أخيه وأثاثه ومعمل المربى، بما فيها من، خطوط الإنتاج والمعدات والمواد الأولية التي كانت موجودة داخل ورشة الإنتاج، استكمل المصدر كلامه بالقول:

“تدخّل عدة أعيان ووجهاء من الغوطة الشرقية لحل الأمر، وأخرجونا من المفرزة الأمنية في عربين، بتعهد خطي وكفالة من الوجهاء، بعدم التعرض لبعضنا بعد الآن”. 

تلا ذلك تدخل آخر لوجهاء محليين لحل النزاع، وشُكلت لجنة غير رسمية للاستماع إلى الطرفين، تشكلت اللجنة من ثلاثة شيوخ ومختارين من المنطقة، وشخص آخر يعمل مهندسًا. وفي أول جلسة التي عقدتها اللجنة، ادّعى يوسف أن نقل الملكية كان تعويضًا عن دين قدره 60 ألف دولار، وهو ما نفاه أمجد، مؤكدًا أن العملية تمت وفق وكالة قانونية وبحضور شهود من العائلة. قررت اللجنة عقد جلسة أخرى بحضور الشهود لمطابقة الأدلة والبحث عن حل تعويضي للنزاع. وفي هذا السياق، قال أمجد:

“ستبت اللجنة بالأمر بشكل تسامحي وتعويضي، في حال ثبت لهم كذب أخي، كونهم لجنة غير حكومية وصلاحياتها محدودة نوعًا ما، وحتى إذا لم تحل القضية بشكل كامل، ستحل بشكل جزئي نوعًا ما، إلى حين عودة عمل المؤسسات الحكومية الرسمية، وأنا الآن أنتظر جلسة أخرى لتقديم الشهود وإثبات حقي”. 

وكانت المديرية العامة للمصالح العقارية في سوريا قد أعلنت في 21 من كانون الثاني/يناير 2025، عن استئناف تقديم كافة الخدمات المتعلقة ببيانات القيود العقارية والمساحية، بالإضافة إلى توثيق العقود العقارية المتعلقة بتصحيح الأوصاف والإفراز، وفي 18 من شباط/فبراير 2025، أعلنت المديرية استئناف توثيق العقود العقارية، بعد ربط كافة الوثائق المؤيدة للتسجيل وفق قانون السجل العقاري، وتعليماته التنفيذية والأنظمة النافذة.

5.    بين 2014 و 2025.. استجابة لفراغ السلطة:

بين عامي 2014 و2018، شهدت الغوطة الشرقية بريف دمشق تطورات ملحوظة في دور وتأثير اللجان والهيئات الشرعية، في عام 2014، تأسست “الهيئة الشرعية” في الغوطة الشرقية بهدف مكافحة السرقات وفرض الأمن في المنطقة.[8]

تمكنت هذه الهيئة من بسط نفوذها على المدنيين ومقاتلي المعارضة، وطبقت عقوبات صارمة، ومع ذلك، لم يكن للهيئة مقر ثابت بسبب استهداف قوات النظام السابق لمقراتها بالقصف الجوي والمدفعي.

مع مرور الوقت، بدأت اللجان والمجالس المحلية تتشكل في المدن والقرى، متولية تقديم الخدمات للسكان والتمثيل السياسي، تألفت هذه المجالس من مكاتب إغاثية، طبية، خدمية، وشرعية، وتم تشكيلها إما عبر التعيين من قبل الوجهاء والقادة العسكريين المنشقين عن قوات النظام السابق، أو عبر الانتخاب، رغم هيكليتها البدائية وقلة خبرة كوادرها، سعت هذه المجالس إلى تأسيس عمل مدني إداري مستقل يمثل نواة لعمل سياسي أوسع.[9]

شارك قاسم[10] (اسم مستعار) في إحدى اللجان الشرعية في الغوطة الشرقية، وبعد سقوط النظام، واجهت المنطقة خلافات كبيرة على الملكية العقارية نتيجة التهجير القسري، أدى بعضها إلى إطلاق رصاص واشتباكات بين الأهالي، وبسبب غياب المؤسسات القضائية الرسمية، شكّل قاسم لجنة “إصلاح ذات البين”، وأربعة أشخاص آخرين من وجهاء المنطقة لحل القضايا العاجلة، ومنذ بداية عمل اللجنة في مطلع كانون الأول/يناير 2025، حتى تاريخ الحصول على هذه الإفادة في شباط/فبراير 2025، تعاملت اللجنة مع 56 قضية عقارية و7 قضايا زواج.

قال قاسم في شهادته حول الموضوع ما يلي:

“صادفنا بعد العودة لمدننا بعد سقوط النظام بأيام عدة، مشاكل، وخلافات عائلية، وخلافات على مستوى المدن والبلدات بين الأشخاص، كان منها مواضيع البيع والشراء، والإرث للعقارات والأراضي المتواجدة في الغوطة الشرقية، فأصبحنا نرى خلافات وصل الحال منها لإطلاق الرصاص، من أجل عقار أو شقة أو حتى أمتار من بعض الأراضي، بين العوائل والأشخاص”.

وأضاف:

“شكلنا لجنة تحت مسمى (لجنة إصلاح ذات البين)، هدفها حل المشاكل المتنازع عليها من إرث وعقارات وأراضي زراعية وغيرها، لكثرة المشاكل والخلافات التي حدثت بعد عودة المهجرين لمدنهم بهذا الشأن، طبعًا كنا قبل تشكيل اللجنة، قد اجتمعنا بمدير المنطقة المسؤول عن كتلة الغوطة الشرقية التابع للحكومة الجديدة، واسمه الشيخ (أبو أحمد حلاوة)، وهو قيادي سابق في (هيئة تحرير الشام)، وأخبرناه عن أهمية وضرورة تشكيل هذه اللجان، واقتصار دورها على الحل المبدئي للقضايا، إلى حين تفعيل دور المؤسسات الحكومية”.

بحسب قاسم، وافق “أبو أحمد حلاوة” على عمل اللجنة، وأعطى المشرفين عليها “التفويض الشفهي” باستمرار عملها حتى بدء المؤسسات الحكومية بالعمل بشكل منظم ورسمي:

“بدأنا بعمل اللجنة على مستوى بعض مناطق من الغوطة الشرقية منذ تاريخ 2 من كانون الثاني/يناير 2025، حيث بلغ عدد القضايا التي نعمل بها الآن حوالي 56 قضية عقارية و7 قضايا زواج لزوجات معتقلين قد خرجوا من السجون وقت التحرير، وهن متزوجين من رجال آخرين، المعوقات كبيرة جدًا، في ظل عدم وجود مؤسسات حكومية رسمية وقضاة مختصون، ولكن نعمل الآن ضمن هذه اللجنة بعد عدة مطالبات شعبية لتشكيل مثل هذه اللجان في المنطقة، لكي تكون نواة لحل الخلافات الحاصلة، وللحد من انتشار الفوضى بين العوائل، وكي نكون رديفًا للحكومة ومؤسساتها ولتخفيف الأعباء عنها مع الأيام القادمة”. 

6.    آراء قانونية سورية:

رغم الإسهامات المهمة التي تقدمها “لجان فض النزاعات العقارية” في توفير حلول سريعة ومرنة في بيئات ما بعد النزاع المسلح، إلا أنها تثير تساؤلات قانونية جوهرية. فتلك اللجان تعمل خارج إطار النظام القضائي الرسمي، ما يثير شكوكًا حول قانونيتها ومشروعيتها نظرًا لعدم وجود أسس قانونية محددة تنظم عملها وفعاليتها.

تعاني الجهات الإدارية والقضائية السورية حاليًا من عجز هيكلي وقانوني، يفقدها ثقة المجتمع بها نتيجة لتجارب سابقة من الفساد أو التحيز في القضاء، وعلى الرغم من ذلك، فإن أبرز الإشكاليات القانونية المتعلقة بمبادرات لجان فض النزاع العقاري، أنها تعمل خارج الإطار القانوني، لعدم وجود أسس واضحة تنظم عملها وتحدد مدى إلزامية قراراتها، وبالتالي، لا يمكن اعتبار هذه اللجان ضمن دائرة التحكيم، لأن التحكيم يخضع لنظام قانوني وإجراءات معينة.[11] وينظم القانون رقم (4) لعام 2008، إجراءات التحكيم في المنازعات المدنية والاقتصادية والتجارية في سوريا، ضمن هذا المرجع القانوني، لا يستند تشكيل لجان فض النزاعات العقارية إلى أحكام هذا القانون، كما أن القرارات الصادرة عن هذه اللجان لا يمكن تنفيذها من خلال السلطة التنفيذية أو دوائر التنفيذ التابعة لوزارة العدل، ما يجعل الالتزام بها من قبل الأفراد التزامًا أدبيًا فقط، والذي يمكن أن يتنصل منه أي طرف.[12]

ووفق قانون التحكيم السوري، ينعقد اختصاص النظر في مسائل التحكيم إلى محكمة الاستئناف المعنية، التي تجري ضمن دائرتها جميع إجراءات التحكيم، حيث تظل هذه المحكمة مختصة حصريًا حتى نهاية جميع إجراءات التحكيم،[13] وفي حالة تعلق النزاع بحق عيني على عقار، يُفرض قرار المحكمة بوضع إشارة الدعوى على صحيفة العقار، مما يضمن حماية حقوق الأطراف المعنية طوال فترة النظر بالدعوى.[14]

لذلك، على الرغم من أن هذه اللجان تحاول تقديم حلول سريعة لتخفيف العبء عن المحاكم، إلا أنها لا تتفق مع أحكام القانون السوري، حيث تعمل خارج الإطار القانوني الرسمي، وهو ما قد يؤدي إلى ظهور نزاعات لاحقة في حال عدم التزام الأطراف بالقرارات المتخذة، ويفتح الطريق أمام التهرب من الإجراءات القضائية المعتمدة.[15] وبالتالي، فإن هذه اللجان لا تحل محل القضاء، ولا يمكن الوصول لحل قضائي عن طريقها، فالقرار الذي يصدر عن هيئة قضائية ممثلة تمثيلًا صحيحًا، هو الذي ينفذ جبرًا عن طريق دائرة التنفيذ.[16]

لكن، لا بأس من أن تنطلق مثل هذه المبادرات واللجان متمثلة بشخصيات قانونية، اجتماعية ودينية، تمتلك الأدوات المناسبة من لغة الخطاب مع جميع فئات المجتمع، وتكون أساسًا لوعي الناس بالإجراءات القانونية الواجب اتخاذها لحل الخلافات بالتراضي، والتي قد تخفف من الضغط على النظام القضائي للوصول إلى اتفاق بين الأطراف، يتم توثيق هذا الاتفاق ضمن الإجراءات القانونية المتبعة أصولًا في الجهات الإدارية والقضائية الرسمية[17][18]، وفي حال لم يتفق الأطراف على قرار معين، فمن حقهم اللجوء إلى القضاء.

7.    تعليق قانوني من قبل “سوريون”:

تعتقد سوريون بأنّه لا يوجد في القانون السوري ما يمنع اللجوء إلى هذه اللجان في المسائل المالية، مثل الخلافات المتعلقة بالملكيات العقارية الخاصة، طالما أن اللجوء إليها اختياري، وبرضا أطراف العلاقة، وطالما لم يتم فرضها من قبل السلطة الحاكمة، ولم يتم العثور على أي قرار أو تعميم رسمي يلزم الأطراف بسلوك هذا الطريق، بل هي مجرد مبادرات أهلية تهدف إلى رأب الصدع بين المتخاصمين وحل الخلافات بطريقة ودية، بعيدًا عن الإجراءات المتبعة عادة أمام المحاكم، وتعقيداتها وتكاليفها التي قد تكون مرهقة للبعض، وهي بكل الأحوال ليست بديلة عن القضاء، الذي يمكن اللجوء إليه في أي مرحلة من مراحل النزاع.

وفي حال أدى هذا الإجراء إلى التوصل لاتفاق بين الطرفين المتخاصمين، يمكن توثيق هذا الاتفاق على شكل عقد مكتوب وبحضور الشهود، وفي حال تنفيذ مضمون هذا العقد رضائيًا لدى مؤسسات الدولة المختصة يكون النزاع قد حُسِمْ، أما في حال تهرب أحد الطرفين من التنفيذ الرضائي فيمكن لصاحب المصلحة اللجوء، إلى القضاء المختص بمجرد تفعيل مؤسسة القضاء، وبعد الحصول على القرار القضائي المبرم بتثبيت مضمون الاتفاق (العقد)، يمكن تنفيذه جبرًا عن طريق دائرة التنفيذ المختصة، وهذا الأمر يستند إلى، نص المادة رقم 92 من القانون المدني السوري رقم 84 لعام 1949، التي أكدت على أنه، يتم العقد بمجرد أن يتبادل الطرفان التعبير عن إرادتين متطابقتين، كما نصت المادة 148 من ذات القانون على أن، “العقد شريعة المتعاقدين، ولا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون“.

وهذا يعني أن أطراف العقد ملزمون بتنفيذ مضمونه، ولا يجوز لأي منهم نقض هذا الاتفاق بإرادة منفردة أو تعديله، إلا إذا اتفقوا رضائيًا على هذا التعديل، أو كان هناك سبب قانوني للمطالبة بإبطال هذا العقد/ الاتفاق، كأن يكون توقيع العقد قد تم تحت الإكراه، أو غير ذلك من الأسباب التي نص عليها القانون وهذا ما سيبت فيه القضاء المختص.

وبهذا الخصوص، توصي “سوريون” بضرورة الإسراع في تفعيل مؤسسة القضاء في سوريا بالشكل الأمثل، مع ضمان استقلالية القضاء وحياده، حتى يتمكن من النظر في النزاعات التي قد تنشب مستقبلًا بين أطراف النزاع في حال عدم التقيد بالاتفاقيات التي تتم بمساعدة اللجان المذكورة، أو في حال الرغبة في وضعها موضع التنفيذ وفق الإجراءات القانونية المنصوص عليها في القوانين السورية.

ويمكن للطرفين اللجوء إلى التحكيم أيضًا وفق ما تم النص عليه في قانون التحكيم رقم 4 لعام 2008، ويجب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبًا، وإلا كان باطلاً، ويكون الاتفاق مكتوبًا إذا ورد في عقد أو وثيقة رسمية أو عادية أو في محضر محرر لدى هيئة التحكيم التي تم اختيارها أو في أي رسائل، متبادلة عادية كانت أو مرسلة بوسائل الاتصال المكتوب، البريد الالكتروني، الفاكس، التلكس، إذا كانت تثبت تلاقي إرادة مرسليها على اختيار التحكيم وسيلة لفض النزاع (المادة 8).

ومسألة اختيار المحكم أو المحكمين تعود لأطراف النزاع، أما إذا لم يتفق الأطراف على ذلك، هنا تتولى محكمة الاستئناف التي يجري التحكيم ضمن دائرتها هذه المهمة، ما لم يتفق الأطراف على اختصاص محكمة استئناف أخرى في سوريا، وتصدر المحكمة قرارها على وجه السرعة في غرفة المذاكرة بعد دعوة الطرفين (المادة 14).

لكن، لا يجوز الاتفاق على التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح[19]، أو المخالفة للنظام العام[20] أو المتعلقة بالجنسية أو بالأحوال الشخصية[21]، باستثناء الآثار المالية المترتبة عليها (المادة 9)، وهذا يعني أن نظر اللجان المذكورة في قضايا زوجات المعتقلين الذين تم الإفراج عنهم، واللاتي تزوجن من أشخاص آخرين هو إجراء غير قانوني، ويعود أمر النظر في هذه المسائل، إلى المحاكم الشرعية المختصة سندًا للمواد 40 وما بعدها، و85 وما بعدها من قانون الأحوال الشخصية السوري رقم 59 لعام 1953 وتعديلاته، وبالتالي توصي “سوريون” اللجان المذكورة بوجوب رفع يدها عن تلك المسائل المتعلقة بالزواج والطلاق، وتوجيه أصحاب العلاقة بالتوجه إلى المحاكم الشرعية ذات الصلاحية بهذا الخصوص.


 

[1] تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تاريخ النشر 20 من شباط/ فبراير 2025، https://n9.cl/3fla9.

[2] الدستور السوري لعام 2012، المادة رقم 133، https://2u.pw/gnN24iY.

[3] تقرير لموقع “إرم”، بعنوان “في ظل غياب القضاء.. المساجد بديل لحل نزاعات السوريين”، تاريخ النشر 30 من كانون الثاني/ يناير 2025  https://n9.cl/ieiqu1.

[4] تقرير لموقع “العربي الجديد”، بعنوان “لجان غير متخصصة لفض النزاعات في سورية”، تاريخ النشر 1 من شباط/ فبراير https://n9.cl/5sfmhy.

[5] المرجع نفسه.

[6] تقرير إخباري لموقع “فرانس 24″، تاريخ النشر 21 من شباط/ فبراير 2018، https://n9.cl/f69yb.

[7] تم استخدام اسم مستعار بناء على طلب المصدر خلال مقابلة عبر الإنترنت أجراها الباحث في “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” بتاريخ 3 شباط/ فبراير 2025.

[8] تقرير لموقع “الحل نت”، بعنوان “الهيئات الشرعية في مناطق المعارضة.. البقاء للأقوى”، تاريخ النشر 1 من شباط/ فبراير 2014، https://n9.cl/j4fy4.

[9] تقرير لموقع “الجمهورية نت”، بعنوان “ما الذي حصل في الغوطة الشرقية”، تاريخ النشر 24 من حزيران/ يونيو 2018، https://n9.cl/r4ruy.

[10] تم استخدام اسم مستعار بناء على طلب المصدر خلال مقابلة عبر الإنترنت أجراها الباحث في “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” بتاريخ 2 من شباط/ فبراير 2025.

[11] حوار المحامي السوري أحمد صوان مع فريق العمل عبر مراسلة إلكترونية.

[12] المرجع نفسه.

[13] الفقرة الأولى من المادة 3 من القانون رقم (4) لعام 2008، قانون التحكيم السوري، https://n9.cl/k4ajlp.

[14] المرجع نفسه.

[15] المحامي أحمد صوان.

[16] حوار المحامية حلا المجذوب مع فريق العمل عبر مراسلة إلكترونية.

[17] المحامية حلا المجذوب.

[18] حوار المحامي غزوان قرنفل مع فريق العمل عبر مراسلة إلكترونية.

[19] من المسائل التي لا يجوز فيها الحقوق الشخصية كحقوق الانسان الأساسية، وكذلك الدعاوى الجزائية لأنها تتعلق بالحق العام، وكذلك قضايا الأملاك العامة للدولة.

[20] كالقمار والدعارة مثلًا.

[21] كالزواج والطلاق مثلًا.

منشورات ذات صلة

اترك تعليقاً

* By using this form you agree with the storage and handling of your data by this website.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك عدم المشاركة إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد